الفصل الثامن في عبادة الأقلف
المبحث الأول في طهارة الأقلف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ما أمكن غسله من بول تحت القلفة، هل هو في حكم الظاهر أو الباطن، وإذا كان في حكم الظاهر، فهل يجب تطهيرها، أو يسقط للحرج، أو أن هذا القدر يسير مغتفر؟ (١).
• هل يمكن أن يكون للقلفة حكمان مختلفان: ففي الاستنجاء يكون لها حكم الباطن، وفي الغسل من الجنابة يكون لها حكم الظاهر؟ كما قالوا ذلك في الفم والأنف، حيث لهما حكم الظاهر في الصوم، وحكم الباطن في الغسل، فلا يجب غسلهما؛ لقوله ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك.
[م-٨٢٥] اتفق الفقهاء على أنه إذا كان هناك حرج في غسل ما تحت القلفة فلا يطلب تطهيرها دفعًا للحرج.
стр. 4832
أما إذا كان تطهيرها ممكنًا من غير حرج.
فالشافعية (١)، والحنابلة (٢) ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، يوجبون تطهير ما تحت القلفة في الاستنجاء.
لأنها واجبة الإزالة، وما تحتها له حكم الظاهر.
وذهب الحنفية والمالكية (٤)، إلى استحباب غسلها في الاستنجاء، لأن الاستنجاء عندهم سنة، وليس بواجب.
وأما في الغسل الواجب:
فقال المرداوي من الحنابلة: «لو خرج المني إلى قلفة الأقلف أو فرج المرأة وجب الغسل رواية واحدة. وجزم به في الرعاية، وحكاه ابن تميم عن بعض الأصحاب» (٥).
وقال الكاساني أيضًا: «يجب على الأقلف إيصال الماء إلى القلفة.
وقال بعضهم: لا يجب. وليس بصحيح؛ لإمكان إيصال الماء إليه من غير حرج» (٦).
واختلف الحنفية في وجوب غسل القلفة في الغسل الواجب.
стр. 4833
فقال الزيلعي: لا يجب عليه أن يدخل الماء داخل جلدة الأقلف؛ لأن خِلْقَةً كقصبة الذكر. قال: وهذا مشكل؛ لأنه إذا وصل البول إلى القلفة ينتقض الوضوء، فجعلوه كالخارج في هذا الحكم، وفي حق الغسل كالداخل حتى لا يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ.
وقال الكردي: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ، وهو الصحيح، فعلى هذا لا إشكال فيه (١).
• الراجح:
التفريق بين الاستنجاء وبين الغسل له أصل، فالفم والأنف لهما حكم الظاهر في الصوم، وحكم الباطن في الغسل.
* * *
стр. 4834
المبحث الثاني في إمامة الأقلف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره (١).
• كراهة الشيء مراعاة للخلاف يختلف عن مسألة الخروج من الخلاف، فالأول زاد الخلاف بخلاف الثاني.
[م-٨٢٦] اختلف الفقهاء في إمامة الأقلف.
فقيل: تصح إمامته بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: تكره مع الصحة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٣)،
والشافعية (٤) والحنابلة (٥).
стр. 4835
وقال بعضهم: هذا إذا كان معذورًا في ترك الختان، فإن أصر على تركه بلا عذر، لم تصح إمامته (١).
وقيل: تصح إمامته بمثله، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: لا تصح مطلقًا، وهي رواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا تكره إمامته، وإنما يكره أن يكون إمامًا راتبًا اختاره بعض المالكية (٤).
هذه ملخص الأقوال في المسألة، وإليك دليل كل قول.
стр. 4836
• دليل من قال: تصح إمامته:
قالوا: الأصل الصحة، ولا تبطل العبادة، أو تكره إلا بدليل شرعي، ولا دليل هنا.
ولأن العدالة لا تختل بترك الختان، لأن الختان سنة عندنا.
ولأن صلاته لنفسه صحيحة، فكذلك صلاته لغيره.
• دليل من قال: تكره إمامته:
الدليل الأول:
وجه الكراهة عند الشافعية: احتمال وجود النجاسة تحت القلفة.
ووجه الكراهة عند الحنابلة، قالوا: أما صحة الصلاة؛ فلأنه ذكر مسلم عدل قارئ، فصحت إمامته كالمختون، والنجاسة تحت القلفة بمحل لا تمكنه إزالتها منه معفو عنها لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة.
وأما الكراهة، فلأنه مختلف في صحة إمامته، فكرهنا إمامته خروجًا من الخلاف (١).
والحقيقة أن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي، والخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها.
• دليل من قال لا تصح صلاته:
استدل من قال بعدم صحة إمامة الأقلف: بأن الختان واجب عليه، وأن تركه للختان موجب للفسق، ولا يرى صحة إمامة الفاسق إلا إذا كان ذلك الإمام الأعظم.
قال في مجمع البحرين: إن كان تاركًا للختان من غير خوف ضرر، وهو يعتقد وجوبه، فسق على الأصح. وفيه الروايتان لفسقه، لا لكونه أقلف، وإن تركه تأولًا أو خائفًا على نفسه التلف لكبر ونحوه: صحت إمامته. انتهى (٢).
стр. 4837
قال في الإنصاف: هل المنع من صحة إمامته لترك الختان الواجب، أو لعجزه عن غسل النجاسة؟
اختلف الأصحاب في مأخذ المنع:
فقال بعضهم: تركه الختان الواجب، فعلى هذا إن قلنا: بعدم الوجوب، أو سقط القول به لضرر، صحت إمامته.
وقال جماعة آخرون: هو عجزه عن شرط الصلاة، وهو التطهر من النجاسة فعلى هذا: لا تصح إمامته إلا بمثله (١).
والصحيح أنه حتى على القول بفسقه، فإن إمامة الفاسق صحيحة، ولا دليل على البطلان، وكل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. ومسألة صحة إمامة الفاسق فيها خلاف بين أهل العلم، وليس هذا مكان بحثها، ولعل الله أن يوفقني لإكمال هذا المشروع فأصل إليها إن شاء الله في فقه الصلاة. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 4838
المبحث الثالث في ذبيحة الأقلف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• حل الذبيحة التسمية وأهلية المذكي، والختان ليس من شروط الأهلية.
• أباح الله ذبائح النصارى، وهم لا يختتنون، فالمسلم أولى.
• إن كان الختان واجبًا، فإن تركه يوجب فسق صاحبه، والفسق لا أثر له في حل الذبيحة والصيد بالاتفاق، وإن كان الختان سنة فظاهر.
[م-٨٢٧] اختلف العلماء في ذبيحة الأقلف
فقيل: يجوز، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: لا يجوز. وهو مذهب ابن عباس (٤)، ورواية عن أحمد (٥).
وقيل: تكره ذبيحته، وهو مذهب المالكية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).
стр. 4839
• دليل من قال لا تحل ذبيحته:
الدليل الأول:
(٢٠٩١ - ٤٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد،
عن ابن عباس، قال: الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة. قال: وكان الحسن لا يرى ذلك (١).
[رجال ثقات، ومحمد بن بشر ممن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط] (٢).
الدليل الثاني:
(٢٠٩٢ - ٤٣) ما رواه البيهقي من طريق حمزة الجزري، عن عبد الكريم، عن إبراهيم، عن علقمة،
أن عليًّا رضي الله تعالى عنه كان لا يجيز شهادة الأقلف (٣).
стр. 4840
[ضعيف جدًّا. قال البيهقي: حمزة الجزري تركوه لا يجوز الاحتجاج بخبره].
• دليل من قال يجوز أكل ذبيحته:
الدليل الأول:
عموم قوله : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه) [الأنعام: ١١٨].
فلو كان الختان شرطًا لبينه ، ولما أغفل الله ذكره.
الدليل الثاني:
أن الله قد أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم الأقلف، فالمسلم أولى.
قال ابن قدامة: إذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر، مع تحقيق فسقه، وذبيحة النصراني، وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى (١).
الدليل الثالث:
أن الله خاطب كل مسلم ومسلمة بقوله سبحانه: (إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣] ولم يستثن الأقلف.
• دليل من قال بالكراهة:
دليلهم على الكراهة قول ابن عباس المتقدم، فلعلهم حين رأوا أن هذا قول صحابي، ولا يعلم له مخالف من الصحابة كرهوا ذلك لقوله.
• الراجح:
أن ذبيحته حلال، قال ابن حجر: قال ابن عباس في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) [المائدة: ٥] قال: طعامهم ذبائحهم، رواه البخاري معلقًا (٢)،
стр. 4841
وهو موصول عند البيهقي (١).
وقائل هذا يلزمه أن يجيز ذبيحة الأقلف؛ لأن كثيرًا من أهل الكتاب لا يختتنون، وقد خاطب النبي ﷺ هرقل وقومه بقوله: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: ٦٤] وهرقل وقومه ممن لا يختتن وقد سموا أهل الكتاب (٢).
* * *
стр. 4842
المبحث الرابع في حج الأقلف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الختان ليس شرطًا في صحة حج، أو ذبيحة، أو صلاة أو غيرها، بل ولا شرطًا في صحة الطهارة على الصحيح، إذا كان يمكنه تنظيف القلفة، هذا على القول بأنه ليس معفوًا عنها.
• إن كان الختان واجبًا، فإن تركه يوجب فسق صاحبه، وهذا لا يمنع من صحة الحج بالاتفاق. وإن كان الختان سنة فظاهر.
[م-٨٢٨] اختلف الفقهاء في حج الأقلف.
فقيل: حجه معتبر. وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا حج له. وهو رواية عن أحمد، نقلها عنه حنبل، وعلل ذلك بأنها من تمام الإسلام (٢).
• الراجح:
أن حجه صحيح كإمامته، وذبيحته، وشهادته، والختان ليس شرطًا في صحة الحج، أو الصلاة أو غيرها، بل ولا شرطًا في صحة الطهارة على الصحيح إذا كان يمكنه تنظيف القلفة، هذا على القول بأنه ليس معفوًا عنها، ولا يختلف الحكم هنا سواء كان الختان واجبًا أم سنة، وسواء كان ترك الختان لعذر أو لغير عذر.
* * *
стр. 4843
المبحث الخامس في شهادة الأقلف
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الموقف من شهادة الأقلف يرجع إلى حكم ترك الاختتان، فمن رأى الختان واجبًا رأى أن تركه يوجب فسق صاحبه، والفاسق ترد شهادته، ومن رأى الختان سنة لم يقدح تركه في العدالة.
[م-٨٢٩] اختلف في قبول شهادة الأقلف.
فقيل: تقبل شهادته إذا كان عدلًا لم يترك الختان رغبة عن السنة، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: لا تقبل شهادته، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، والمفهوم من مذهب الشافعية والحنابلة؛ لأنهم يقولون بوجوب الاختتان، وترك الواجب يوجب الفسق،
стр. 4844
وشهادة الفاسق مردودة (١).
• دليل من قال تقبل شهادته:
قالوا: إن الختان سنة، وتركه لا يخل بالعدالة، ولا يوجب الفسق، إلا إذا كان تاركًا للختان استخفافًا بالدين، فهنا ترد شهادته؛ لأن عدالته مجروحة.
• دليل من قال ترد شهادته:
الدليل الأول:
(٢٠٩٣ - ٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد،
عن ابن عباس، قال: الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة. قال: وكان الحسن لا يرى ذلك (٢).
الدليل الثاني:
قالوا: إن ترك الختان يوجب الفسق، لأن الختان واجب، وهو من فطرة الإسلام. والفاسق ترد شهادته، هذا دليل من يوجب الختان، وأما دليل المالكية القائلين بأن الختان سنة، قالوا: إن الشهادة ترد بترك المروءة، وهذا منها، والله أعلم.
* * *
стр. 4845
الفصل التاسع
إجابة الدعوة في وليمة الختان
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها.
هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ وهل لفظ الوليمة عام في كل دعوة، أو خاص بوليمة النكاح؟ (١).
وإذا كان خاصًّا بوليمة النكاح، فهل يقاس على النكاح غيره من الدعوات أو يقال: اختصاص وليمة النكاح بالإجابة؛ لأنه مأمور بها (٢)، ولما فيها من إعلان النكاح بخلاف وليمة الختان فإنها إما مكروهة أو من قبيل الجائز، فلا يصح القياس؟
• النكاح شرع له وليمة بالنص بغرض الإطعام.
والعقيقة والأضحية إنما شرعا لإراقة الدماء ولم يشرع لهما وليمة (٣).
والختان لم يشرع له إراقة دم خاص، ولا وليمة، فهل يقال: الأصل عدم المشروعية، فإن فعل كره، أو يقال: إن الأصل في مثل هذا الإباحة الأصلية؟
стр. 4846
[م-٨٣٠] اختلف العلماء في وليمة الختان وإجابة الدعوة إليها.
فقيل: وليمة الختان سنة، وإجابة دعوتها كذلك وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)،
وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: استحباب وليمة الختان محله في الذكور دون الإناث، لأنه يخفى ويستحى من إظهارها، لكن الأوجه استحبابه فيما بينهن خاصة، اختاره الأذرعي من الشافعية (٤).
وقيل: عمل الوليمة مباح، وإجابة دعوتها مباحة، وهو مذهب المالكية (٥)،
стр. 4847
والحنابلة (١).
وقيل: الوليمة مكروهة، وحضورها مكروه، اختاره بعض المالكية (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣).
فتلخص لنا أن الأقوال كالتالي:
قيل: سنة.
وقيل: يستحب إظهار وليمة ختان الذكور دون الإناث.
وقيل: مباحة.
وقيل: مكروهة.
• دليل من قال بالسنية:
الدليل الأول:
(٢٠٩٤ - ٤٥) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،
أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم
стр. 4848
على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس (١).
الدليل الثاني:
(٢٠٩٥ - ٤٦) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،
عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: فكوا العاني، وأجيبوا الداعي (٢).
وهذه الأحاديث في إجابة الداعي، وهي مطلقة، فتشمل كل دعوة، سواء كانت دعوة عرس أم غيرها، أما من حيث مشروعية الوليمة؛ فلما فيها من إطعام الطعام، وهو مشروع في الجملة.
الدليل الثالث:
(٢٠٩٦ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها (٣).
الدليل الرابع:
(٢٠٩٧ - ٤٨) ما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال:
سمعت عبد الله بن عمر ﵄، يقول: قال رسول الله ﷺ : أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها. قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم (٤).
قال ابن حجر تعليقًا على قوله: (أجيبوا هذه الدعوة): «وهذه اللام يحتمل
стр. 4849
أن تكون للعهد، والمراد وليمة العرس، ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها)، وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك.
ويحتمل أن تكون اللام للعموم، وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره» (١).
وروى مسلم من طريق عمر بن محمد، عن نافع به، بلفظ: أن النبي ﷺ ، قال: إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا (٢).
(٢٠٩٨ - ٤٩) وروى مسلم من طريق حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله ابن نمير، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم إلى طعام، فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك. ولم يذكر ابن مهدي: (إلى طعام) (٣).
الدليل الرابع:
(٢٠٩٩ - ٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن
ابن سيرين، قال: نبئت أن عمر كان إذا سمع صوتًا أنكره، وسأل عنه، فإن قيل: عرس أو ختان أقره (٤).
[ضعيف] (٥).
стр. 4850
الدليل الخامس:
(٢١٠٠ - ٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن نافع، قال: كان ابن عمر يطعم على ختان الصبيان (١).
وإسناده ضعيف من أجل ليث.
• دليل من قال بالكراهة:
(٢١٠١ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق يعني محمدًا، عن عبيد الله أو عبد الله بن طلحة بن كريز،
عن الحسن قال: دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان، فأبى أن يجيب، فقيل له، فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ ، ولا ندعى له (٢).
[الحسن مختلف في سماعه من ابن أبي العاص] (٣).
стр. 4851
وحمله بعضهم على أنه كان دعوة لختان أنثى، والمستحب إخفاؤه.
• دليل من قال بالإباحة:
قالوا: قلنا بالإباحة لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
(٢١٠٢ - ٥٠) ولما رواه مسلم، من طريق أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ائتوا الدعوة إذا دعيتم (١).
ولم نقل بالاستحباب، لأثر عثمان المتقدم، حيث قال: كنا لا نأتي الختان، ولا ندعى إليه على عهد رسول الله ﷺ . وقد سبق تخريجه، وبيان أنه ضعيف.
• الراجح:
أن إجابة الدعوة مطلقًا واجبة، وهي حق للمسلم على أخيه، ولا دليل في صرفها عن الوجوب، خاصة إذا دعاك بعينك، أما إذا كان أخوك لا يفقدك، وكانت الدعوة عامة للناس، ولم تقصد بالدعوة، ولا يحزن أخوك لفقدك، أو كان يلحقك ضرر بالحضور، إما في دينك، أو في مالك أو في نفسك، فلا بأس بالتخلف. والله أعلم.
* * *
стр. 4852
الفصل العاشر
في ضمان ما أتلف بالختان
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون، والعكس بالعكس، فما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
[م-٨٣١] الخاتن إذا أذن له في الختان، وكان الإذن معتبرًا، وكان هو حاذقًا، ولم تجن يده، ولم يتجاوز ما أذن له فيه، وسرى إليه التلف؛ فإنه لا يضمن لأنه فعل فعلًا مباحًا مأذونًا له فيه، ولم يتعد ولم يفرط.
قال غانم البغدادي من الحنفية: «والفصاد، والبزاغ، والحجام، والختان لا يضمنون بسراية فعلهم إلى الهلاك إذا لم يجاوز الموضع المعتاد المعهود المأذون فيه، هذا إذا فعلوا فعلًا معتادًا، ولم يقصروا في ذلك العمل «(١).
وقال في التبصرة وهو من المالكية: «إذا أذن الرجل لحجام يفصده، أو يختن ولده، أو البيطار في دابة، فتولد من ذلك الفعل ذهاب نفس أو عضو أو تلف الدابة أو العبد، فلا ضمان عليه؛ لأجل الإذن «(٢).
وقال ابن قدامة من الحنابلة: «وإذا ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر
стр. 4853
والبرد، لم يلزمه ضمان إن تلف به؛ لأنه فعل مأمور به في الشرع، فلم يضمن ما تلف به» (١).
وقال أيضًا: إذا فعل الحجام والختان والمطبب ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كله كان فعلًا محرمًا، فيضمن سرايته.
الثاني: ألا تجني أيديهم، فيتجاوز ما ينبغي أن يقطع، فإن كان حاذقًا، وتجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو قطع في غير محل القطع، أو في وقت لا يصلح فيه القطع، وأشباه هذا ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف، لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم، فيضمن سرايته كالقطع ابتداء (٢)
أما إذا تعدى، بأن فعل ما لا يجوز له فعله، أو فرط: ترك ما يجب فعله فمات، فقد اختلفوا في مقدار ما يجب عليه، وإليك النقول عنهم:
مذهب الحنفية:
قالوا: لو قطع الختان حشفة الصبي، فمات منه، يجب عليه نصف الدية، وإن برئ منها يجب عليه الدية كاملة؛ لأنه إذا مات حصل موته بفعلين: أحدهما مأذون فيه: وهو قطع الجلدة. والثاني: غير مأذون فيه، وهو قطع الحشفة، فكان ضامنًا نصف الدية.
وأما إذا برئ جعل قطع الجلدة كأنه لم يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه، فوجب فيه ضمان الحشفة كاملة، وهو الدية كاملة؛ لأنه عضو مقصود، لا ثاني له في النفس، فيقدر ضمانه بالدية كاملة (٣).
стр. 4854
مذهب المالكية:
جاء في التبصرة: «إذا كان الخاتن جاهلًا، أو فَعَلَ فعلًا غير ما أذن له فيه خطأ، أو يجاوز الحد فيما أذن له فيه، أو قصر فيه عن المقدار المطلوب ضمن ما تولد عن ذلك.
قال ابن عبد السلام: وينفرد الجاهل بالأدب، ولا يؤدب المخطئ، وهل يؤدب من لم يؤذن له، فيه نظر» (١).
وجاء في التاج والإكليل: «وإذا أخطأ في فعله، مثل أن يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فتجاوز في القطع، أو الكاوي فتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقطع غير الضرس التي أمر بها، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يَغُرَّ من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله، وإن كان مما لا يحسن، وغَرَّ من نفسه، فعليه العقوبة.
واختلف على من تكون الدية، فقال ابن القاسم: على العاقلة، وظاهر قول مالك أنها عليه، ورجحه الدسوقي في حاشيته، وقال: لأن فعله عمد، والعاقلة لا تحمل عمدًا (٢).
المذهب الشافعي:
ومن ختنه: أي الصبي من ولي أو غيره في سن لا يحتمله، فمات لزمه القصاص، إن علم أنه لا يحتمله، لتعديه بالجرح المهلك؛ لأنه غير جائز في هذه الحالة قطعًا، فإن ظن احتماله، كأن قال له أهل الخبرة يحتمله، فمات، فلا قصاص، ويجب دية شبه العمد، بحثه الزركشي إلا والدًا وإن علا ختنه في سن لا يحتمله، فلا قصاص عليه
стр. 4855
للبعضية، ويجب عليه دية مغلظة في ماله؛ لأنه عمد محض. والسيد في ختان رقيقه لا ضمان عليه، والمسلم في ختان الكافر لا قصاص عليه، فإن احتمله وختنه ولي، فمات، فلا ضمان عليه في الأصح؛ لأنه لابد منه، والتقديم أسهل من التأخير لما فيه من المصلحة. والثاني: يضمن؛ لأنه غير واجب في الحال، فلم يبح إلا بشرط سلامة العاقبة.
ويشمل قوله: (ولي) الأب والجد والحاكم والقيم والوصي: وهو كذلك، واقتضى كلامه أن من ليس بولي يضمن قطعًا. قال الأذرعي: وبه صرح الماوردي وغيره، ونص عليه في الأم لتعديه، فيقتص منه. قال الزركشي: إلا إذا قصد بذلك إقامة الشعار، فلا يتجه القصاص؛ لأن ذلك يضمن شبهة في التعدي (١).
المذهب الحنبلي:
وقال البهوتي: «وإن أمره بالختان ولي الأمر في حر أو برد أو مرض يخاف من مثله الموت من الختان فتلف بسببه ضمنه؛ لأنه ليس له. أو أمره ولي الأمر به، وزعم الأطباء أنه يتلف، أو ظن تلفه ضمن؛ لأنه ليس له» (٢).
وقيل: لا يضمن، وهو رواية عن أحمد (٣).
فملخص البحث أنه إن تعدى أو فرط ضمن لأنه جان والحالة هذه، وإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن؛ لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون، وهذه قاعدة فقهية. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 4856
مبحث
في أجرة الخاتن
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• بذل المال في مقابل الحصول على ما له فيه منفعة مباحة مقصودة جائز شرعًا؟
• يجوز الاستئجار على الختان كما يجوز الاستئجار على قلع الضرس.
• كل الأمور التي تدعو الحاجة إلى فعلها، ولا تحريم فيها يجوز الإجارة فيها، وأخذ الأجر عليها كسائر المنافع المباحة.
[م-٨٣٢] الاستئجار على الختان جائز. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعًا، فجاز الاستئجار عليه، كسائر الأفعال المباحة (١).
وأجرة الختان في مال الصبي، فإن لم يكن له مال، فالأجرة تكون على أبيه، أو على من تجب عليه نفقته (٢).
стр. 4857
وقال القاضي حسين والبغوي: يجب على السيد أن يختن عبده، أو يخلي بينه وبين كسبه ليختن نفسه. قال القاضي: فإن كان العبد زمنًا فأجرة ختانه في بيت المال. قال النووي: وهذا الذي قاله فيه نظر، وينبغي أن يجب على السيد كالنفقة (١).
* * *
стр. 4858
الفصل الحادي عشر
في فوائد الختان
[م-٨٣٣] ذكر الطبيب محمد علي البار في كتابه الختان فصلًا مهمًّا في ذكر فوائد الختان، وقد نقل بحثه من مقالات، وبحوث غربية عن أضرار ترك الختان، وسوف أنقل لك هذا الفصل لأهميته.
نقل الطبيب من مقابلة للدكتور البرفيسور Te Wiseewell نشرته المجلة الإمريكية لطبيب الأسرة، وقد استعرض المكاسب الصحية الهامة للختان من أهمها ما يلي:
الأول: الوقاية من الالتهابات الموضعية، في القضيب الناتجة عن وجود القلفة، ويسمى ضيق القلفة (phimosis) ويؤدي إلى حقب البول، والتهابات حشفة القضيب (Glans penis) ويدعى (Balanitis)، أما التهابات الحشفة والقلفة معًا فيدعى (palani psthitis) وهذه كلها تستدعي إجراء الختان لعلاجها، أما إذا أزمنت فإنها تعرض الطفل المصاب لأمراض عديدة في المستقبل من أخطرها سرطان القضيب.
الثاني: التهابات المجاري البولية.
وقد أثبتت الأبحاث العديدة أن الأطفال غير المختونين يتعرضون لزيادة كبيرة في التهابات المجاري البولية، وفي بعض الدراسات بلغت النسبة ٣٩ ضعف ما هي
стр. 4859
عليه عند الأطفال غير المختونين، وفي دراسات أخرى كانت النسبة عشرة أضعاف، وفي دراسة أخرى تبين أن ٩٥% من الأطفال الذين يعانون من التهابات المجاري البولية هم من غير المختونين، بينما كانت نسبة الأطفال المختونين لا تتعدى ٥%.
والتهابات المجاري البولية عند الأطفال خطيرة في بعض الأحيان، ففي دراسة ويزويل على ٨٨ طفلًا أصيبوا بالتهابات المجاري البولية كان لدى ٣٦% منهم نفس البكتريا الممرضة في الدم، وعانى ثلاثة من هؤلاء من التهابات السحايا، وأصيب اثنان منهم بالفشل الكلوي، ومات اثنان آخران بسبب انتشار الميكروبات الممرضة في الجسم.
الثالث: الوقاية من سرطان القضيب.
فقد أجمعت الدراسات على أن سرطان القضيب يكاد يكون معدومًا لدى المختونين، بينما نسبته لدى غير المختونين ليست قليلة، ففي الولايات المتحدة بلغت نسبة الإصابة بسرطان القضيب لدى المختونين صفرًا، بينما هي ٢.٢ من كل مائة ألف من السكان غير المختونين، وبما أن أغلبية السكان في الولايات المتحدة هم من المختونين فإن حالات السرطان هناك في حدود ٧٥٠ إلى ألف حالة في كل سنة، ولو كان السكان غير مختونين لتضاعف العدد إلى ثلاثة آلاف حالة. وفي البلاد التي لا يختن فيها إلا الأقليات المسلمة مثل الصين ويوغندا فإن سرطان القضيب يشكل ما بين ١٢ إلى ٢٢% من مجموع السرطانات التي تصيب الرجال، وهي نسبة عالية جدًا.
الرابع: الأمراض الجنسية.
فقد وجد الباحثون أن الأمراض الجنسية التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي (غالبًا بسبب الزنا واللواط) تنتشر بصورة أكبر وأخطر لدى غير المختونين، وخاصة الهربس والقرحة الرخوة (Chancroid) والزهري، والكانديدا (فطر المبيضة) والسيلان والثآليل الجنسية.
стр. 4860
وهناك أبحاث عدة تؤكد أن الختان يقلل من احتمال الإصابة بالإيدز، وأن غير المختونين يصابون بالإيدز بنسبة أعلى من قرنائهم من غير المختونين، ولكن ذلك لا ينفي أن المختون إذا تعرض للعدوى نتيجة اتصال جنسي بشخص مصاب بالإيدز قد يصاب بهذا المرض الخطير، وليس الختان واقيًا منه، وليست هناك وسيلة حقيقية للوقاية من هذه الأمراض الجنسية العديدة سوى الابتعاد عن الزنا والخنا واللواط، وغيرها من القاذورات.
الخامس: وقاية الزوجة من سرطان عنق الرحم.
يرتبط سرطان عنق الرحم بعوامل عديدة أهمها: عدد المخاللين لهذه المرأة، وكلما زاد الزنا، وزاد عدد المخللين والمتصلين بها كلما زادت احتمالات الإصابة بهذا المرض الخبيث .. وهذا هو أهم العوامل. وهناك عامل الزمن، فكلما كان التعرض للاتصال الجنسي مبكرًا في حياة المرأة كلما كان احتمال الإصابة بهذا المرض أكثر. وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن زوجات المختونين أقل تعرضًا للإصابة بسرطان عنق الرحم من غير المختونين.
وقد تبين أن سرطان القضيب، وسرطان عنق الرحم كلاهما مرتبط بفيروسات الثآليل الإنساني (Human Papilloma Viruses) وخاصة المجموعة رقم ١٦، ورقم ١٨.
وبما أن هذه الثآليل الجنسية معدية، وبما أن غير المختونين أكثر تعرضًا لهذا، فإن احتمال إصابة زوجة غير المختون أكبر بكثير مما هي عليه عند المختون.
السادس: إن عملية الختان بسيطة وسهلة، وغير مكلفة إذا تم إجراؤها في الطفل المولود. ففي الولايات المتحدة تتم ولادة ١.٨ مليون طفل ذكر سنويًّا، وتبلغ كلفة العملية مائة دولار لكل طفل مولود. أما إذا ترك هؤلاء الأطفال دون ختان فإن ١٠% إلى ١٥% منهم سيحتاجون للختان في سن متقدمة بسبب ضيق القلفة،
стр. 4861
وحقب البول، والتهابات الحشفة، والتهابات الحشفة والقلفة، وذلك يحتاج إلى إدخال المريض المستشفى، وإجراء العملية تحت التخدير العام، وتصل كلفة العملية ما بين ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ دولار بالإضافة إلى التغيب عن الدراسة أو العمل. ومعنى ذلك ببساطة أن إجراء عملية الختان لليافعين والمراهقين سيكلف مابين ٣٦٠ و ٩٠٠ مليون دولار. هذا إذا لم نحسب الأمراض التي يصاب بها غير المختونين، وكلفتها الباهظة .. ولهذا فإن عملية الختان في أثناء الطفولة الباكرة هو عمل اقتصادي كبير.
السابع: إن مضاعفات عملية الختان في الطفولة إذا تم إجراؤها بيد طبيب مجرب ضئيلة جدًا، وهي لا تتعدى اثنين من كل ألف طفل، وأغلبها من النوع البسيط مثل النزف الذي يمكن التحكم فيه بسرعة.
وقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث وفاة واحدة بسبب الختان، وكان الطفل مصابًا بالناعور (الهيموفيليا) والذي أجرى عملية الختان غير طبيب.
الثامن: إن عملية تنظيف القلفة لدى غير المختونين التي يدعو لها بعض الأطباء في الغرب غير مجدية كما يقول البرفيسور ويزويل في مقاله الذي نشرته مجلة طبيب الأسرة الأمريكية، وقد أثبتت الأبحاث العديدة التي أجريت على الأطفال غير المختونين في الولايات المتحدة وأوربا صعوبة تنظيف القلفة (الغرلة) وما تحتها بانتظام، ولا يوجد أي دليل على أن عملية التنظيف ستقي من السرطان والمضاعفات الأخرى المرتبطة بعدم الختان، بل إن الأطباء أنفسهم لا يعرفون كيف يتم تنظيف القلفة بالطريقة المثلى، إذ لا توجد هذه الطريقة مما حدا بجمعية الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية أن تنصح بترك قضيب الطفل دون محاولات التنظيف، وشد القلفة التي قد تنتهي بنزف. والحل الصحيح هو إجراء عملية الختان في وقت مبكر (١).
стр. 4862
هذه بعض الفوائد لعملية الختان، والتي ننهي بها بحث الختان، والذي أرجو أن أكون قد أتيت فيه على جل مباحث الختان. والله الموفق والهادي سواء السبيل.
* * *
стр. 4863
الباب الثاني في الاستحداد
تمهيد في تعريف الاستحداد
تعريف الاستحداد: لغة واصطلاحًا:
الاستحداد لغةً:
مأخوذ من الحديدة، يقال: استحد إذا حلق عانته قال أبو عبيدة كما في تاج العروس: الاستحداد استفعال من الحديدة يعني الاحتلاق بالحديد، استعمله على طريق الكناية والتورية (١).
الاستحداد اصطلاحًا:
لا يفترق المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، حيث عرفه الفقهاء بقولهم: الاستحداد حلق العانة (٢).
وقال النووي: الاستحداد: إزالة شعر العانة: هو الذي حول الفرج، سواء إزالته بنتف أو نورة أو حلق، مأخوذ من الحديدة: وهي الموسى التي يحلق بها (٣).
وعرفه النفراوي من المالكية، فقال: «حلق العانة: هي ما فوق العسيب والفرج،
стр. 4864
وما بين الدبر والأنثيين» (١).
(٢١٠٣ - ٥٤) وقد روى البخاري من طريق شعبة، عن سيار، عن الشعبي،
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، قال: قال رسول الله ﷺ : فعليك بالكيس الكيس (٢).
* * *
стр. 4865
الفصل الأول
حكم الاستحداد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• سنن الفطرة تتعلق بالنظافة، وتركها مناف للفطرة، وللكرامة الآدمية.
• كل طهارة لم تكن عن حدث، ولا عن خبث فالأصل فيها الاستحباب، والتوقيت في تركها أربعين يومًا مشعر بالوجوب؛ لأنه حد ما بين الجائز والممنوع وقد يقال: الممنوع يشمل المحرم والمكروه.
• قول الصحابي وقت لنا، كقوله: أمرنا أو نهينا مرفوع حكمًا.
[م-٨٣٤] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاستحداد سنة (١).
وقيل: الاستحداد واجب، اختاره ابن العربي والشوكاني (٢).
стр. 4866
• دليل الجمهور على الاستحباب:
(٢١٠٤ - ٥٥) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (١).
قال ابن قدامة: وهو ـ يعني الاستحداد ـ مستحب؛ لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه (٢).
وقال النووي: معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان، والمضمضة والاستنشاق (٣)، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره، كما قال تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجب، والأكل ليس بواجب (٤).
• دليل القائلين بالوجوب:
الدليل الأول:
قال ابن العربي: «والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين» (٥).
(٢١٠٥ - ٥٦) ومما يدل على الوجوب ما رواه أحمد، عن يحيى ووكيع، عن
стр. 4867
يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (١).
[صحيح] (٢).
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا العقاب.
فهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة. والاستحداد من سنن الفطرة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن وجوب الاستحداد لابد له من دليل خاص، أما الاستدلال على اقترانه بالشارب ففي ذلك نظر، والله أعلم.
الوجه الثاني:
على تقدير صحة القياس على الشارب، فإن ذلك ليس صريحًا في الوجوب، قال العراقي: «المراد على تقدير ثبوته ليس على سنتنا وطريقتنا لقوله ﷺ : ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فهذا هو المراد قطعًا» (٣).
الدليل الثاني:
(٢١٠٦ - ٥٧) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،
عن أنس بن مالك، قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار،
стр. 4868
ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (١).
[ضعفه ابن عبد البر والعقيلي، وسبق تخريجه] (٢).
فالتوقيت: حد ما بين الجائز والممنوع، فظاهره يدل على وجوب هذه الأفعال.
وإذا لم يعرف الوجوب إلا عن ابن العربي والشوكاني فإن الاعتماد على قولهما ضعيف، لأن عصرهما متأخر، ولا يمكن أن يكون الحق لا يعرف قائل به إلى عصر ابن العربي، فأخشى أن يكون قوله محدثًا، وأنه محجوج بالإجماع قبله، وإن قيل بقولهما من السلف فله وجه، والله أعلم.
* * *
стр. 4869
مبحث
في إجبار الزوج زوجه على الاستحداد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما يمنع من أصل الاستمتاع فللزوج أن يجبرها على رفعه، كالغسل من الحيض، والتضمخ بالنجاسة، وأما إذا وجد منها ما لا يمنع من أصل الاستمتاع، ولكن يمنع كماله، كالتنظف والاستحداد، فهل يجبرها على إزالته؟
• حق الزوج على الزوجة أن تطيعه في كل أمر مباح يأمرها به، فكيف إذا أمرها بما هو مشروع.
وقيل:
• الوطء لا يقف على الاستحداد، فلا يملك الزوج إجبار زوجته عليه.
[م-٨٣٥] إذا قيل: إن الاستحداد واجب فله أن يجبرها قولًا واحدًا؛ لأن الزوج راع في بيته، ومسئول عن رعيته.
وإذا قلنا: إن الاستحداد سنة، فهل له أن يجبرها؟
قيل: له أن يجبرها إذا طال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (١)، وقولٌ
стр. 4870
واحدٌ في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: ليس له إجبارها حتى يفحش بحيث ينفر التواق (٢).
• الراجح من الخلاف:
أن لكل واحد من الزوجين أن يجبر الآخر على التنظف له، وهو من العشرة بالمعروف المأمور بها الزوج بقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩].
وكما أنه يجب للزوج على الزوجة، يجب على الزوج أيضًا، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨].
* * *