(١٩٧٠ - ٤٣٠) وروى الدارقطني، من طريق إبراهيم بن مهدي المصيصي، عن حسان ابن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء، عن مكحول،
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: أقل ما يكون المحيض عن الجارية البكر
стр. 4484
ثلاث، وأكثر ما يكون من المحيض عشرة أيام، فإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة، تقضي ما زاد على أيام أقرائها، ودم الحيض لا يكون إلا دمًا أسود عبيطًا تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة رقيق تعلوه صفرة، فإن أكثر عليها في الصلاة فلتحتشي كرسفًا ... الحديث (١).
[وفيه العلاء بن كثير وهو متروك] (٢).
وقال أبو داود: وقال مكحول: «إن النساء لايخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك، وصارت صفرة رقيقة، فإنها استحاضة، فلتغتسل ولتصل» (٣).
وساقه البيهقي مسندًا إلى أبي داود، ولم أقف على سنده إلى مكحول (٤).
(١٩٧١ - ٤٣١) وأخرج الدارمي، قال: حدثنا حجاج بن نصير، ثنا قرة، عن الضحاك أن امرأة سألته فقالت:
إني امرأة أستحاض؟ فقال: إذا رأيت دمًا عبيطًا فأمسكي أيام أقرائك (٥).
[ضعيف من أجل حجاج].
الفارق الثاني: أن دم الحيض ثخين، ودم الاستحاضة رقيق.
قال الشافعي في الأم: «إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام أحمر قانئًا ثخينًا محتدمًا، وأيامٍ رقيقًا إلى الصفرة، أو رقيقًا إلى القلة، فأيام الدم الأحمر القاني المحتدم الثخين أيام الحيض، وأيام الدم الرقيق أيام استحاضة (٦).
стр. 4485
قال الماوردي في الحاوي: «المحتدم هو الحار المحترق، مأخوذ من قولهم: يوم محتدم، إذا كان شديد الحر، ساكن الريح» (١).
قلت: جاء في تاج العروس: «احتدم فلان عليه غيظًا إذا تحرق، وكذا احتدم صدره: أي تغيظ وتحرق. وفي التهذيب: كل شيء التهب فقد احتدم. واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود» (٢). وهذا موضع الشاهد.
فإذًا المقصود بالدم المحتدم إذا كان حارًا، وقد اشتدت حمرته حتى مال إلى السواد.
وقال الخرقي في مختصره كما في المغني: «فمن طبق بها الدم، فكانت ممن تميز، فتعلم إقباله، بأنه أسود ثخين منتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكل صلاة وصلت» (٣).
ولا أعلم دليلًا على اعتبار كونه ثخينًا إلا أن يكون الاستدلال من حيث الواقع، أما شيء مرفوع فلا أعلم.
نعم جاء في كتب الأطباء ما يبين سبب ثخونة دم الحيض، وذلك أن دم الحيض ليس مجرد دم فقط، بل إن الدم ينزل ومعه قطع من الغشاء المبطن للرحم مفتتة (٤).
الفارق الثالث: الرائحة.
فدم الحيض منتن، كريه الرائحة، ودم الاستحاضة لا رائحة له.
وممن ذكر الرائحة فرقًا الشافعي كما في مختصر المزني (٥)، والخرقي كما سقنا كلامه
стр. 4486
قبل قليل، وذكره ابن قدامة في المقنع (١).
الفرق الرابع: التجمد.
فدم الحيض لايتجمد إذا ظهر، لأنه تجمد في الرحم ثم انفجر وسال فلا يعود ثانية للتجمد، وأما دم الاستحاضة فإنه دم عرق إذا ظهر تجمد (٢).
فهذه أربعة فروق ...
اللون، الرقة، الرائحة، التجمد ... ولم يأت مرفوعًا إلا التفريق باللون، ولم أقف على حديث مرفوع أو أثر موقوف على اعتبار ما عداه.
وحتى اللون لايعتبر التمييز فيه فقط بالدم الأسود، بل ذكر صاحب مغني المحتاج: أن التمييز هو بين الدم القوي والضعيف، فقال: «إن الأحمر ضعيف بالنسبة للأسود، وقوي بالنسبة للأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر، وما له رائحة كريهة أقوى مما لا رائحة له، والثخين أقوى من الرقيق، فالقوي هو الحيض وما عداه استحاضة» (٣).
وهذا الكلام جيد؛ لأن دم الحيض ليس مقصورًا على الأسود فقط.
стр. 4487
(١٩٧٢ - ٤٣٢) فقد روى مالك في الموطأ، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين، بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
[وإسناده حسن] (١).
فإن كان هناك دليل على اعتبار التمييز في غير اللون، سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا قبلته وإلا فيقتصر على التمييز باللون فقط، وهو رأي أبي المعالي، ذكره ابن مفلح في الفروع (٢)، وابن مفلح الصغير في المبدع (٣).
قال النووي: والوجه الثاني: أن المعتبر في القوة اللون وحده، وادعى إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على هذا الوجه. واقتصر عليه الغزالي. والصحيح عند الأصحاب الوجه الأول (٤).
* * *
стр. 4488
الفصل الأول في المستحاضة المبتدأة
المبحث الأول في تعريف المبتدأة ومتى تكون مستحاضة ؟
المبتدأة: المرأة التي جاءها الحيض، ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك (١).
قال البهوتي من الحنابلة في كشاف القناع: «المبتدأة، التي رأت دمًا، ولم تكن حاضت في سن تحيض لمثله كبنت تسع سنين فأكثر ... » (٢).
وهي في مقابلة المعتادة ...
[م-٧٨٠] وقد اختلف الفقهاء في المبتدأة إذا استمر بها الدم متى نحكم بأنها مستحاضة؟ وذلك لاختلافهم في أكثر الحيض.
فقيل: إذا استمر مع المرأة الدم إلى أن جاوز عشرة أيام فهي مستحاضة وكذا إن نقص عن ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية (٣).
стр. 4489
لأن أكثر الحيض عندهم عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام، وسبق مناقشة هذا القول.
وقيل: إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا فهي مستحاضة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهذا مبني أيضًا على أن أكثر الحيض عندهم خمسة عشر يومًا.
وقيل: المبتدأة تجلس ما تراه من الدم حتى يطبق عليها الدم، فإذا استمر معها الدم شهرًا كاملًا صارت مستحاضة، وهو اختيار ابن تيمية.
قال في الاختيارات: «المستحاضة تجلس ما تراه من الدم ما لم تصر مستحاضة» (٤). وهذا مبني على أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره ..
والأصل أن الحيضة تكون في الشهر لا تكون شهرًا ولذا جعل الله عدة الحائض ثلاث حيض، وعدة المرأة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فكان في مقابل كل حيضة وطهر شهرًا، فثلاث حيض بثلاثة أشهر، فلا يصح أن يكون الحيض مستغرقًا للشهر كاملًا، فإذا استمر معها الدم شهرًا كاملًا علمنا أنها مستحاضة.
وقد استعرضت في مسائل متقدمة حجة من حدد أقل الحيض، وبينت أنه لا حد لأقله قياسًا على النفاس.
واستعرضت كلام أهل العلم في أكثر الحيض، ولا بد من القول بأن الحيض لأكثره حد ينتهي إليه يكون حدًا بين الحيض والاستحاضة حتى عند الذين يختارون بأن الحيض لا حد لأكثره، فإذا سألتهم: هل يكون الحيض شهرًا كاملًا؟ أجاب: بـ لا. فإذا أعدت السؤال: هل يكون الحيض شهرًا إلا يومين أو ثلاثة، أجاب بـ لا؛
стр. 4490
لأن للأكثر حكم الكل، وهذا مصير منهم ولابد لأن يكون لأكثر الحيض حد ينتهى إليه، فإذا قلنا: أقل الطهر خمسة عشر يومًا كما قرر ذلك الأطباء، والمرأة تحيض وتطهر بالشهر مرة، صار أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وهو قول الجمهور، فإذا قالوا لنا: وجدنا امرأة تحيض سبعة عشر يومًا، وهي أكثر امرأة وجدت حسب أقوال الفقهاء، ولم توجد امرأة تجاوز حيضها هذا العدد، فالجواب: أن هذا ليس بحيض، كما قالوا: وجدنا امرأة حامل تحيض، وليس هذا بالحيض، وإنما هو دم استحاضة، وتكراره لا يعني أنه حيض، فكذلك هنا، وعلى التنزل فهذه المرأة نادرة، والنادر لا يؤخذ قاعدة، والله أعلم.
* * *
стр. 4491
المبحث الثاني في حكم المستحاضة المبتدأة
عرفنا فيما سبق متى تكون المبتدأة مستحاضة؟ فإذا حكمنا عليها بأنها مستحاضة فما الحكم؟
والجواب أن نقول: المستحاضة المبتدأة قسمان:
الأولى: مبتدأة مميزة: ويقصد بها أن لون دمها يتميز بعضه من بعض، فبعضه يكون أسود، وبعضه أحمر، أو بعضه يكون أحمر، وبعضه أصفر، أو بعضه يكون له رائحة كريهة وبعضه لا رائحة له على القول بالتمييز بالرائحة، فهذه تسمى مستحاضة مميزة.
الثانية: مبتدأة غير مميزة: وهي التي يكون دمها على صفة واحدة لا تتغير.
* * *
стр. 4492
الفرع الأول في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ما جاوز أكثر الحيض فهو استحاضة؛ لأن للأكثر حكم الكل.
• كل دم أطبق على المرأة شهرًا كاملًا فهو استحاضة.
• المستحاضة المبتدأة إذا أمكنها التمييز عملت به؛ لأن العمل بالتمييز اجتهاد، واعتماد عادة أقاربها أو لداتها تقليد، والاجتهاد خير من التقليد.
• كل ما خرج من مخرج واحد إذا التبس، فالسبيل في التفريق هو التمييز أصله التفريق بين المني والمذي.
• الدلالة على الشيء بصفاته أولى من الدلالة على الشيء بأمر خارج عنه.
[م-٧٨١] اختلف العلماء في المستحاضة المبتدأة إذا كانت مميزة:
فقيل: حيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم، وطهرها عشرون يومًا، ولا عبرة بالتمييز وهو مذهب الحنفية (١).
стр. 4493
وقيل: تعمل بالتمييز بشرط أن يكون التمييز صالحًا لأن يكون حيضًا.
وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختاره ابن القاسم (٣)، وابن العربي من المالكية (٤).
وكيف يكون التميز صالحًا لأن يكون حيضًا؟
يكون التمييز صالحًا بأن يكون حيضًا بأن يكون الدم الأسود لايتجاوز أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، عند المالكية والشافعية والحنابلة.
ولا ينقص الأسود عند الشافعية والحنابلة عن أقل الحيض فإن نقص الأسود عن يوم وليلة فليس بحيض.
واختار أبو يوسف: أنها تأخذ بالاحتياط.
فتغتسل بعد ثلاثة أيام ـ أقل الحيض عنده ـ ثم تصوم، وتصلي بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة (٥).
• دليل الحنفية: بأنها تجلس عشرة أيام فقط:
قالوا: عشرة الأيام حيض، بدليل لو أن الدم انقطع لعشرة أيام فأقل كان حيضًا،
стр. 4494
فحين زاد الدم على عشرة أيام وقع الشك في كون الدم الزائد على أقل الحيض (١) هل يكون حيضًا أم لا، ومجرد الشك لايخرجه عن كونه حيضا (٢).
قال السرخسي في المبسوط: «فإن جاوز - يعني الدم - العشرة، واستمر بها الدم، فحيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم، وطهرها عشرون يومًا؛ لأن أمر الحيض مبني على الإمكان، لتأييده بسبب ظاهر، وهو رؤية الدم، وإلى العشرة الإمكان موجود، فجعلناها حيضًا، وإذا انقطع بتمام العشرة كان الكل حيضًا، فزيادة السيلان لا ينتقص الحيض، وإذا كانت العشرة حيضًا فبقية الشهر وذلك عشرون يومًا طهرها؛ لأن الشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة» (٣).
فالأحناف لايرون العمل بالتمييز مطلقًا، لا في المرأة المبتدأة ولا في غيرها.
• دليل الجمهور على العمل بالتمييز:
الدليل الأول:
(١٩٧٣ - ٤٣٣) ما رواه أبو داود من طريق ابن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو بن علقمة - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير،
عن فاطمة بن أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (٤).
стр. 4495
[الحديث ضعيف، إسناده منقطع، ومتنه منكر] (١).
والمعروف من قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أنه ردها إلى العادة.
الدليل الثاني:
(١٩٧٤ - ٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء.
عن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس فأمروني، فسألت
ابن عباس فقال: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهارفلتغتسل وتصل (٢).
[صحيح] (٣).
وفي اللسان (٤)، وتاج العروس (٥): دم بحراني: شديد الحمرة. اهـ والنسبة هنا ليست إلى البحر المعروف، ولكن إلى الرحم، فإنه يطلق البحر على قعر الرحم، ومنه قيل للدم الخالص الحمرة بحراني.
وفي تاج العروس: ومن المجاز: دم بحراني: أي أسود، نسب إلى بحر الرحم وهو عمقه (٦).
وقال ابن رجب في شرح البخاري: البحراني، هو الأسود الذي يضرب إلى سواد (٧).
стр. 4496
وهذا الأثر عندي هو الحجة بالعمل بالتمييز، لا حديث محمد بن عمرو، وقول الصحابي حجة على الصحيح بشرطين:
الشرط الأول ألا يخالف نصًا. الثاني: ألا يعارضه قول صحابي مثله.
الدليل الثالث:
من النظر، أن التمييز علامة قوية على التفريق بين دم العرق، وبين دم الجبلة والطبيعة، ولأن أحكام الحيض معقولة المعنى،
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) فإذا ميزت المرأة بين الأذى، وبين دم العرق عملت به.
الدليل الرابع:
لما فرق الشارع بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة في الأحكام، فالأول مانع من الصلاة ومن الصيام ومن الوطء بخلاف الثاني، كان لابد أن الدم هذا لايشبه هذا، ولو كانا متماثلين ما فرق بينهما الشارع؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين متماثلين ولا يجمع بين متفرقين ... وافتراقهما في الأحكام راجع إلى اختلافهما في الصفة، فهذا له صفة من لون ورقة ورائحة تختلف عن هذا فوجب العمل بالتمييز بينهما بالرجوع إلى صفتهما.
• دليل أبي يوسف على وجوب الاغتسال بعد ثلاثة أيام والصيام والقضاء:
أوجب أبو يوسف الاغتسال بعد ثلاثة أيام، لأنه يرى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وهذه المبتدأة من الجائز أن حيضها أقل الحيض، لأنها ليست لها عادة ممكن أن تعمل بها، فنأخذ بالاحتياط، فتغتسل بعد ثلاثة أيام -أقل الحيض عنده- ثم تصوم، وتصلي بالشك، ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة، وتقضي صيام الأيام السبعة احتياطًا.
وهذا القول ضعيف جدًّا؛ لأنه مبني على أن الحيض لأقله حد، وقد بينت في
стр. 4497
فصل مستقل ضعف هذا القول، ثم هو ضعيف من وجه آخر، إذ كيف تكلف المرأة بصيام يوم واحد مرتين من غير تفريط منها، فالله لم يوجب على العباد صيام يوم واحد مرتين، ولا صيام شهر رمضان مرتين في العام.
• الراجح:
أن المستحاضة المبتدأة إذا أمكن أن تميز بين دم الحيض والاستحاضة عملت بالتمييز بشرط ألا يزيد عن أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يومًا، فإن زاد كانت بحكم من لا تمييز لها، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.
* * *
стр. 4498
الفرع الثاني في المستحاضة المبتدأة إذا كانت غير مميزة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• المستحاضة المبتدأة إذا لم يكن لها تمييز ردت إلى عادة أختها وأمها؛ لأن شبه المرأة بأخواتها أقرب من شبه المرأة بأترابها من غير أقاربها.
وقيل:
• المستحاضة المبتدأة ترد إلى عادة غالب النساء؛ لأن الأقل يتبع الأكثر، ولأن الحكم للأغلب. ولأن الأحكام لا تبنى على القليل والنادر.
[م-٧٨٢] إذا كان دم المبتدأ المستحاضة على صفة واحدة، فقد اختلف العلماء:
فقيل: تجلس عشرة أيام -أكثر الحيض عندهم- وطهرها عشرون يومًا. وهو مذهب الحنفية، ولا فرق بين كونها مميزة أو غير مميزة (١).
وقيل: تقعد خمسة عشر يومًا ثم تكون مستحاضة (٢). وهي رواية ابن القاسم
стр. 4499
وأكثر المدنيين عن مالك (١).
وقيل: تقعد ما تقعد النساء من أسنانها وأترابها ولداتها (٢)، ثم هي مستحاضة بعد ذلك، تصلي وتصوم ويأتيها زوجها إلا أن ترى دمًا لا تشك فيه أنه دم حيضة. وهو رواية علي بن زياد عن مالك (٣).
وقيل: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام. وهي رواية ابن وهب عن مالك (٤).
وقيل: تجلس يومًا وليلة. وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (٥).
стр. 4500
وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع بالتحري. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
• دليل من قال تجلس عشرة أيام:
ذكرنا دليلهم في المبتدأة المميزة، لأنه لافرق عندهم بين المبتدأة المميزة وغير المميزة لأنهم لايقولون بالعمل بالتمييز مطلقًا. وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام وهو قول ضعيف.
• دليل من قال: تجلس خمسة عشر يومًا:
وهذا القول مبني على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا،. فإذا كانت مدة الحيض خمسة عشر يومًا، ورأت الدم فيه وجب أن يكون حيضًا؛ لأنه في زمن الإمكان، فتجلس المستحاضة أقصى مدة يمكن أن تحيض فيها (٣).
• دليل من قال: تقعد أيام لداتها:
قال الباجي في المنتقى: وجهه: أنها لما لم تكن لها عادة ترجع إليها، وجهل أمرها، وجب اعتبارها بأحوال لداتها؛ إذ لا طريق لها إلى معرفة حالها بأكثر من ذلك، ولو
стр. 4501
كانت لها عادة لردت إليها، فإذا لم يكن لها عادة ولا تمييز فالظاهر أن حيضها كحيض لداتها (١).
• دليل من قال: تقعد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة أيام:
قال الباجي في المنتقى: «وجه رواية الاستظهار، أن هذا خارج من الجسد، أريد التمييز بينه وبين غيره فجاز أن يعتبر فيه بثلاثة أيام، أصل ذلك لبن المصراة» (٢).
وقال ابن عبد البر: «احتجوا فيه من جهة النظر بالقياس على المصراة في اختلاط اللبنين، فجعلوا كذلك اختلاط الدمين، دم الاستحاضة ودم الحيض. وفي السنة من حديث ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة أن المصراة تستبرأ ثلاثة أيام ليعلم بذلك مقدار لبن التصرية من لبن العادة، فجعلوا كذلك الذي يزيد دمها على عادتها ليعلم بذلك أحيض هو أم استحاضة؟ استبراء واستظهارًا» (٣).
(١٩٧٥ - ٤٣٥) ويقصدون بلبن المصراة ما رواه مسلم من طريق يعقوب -يعني:
ابن عبد الرحمن القاري- عن سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع شاة مصراة، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر (٤).
وهذا من عجيب القول، وغريب القياس، فالخيار في المصراة جعل له ثلاثة أيام؛ لأنه زمن يظهر فيه أثر التصرية غالبًا، ويتأكد المشتري من عيب التدليس، فأين هذا مما نحن فيه، وهل كان دم المرض كبلبن احتبس فلم يحلب؟
• دليل من قال: تجلس يومًا وليلة:
قالوا: لأنه أقل الحيض، فهو المتيقن، وما زاد فمشكوك فيه، ومن الجائز أن
стр. 4502
يكون حيضها أقل الحيض، فنكون قد احتطنا للعبادات الواجبة، ووجوب العبادات متيقن، وكونه حيضًا مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين.
• دليل من قال تجلس ستة أيام أو سبعة أيام غالب عادة النساء:
(١٩٧٦ - ٤٣٦) ما رواه أحمد من طريق عبدالله بن محمد (يعني ابن عقيل) ابن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة،
عن أمه حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت يا رسول الله: إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: إنما أثج ثجًا، قال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما، فأنت أعلم. فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت، واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي، وصلي وصومي، إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلي (١).
[ضعيف] (٢).
• القول الراجح:
هذه المرأة المستحاضة المبتداة لا يمكن ردها إلى العادة كما هي أحاديث الصحيحين في المستحاضة المعتادة؛ لأنه لا عادة لها، ولا يمكن ردها إلى التمييز استدلالًا بقول
стр. 4507
ابن عباس المتقدم؛ لأنه لا تمييز لها، لكن إذا كان لايمكن ردها إلى عادتها أمكن ردها إلى عادة أختها، وأمها، وخالتها، وعمتها ... فإن شبه المرأة بأمها وأخواتها أقرب من شبه المرأة بالنساء الأجنبيات، وهذا معلوم لمن التمسه، حتى إن المرأة إذا كانت تعاني من عادتها أوجاعًا شديدة رأيت ذلك عند كثير من بناتها، والله أعلم.
* * *
стр. 4508
الفصل الثاني
في تقدير طهر المستحاضة المبتدأة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إذا كانت المستحاضة المبتدأة غير المميزة ترد في تقدير الحيض إلى عادة أهل بيتها من أم، أو أخت، أو عمة على الصحيح، فكذلك ترد في تقدير الطهر إلى مقدار طهرهن.
[م-٧٨٣] علمنا في المسألة الماضية خلاف العلماء في تقدير مدة الحيض للمستحاضة المبتدأة، وفي هذا الفصل سوف نناقش كيف نقدر طهر المستحاضة.
أما إذا كانت مميزة، فقد سبق البحث فيها، ومتى يعتبر الدم الأحمر طهرًا.
وأما إذا كانت غير مميزة، بحيث يكون الدم صفته واحدة، فهذه تحتاج إلى أن نقدر طهرها كما قدرنا حيضها.
فقيل: يقدر حيضها وطهرها في كل شهر .. على ما تقدم.
فالحنفية عشرة أيام حيض، وعشرون يومًا طهرًا (١).
стр. 4509
وقيل: يقدر حيضها بست أو سبع، والباقي من الشهر طهر. ويكون دورها أبدًا ثلاثين يومًا، وهو قول في مذهب الشافعية (١) والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يقدر حيضها يومًا وليلةً ففي طهرها ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه تسعة وعشرون يومًا.
والثاني: يقدر بأقل الطهر، فعلى هذا دورها ستة عشر يومًا (٣).
والثالث: ترد إلى غالب الطهر، ثلاثة وعشرون يومًا أو أربعة وعشرون يومًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
أما المالكية: فلم يقدروا الطهر بالشهر، بل اعتبروا أن ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها، فإذا لم يأتها دم غير الدم الذي كان بها فإنها تعتبر مستحاضة أبدًا: أي في حكم الطاهرة يطؤها زوجها وتصوم وتصلي ولو مكثت طول عمرها (٥).
فصارت الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:
стр. 4510
الأول: في كل شهر مرة، سواء اعتبرنا أكثر الحيض كما عند الحنفية أو أقله، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، أو أغلبه كما عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية.
وقيل: دورتها ستة عشر يومًا. يوم وليلة حيض، وخمسة عشر يومًا استحاضة. وهو رواية عند الشافعية.
وقيل: الأمر يقدر بأن يقبل دم جديد غير الدم الذي كان عليها، ولا يقدرون بالشهر. وهو مذهب المالكية.
• دليل من قدر الحيض والطهر في الشهر مرة واحدة:
قالوا: الغالب أن المرأة تحيض في الشهر مرة واحدة، ولذلك جعلت عدة المطلقة ثلاث حيض، وللمرأة التي لا تحيض لكبر أو صغر أو غيرهما ثلاثة أشهر، فجعل في مقابل كل حيضة وطهر شهر واحد.
وقد سبق أن نقلت كلام الأطباء في الموضوع نفسه في موضع سابق.
• دليل من قدر طهر المستحاضة بستة عشر يومًا:
قال: إذا رددنا المرأة إلى أقل الحيض، وهو يوم وليلة، رددناها إلى أقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا، فيكون دورها ستة عشر يومًا.
• ورده هذا:
قال النووي: «هذا في غاية الضعف، قال إمام الحرمين: هذا الوجه اتباع لفظ، وإعراض عن المعنى، لأن الرد إلى أقل الحيض إنما كان لتكثر صلاتها، فإذا ردت إلى أقل الطهر عاجلها الحيض فقلت صلاتها» (١).
وقال أيضًا في الروضة: «وهو نص غريب للشافعي ﵀، ثم قال: وهو شاذ ضعيف» (٢).
стр. 4511
• دليل من قدر طهر المستحاضة بثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين يومًا:
(١٩٧٧ - ٤٣٧) مارواه أحمد، عن حمنة بنت جحش ﵂ مرفوعًا، وفيه:
«إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت، واستيقنت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة، وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك .... » الحديث (١).
[ضعيف] (٢).
• دليل المالكية على أن الطهر يستمر إلى إقبال دم جديد:
(١٩٧٨ - ٤٣٨) ما رواه البخاري من طريق زهير، قال: حدثنا هشام، عن عروة،
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٣).
ويفسرون الإقبال والإدبار بأن ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان عليها، فإذا أقبل بعد طهر تام فهو حيض، وكذا الإدبار.
جاء في التمهيد لابن عبدالبر: «أما قول مالك في المرأة التي لم تحض قط، ثم حاضت فاستمر بها الدم، فإنها تترك الصلاة إلى أن تتم خمسة عشر يومًا، فإن انقطع عنها قبل ذلك علمنا أنه حيض واغتسلت، وإن انقطع عنها لخمس عشرة فكذلك أيضًا، وهي حيضة قائمة تصير قرءًا لها.
وإن زاد الدم على خمسة عشر، اغتسلت عند انقضاء الخمس عشرة، وتوضأت لكل صلاة وصلت، وكان ما بعد خمسة عشر من دمها استحاضة، يغشاها فيه زوجها وتصلي
стр. 4512
فيه وتصوم، ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها» (١).
قوله: «ولا تزال بمنزلة الطاهر حتى ترى دمًا قد أقبل غير الدم الذي كان بها دليل على أنهم لايحدون طهر المستحاضة وحيضتها في كل شهر مرة».
وقال أيضًا: «قال محمد بن مسلمة: أقصى ما تحيض النساء عند علماء أهل المدينة مالك وغيره خمسة عشر يومًا، فإذا رأت المرأة الدم أمسكت خمسة عشر يومًا ... ثم قال: فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يومًا، اغتسلت عند انقضاء الخمسة عشر، وعلمنا أنها مستحاضة، فأمرناها بالغسل لأنها طاهر، وتصلي من يومها ذلك، ولا تصلي ما كان قبل ذلك، لأنها تركت الصلاة باجتهاد في أمر يختلف فيه، وقد ذهب وقت تلك الصلاة، وقلنا: أقيمي طاهرة حتى تقبل الحيضة، كما قال رسول الله ﷺ وذلك أن تأتيها دفعة من دم تنكره بعد خمسة عشر يومًا من يوم غسلها، لأنه أقل الطهر عندنا، فإذا رأت الدفعة بعد خمسة عشر يومًا من الطهر كفت عن الصلاة ما دامت ترى الدم إلى خمسة عشر ثم اغتسلت وصلت فيما تستقبل كما ذكرنا» (٢).
• الراجح من هذه الأقوال:
إذا كنا قد رجحنا في المستحاضة المبتدأة غير المميزة أن تجلس قدر عادة أهل بيتها من أم أو أخت أو عمة وخالة، فإنها تجلس في الطهر كذلك مقدار طهرهن قل أو كثر، سواء كان ذلك يقدر في كل شهر مرة، أو في كل شهرين بحسب طهر قريباتها. والله أعلم (٣).
* * *
стр. 4513
الفصل الثالث
في المستحاضة المعتادة
تنقسم المستحاضة المعتادة إلى قسمين:
- معتادة مميزة.
- ومعتادة غير مميزة.
والمقصود بالمعتادة: هي التي تعرف شهرها ووقت حيضها ووقت طهرها، هكذا عرفه البهوتي من الحنابلة في الروض المربع (١).
* * *
стр. 4514
المبحث الأول في المستحاضة المعتادة المميزة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• سلطان العادة أقوى من سلطان التمييز: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ولم يلتفت للتمييز.
• اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته على الحيض بخلاف العادة، فما لا تبطل دلالته أقوى وأولى.
• العادة محكمة.
• العادة إنما كانت عادة للمرأة لثبوتها واستقرارها بخلاف التمييز، فهو ليس له صفة التكرار، وما كان متكررًا فهو أقوى بالاعتبار.
• لا يمكن التمييز بين دم الحيض والاستحاضة إلا إذا غلب دم الحيض على دم الاستحاضة.
• إذا كثر دم الاستحاضة غلب على دم الحيض فاستتر به دم الحيض، لهذا قدمت العادة على التمييز.
وقيل:
стр. 4515
• التمييز علامة في موضع النزاع والعادة علامة في نظيره، والدلالة على الشيء بصفته أولى من الدلالة عليه بنظيره.
• التمييز دلالة حاضرة، والعادة دلالة ماضية، والدلالة الحاضرة أولى اعتبارا من الدلالة الماضية.
[م-٧٨٤] اختلف العلماء في المستحاضة المعتادة المميزة:
فقيل: إذا زاد الدم على عشرة أيام ردت إلى عادتها، وما زاد فهي مستحاضة، فتجلس مقدار عادتها، ولاتعمل بالتمييز. وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: المستحاضة المعتادة التي تميز دمها فترى منه دمًا أسود محتدمًا منتنًا، وبعضه أصفر رقيقًا، فإن الدم الأسود حيض، ولكن هل تجلس مقدار الدم الأسود، أو تجلس مقدار عادتها؟ (٢).
فقيل: تجلس من الأسود مقدار عادتها المعلومة قبل الاستحاضة، ثم تغتسل وتصلي وتبقى مستحاضة، ورجحه ابن عبدالبر في الكافي (٣).
стр. 4516
وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها واستظهرت بثلاثة أيام ثم اغتسلت وصلت، وإن لم يستمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها فقط ثم هي مستحاضة، ورجحه الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١).
وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة، ثم بعد ذلك إن استمر بها الدم على صفة واحدة لم يتميز فهي مستحاضة في حكم الطاهرة، ولو مكثت عمرها كله هكذا، وإن تميز دمها فإن كان بعد طهر تام فالمميز حيض تجلسه على التفصيل السابق (٢).
هذا تفصيل الأقوال في مذهب مالك (٣).
стр. 4517
والمقصود بالطهرالتام، أن يبلغ أقل الطهر عندهم، وقد ذكرنا الأقوال في مذهب المالكية في أقل الطهر في مسألة مستقلة، أشهرها أنه خمسة عشر يومًا.
وقيل: تعمل بالتمييز، ولا تعمل بالعادة إلا إن وافقت العادة التمييز، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: تعمل بالعادة ولاتعمل بالتمييز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
فصارت الأقوال في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:
الأول: العمل بالعادة وحدها دون التمييز.
وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.
وقيل: العمل بالتمييز.
وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على خلاف بينهم هل تمكث التمييز فقط، أو تمكث من الأسود مقدار عادتها فقط.
• دليل من قال: تعمل المستحاضة بالعادة دون التمييز:
الدليل الأول:
(١٩٧٩ - ٤٣٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبوأسامة، قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي
عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي
стр. 4518
كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (١).
ورواه البخاري، من طريق مالك عن هشام به.
وفيه: فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي (٢).
ورواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: (تدع الصلاة أيامها) (٣).
ورواه ابن حبان أيضًا، من طريق أبي حمزة عن هشام به، وفيه: (ليس ذاك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه .. ) (٤) الحديث.
فهذا الحديث في قصة فاطمة بنت أبي حبيش صريح في ردها إلى العادة، ولو كان التمييز مؤثرًا لسألها الرسول ﷺ : هل أنت تميزين دم حيضتك من دم استحاضتك؟ فعلم أن التمييز لا أثر له مع كون المرأة لها عادة معلومة.
الدليل الثاني:
(١٩٨٠ - ٤٤٠) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة
عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ماكانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (٥).
стр. 4519
الدليل الثالث:
(١٩٨١ - ٤٤١) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن سليمان بن يسار،
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل (١).
[رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اضطراب] (٢).
الدليل الرابع:
(١٩٨٢ - ٤٤٢) ما رواه الطبراني في الصغيرمن طريق العباس بن محمد الدوري، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أيوب أبو العلاء، عن عبدالله بن شبرمة القاضي عن قمير امرأة مسروق،
عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها، فإن رأت صفرة انتضحت، وتوضأت، وصلت.
قال الطبراني: لم يروه عن ابن شبرمة إلا أيوب أبو العلاء تفرد به يزيد بن هارون (٣).