وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها واستظهرت بثلاثة أيام ثم اغتسلت وصلت، وإن لم يستمر بها الدم الأسود جلست مقدار عادتها فقط ثم هي مستحاضة، ورجحه الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (١).
وقيل: إن استمر بها الدم الأسود جلست إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة، ثم بعد ذلك إن استمر بها الدم على صفة واحدة لم يتميز فهي مستحاضة في حكم الطاهرة، ولو مكثت عمرها كله هكذا، وإن تميز دمها فإن كان بعد طهر تام فالمميز حيض تجلسه على التفصيل السابق (٢).
هذا تفصيل الأقوال في مذهب مالك (٣).
стр. 4517
والمقصود بالطهرالتام، أن يبلغ أقل الطهر عندهم، وقد ذكرنا الأقوال في مذهب المالكية في أقل الطهر في مسألة مستقلة، أشهرها أنه خمسة عشر يومًا.
وقيل: تعمل بالتمييز، ولا تعمل بالعادة إلا إن وافقت العادة التمييز، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: تعمل بالعادة ولاتعمل بالتمييز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
فصارت الأقوال في المستحاضة المعتادة المميزة على قولين:
الأول: العمل بالعادة وحدها دون التمييز.
وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية.
وقيل: العمل بالتمييز.
وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية على خلاف بينهم هل تمكث التمييز فقط، أو تمكث من الأسود مقدار عادتها فقط.
• دليل من قال: تعمل المستحاضة بالعادة دون التمييز:
الدليل الأول:
(١٩٧٩ - ٤٣٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبوأسامة، قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي
عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي
стр. 4518
كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (١).
ورواه البخاري، من طريق مالك عن هشام به.
وفيه: فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي (٢).
ورواه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: (تدع الصلاة أيامها) (٣).
ورواه ابن حبان أيضًا، من طريق أبي حمزة عن هشام به، وفيه: (ليس ذاك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه .. ) (٤) الحديث.
فهذا الحديث في قصة فاطمة بنت أبي حبيش صريح في ردها إلى العادة، ولو كان التمييز مؤثرًا لسألها الرسول ﷺ : هل أنت تميزين دم حيضتك من دم استحاضتك؟ فعلم أن التمييز لا أثر له مع كون المرأة لها عادة معلومة.
الدليل الثاني:
(١٩٨٠ - ٤٤٠) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة
عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ماكانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (٥).
стр. 4519
الدليل الثالث:
(١٩٨١ - ٤٤١) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن سليمان بن يسار،
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل (١).
[رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اضطراب] (٢).
الدليل الرابع:
(١٩٨٢ - ٤٤٢) ما رواه الطبراني في الصغيرمن طريق العباس بن محمد الدوري، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أيوب أبو العلاء، عن عبدالله بن شبرمة القاضي عن قمير امرأة مسروق،
عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل مرة، ثم تتوضأ إلى مثل أيام أقرائها، فإن رأت صفرة انتضحت، وتوضأت، وصلت.
قال الطبراني: لم يروه عن ابن شبرمة إلا أيوب أبو العلاء تفرد به يزيد بن هارون (٣).
الدليل الخامس:
(١٩٨٣ - ٤٤٣) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبد الله، حدثنا الحسن بن عيسى، حدثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم ابن عتيبة، عن جعفر،
عن سودة بنت زمعة، قالت: قال رسول الله ﷺ : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ لكل صلاة (١).
стр. 4522
[ضعيف] (١).
الدليل السادس:
(١٩٨٤ - ٤٤٤) روى الطبراني في الأوسط، من طريق جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر،
أن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المستحاضة، قال: تعتد أيام أقرائها ثم تغتسل كل طهر، ثم تحتشي وتصلي.
قال الطبراني: لم يروه عن ابن جريج إلا جعفر (٢).
[تفرد فيه جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، ووهم فيه، قال أحمد: ليس له أصل] (٣).
стр. 4523
وفاطمة بنت قيس هذه، هي فاطمة بنت أبي حبيش، فإن أبا حبيش اسمه قيس ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، ذكر هذا النسب صاحب تهذيب الكمال (١).
الدليل السابع:
(١٩٨٥ - ٤٤٥) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن زياد، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت عن أبيه،
عن جده، عن النبي ﷺ في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي والوضوء عند كل صلاة (٢).
[ضعيف جدًّا] (٣).
هذه الأدلة كلها تحيل الاستحاضة إلى العادة، و الدليل الأول وحده كافٍ، فإنه في الصحيحين، وكذا الدليل الثاني في مسلم.
• دليل من قال: تعمل بالتمييز ولا عبرة بالعادة:
الدليل الأول:
(١٩٨٦ - ٤٤٦) ما رواه البخاري من طريق زهير قال: حدثنا هشام، عن عروة،
стр. 4524
عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (١).
[أكثر الرواة عن هشام رووه بلفظ: إذا أقبلت الحيضة دعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي] (٢).
قال الحافظ في الفتح: في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة، تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث (١).
وقال ابن رجب في شرح البخاري: وأما قول النبي ﷺ : (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة)، فقد اختلف العلماء في تأويله، فتأوله الأكثرون، منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، على أن المراد به اعتبار التمييز، وأن هذه المستحاضة كان دمها متميزًا، بعضه أسود وبعضه غير ذلك، فردها إلى زمن دم الحيض، وهو الأسود الثخين، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة، فإذا أدبر وجاء دم غيره، فإنها تغتسل وتصلي اهـ (٢).
فإذًا الجمهور يفسر أن قوله في الحديث: (فإذا أقبلت الحيضة، وإذا أدبرت) أن المقصود بإقباله عن طريق التمييز، أي فإذا أقبل الدم الأسود فاتركي الصلاة، وإذا أدبر الدم الأسود فاغتسلي وصلي.
والصحيح أن المقصود بالإقبال ليس إقبال الدم الأسود، بل إقبال العادة والإدبار إدبارها، فيكون معنى الحديث، فإذا أقبل وقت العادة حملًا على الروايات الأخرى ... فإن الحديث هو حديث عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش ومداره على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
فرواه مالك عن هشام وفيه: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) (٣). وهذا ظاهره اعتبار العادة.
стр. 4530
ورواه أبو أسامة عن هشام في البخاري: (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها) (١).
ورواه ابن حبان، من طريق أبي عوانة عن هشام به، وفيه: (تدع الصلاة أيامها) (٢).
وقوله: (فإذا أقبلت وإذا أدبرت) لا يلزم منه العمل بالتمييز، فقد روى
ابن حبان أيضًا حديث فاطمة بنت أبي حبيش، من طريق أبي حمزة السكري عن هشام به، وفيه: (فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضي لكل صلاة) (٣).
فهنا أمرها إذا أقبل الحيض أن تجلس مقدار عادتها، وعليه فيفهم من قوله: (فإذا أقبلت، وإذا أدبرت) أنه لا يعارض العمل بالعادة المستقرة، وكوننا نجمع بين الروايات المختلفة أولى من كوننا نعتبر بعض الروايات تردها إلى العادة وبعضها تردها إلى التمييز، مع أن القصة واحدة، واحتمال التعدد بعيد.
الدليل الثاني:
مما يستدل به على تقديم التمييز على العادة،
(١٩٨٧ - ٤٤٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد -يعني ابن عمرو- قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (٤).
стр. 4531
[والحديث إسناده منقطع، ومتنه منكر] (١).
وسبق تخريجه في المستحاضة المبتدأة. والمعروف في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي ﷺ ردها إلى العادة.
وقد ضعفه النسائي، وأبو حاتم، وابن القطان، والباجي في المنتقى شرح الموطأ، ومن حسنه ظن أن حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) ظن أنه يشهد له من العمل بالتمييز، وقد بينا أن المراد فإذا أقبلت أي العادة، وإذا أدبرت: أي العادة أيضًا، وليس المراد إذا أقبل وأدبر الدم الأسود، جمعًا بينه وبين الألفاظ الأخرى في الحديث. والله أعلم.
الدليل الثالث:
(١٩٨٨ - ٤٤٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد -يعني الحذاء- عن أنس بن سيرين، قال:
استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من النهار - فلتغتسل وتصلي (٢).
[صحيح] (٣).
• ويجاب عن هذا بوجهين:
الوجه الأول:
أن كلام ابن عباس موقوف عليه، ولا يمكن أن يعارض به المرفوع.
стр. 4532
الجواب الثاني:
أن كلام ابن عباس إنما يقبل في المرأة المبتدأة المميزة التي لا عادة لها، وكذا من نسيت عادتها، وأما المرأة المعتادة فلا يمكن أن نقدم قول ابن عباس على قول الرسول ﷺ ، وقد رد فاطمة بنت أبي حبيش إلى عادتها.
الدليل الرابع:
قالوا إن العمل بالتمييز أولى من العمل بالعادة؛ لأن العادة قد تختلف، والتمييز لايختلف؛ ولأن النظر إلى اللون اجتهاد، والنظر إلى العادة تقليد، والاجتهاد أولى من التقليد (١).
وهذا النظر هو في مقابلة النص فيكون نظرًا فاسدًا، وكل نظر في مقابلة النص الشرعي فهو مطروح.
الدليل الخامس:
قالوا: إن دم الحيض موصوف بأنه أذى، وهو يختلف عن دم العرق الذي هو دم الاستحاضة بصفته، ولو كانت صفتهما واحدة لما فرق الشارع بينهما في الأحكام، فإذا رأت الدم الموصوف بالأذى رأت لونه ورائحتة، وثخونته، وجب أن تعمل به، خاصة وأن الحيض من الأحكام المعقولة المعنى؛ لأن الله وصفه بكونه أذى، فوجب ترك الصلاة إذا رأت ما تعرفه المرأة من دم الحيض ولو خالف عادتها.
• وأجيب:
بأن هذا النظر ممكن أن يكون جيدًا لولا أنه في مقابلة النص، وكل نظر يصادم النص فهو نظر قاصر وإن كان قد يبدو في الظاهر خلاف ذلك، وممكن أن يقال: إن هذه المرأة المستحاضة اختلط دم حيضها بدم استحاضتها، فتركت العمل بالدم وحكمت العادة بصرف النظر عن لون الدم ورائحته ... والله أعلم.
стр. 4533
• دليل المالكية على أن المميزة تجلس منه قدر عادتها وغير المميزة طاهر أبدًا:
استدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).
فإذا أقبلت الحيضة: إقبالها يكون بالتمييز.
فإذا ذهب قدرها: أي تجلس مقدار عادتها، ثم تغتسل عنها الدم، وتصلي.
فإذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فهي حائض، وتجلس من هذا الدم الأسود مقدار عادتها فقط.
(١٩٨٩) وروى ابن حبان (١)، من طريق أبي حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني أستحاض الشهر والشهرين؟ قال: ليس ذاك بحيض، ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيها، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة (٢).
فقوله: (فإذا أقبل الحيض) أي أقبل الحيض بلونه، ورائحته وثخونته وهذا عمل بالتمييز، ومعناه إذا لم يقبل ولم يتميز فأنت طاهر أبدًا.
وقوله: (فدعي الصلاة عدد أيامك) أي فإذا تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فاجلسي من الدم الأسود المنتن مقدار عادتك السابقة فقط لامقدار الدم الأسود.
стр. 4534
• ويجاب:
بأن المستحاضة إما أن تعمل بالتمييز، أو تعمل بالعادة، أما أن تعمل بالتمييز في أول العادة، ثم تعتبر العادة في المدة بصرف النظر عن التمييز بعد ذلك فهذا ضعيف؛ لأن المستحاضة إما أن تجلس مقدار عادتها، وإما أن تعمل بالتمييز، ولا ثالث لهما، والله أعلم.
• القول الراجح:
الراجح من هذه الأقوال والله أعلم القول الأول، وأن المستحاضة المعتادة تعمل بعادتها ولا تعمل بالتمييز، وذلك أن العادة معلومة، بينما التمييز يتوقف على أن يكون دم الحيض أكثر من دم المرض حتى يغلب عليه، ويتميز عنه، وقد لا يتيسر ذلك لاختلاف قوة النزيف الحاصل للمستحاضة من مرض لآخر؛ لهذا كان العمل بالعادة أضبط وهو مقتضى النصوص، وهو ما رجحه ابن تيمية (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 4535
المبحث الثاني في المستحاضة المعتادة غير المميزة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل أن دم الاستحاضة (النزيف) لا يمنع نزول الدورة.
• الأصل أن المرأة يأتيها الحيض في وقت الاستحاضة كما كان يأتيها قبل المرض، فيستصحب ذلك.
• سلطان العادة أقوى من سلطان التمييز: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ولم يلتفت للتمييز.
• قد يكون دم الاستحاضة قويًا فيغلب على دم الحيض فيستتر دم الحيض بدم الاستحاضة.
[م-٧٨٥] إذا كانت المستحاضة المعتادة غير مميزة، وغير المميزة إما حسًا، وهو الصحيح: بأن يكون دمهاعلى صفة واحدة، لا يتميز بعضه من بعض.
أو تكون غير مميزة حكمًا على قول كما لو كان الدم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقل الحيض، أو يزيد على أكثره عندهم، أو لم يتقدمه طهر صحيح (١).
стр. 4536
إذا عرفنا المستحاضة المعتادة غير المميزة، فقد اختلف العلماء في القول فيها:
فقيل: تجلس مقدار عادتها ثم تغتسل وتصلي، وهو المشهور من مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
وفي مذهب مالك فيمن استمر معها الدم وكان لها عادة معلومة ثلاث روايات، وسبب اختلاف الروايات: أن المرأة إذا زاد الدم على عادتها، لا تدري في أول أمرها هل هذا انتقال للعادة، أو استحاضة، فإذا تيقن أنه استحاضة، فإنهم يتفقون على أنها إذا لم تميز فهي مستحاضة تصلي وتصوم أبدًا ولو مكثت طول عمرها حتى يتميز الدم، وكذا لو ميزت قبل تمام الطهر فهي مستحاضة، فإذا ميزت أو انقطع الدم، ثم جاء بعد انقطاعه دفعة من الدم تنكره، وقد سبقه طهر فهو حيضها، إذا علم ذلك نأتي على ذكر الرويات.
الراوية الأولى: أنها تجلس عادتها، وتستظهر بثلاثة أيام، ومحل الاستظهار بالثلاثة ما لم تجاوز نصف الشهر، فمن كانت عادتها خمسة عشر يومًا فلا استظهار عليها، ومن عادتها أربعة عشر يومًا استظهرت بيوم واحد فقط، ومن كانت عادتها سبعة أيام استظهرت بثلاثة فقط، ثم اغتسلت وصامت وصلت، فإن استمر الدم لا يتميز فهي مستحاضة أبدًا تصلي وتصوم حتى يتميز دمها، فإن تميز بعد مضي مدة أقل الطهر صارت حائضًا من وقت تغيره وكذا لو انقطع الدم، ثم أتاها دفعة من الدم تنكره بعد مضي مدة أقل الطهر، وبهذا تصبح مستحاضة معتادة مميزة وقد عرفت حكمها في
стр. 4537
الفصل السابق. هذا قول مالك، وأصل مذهبه، والمذكور في المدونة (١).
وبقي في مذهب مالك عدة روايات.
قيل: تقعد إلى تمام خمسة عشر يومًا ثم هي مستحاضة تصوم وتصلي حتى يتميز دمها (٢).
وقيل: تقعد عادتها بدون استظهار ثم تغتسل وتصلي وتبقى في حكم الطاهرات حتى يتميز. وهذا قول محمد بن مسلمة (٣).
وقيل: تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتصلي وتصوم، ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع الدم ما بينها وبين خمسة عشر يومًا علم أنها حيضة، وانتقلت إليها، ولا يضرها ما صامت وصلت فيه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يومًا علم أنها
стр. 4538
كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة والصيام كان في موضعه، وإذا حكمنا أنها مستحاضة، فإن استمر الدم لا يتميز بعد أن جلست ما جلست فهي مستحاضة أبدًا تصلي وتصوم حتى يتميز دمها، فإن تميز أصبحت مستحاضة معتادة مميزة وقد نقلنا الأقوال فيها في مسألة مستقلة (١).
هذا ملخص أقوال مالك.
• دليل الجمهور على اعتبار العادة:
الدليل الأول:
(١٩٩٠ - ٤٥٠) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ ، قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي صلي (٢).
[انفرد أبو أسامة عن هشام بهذا اللفظ، وقد رواه جمع عن هشام بلفظ: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي] (٣).
الدليل الثاني:
(١٩٩١ - ٤٥١) ما رواه مسلم من طريق الليث ـ يعني ابن سعد ـ عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروة،
عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟ فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت
стр. 4539
تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي (١).
وفي الباب حديث أم سلمة، وسودة، وجابر، وثابت الأنصاري عن أبيه، سقناه في المسألة التي قبل هذه وتكلمت عليها صحة وضعفًا.
• دليل من قال: تجلس عادتها وتستظهر بثلاثة أيام:
الدليل الأول:
(١٩٩٢ - ٤٥٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر بن عياش، عن حرام بن عثمان، عن ابن جابر،
عن أبيه، أن ابنة مرشد الأنصارية، أتت النبي ﷺ فقالت: تنكرت حيضتي. قال: كيف؟ قالت: تأخذني، فإذا تطهرت منها عاودتني، قال: فإذا رأيت ذلك فامكثي ثلاثًا (٢).
[ضعيف جدًّا] (٣).
стр. 4540
الدليل الثاني من القياس:
قال ابن عبد البر في الاستذكار (١): جعل الاستظهار بثلاثة أيام ليستبين منها انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة استدلالًا بحديث المصراة؛ إذ حَدَّ فيها الرسول ﷺ ثلاثة أيام في انفصال اللبن: لبن التصرية من اللبن الطارئ. والقول بالاستظهار قول ضعيف، ولا يعرف قائل به من الأئمة غير مالك. اهـ (٢)
وقد استدل ابن عبد البر بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي). على تضعيف القول بالاستظهار.
قال في الاستذكار: «الحديث فيه رد على من قال بالاستظهار؛ لأنه أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت، وذهبت أن تغتسل وتصلي ولم يأمرها أن تترك الصلاة
стр. 4541
ثلاثة أيام لاستظهار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يجب في عمل الصلاة، لا في تركها ثلاثة أيام.
ولا يخلو قوله ﵇ في الحيضة (فإذا ذهب قدرها) أن يكون أراد انقضاء أيام حيضها لمن تعرف الحيضة وأيامها، أو يكون أراد انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة لمن تميزه، فأي ذلك كان فقد أمرها عند ذهاب حيضتها أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها باستظهار» (١).
وقال أيضًا: «السنة نفي الاستظهار، لأن أيام دمها جائز أن تكون استحاضة وجائز أن تكون حيضًا، والصلاة فرض بيقين، فلا يجوز أن تدعها حتى تستيقن أنها حائض، وذكروا أن مالكًا وغيره من العلماء قالوا: لأن تصلي المستحاضة وليس عليها ذلك، خير من أن تدع الصلاة، وهي واجبة عليها؛ لأن الواجب الاحتياط للصلاة فلا تترك إلا بيقين لا بالشك فيه» (٢).
• دليل من قال: تقعد المستحاضة المعتادة خمسة عشر يومًا:
هذا القول مبني على مسألة خلافية، وهو الخلاف في أكثر الحيض، والجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وقد ذكرت أدلتهم في هذه المسألة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
• الراجح:
الذي تميل له نفسي هو قول الجمهور، وهو أن المرأة تجلس مقدار عادتها. والأحاديث في هذا صريحة؛ وذلك قائم على أصلين:
الأول: الأصل أن المرأة تأتيها عادتها كما كانت قبل المرض، ذلك أن المرض لا يمنع نزول الدورة، فدم الحيض له مصدر مختلف عن مصدر دم النزيف، فيستصحب هذا الأصل.
стр. 4542
الثاني: أن دم النزيف قد يكون قويًا فيغلب دم الحيض فيستتر دم الحيض بدم الاستحاضة، لهذا جاءت النصوص بأن تجلس المستحاضة عادتها، ولا تلتفت إلى التمييز، والله أعلم.
* * *
стр. 4543
الفصل الرابع
في المرأة المستحاضة المتحيرة
المرأة المستحاضة المتحيرة لها ثلاثة أحوال:
الأول: المتحيرة في العدد.
وهي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.
الثاني: المتحيرة في المكان.
وهي التي علمت عدد حيضها ونسيت مكانها.
الثالث: المتحيرة بهما، وهي التي نسيت عدد عادتها، ونسيت مكانها.
والمتحيرة وتوصف بالمحيرة بصيغة اسم الفاعل، لأنها تحير المفتي، وبصيغة اسم المفعول، لأنها تحيرت بسبب نسيانها.
ومسائل المحيرة من أصعب مسائل الحيض وأدقها، ولها صور كثيرة، وتفريعات دقيقة، كلها أو جلها بنيت على الآراء المحضة حتى قال النووي: بأن الدارمي صنف فيها مجلدًا ضخمًا ليس فيه غير مسألة المتحيرة، وتقريرها (١). ولو أتينا على هذه التفريعات المرجوحة لكان هذا عيبًا في الكتاب، وصارفًا لطلبة العلم من الاستفادة
стр. 4544
منه. ويكفينا من هذه الأقوال المرجوحة أن نأتي على ذكرها بأشد ما يكون الاختصار؛ لأن إهمالها قد ينتقد والتفصيل فيها كذلك ولقد أحسن الشوكاني عندما قال في النيل: «وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان، والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاؤوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها، وذلك لأن بعضها ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وبعضها صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة فطاحت مسألة المتحيرة، ولله الحمد» (١).
* * *
стр. 4545
المبحث الأول في المستحاضة المتحيرة بالعدد
[م-٧٨٦] المتحيرة بالعدد،: هي التي نسيت عدد أيامها في الحيض، مع علمها بمكان العادة من كل شهر.
القول الأول: مذهب الحنفية.
قسموا المستحاضة المتحيرة في العدد فقط إلى قسمين:
الأول: إذا نسيت عدد أيامها، وعلمت أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فهذه يجب عليها أن تجلس أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها من أول الاستمرار لتيقنها بالحيض فيها، وتغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيها بين الحيض، والطهر، والخروج وإنما قالوا سبعة أيام؛ لأنه مع الثلاثة أيام تكون قد بلغت أكثر الحيض عندهم، وهو عشرة أيام، ثم تتوضأ عشرين يومًا لوقت كل صلاة لتيقنها فيها بالطهر ويأتيها زوجها.
الثاني: أن تنسى عدد أيامها، ولا تعلم أن الحيض يأتيها في كل شهر مرة فلا تدري كم دورتها.
ففيها وجهان:
الوجه الأول: لا تعلم عدد حيضها، ولا عدد طهرها. فهذه تعمل ما يلي:
стр. 4546
تدع الصلاة أقل الحيض ثلاثة أيام؛ لأنه حيض بيقين.
ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، والخروج من الحيض .. ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام، ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة، ويأتيها زوجها فيها، لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية، فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام، فهذا آخر طهرها، وإن كان حيضها عشرة فهذا أول طهرها.
ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ولا يأتيها زوجها، فبلغ الحساب واحدًا وعشرين يومًا.
ثم تصلي بعد ذلك بالاغتسال لكل صلاة بالشك، لأنه لم يبق لها يقين بالطهر ولا بالحيض بعد هذا، فما من ساعة بعد هذا إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض إما بالزيادة في حيضها على الثلاثة، أو في طهرها على خمسة عشر.
الوجه الثاني: لا تعلم عدد حيضها، وتعلم عدد طهرها.
مثاله: امرأة تعلم أن عدد طهرها خمسة عشر، ولا تدري كم حيضها، فيلزمها ما يلي:
- تترك الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام لكونها أقل الحيض؛ لأنه حيض بيقين.
- ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة أيام.
- ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة ويأتيها زوجها؛ لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية أيام. فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام فهذا آخر طهرها، وإن كان عشرة فهذا أول طهرها.
- ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك.
فبلغ ذلك واحدًا وعشرين يومًا، ولو كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها الثاني
стр. 4547
بعد واحد وعشرين يومًا (١)، وإن كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين (٢)، ففي هذه الأربعة عشر تصلي بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ثم تصلي يومًا واحدًا بالوضوء لوقت كل صلاة، بيقين الطهر وذلك بعدما تغتسل عند تمام خمسة وثلاثين يومًا؛ لأن في هذا اليوم يقين الطهر، ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة أبدًا؛ لأنه لم يبق لها يقين في شيء بعدها فما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض (٣).
القول الثاني: المذهب الشافعي:
المذهب الشافعي في المرأة المستحاضة الناسية لعددها الذاكرة لمكانها كالتالي: إذا تيقنت الحيض أو الطهر، فاليقين له حكمه.
وإذا كان الزمن يحتمل الحيض والطهر، فإنها تصلي بالوضوء لكل صلاة. ويسمى حيضًا مشكوكًا فيه.
وإذا كان الزمن يحتمل الحيض، والطهر، والانقطاع، فإنها تصلي بالغسل لكل صلاة، ويسمى طهرًا مشكوكًا فيه (٤).
стр. 4548
فمثلًا: لو جاءت امرأة، وقالت: إني ذاكرة للوقت ناسية للعدد، فينظر: إن كانت ذاكرة لوقت ابتدائه، بأن قالت: كان ابتداء حيضي من أول يوم من الشهر، حيضناها يومًا وليلة من أول الشهر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل بعده فتصير في طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس عشر، فتغتسل لكل صلاة؛ لجواز انقطاع الدم، وما بعده طهر بيقين إلى آخر الشهر، فتتوضأ لكل صلاة.
وإن كانت ذاكرة لوقت انقطاعه بأن قالت: كان حيضي ينقطع في آخر الشهر حيضناها قبل ذلك يومًا وليلة، وكانت طاهرًا من أول الشهر إلى آخر الخامس عشر، تتوضأ لكل صلاة فريضة، لأنه لا يحتمل انقطاع الحيض، ولا يجب الغسل إلا في آخر الشهر، في الوقت الذي تيقنا انقطاع الحيض فيه (١).
القول الثالث: المذهب الحنبلي:
قالوا في المرأة إذا نسيت عدد أيامها وهي تعلم موضعها.
مثاله: امرأة تقول: عادتي تأتي في أول يوم من الشهر، لكني لا أدري هل هي خمسة، أو ستة، أو أكثر، أو أقل.
فتجلس غالب الحيض من كل شهر، إن اتسع شهرها لها بأن كان عشرين يومًا فأكثر (٢)، وإن لم يتسع شهرها لغالب الحيض، جلست الفاضل من شهرها بعد أقل الطهر. فلو فرض أن شهرها خمسة عشر يومًا، جلست الزائد عن أقل الطهر بين
стр. 4549
الحيضتين، ومقداره هنا يومان (١)، وهذا هو المشهور من المذهب (٢) لحديث حمنة (٣).
وقيل: تجلس أقل الحيض، وهي رواية عند أحمد.
ولم نذكر مذهب المالكية، لأن المرأة عندهم إذا لم تميز دمها فهي مستحاضة أبدًا في حكم الطاهر تصلي وتصوم وتوطأ أبدًا حتى يتميز دمها، أو ينقطع فيأتي دفعة من الدم تنكره وإذا تميز لم تكن متحيرة.
• الراجح من الأقوال:
والراجح في هذه المرأة التي نسيت عدد حيضها وهي تعلم موضعها أنها تجلس موضعه من الشهر وتعتبر حيضها عدد قريباتها من أم وأخت وعمة وخالة؛ لأن شبه المرأة بقريباتها أكثر من شبهها بالأجنبيات.
* * *
стр. 4550
المبحث الثاني في المستحاضة المتحيرة بالوقت فقط
[م-٧٨٧] المتحيرة بالوقت: هي المرأة التي علمت عدد حيضها، ونسيت وقت عادتها.
وقد اختلف العلماء فيها.
القول الأول:
قالوا: إذا كانت ناسية لوقت الحيض، ذاكرة لعدده، فالقاعدة فيه:
أن كل زمان تيقنا فيه حيضها ثبت فيه جميع أحكام الحيض.
وكل زمان تيقنا فيه طهرها، ثبت فيه جميع أحكام الطاهرة المستحاضة،
وكل زمان أوجبنا فيه الاحتياط، فيجب عليها ما يجب على الطاهر من العبادات، وحكمها في الاستمتاع حكم الحائض.
ثم إن كان هذا الزمن المحتمل للطهر والحيض لا يحتمل انقطاع الحيض لزمها الوضوء لكل فريضة، ولا يجب الغسل.
وإن كان يحتمل انقطاع الحيض وجب الغسل لكل فريضة، لاحتمال انقطاع الدم قبلها، فإن علمت أنه كان ينقطع في وقت بعينه من ليل أو نهار اغتسلت كل يوم في ذلك
стр. 4551
الوقت، ولا غسل عليها إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني. وهذا هو مذهب الحنفية (١)،
وأما مذهب الحنابلة (١)، فالمشهور من المذهب الحنبلي أن المرأة المستحاضة إذا كانت عالمة بالعدد ناسية للموضع جلست أيام حيضها من أول شهر هلالي.
وقيل: تجلسها بالتحري.
وكونهم اعتبروا الشهر الهلالي؛ لأن المواقيت الشرعية بالأهلة ولحديث حمنة (٢).
والقول بأنها تجلس أول الشهر الهلالي قول ضعيف، بل تجلس أول ما رأت الدم وتحسب شهرًا منذ رؤيته قياسًا على الزكاة، والعدد والديات، والكفارات وغيرها، إنما تبتدئ من حين الشروع سواء وافقت الهلال أو خالفته.
стр. 4554
وأما كونه يقدم دم الحيض على دم الاستحاضة؛ لأن دم الحيض جبلة ودم الاستحاضة عارض، فإذا رأت الدم وجب تقديم دم الحيض ولحديث حمنة.
وهذا هو القول الراجح: أنها تجلس أيام حيضها من أول ما رأت الدم ثم الباقي استحاضة.
* * *
стр. 4555
المبحث الثالث في المتحيرة في العدد والوقت
[م-٧٨٨] اختلف العلماء في المستحاضة المتحيرة الناسية لعددها ووقتها على أقوال:
القول الأول: المذهب الحنفي:
قالوا: إذا استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها فإنها أولًا: تتحرى، فإن وقع تحريها على طهر تعطى حكم الطاهرات، وإن كان على حيض تعطى حكمه؛ لأن غلبة الظن من الأدلة الشرعية عند تعذر اليقين.
ثانيًا: إذا لم يمكنها التحري اغتسلت لكل صلاة على الصحيح.
وقيل: لوقت كل صلاة.
وتصلي المكتوبات، والواجبات، والسنن المؤكدة، ولا تصلي ولا تصوم تطوعًا (١)، ولا تقرأ شيئًا من القرآن خارج الصلاة، ولا تمس المصحف، ولا تدخل المسجد، وأما