بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، فكفونا بهذه المقالة أنفسهم» (١).
• الراجح من هذه الأقوال:
أن الفطرة في قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) أي على خلقة يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة سالمًا في الأغلب خلقة وطبعًا، مهيأ لقبول الدين. وهذا الذي رجحه ابن عبد البر.
قال القرطبي: «وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتج له غير واحد من المحققين، منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس.
قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنه الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة، وقال شيخنا في عبارته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة، سليمًا من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائض، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح (٢).
* * *
стр. 4762
فرع
مناسبة تسمية هذه الخصال خصال الفطرة
قال القرطبي في المفهم: «في هذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان، ويقبحه بحيث يستقذر، ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى. والله أعلم (١).
* * *
стр. 4763
المبحث الثاني ذكر خصال الفطرة
[م-٨١١] ورد في ذكر خصال الفطرة أحاديث منها:
حديث ابن عمر ﵁.
(٢٠٦٤ - ١٥) فقد روى البخاري من طريق حنظلة، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب (١).
(٢٠٦٥ - ١٦) ومنها حديث أبي هريرة ﵁، رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (٢).
(٢٠٦٦ - ١٧) ومنها حديث عائشة، في مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة قالت: قال ﷺ : عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
стр. 4764
زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
[المحفوظ أنه من قول طلق] (١).
فأكثر ما ورد فيه من خصال الفطرة حديث عائشة.
وسنأتي على شرحها واحدة واحدة، أما السواك، فعقدت له كتابًا خاصًا لأهميته، وكثرة مباحثه. وكذلك الاستنجاء.
وأما المضمضة والاستنشاق، فسوف يأتي التعرض لأحكامها في سنن الوضوء.
بقي معنا ما ورد في حديث أبي هريرة الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط، فسوف نعرض لها فصلًا فصلًا سائلين المولى عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 4765
الباب الأول في الختان
الفصل الأول في تعريف الختان
• تعريف الختان اصطلاحًا (١):
لا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي؛ لأن المعنى اللغوي: هو القطع.
وفي الاصطلاح: قال الحافظ: قطع بعض مخصوص، من عضو مخصوص (٢).
وقال النووي: الختان: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة (٣).
وقال في شرحه لصحيح مسلم: والختان في المرأة: قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج (٤). اهـ وهي فوق مخرج البول، تشبه عرف الديك.
* * *
стр. 4766
الفصل الثاني
في كيفية الختان
[م-٨١٢] نقل الحافظ عن الماوردي قوله: «ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ ألا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة.
وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة، وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل.
وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة.
وقال ابن كج، فيما نقله الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة، وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.
قال النووي: وهو شاذ، والأول هو المعتمد.
قال الإمام (١): والمستحق من ختان المرأة ما ينطلق عليه الاسم.
قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة، أو كعرف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله، وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وقال: إنه ليس بالقوي. قلت (٢): وله شاهدان
стр. 4767
من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي اهـ.
• وإليك تخريج الأدلة التي أشار إليها الحافظ:
(٢٠٦٧ - ١٨) أما حديث أم عطية فقد أخرجه أبو داود من طريقين عن مروان، حدثنا محمد بن حسان. قال عبد الوهاب الكوفي: عن عبد الملك ابن عمير،
عن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل.
[مضطرب الإسناد على ضعفه] (١).
(٢٠٦٨ - ١٩) وأما حديث أنس، فقد رواه الطبراني في المعجم الصغير، من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن ثابت البناني،
стр. 4768
عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال لأم عطية خاتنة كانت بالمدينة: إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج.
قال الطبراني: لم يروه عن ثابت إلا زائدة، تفرد به محمد بن سلام.
ورواه الطبراني في الأوسط بالإسناد نفسه.
[ضعيف جدًّا] (١).
(٢٠٦٩ - ٢٠) وأما حديث علي بن أبي طالب، فرواه الخطيب، من طريق محمد ابن يونس،
ومن طريق صالح بن أحمد بن يونس، حدثنا محمد بن موسى بن عبد الرحمن، كلاهما (محمد بن يونس، ومحمد بن موسى) عن عوف بن محمد أبي غسان، حدثنا أبو تغلب عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري،
عن علي، قال: كانت خفاضة بالمدينة، فأرسل إليها رسول الله ﷺ : إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي، فإنه أحسن للوجه، وأرضى للزوج.
[ضعيف جدًّا أو موضوع] (٢).
(٢٠٧٠ - ٢١) وأما حديث ابن عمر، فقد رواه البزار في مسنده من طريق علي ابن عبد الحميد، حدثنا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: دخل على النبي ﷺ نسوة من الأنصار، فقال: يا نساء الأنصار
стр. 4769
اختضبن غمسًا، واخفضن، ولا تنهكن؛ فإنه أحضى عند أزواجكن، وإياكن وكفر المنعمين. قال مندل: يعنى الزوج (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
قال المنذري: ليس في الختان خبر يرجع إليه (٣)، ولا سند يتبع (٤).
وقال في عون المعبود: وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة
стр. 4770
معلولة مخدوشة، لا يصح الاحتجاج بها (١).
وقال ابن عبد البر في التمهيد: والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال (٢).
* * *
стр. 4771
الفصل الثالث
ذكر أول من اختتن
[م-٨١٣] ذكر بعض الفقهاء: أن أول من ختن من الرجال إبراهيم ﷺ ومن الإناث هاجر رضي الله تعالى عنها (١).
• دليلهم على ذلك:
الدليل الأول: الإجماع .
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (٢).
وقال القرطبي: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (٣).
الدليل الثاني:
(٢٠٧١ - ٢٢) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيَّف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: الله ﵎ وقار يا إبراهيم. فقال: رب زدني وقارًا (٤).
إلا أن قوله: (أول من رأى الشيب) مشكل. فقد ذكر الحافظ ابن رجب عن الحسن أنه ضعف هذا القول، واستحسنه الحافظ. قال: «وقد استدل الحسن على إبطال قول من قال: أول من رأى الشيب إبراهيم ﵇، بعموم قوله الله : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً) [الروم: ٥٤]. قال الحافظ: وهو استدلال ظاهر حسن» (١).
وقال الباجي عن الآية: يحتمل ـ والله أعلم ـ أنه يخاطب بها هذه الأمة، أو من شاب من زمن إبراهيم ﵇ إلى يوم القيامة. ويحتمل أنه خوطب بها جميع الخلق، من شاب ومن لم يشب، إلا أنه جمع مع الضعف الأخير الشيب؛ لأن من الخلق من لم يشب، ولم يرد أن جميعهم يشيب، كما أنه لم يرد أن جميعهم يضعف، بل منهم من
стр. 4776
يموت في الضعف الأول، ومنهم من يموت في حال القوة قبل الضعف الثاني. والله أعلم وأحكم (١).
والأول أقوى، ويؤيده أن الختان من سنن الفطرة التي فطر الله عليها بني آدم، والفطرة ملازمة، وليست مكتسبة، لكن إن صح الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر والقرطبي بأن أول من اختتن إبراهيم، فالحجة الإجماع، ولا كلام مع صحته. وإن لم يصح الإجماع، فالنظر له مجال في عدم ثبوت ذلك. والله أعلم.
* * *
стр. 4777
الفصل الرابع في وقت الختان
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل عدم التوقيت إلا بتوقيف، ولا يحفظ حد في توقيت الختان يرجع إليه (١).
وقيل:
• الختان له وقتان: وجوب عند البلوغ، واستحباب قبله.
• ألم الختان فوق ألم الضرب لترك الصلاة، ولا يجب الضرب قبل العشر.
[م-٨١٤] لم يقدر الإمام أبو حنيفة وقتًا معلومًا لعدم ورود النص به، ولم يرو عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فيه شيء، وقدره المتأخرون واختلفوا:
فقيل: أول وقته من سبع سنين، وآخره اثنتا عشرة سنة.
قال في الفتاوى الهندية، وهو المختار كذا في السراجية (٢).
وقيل: لا يختن حتى يبلغ.
وقيل: تسع سنين.
وقيل: عشر سنين. وهذه كلها أقوال في مذهب الحنفية (٣).
стр. 4778
وقيل: إذا ثُغِر الصبي: أي ألقى ثغره، وهو مقدم أسنانه، اختاره مالك.
وفي رواية عن مالك: من سبع إلى عشر (١)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب ختانه في الصغر هذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
إلا أن الشافعية استحبوه في اليوم السابع، إلا أن يكون الصبي ضعيفًا. وهو رواية عن أحمد (٤).
وهل يحسب يوم الولادة من السبعة، فيه وجهان في مذهب الشافعية:
الأول: يحسب. اختاره أبو علي بن أبي هريرة.
الثاني: لا يحسب، وهو قول الأكثرين.
فإن أخر عن السابع استحب ختانه في الأربعين، فإن أخر استحب في السنة السابعة (٥).
стр. 4779
وقيل: يكره يوم السابع، وهو مذهب المالكية (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يحرم الختان قبل استكمال عشر سنين، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤).
• أدلة القائلين من سبع إلى عشر:
قالوا: بأن صاحب السبع سنين، يفهم الأمر، ولذلك يؤمر بالصلاة.
(٢٠٧١ - ٢٢) فقد روى أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (٥).
[ضعيف] (٦).
• أدلة القائلين بالاستحباب في اليوم السابع:
الدليل الأول:
(٢٠٧٢ - ٢٣) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن القاسم، قال: حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور، قالا: حدثنا رواد بن الجراح، عن عبد الملك بن أبي سليمان،
стр. 4780
عن عطاء،
عن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبي: يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهبا أو فضة.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا رواد (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
(٢٠٧٣ - ٢٤) ما رواه الطبراني في الصغير من طريق محمد بن أبي السري
стр. 4781
العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام.
قال الطبراني: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا زهير بن محمد، ولم يقل أحد ممن روى هذا الحديث: وختنهما لسبعة أيام إلا الوليد بن مسلم (١).
[ضعيف] (٢).
- دليل القائلين بكراهة اليوم السابع .
عللوا ذلك بأنه من فعل اليهود. نقله الباجي عن مالك، كما في المنتقى (١) وغيره.
• دليل القائلين بأنه يحرم ختانه قبل عشر سنين .
قالوا: لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ولا يضرب على الصلاة إلا بعد عشر سنين.
стр. 4786
قال النووي: هذا القول ليس بشيء؛ وهو كالمخالف للإجماع (١).
• دليل من قال: لا يجب الختان إلا بالبلوغ .
(٢٠٧٤ - ٢٥) ما رواه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد ابن جبير، قال:
سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك (٢).
فقوله: (حتى يدرك) أي حتى يبلغ.
قال في تاج العروس: أدرك الشيء إدراكًا بلغ وقته وانتهى (٣).
وقال الشوكاني: الإدراك في أصل اللغة بلوغ الشيء وقته. وأراد به ههنا البلوغ (٤).
الدليل الثاني من النظر:
قالوا: إن الختان يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة، وهما لا يجبان إلا بالبلوغ.
• دليل من قال: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ:
قالوا: إن هذا من مصلحة الصبي، فيجب على الولي القيام بما فيه مصلحته.
قال ابن القيم: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، بحيث يبلغ مختونًا؛ فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. وأما قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك: أي حتى يقارب البلوغ، كقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (٥).
стр. 4787
وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم يموت النبي ﷺ مختونًا، وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله ﷺ بضعة وثمانين يومًا أنه قد ناهز الاحتلام، وقد أمر النبي ﷺ الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع، وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ (١).
وقول ابن القيم كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام.
(٢٠٧٥ - ٢٦) الحديث رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي بن شهاب، عن عمه، أخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود،
أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: أقبلت، وقد ناهزت الحلم أسير على أتان لي، ورسول الله ﷺ قائم يصلي بمنى حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزلت عنها فرتعت فصففت مع الناس وراء رسول الله ﷺ .
قال البخاري: وقال يونس عن ابن شهاب: بمنى في حجة الوداع (٢).
• الراجح:
قال ابن المنذر: ليس في باب الختان نهي يثبت، ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة (٣).
وقد قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري: أتحفظ في الختان وقتًا؟ قلت: لا. قلت: وأنت لا تحفظ فيه وقتًا؟ قال: لا (٤).
стр. 4788
وقد قال أحمد في وقت الختان: لم أسمع فيه شيئًا (١).
وقال ابن تيمية: أما الختان فمتى شاء اختتن، لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختن كما كانت العرب تفعل، لئلا يبلغ إلا وهو مختون (٢).
وقوله: (ينبغي) لا يدل على الوجوب.
• الراجح من الخلاف:
الصحيح أن الختان لا يجب إلا بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف. وأما قول ابن القيم ﵀: يجب على الصبي الختان قبل البلوغ؛ لأن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. فإن كان يقصد وجوب الصلاة فإن صلاة الأقلف صحيحة، وليس الختان شرطًا في صحة الصلاة.
وأما الاستدلال بحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) فليس فيه دليل على مسألتنا؛ لأن الصلاة نفسها لا تجب قبل البلوغ على الصحيح، وإنما الأمر للتربية والتعليم. وأما تطهير النجاسة المحتقنة في القلفة فإنه يمكنه تطهيرها بالمبالغة في الاستنجاء، وتتبع أماكن احتقان البول في القلفة لتكون طهارته صحيحة، وبالتالي صحة صلاته. فالختان كسائر التكاليف لا تجب على الصبي إلا بالبلوغ. والله أعلم.
* * *
стр. 4789
الفصل الخامس في حكم الختان
المبحث الأول في ختان الذكر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الختان إدخال ألم عظيم على النفس، وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال: مصلحة، أو عقوبة، أو وجوب.
• الختان لو لم يجب لكان حرامًا لما فيه من قطع عضو، وكشف العورة، والنظر إليها.
• شعار الإسلام الختان حتى لو وجد مختونًا بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل.
[م-٨١٥] اختلف الفقهاء في حكم ختان الذكر.
فقيل: الختان سنة.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره بعض الشافعية (١).
стр. 4790
وقيل: بل هو واجب.
وهو المشهور من مذهب الشافعة، والحنابلة (١).
стр. 4791
• دليل القائلين بأن الختان سنة:
الدليل الأول:
(٢٠٧٦ - ٢٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا سريج، ثنا عباد - يعنى ابن العوام - عن الحجاج، عن أبي المليح بن أسامة،
عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء (١).
[ضعيف ومضطرب الإسناد] (٢).
• وأجيب:
لو صح الحديث، لم يكن المراد بالسنة خلاف الواجب، بل السنة في اللغة وفي لسان الشارع تطلق على الطريقة، وهي تشمل الواجب والمستحب. بل إن إطلاق السنة على المستحب اصطلاح حادث.
قال ابن دقيق العيد: كون السنة في مقابلة الواجب وضع اصطلاحي لأهل الفقه، والوضع اللغوي غيره، وهو الطريقة (١).
بل إن قوله: (مكرمة) قد يشعر بأن المراد بالسنة الواجب؛ لأن المكرمة: المقصود بها: الكرامة، والكرامة بمعنى المستحب، فتكون في مقابلة الواجب.
стр. 4794
• وتعقب هذا الجواب:
بأنه لم ينحصر التفرقة في الوجوب، فقد يكون في حق النساء للإباحة، وقد فسر الحنفية في كتبهم بأن معنى مكرمة: أي أطيب وألذ في الجماع (١).
فتكون معنى مكرمة للنساء أي محل لكرمهن، أي بسببه يصرن كرائم عند أزواجهن (٢)، فتكون ذات منزلة وكرامة، لأنه يتسبب عنه رونق الوجه وبريقه ولمعانه، ويطيب الجماع للزوج، وقد جاء في الحديث: (اخفضي ولا تنهكي؛ فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج) (٣). وقد سبق تخريجه.
ولو صح الحديث لكان معنى مكرمة والله أعلم: أي أن الشارع أكرمها بهذا التشريع. وإكرامها: إما لأنه لم يلزمها فجعل الخيار لها؛ لأنه جعله في مقابل السنة في ختان الرجل أي لازم له، وإما أن هذا التشريع قصد به إكرامها، ولم يقصد به إهانتها، وهذا يشترك فيه الرجل والمرأة، ولا معنى لتخصيص المرأة بهذا. والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الرسول ﷺ قرنه في المستحبات دون الواجبات فيأخذ حكمهن.
(٢٠٧٧ - ٢٨) فقد روى البخاري ﵀ قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الآباط. ورواه مسلم (٤).
فإذا كانت هذه الخصال المذكورة مع الختان مستحبة، فكذلك الختان.
стр. 4795
• وأجيب على ذلك:
أولًا: دلالة الاقتران ضعيفة. وقد قال : (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].
وإتيان الحق واجب والأكل مباح، ومثله قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم) [النور: ٣٣]، والإيتاء واجب، والكتابة سنة، فالأمر المباح أو المندوب حين اقترن بالأمر الواجب لم يعط حكمه. فكذلك الختان (١).
ثانيًا: لا نسلم أن هذه الأمور الخمسة مستحبة، بل واجبة؛ فالأمور التي من الفطرة، وفطر عليها البشر لا يمكن أن تكون مخالفتها مخالفة لأمور مستحبة فقط.
قال ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين» (٢).
(٢٠٧٨ - ٢٩) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،
عن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (٣).
وقول الصحابي: (وقت لنا) على البناء للمجهول له حكم الرفع، كقول
стр. 4798
الصحابي: (أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا).
قال الشوكاني: المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ ، فلا يجوز تجاوزها (١).
(٢٠٧٩ - ٣٠) ومما يدل أيضًا على الوجوب ما رواه أحمد، عن يحيى ووكيع، عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 4799
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا العقاب.
فهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة، فيسقط القول بأن الختان قرن بما هو مستحب، فيكون مستحبًا (١).
الدليل الثالث:
(٢٠٨٠ - ٣١) ما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معتمر، قال: حدثني سلم بن أبي الذيال (وكان صاحب حديث) قال:
سمعت الحسن يقول: أما تعجبون لهذا (يعني مالك بن المنذر) عمد إلى شيوخ من أهل كسكر أسلموا ففتشهم، فأمر بهم فختنوا في هذا الشتاء فبلغني أن بعضهم قد مات، ولقد أسلم مع رسول الله ﷺ الرومي والحبشي فما فتشوا عن شيء (٢).
[إسناد حسن، وهو موقوف على الحسن] (٣).
• وأجيب:
قال ابن القيم: «جوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإن العرب قاطبة كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتن، ولم يبق إلا النصارى، وهم فرقتان: فرقة تختتن، وفرقة لا تختتن، وقد علم كل من دخل الإسلام منهم ومن غيرهم أن
стр. 4800
شعار الإسلام الختان، فكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل» (١).
قلت: ومما يؤيد كلام ابن القيم، أن قيصر أطلق على الرسول ﷺ ملك الختان كما في البخاري (٢).
• دليل القائلين بالوجوب .
الدليل الأول:
اختتن إبراهيم، وكان الختان مما ابتلى الله به إبراهيم، فكان من شريعته، وقد أمرنا باتباع ملته ﵊، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) [النحل: ١٢٣].
(٢٠٨١ - ٣٢) أما الدليل على اختتانه، فقد أخرج البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. ورواه مسلم (٣).
وأما الدليل على كون الختان مما ابتلى الله به إبراهيم:
(٢٠٨٢ - ٣٣) فقد روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا العنبري، ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبدالرزاق، ثنا: معمر