قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا الضحاك، وروي عن قيس مسندًا ومرفوعًا (١).
[ضعيف، والمعروف أنه عن قيس مرسلًا] (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: عاب عليهم نتن ريح أظفارهم، لا بطلان طهارتهم، ولو كان مبطلًا للطهارة كان ذلك أهم من نتن الريح، فكان أحق بالبيان (٣).
стр. 4937
خامسًا: أن التشدد في ذلك ليس من هدي السلف، وقد يدخل المرء في الوسواس.
قال البُرْزُلي: سئل السُّيُورِي هل يلزم زوال وسخ الأظفار في الوضوء؟
فأجاب: لا تُعَلق قلبك بهذا إن أطعتني، واترك الوسواس، واسلك ما عليه جمهور السلف الصالح تسلم (١).
• دليل من قال يعفى عن يسير النجاسة في الظفر وغيره:
(٢١٤١ - ٩٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها فقصعته بظفرها (٢).
وهذا دليل على أنه معفو عنه؛ لأن الريق لا يطهره، قال ابن حجر: يحمل حديث الباب على أن المراد: دم يسير يعفى عن مثله. اهـ
وفعلها: إخبار عن دوام هذا الفعل منها، وهو في زمن التشريع، ومثل هذا لا يخفى على النبي ﷺ ، والفعل يتكرر في بيته ﷺ ، ولو لم يطلع الرسول ﷺ فقد اطلع الله، ولو لم يكن صوابًا لم يقره الله (٣).
стр. 4938
• الراجح:
أن يسير النجاسة معفو عنه مطلقًا؛ إذ لو كان غسله واجبًا لجاء الأمر بغسله، والله أعلم.
* * *
стр. 4939
الفصل الخامس
في دفن الظفر والشعر
[م-٨٥١] استحب بعض الفقهاء دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
• دليلهم على هذا الاستحباب:
(٢١٤٢ - ٩٣) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق يونس بن موسى الشامي (٤)، وسليمان بن داود الشاذكوني، قالا: ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، حدثني عبيد الله ابن سلمة بن وهرام،
стр. 4940
عن ميل بنت مشرح (١)، قالت: رأيت أبي قلم أظفاره، ثم دفنها، وقال: أي بنية هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 4941
الدليل الثاني:
(٢١٤٣ - ٩٤) روى البيهقي في شعب الإيمان من طريق عمر بن محمد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ كان يأمر بدفن الشعر والأظفار.
قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، وروي من أوجه كلها ضعيفة (١).
[ضعيف، وفيه انقطاع] (٢).
стр. 4942
الدليل الثالث:
(٢١٤٤ - ٩٥) روى ابن عدي، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى من طريق عن محمد بن الحسن السكوني النابلسي بالرملة، قال: حدث أحمد بن سعيد البغدادي وأنا حاضر، ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، حدثني أبي، عن نافع،
عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : ادفنوا الأظفار والشعر والدم؛ فإنها ميتة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 4943
الدليل الخامس:
(٢١٤٥ - ٩٦) قال العراقي في طرح التثريب: روى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية عمر بن بلال، قال:
سمعت عبد الله بن بسر يقول: قال رسول الله ﷺ : قصوا أظفاركم ودفنوا قلائمكم، وانقوا براجمكم. الحديث.
قال العراقي: وعمر بن بلال ليس بالمعروف، قاله ابن عدي (١).
قلت: والحكيم الترمذي ليس بالحكيم.
الدليل السادس:
قال مهنا: سألت أحمد، عن الرجل يأخذ من شعره وظفره، أيدفنه أم يلقيه؟
قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؟
قال: كان ابن عمر يدفنه (٢).
ولم أقف على إسناد ابن عمر، وراجعت مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وقد ذكر الأول جملة من الآثار عن التابعين، ولم يذكر أثر ابن عمر.
* * *
стр. 4944
الفصل السادس
في إعادة الوضوء بعد تقليم الأظفار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كون الشيء حدثًا يوجب الوضوء متلقى من جهة الشارع، فأكل لحم الإبل حدث، ومس الذكر حدث، وهذه الأشياء غير معقولة المعنى.
• لم يثت أن إزالة التفث يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء.
[م-٨٥٢] من توضأ، ثم قلَّم أظفاره بعد الوضوء أو حلق شعر رأسه، فهل يعيد غسل موضع الأظفار؟ فيه خلاف بين العلماء.
فقيل: لا يعيد.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥).
стр. 4945
وقيل: عليه الوضوء، اختاره مجاهد (١)، وابن جرير (٢).
وقيل: يغسلها بالماء، اختاره عطاء (٣)، وإبراهيم النخعي (٤)، وحماد (٥)، وعبد العزيز ابن أبي سلمة (٦).
• دليل من قال ليس عليه شيء:
(٢١٤٦ - ٩٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن التيمي،
عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره. فقلت له: أخذت من أظفارك ولا تتوضأ؟ قال: ما أكيسك، أنت أكيس ممن سماه أهله كيسًا.
[صحيح] (٧).
الدليل الثاني:
(٢١٤٧ - ٩٨) روى مسدد في مسنده، قال: حدثنا ابن داود، عن شيخ يكنى
أبا عبد الله، عن عمر بن قيس، قال: إن عليًا ﵁، قال: ما زاده إلا طهارة، يعني: الأخذ من الشعر والظفر (٨).
[ضعيف] (٩).
стр. 4946
الدليل الثالث:
قالوا: إن من توضأ الوضوء الشرعي فإنه طاهر بالكتاب والسنة، ولا تنتقض طهارته إلا بدليل شرعي، وليس قص الشعر والظفر حدثًا حتى ينتقض وضوؤه.
• دليل من قال عليه الوضوء أو مسحه بالماء:
لا أعلم له دليلًا من الكتاب أو السنة، أو من قول الصحابة، وقد يكون من رأى الوضوء أن الشعر والظفر إذا حلق، فقد زال الممسوح الذي تعلق به الفرض، وبالتالي فلا بد من إعادة الوضوء أو المسح. والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يشرع الوضوء ولا المسح بعد تقليم الأظفار أو حلق الشعر؛ لأن إيجاب ذلك أو استحبابه يحتاج إلى دليل ولا دليل.
* * *
стр. 4947
مبحث
في غسل رؤوس الأصابع بعد القص
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الاستحباب حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي.
[م-٨٥٣] استحب الشافعية والحنابلة غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار.
قال ابن قدامة: قيل إن الحك قبل غسلها يضر بالجسد (١).
وقال في حاشية الجمل: «إن الحك بها قبل الغسل يورث البرص» (٢).
ولا أعلم دليلًا على هذا الاستحباب، ولا يصح الضرر من جهة الطب.
* * *
стр. 4948
الباب الرابع في نتف الإبط
تمهيد في تعريف الإبط
تعريف الإبط.
الإبط: بالكسر باطن المنكب، وقيل: باطن الجناج.
وهو مذكر، وقد يؤنث، قاله اللحياني، والتذكير أعلى. وحكى الفراء عن بعض العرب: فرفع السوط حتى برقت إبطه.
والجمع: آباط.
وتأبطه: وضعه تحت إبطه. ومنه تأبط شرًّا (١).
ونتف الإبط: هو إزالة ما عليه من الشعر عن طريق النتف.
* * *
стр. 4949
الفصل الأول
حكم نتف الإبط والتوقيت فيه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• سنن الفطرة تتعلق بالنظافة، وتركها مناف للفطرة، وللكرامة الآدمية.
• كل طهارة لم تكن عن حدث، ولا عن خبث، فالأصل فيها الاستحباب، والتوقيت في تركها أربعين يومًا مشعر بالوجوب؛ لأنه حد ما بين الجائز والممنوع وقد يقال: الممنوع يشمل المحرم والمكروه.
• قول الصحابي وقت لنا، كقوله: أمرنا أو نهينا، مرفوع حكمًا.
• نتف الإبط معتبر بطوله، فمتى طال الشعر نتفه، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال.
• ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك قبل ذلك، والضابط في هذا وجميع خصال الفطرة الحاجة.
[م-٨٥٤] الخلاف في نتف الإبط كالخلاف في الاستحداد، وتقليم الأظفار
فالجمهور على أنه سنة، حتى قال النووي: متفق على أنه سنة (١).
واختار ابن العربي، والشوكاني أنه واجب (٢).
стр. 4950
راجع أدلة كل قول في حكم الاستحداد وتقليم الأظفار.
وأما التوقيت فيه، فالقول فيه كالقول في التوقيت في حلق العانة، وقد فصلنا الأقوال فيه والراجح، فارجع إليه غير مأمور.
• وملخص الأقوال فيه كالتالي:
قيل: يستحب أن ينتف إبطه كل جمعة، وبعضهم قال في كل أسبوع مرة. وهو مذهب الحنفية (١)، وهو قول بعض المالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا وقت له، ويقدر بالحاجة، وهو يختلف من شخص إلى آخر، والمعتبر طولها، فمتى طال الشعر نتفه، وبه قال مالك (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، وقال
стр. 4951
ابن عبد البر: إنه قول الأكثر (١).
وأما ترك النتف أكثر من أربعين يومًا.
فقيل: يحرم. وهو مذهب الحنفية (٢)، ورجحه الشوكاني (٣).
وقيل: يكره كراهية شديدة، وهو مذهب الشافعية (٤)،
والمشهور عند الحنابلة (٥).
* * *
стр. 4952
الفصل الثاني
في كيفية نتف الإبط
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا أمرنا بشيء، ولم نؤمر بصفته، كانت الصفة إلى الفاعل.
• استحباب صفة في العبادة، كاستحباب أصلها، يحتاج إلى توقيف.
• مقصود الشارع إزالة الشعر؛ إذ به تحصل النظافة، والنتف وسيلة، وإذا لم تكن الوسيلة مقصودة لنفسها قام غيرها مقامها مما يحصل معه مقصود الشارع.
• الوسائل إذا لم تكن مقصودة لنفسها لا تتعين.
[م-٨٥٥] تكلم الفقهاء في كيفية نتف الإبط:
فقيل: له إزالة الإبط بما شاء (١).
وقيل: لا تحصل السنة إلا بالنتف، وإن كان غيره جائزًا، فالنتف أفضل (٢).
تعليل من أجازه بأي شيء، قال: إن المقصود النظافة، وهذا حاصل إذا زال بأي مزيل.
• دليل من قال بأن السنة النتف:
(٢١٤٨ - ٩٩) استدل بالخبر، فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن
стр. 4953
سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (١).
قال ابن دقيق العيد: نتف الآباط: إزالة ما عليها من الشعر بهذا الوجه: أعني النتف، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال ما دلت عليه السنة أولى، وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول (الاستحداد)، وفي الثاني: (النتف) وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محلهما، ولعل السبب فيه أن الشعر بحلقه يقوي أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطباء تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها، فناسب أن يسن فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، فُرِجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (٢).
وقال ابن دقيق العيد أيضًا: «من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدم، ثم قال: وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبًا يحتمل أن يكون مقصودًا في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور، لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن كان جلده رقيقًا» (٣).
وقد صرح الشافعي بأن السنة النتف فقط، فقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي، ورجل يحلق إبطه،
стр. 4954
فقال: إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده (١).
* * *
стр. 4955
الفصل الثالث
الوضوء من نتف الإبط
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كون الشيء حدثًا يوجب الوضوء متلقى من جهة الشرع، لا من جهة العقل، فاعتبار أكل لحم الإبل ومس الذكر حدثًا غير معقول المعنى.
• لم يثت أن زوال التفث والمغسول والممسوح، يعتبر حدثًا ناقضًا للوضوء.
[م-٨٥٦] الخلاف في الوضوء من نتف الإبط كالخلاف فيه من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
وقد ذكرنا هناك ثلاثة أقوال:
الأول: ليس عليه شيء، وهو الراجح.
الثاني: عليه إعادة الوضوء.
الثالث: عليه غسل موضعه فقط أو مسحه إن كان ممسوحًا. وقد نسبنا كل قول إلى قائله، وذكرنا أدلة كل قول، فارجع إليه غير مأمور. ونذكر من الآثار ما لم نذكره هناك، منها:
(٢١٤٩ - ١٠٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن عبيد الله ابن العيزار،
عن طلق بن حبيب، قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا حك إبطه أو مسه، فقال: قم فاغسل يديك أو تطهر (١).
стр. 4956
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل، طلق لم يدرك عمر] (١).
(٢١٥٠ - ١٠١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد،
عن عبد الله بن عمرو أنه كان يغتسل من نتف الإبط (٢).
[إسناده صحيح والأعمش عده الحافظ ممن تقبل عنعنته]
والاغتسال هنا كالاغتسال للتبرد، فلعله فعله طلبًا للنظافة من أثر الشعر، كما يغتسل الإنسان بعد حلق شعره، وليس هذا كالاغتسال للجنابة أو للجمعة، إذ لو كان واجبًا لبينه الرسول ﷺ .
(٢١٥١ - ١٠٢) وروى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: ليس عليه وضوء في نتف الإبط (٣).
стр. 4957
[ضعيف] (١).
(٢١٥٢ - ١٠٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام،
عن الحسن أنه سئل عن الرجل يمس إبطه، فلم ير به بأسًا إلا أن يدميه (٢).
[صحيح].
(٢١٥٣ - ١٠٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون،
عن محمد، قال: هؤلاء يقولون: من مس إبطه أعاد الوضوء، وأنا لا أقول ذلك، ولا أدري ما هذا (٣).
[صحيح].
قال ابن حزم: برهان إسقاطنا الوضوء من كل ما ذكرنا، هو أنه لم يأت قرآن، ولا سنة، ولا إجماع بإيجاب وضوء في شيء من ذلك، ولا شرع الله تعالى على أحد من الإنس والجن إلا من أحد هذه الوجوه، وما عداها فباطل، ولا شرع إلا ما أوجبه الله ﵎، وأتانا به رسوله ﷺ (٤).
* * *
стр. 4958
الباب الخامس في الشارب
مدخل:
[م-٨٥٧] المسلم مطلوب منه التميز عن غيره من الكفار، ولهذا نهي أن يلبس لباسهم، وأن يوافقهم في الظاهر، لما في ذلك من التشبه فيهم، والتشبه في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) (١).
وفي قص الشارب
стр. 4959
وإحفاؤه تحقيق لجانب من جوانب التميز من جهة، وفيه أيضًا من النظافة ما فيه.
قال ابن دقيق العيد: «في قص الشارب وإحفائه وجهان:
أحدهما: مخالفة زي الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح،
стр. 4960
حيث قال: (خالفوا المجوس).
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام (١).
وقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود: «الحكمة في قص الشوارب أمر ديني، وهو مخالفة شعار المجوس في إعفائه، كما ثبت التعليل به في الصحيح، وأمر دنيوي: وهو تحسين الهيئة، والتنظف مما يعلق به من الدهن، والأشياء التي تلصق بالمحل كالعسل، والأشربة، ونحوها.
وقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين؛ لأنه يؤدي إلى قبول قول صاحبه، وامتثال أمره من أرباب الأمر كالسلطان، والمفتي والخطيب، ونحوهم، ولعل في قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٦٤]، إشارة إليها، فإنه يناسب الأمر بما يزيد في هذا، كأنه قال: قد أحسن صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، وكذا قوله تعالى حكاية عن إبليس: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [النساء: ١١٩]، فإن إبقاء ما يشوه الخلقة تغيير لها، لكونه تغييرًا لحسنها، ذكر ذلك كله تقي الدين السبكي» (٢).
المقصود بالشارب: الشعر النابت على الشفة العليا، واختلف في جانبيه، وهما السبالان:
فقيل: هما من الشارب، فيشرع قصهما.
وقيل: هما من جملة شعر اللحية. ذكر ذلك الحافظ في الفتح، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله عن ذلك.
وقص الشارب: هو الإطار، وهو طرف الشعر المستدير على الشفة (٣).
وقيل: الشارب: اسم لمحل الشعر، كما ذكره في التحقيق.
* * *
стр. 4961
الفصل الأول
حكم قص الشارب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصل في الأمر الوجوب إلا لقرينة صارفة، والصارف هنا ما نقل من إجماع على أن قص الشارب ليس بواجب.
[م-٨٥٨] اختلف الفقهاء في قص الشارب.
فقيل: سنة، وهو عامة الفقهاء (١).
وقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (٢)، وابن العربي والشوكاني (٣).
стр. 4962
• دليل القائلين بالوجوب:
الدليل الأول:
أمر الرسول ﷺ بإحفاء الشوارب، والأصل في الأمر الوجوب، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].
(٢١٥٤ - ١٠٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع،
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه. وهو في مسلم دون الموقوف على ابن عمر (١).
وفي رواية للبخاري: (أنهكوا الشوارب) (٢).
وفي رواية لمسلم: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (٣).
(٢١٥٥ - ١٠٦) وروى مسلم، قال: حدثني أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا ابن
أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (٤).
(٢١٥٦ - ١٠٧) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،
стр. 4963
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (١).
وإذا كان إعفاء اللحية واجبًا على قول، فقص الشارب كذلك.
الدليل الثاني:
(٢١٥٧ - ١٠٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى، عن يوسف بن صهيب (ح) ووكيع، ثنا يوسف، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيدًا لهذا الوعيد.
الدليل الثالث:
قوله ﷺ في الحديث: (خالفوا المشركين) وقوله ﷺ : (خالفوا المجوس) هذه الصيغة تقتضي التحريم؛ لأن التشبه بالمشركين لا يجوز، فلما أمر بإحفاء الشارب، وقرن ذلك بمخالفة أهل الشرك والضلال تأكد الوجوب.
• ونوقش:
بأن التعليل بمخالفة المشركين قد يكون قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الكراهة، فالأصل أن ما كانت علته المخالفة فهو محمول على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فقد يصل الأمر إلى ما أهو أعلى من التحريم كالشرك، وقد يصل الأمر إلى ما هو أدنى من الكراهة، وهو ما يعبر عنه بخلاف الأولى كترك الصلاة بالنعل، فإن لم
стр. 4964
يكن هناك قرينة فالكراهة هي الأصل (١)، خاصة أن عمدة من قال إن الأصل في مخالفة المشركين هو الوجوب حديث من تشبه بقوم فهو منهم، وهو حديث ضعيف (٢).
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: «وأما أمره ﷺ بذلك مخالفة للمجوس والمشركين فلا يلزم منه الوجوب؛ لأن مخالفتهم قد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كقوله ﷺ : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٣).
• دليل القائلين بان قص الشارب سنة .
حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأخذ من الشارب ليس واجبًا منهم القرافي في الذخيرة (٤).
وقال الباجي في المنتقى: «استدل القاضي على نفي وجوبه ـ يعني نفي وجوب الختان ـ بأنه قرنه النبي ﷺ بقص الشارب، ونتف الإبط، ولا خلاف أن هذه ليست بواجبة» (٥).
وقال العراقي: «فيه استحباب قص الشارب، وهو مجمع على استحبابه، وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه لقوله: قصوا الشوارب» (٦).
وقال النووي: «وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة» (٧).
стр. 4965
وقال الشوكاني: قص الشارب سنة بالاتفاق» (١).
ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد أنه قال: «لا أعلم أحدًا قال بوجوب قص الشارب» (٢).
والسلف على استحباب قص الشارب ولم يحكوا خلافًا بينهم إلا في صفة الأخذ من الشارب، هل المستحب القص أو الحلق عدا ابن حزم وابن العربي فإنهما قالوا بوجوب القص، فمثلهما يكون الإجماع قبلهما حجة عليهما، ولا يعتبر خلافهما مع تأخرهما خارقًا للإجماع المتقدم، فهذا الإجماع من السلف هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وابن حزم قد انتقد في حكايته للإجماع، فهو ....
وحملوا حديث: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) حملوه على حديث: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) أي ليس على طريقتنا، وسنتنا. وقد أجبت عن ذلك فيما سبق في باب الاستحداد.
* * *
стр. 4966
الفصل الثاني
في تقديم القص على الحلق في الشارب
[م-٨٥٩] اختلف الفقهاء في الشارب هل يقص أو يحلق؟
فقيل: يقص، ولا يحلق، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)،
وقول في مذهب أحمد (٣).
قال مالك: أرى أن يؤدب من حلق شاربه، وقال أيضًا: حلقه من البدع، وكان يرى أن حلقه مثلة (٤).
стр. 4967
وقيل: الحف أولى من القص، قال الطحاوي: وهو مذهب أبي حنيفة،
وأبي يوسف (١)، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: يخير بين القص والإحفاء، وهو مذهب الإمام الطبري (٣).
• دليل من قال: السنة قص الشارب:
الدليل الأول:
(٢١٥٨ - ١٠٩) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (٤).
الدليل الثاني:
(٢١٥٩ - ١١٠) روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني،
عن أنس بن مالك قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (٥).
الدليل الثالث:
(٢١٦٠ - ١١١) ما رواه أحمد من طريق يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار،
стр. 4968
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (١).
[صحيح] (٢).
الدليل الرابع:
(٢١٦١ - ١١٢) روى أبو داود الطيالسي، قال: قال حدثنا المسعودي، قال: أخبرني أبو عون الثقفي محمد بن عبد الله (٣)،
عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ رأى رجلًا طويل الشارب، فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه (٤).
[أبو عون لم يسمع من المغيرة، والقصة ثابتة للمغيرة نفسه من طريق أخرى] (٥).
стр. 4969
الدليل الخامس:
(٢١٦٢ - ١١٣) روى أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه،
عن أبي هريرة، يعني: عن النبي ﷺ قصوا الشوارب وأعفوا اللحى (١).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢).
стр. 4970
الدليل السادس:
(٢١٦٣ - ١١٤) روى الإمام أحمد من طريق حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقص شاربه، وكان أبوكم إبراهيم من قبله يقص شاربه.
[اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه على ابن عباس] (١).
стр. 4971
الدليل السابع:
(٢١٦٤ - ١١٥) روى البيهقي، من طريق عبدالرزاق، حدثنا: معمر عن عبد الله ابن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس في قوله : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) [البقرة: ١٢٤]، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
[صحيح] (١).
الدليل الثامن:
(٢١٦٥ - ١١٦) روى مسلم في صحيحه، من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق ابن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة، قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة: قال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ] (٢).
стр. 4972
الدليل التاسع:
(٢١٦٦ - ١١٧) روى ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء،
عن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية.
[رجاله ثقات] (١).
الدليل العاشر:
(٢١٦٧ - ١١٨) روى مالك في الموطأ، قال: عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: الله ﵎: وقارًا يا إبراهيم فقال: رب زدني وقارًا.
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه (٢).
[رجاله ثقات، إلا أنه موقوف على سعيد] (٣).
الدليل الحادي عشر:
(٢١٦٨ - ١١٩) روى الطبراني في الأوسط من طريق أبي يحيى الحماني، عن يوسف بن ميمون، عن عطاء،
стр. 4973
عن ابن عباس، قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، قال: إن الله ورسوله حرم عليكم شرب الخمر، وثمنها، وحرم عليكم أكل الميتة، وثمنها، وحرم عليكم الخنازير وأكلها وثمنها، وقال: قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى، ولا تمشوا في الأسواق إلا وعليكم الأزر، إنه ليس منا من عمل سنة غيرنا (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني عشر:
(٢١٦٩ - ١٢٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائد بن حبيب، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نؤمر أن نوفي السبال، ونأخذ من الشوارب (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 4974
الدليل الثالث عشر:
(٢١٧٠ - ١٢١) روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، قال: حدثنا الحوطي، أخبرنا ابن عياش،
عن شرحبيل بن مسلمة، رأيت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : أبا أمامة الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعتبة بن عبد السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، والمقدام بن معدي كرب الكندي ﵃ يقمون شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفرونها، وكانوا يقمون من طرف الشفة (١).
ورواه البيهقي من طريق الحوطي، بلفظ: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقصون شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفرونها، ثم ذكر أسماء الصحابة (٢).
[حسن، وابن عياش روايته عن أهل بلده حسنة] (٣).
الدليل الرابع عشر:
(٢١٧١ - ١٢٢) روى الطبراني من طريق إسحاق بن عيسى الطباع، قال: رأيت مالك بن أنس وافر الشارب، فسألته عن ذلك، فقال: حدثني زيد بن أسلم،
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ (٤).
стр. 4975
[رجاله ثقات إلا إسحاق بن عيسى فإنه صدوق، وقد توبع، ولكن إسناده منقطع، عامر بن عبد الله لم يدرك عمر] (١).
• دليل من قال: السنة الحلق:
الدليل الأول:
(٢١٧٢ - ١٢٣) روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع،
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، واحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه، وهو في مسلم دون الموقوف (٢).
وفي رواية للبخاري: أنهكوا الشوارب (٣).
وفي رواية لمسلم: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى (٤).
الدليل الثاني:
(٢١٧٣ - ١٢٤) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (٥).