← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

المبحث الثاني حكم الأخذ من اللحية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • تحريم الأخذ من اللحية مطلقًا لم يعرف عن أحد من أهل العلم. • فهم الصحابة من الأمر بإعفاء اللحية تحريم الحلق لا تحريم الأخذ، وهم الحجة. الإعفاء له معنيان: الترك، والتكثير، وإذا حمل الصحابة والسلف المعنى على أحدهما وأهمل الآخر لم يحل التمسك بالمعنى المهمل بحجة اللغة. • الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، لحديث: كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. • اللغة أحد أدوات فهم النص، والاعتماد عليها وحدها بمعزل عن فهم السلف نزعة ظاهرية لفهم النص الشرعي، وهو أحد الأسباب في عدم فهم المسألة. • من أراد أن يفهم النص الشرعي فعليه أن يقف على فهم السلف، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم. • الأخذ من اللحية في النسك دليل على جوازه مطلقًا، فالنسك لا يبيح الحرام لذاته، وإنما قد يمنع من المباح زمن الإحرام [م-٨٦٣] اختلفوا في حكم الأخذ من اللحية من غير حلق، فقيل: يكره أن يأخذ منها في غير النسك، وهو مذهب الشافعية (١).

стр. 5007

وقيل: له الأخذ منها، وهو مذهب كثير من أصحاب النبي ﷺ (١)، والحسن

стр. 5008

وابن سيرين (١)، وقتادة (٢)، وعطاء (٣)، والشعبي (٤)، والقاسم بن محمد (٥)، وطاووس (٦)، وإبراهيم النخعي (٧)، ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٨)، واستحبه الشافعي في النسك (٩)، واختاره الطبري (١٠)، ورجحه ابن عبد البر (١١)، والقاضي عياض (١٢)، والغزالي من الشافعية (١٣)، والحافظ ابن حجر (١٤)، وغيرهم.

стр. 5009

• والقائلون بالأخذ منها اختلفوا في المقدار على قولين: الأول: أنه لا حد لمقدار ما يؤخذ منها، إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، وهو مذهب المالكية (١).

стр. 5010

والقول الثاني: أنه يؤخذ منها ما زاد على القبضة، وهو فعل ابن عمر (١). ثم اختلفوا في حكم أخذ ما زاد على القبضة على خمسة أقوال: فقيل: يجب أخذ ما زاد على القبضة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، واختاره الطبري ﵀ (٣). وقيل: إنه سنة، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)، واستحسنه الشعبي وابن سيرين (٥). وقيل: إنه بالخيار، فله أخذ ما زاد على القبضة وله تركه، نص عليه أحمد (٦)، وظاهر هذا القول أنه يرى أن الأخذ من اللحية وتركها على الإباحة. وقيل: الترك أولى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٧). وقيل: يكره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة (٨).

стр. 5011

• دليل من كره أن يأخذ من اللحية شيئًا إلا في النسك: الدليل الأول: (٢١٨٧ - ١٣٨) روى البخاري، قال: حدثني محمد، أخبرنا عبدة، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى (١). وفي رواية لمسلم: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (٢). (٢١٨٨ - ١٣٩) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (٣). (٢١٨٩ - ١٤٠) وروى مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (٤). وجه الاستدلال: قوله: (أعفوا اللحى)، والإعفاء في اللغة هو الترك. • ويجاب بأجوبة منها: الأول: ليس الإعفاء في الحديث هو الترك، بل الإعفاء في الحديث هو التكثير،

стр. 5012

كما يفهم من قوله تعالى: (حَتَّى عَفَوا) أي حتى كثروا، فمن أعفى لحيته بمقدار القبضة فقد كثرت لحيته، وصدق على لحيته أنها قد عفت، وأن صاحبها قد أعفاها، هذا هو المنقول لغة، وهو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، وسائر الفقهاء. جاء في المصباح المنير: «عفا الشيء: كثر، وفي التنزيل: (حَتَّى عَفَوا) [الأعراف: ٩٥]، أي حتى كثروا. ومنه عفا بنو فلان إذا كثروا. وعفوت الشعر: أي تركته حتى يكثر ويطول، ومنه: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (١). وجاء في إكمال المعلم في شرح فوائد مسلم: «قوله: (وأعفوا اللحى) وفي رواية: (أوفوا اللحى)، وهما بمعنى: أي اتركوها حتى تكثر وتطول. ثم قال: وقال أبو عبيد: في إعفاء اللحى: هو أن توفر، وتكثر، يقال: عفا الشيء: إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا. وعفا: إذا درس، وهو من الأضداد، ومنه الحديث: (فعلى الدنيا العفا) أي الدروس (٢). وجاء في فتح الباري: «ذهب الأكثرون إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب» (٣). وقال السندي: «المنهي قصها كصنع الأعاجم، وشعار كثير من الكفرة، فلا ينافيه ما جاء من أخذها طولًا ولا عرضًا للإصلاح» (٤). وقال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدًا فهم من الأمر في قوله: (أعفوا اللحى) تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس (٥).

стр. 5013

الجواب الثاني: قال: معنى (أعفوا اللحى): أي أعفوها من الإحفاء. قال القاضي أبو الوليد: ويحتمل عندي أنه يريد أن تعفى من الإحفاء؛ لأن كثرتها ليس بمأمور بتركه (١). الجواب الثالث: وهذا قوي قال: إن اللفظ المطلق أو العام يقيد ويخصص بعمل الصحابة، أو بعضهم، وهي مسألة خلافية بعد الاتفاق على أن الصحابي إذا وجد من يخالفه فلا يخص به النص العام، ولا يقيد به المطلق (٢).

стр. 5014

قال بعض العلماء المعاصرين: إذا كان عمل الصحابة خلاف العام أو خلاف المطلق، يكون العام والمطلق غير مراد، أو بعبارة أخرى، إذا كان فرد من أفراد العموم أو المطلق لم يجر العمل به، كان هذا الفرد غير مراد، وعليه فالمطلق في قوله ﷺ : (أعفوا اللحى) غير مراد، لعدم جريان العمل به، فقد ثبت عن السلف الأخذ من اللحية، وكان معروفًا عندهم، وفيهم من روى العموم المذكور، كابن عمر، وحديثه في الصحيحين، وأبي هريرة وحديثه في مسلم وغيرهما. اهـ وسوف أسوق الآثار عن الصحابة في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. ولا يقال: إن فعل الصحابة يعارض النص، نعم يعارض النص لو أن ما جاء عن الصحابة يقتضي حلق اللحية، والنص يأمر بإعفاء اللحية، فحينئذ يقال: بينهما تعارض؛ لأنه يلزم من فعل هذا إبطال ذاك، أما الإعفاء فحقيقته لفظ مجمل، يصدق عليه إذا ترك اللحية حتى تكثر، فإذا أخذ ما زاد على القبضة لا يقال: إن هذا لم يعف لحيته، والله أعلم. الدليل الثاني على كراهة الأخذ من اللحية خارج النسك: أن فعل الرسول ﷺ مبين لقوله ﷺ : (أعفوا اللحى) حيث لم يثبت عن النبي ﷺ لا قولًا ولا فعلًا أنه أخذ من لحيته، فيكون فعله مبينًا للمجمل في أمره ﷺ بإعفاء اللحية،

стр. 5015

وقول الشارع لا يقيده إلا نص منه، فالمطلق باق على إطلاقه، وكذا العام، وفعل الراوي ليس بحجة، لأن الحجة فيما روى، لا فيما رأى، خاصة أن فعله لم ينسبه للشرع، وقد يفهم الراوي خلاف المراد، وإن كان هذا نادرًا، وقد ينسى، ويبقى الشأن ليس للراوي عصمة، وإنما العصمة للنص، والله أعلم. • أدلة القائلين بجواز الأخذ من اللحية: الدليل الأول: (٢١٩٠ - ١٤١) روى البخاري في صحيحه، قال: قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه (١). ورد هذا: بأن هذا الفعل من ابن عمر خاص بالنسك، ويجاب بأنه ثبت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته خارج النسك كما سيأتي ذكره إن شاء الله بسند في غاية الصحة، ولو كان الأخذ من اللحية محرمًا لذاته لم يكن مباحًا في النسك، فالشعر يمكن أن يكون مباحًا أخذه فيحرم من أجل النسك، كحلق الرأس، أما أن يكون الشعر محرمًا ثم يبيحه النسك فهذا ما لا يعرف نظيره في الشرع، بل يقال: حرم الأخذ من الشعر بسبب النسك، فحين تحلل ابن عمر رجع إلى الأخذ من الشعر كما كان مباحًا له قبل النسك، هذا ما يفهم من النص، وسيتأكد لك ذلك في آخر البحث. الدليل الثاني: (٢١٩١ - ١٤٢) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن عمرو بن أيوب من ولد جرير،

стр. 5016

عن أبي زرعة، قال: كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل منها (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (٢١٩٢ - ١٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية. [صحيح] (٣). وقد فسر الآية بمثل ما فسرها ابن عباس تابعيان جليلان: مجاهد، ومحمد بن كعب القرضي.

стр. 5017

أما تفسير مجاهد، فقد أخرجه الطبري، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى (ح). (٢١٩٣ - ١٤٤) وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ثم ليقضوا تفثهم. قال: حلق الرأس وحلق العانة وقص الأظفار وقص الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية (١). (٢١٩٤ - ١٤٥) وأما تفسير محمد القرظي، فهو عند الطبراني أيضًا: قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر،

стр. 5018

عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول في هذه الآية: ثم ليقضوا تفثهم: رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية، والأظفار، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة (١). الدليل الرابع: (٢١٩٥ - ١٤٦) روى أبو داود، قال: حدثنا ابن نفيل، ثنا زهير، قرأت على عبدالملك بن أبي سليمان، وقرأه عبد الملك على أبي الزبير، ورواه أبو الزبير عن جابر قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة (٢). [حسن] (٣). قال الحافظ في الفتح: «قوله: (نعفي) بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرًا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة: جمع سبلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك» (٤). وقوله: (كنا نعفي) حكاية عن الصحابة، كلهم أو أكثرهم، وهذا يؤيد أن الأخذ من اللحية لم يكن من فعل ابن عمر وحده، ولكن من فعل غالب الصحابة. والسبال هنا المراد به اللحية، وإن كان قد يطلق على الشارب، لأنه لا يعقل أن الصحابة لا يأخذون من شواربهم إلا في حج أو عمرة، فهذا قرينة أن المراد به شعر اللحية، وعلى هذا التفسير يطابق ما كان يفعله ابن عمر ﵁، وبه يصح أن الصحابة كلهم أو غالبهم كانوا يأخذون من شعر اللحية في النسك، والله أعلم.

стр. 5019

وإذا ثبت أن الصحابة يأخذون من اللحية في النسك، فإن هناك مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: هل كان الصحابة يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، هذا الحكم الذي يعرفه آحاد المسلمين في بلادنا؟ المقدمة الثانية: إذا كانوا لا يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، فإن السؤال، هل كان الصحابة لا يعرفون لغة مدلول كلمة الإعفاء في الأمر النبوي؟ وهذا أيضًا لا يمكن أن يقال: إن الصحابة، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل التشريع، لا يمكن أن يقال: لا يعرفون مدلول كلمة الإعفاء. فبقي أن نقول بعد التسليم بالمقدمتين: وهو كون الأمر بإعفاء اللحية معلومًا لدى الصحابة، ومعنى الإعفاء معلوم أيضًا، فيبقى التسليم لفهم الصحابة أولى من التسليم لفهم من دونهم. السؤال الآخر: هل كان ابن عمر لا يأخذ من لحيته إلا في النسك؟ والجواب: ثبت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته خارج النسك. (٢١٩٦ - ١٤٧) روى مالك في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج لم يأخذ من رأسه، ولا من لحيته شيئًا حتى يحج (١). وهذا الإسناد من أصح الأسانيد، وفيه فائدتان: الفائدة الأولى: أن ابن عمر ﵄ كان يمتنع من الأخذ من لحيته بقيدين: الأول: بعد الإفطار من رمضان، وأما قبل الإفطار فكان يأخذ من رأسه ولحيته مطلقًا، نوى الحج أو لم ينو.

стр. 5020

الفائدة الثانية: أن ابن عمر بعد الإفطار من رمضان يأخذ من لحيته ورأسه إلا أن ينوي الحج، فإن كان بنيته الحج كف عن الأخذ من رأسه ولحيته ليأخذ منهما بعد تحلله. والذي يظهر أن ابن عمر لا يرى أن الأخذ من اللحية له علاقة بالنسك، وإنما لما كان ممنوعًا من الأخذ من لحيته ورأسه بعد تلبسه بالإحرام عادت الإباحة بعد تحلله من إحرامه وارتفاع الحظر، فصار حلالًا له الأخذ من لحيته كما كان قبل إحرامه يأخذ من لحيته قبل إفطاره من رمضان. قال ابن عبد البر في الاستذكار: «لما كان حرامًا عليه أن يأخذ من لحيته وشاربه، وهو محرم، رأى أن ينسك بذلك عند إحلاله» (١). فتبين أن دعوى أصحابنا أن ابن عمر لم يكن يأخذ من لحيته إلا في النسك دعوى ليست صحيحة. قال ابن عبد البر: هذا ابن عمر روى: (أعفوا اللحى) وفهم المعنى، فكان يفعل ما وصفنا، وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج. الجواب الثاني: على فرض أن يكون الصحابة لم يأخذوا من لحاهم إلا في النسك، فهل كان الأخذ محرمًا والنسك أباح لهم انتهاك المحرم؟ أو يقال: إن فعلهم في النسك دليل على أن الترك خارج النسك لم يكن واجبًا، فقد يستحبون الإعفاء كما قال عطاء: كانوا يحبون أن يعفوا لحاهم إلا في حج أو عمرة، وقد يكره بعضهم الأخذ منها، أما أن يكون الشيء محرمًا ثم يبيحه النسك فهذا القول لا يقوم على فقه ولا نقل. والدليل على هذا: أولًا: أن اللحية لا تعلق لها بالنسك، وإنما النسك في شعر الرأس خاصة، وقد بين الرسول ﷺ النسك من قوله، ومن فعله، وقال: خذوا عني مناسككم، ولم ينقل

стр. 5021

عن الرسول ﷺ في بيان النسك أن اللحية لها تعلق به، فبطل اعتقاد أن الأخذ منها خاص بالنسك. وثانيًا: أن السلف فهموا جواز الأخذ منها ملطقًا، ولم يقيدوه في النسك فيما أعلم إلا الشافعية فإنهم كرهوه خارج النسك، ولم يحرموه، وعبر بعضهم بالأولى كما هي عبارة العراقي، وقد سقتها عند عرض الأقوال. ثالثًا: ولأني لا أعرف أحدًا من السلف حرم الأخذ من اللحية مطلقًا، فمن ادعى تحريم أخذ ما زاد من القبضة من فهم السلف فليأت به، ولا أعلم أحدًا قال به إلا بعض المعاصرين في البلاد النجدية، قاله الشيخ تفقهًا، وقلده طلابه من غير بحث، وهو فهم لم يسبق إليه، ولم يوافق عليه من سائر البلاد الإسلامية، ومن ادعى فهمًا من النص لم يسبق إليه فهو رد عليه، وإني أدعو القوم إلى ترك أقوالهم إلى أقوال السلف، ومن دعانا إلى تقليده تاركين مذهب السلف فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. رابعًا: ولأن أحدًا لا يستطيع أن يقول: إن الصحابة الذين أخذوا من اللحية في النسك لم يعفوا لحاهم حينئذ، وقد تشبهوا في المشركين في ترك الإعفاء. أو يقول: إن التشبه بالمشركين في ترك إعفاء اللحية داخل النسك مباح، وإذا كان خارج النسك كان محرمًا، فلابد من القول بأن الصحابة، وإن أخذوا من لحاهم داخل النسك لم يخرجوا عن حد الإعفاء، وإذا كانوا لم يخرجوا عنه داخل النسك، لم يخرجوا عنه خارج النسك، والعجب أن قومًا من الحنابلة ينقمون علينا اتباع الدليل وتعظيم الآثار في مسائل كثيرة يكون فيها المذهب الحنبلي خلاف القول الراجح، ويدعوننا إلى التقليد واتباع الرجال، وترك الاجتهاد، وفي هذه المسألة التي وافقت مذهب أحمد من قوله وفعله لم تعجبهم، فخالفوا منهجهم في اتباع التقليد، فإن كان التقليد لمذهب الحنابلة هو الراجح عندهم فلم الغضب والمسألة لم تخرج عن مذهب الحنابلة؟ وإن

стр. 5022

كان التقليد باطلًا والمسألة من باب تعظيم الدليل، فلماذا ينقمون علينا في هذه المسألة وفي غيرها حرصنا على اتباع الدليل ومخالفة المذهب، ولكن كما يقال: لهوى النفوس سريرة لا تعلم. الدليل الرابع: (٢١٩٧ - ١٤٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة (١). وهذا إسناد في غاية الصحة. وقد حاول الإخوة القائلون بالتحريم بتحريف معنى هذا النص، فحملوه بأن الصحابة كانوا يوجبون إعفاء اللحية إلا في حج أو عمرة، مع أن معناه ظاهر: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية: أي كانوا يستحبون إعفاء اللحية إلا في حج أو عمرة، ودلالته على الاستحباب ظاهرة لأمرين: الأول: أن التعبير بالمحبة ليست من عبارات الوجوب لا في اللغة، ولا في الشرع، فلا يصح أن يقال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية كانوا يوجبون إعفاء اللحية. (٢١٩٨ - ١٤٩) روى الشيخان من حديث أبي هريرة: إن الله وتر يحب الوتر (٢). فهل كان الوتر واجبًا حين عبر النبي ﷺ بأن الله يحب الوتر. (٢١٩٩ - ١٥٠) وروى الشيخان من طريق مسروق، عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله (٣).

стр. 5023

(٢٢٠٠ - ١٥١) وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه (١). (٢٢٠١ - ١٥٢) وقال الحسن كما في الطهور للقاسم بن سلام: كانوا يحبون أن يذكروا الله على طهارة (٢). قال ابن رجب في شرحه للبخاري: «قال النخعي: كانوا يحبون أن يصلوا قبل الجمعة أربعًا. خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العيدين بإسناد صحيح» (٣). (٢٢٠٢ - ١٥٣) وروى ابن أبي شيبة من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة، وأول عمرة، وإسناده صحيح. قال ابن حجر في الفتح: «وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا للزوم» (٤). فالتعبير بالمحبة سواء كانت مضافة لله سبحانه، أو للرسول ﷺ ، أو للصحابة، أو للتابعين لم تدل هذه النصوص على الوجوب، فكذلك قولهم: كانوا يحبون أن يعفوا لحاهم إلا في حج أو عمرة ليست دالة على تحريم الإخذ من اللحية ووجوب الإعفاء. الفائدة الثانية: أن الأخذ من اللحية لو كان محرمًا لذاته هل كان النسك يبيحه؟ النسك لا يبيح الحرام، وقد قدمت عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته وأنه لا يدع الأخذ منها إلا إذا أفطر من رمضان ونوى الحج، رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الموطأ، وإسناده أعلى درجات الصحة. الدليل الخامس: (٢٢٠٣ - ١٥٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن الحسن، قال:

стр. 5024

كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها (١). [وسنده ضعيف، ولكن يشهد له ما حكاه عطاء بسند صحيح]. الدليل السادس: (٢٢٠٤ - ١٥٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا هناد، حدثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته، من عرضها وطولها. [ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 5025

الدليل السابع: (٢٢٠٥ - ١٥٦) ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق يحيى بن أبي طالب، عن شبابة، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا مجفل الرأس واللحية، فقال: على ما شوه أحدكم أمس، قال: وأشار النبي ﷺ إلى لحيته ورأسه يقول: خذ من لحيتك ورأسك (١). [ضعيف] (٢).

стр. 5026

وله شاهدان مرسلان صحيحًا الإسناد: (٢٢٠٦ - ١٥٧) فقد روى أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان - يعني ابن معاوية - عن عثمان بن الأسود، سمع مجاهدًا يقول: رأى النبي ﷺ رجلًا طويل اللحية، فقال: لم يشوه أحدكم نفسه (١). وأما الشاهد الثاني: (٢٢٠٧ - ١٥٨) فقد رواه مالك في الموطأ، قال: عن زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس، كأنه شيطان (٢). [ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وليس صريحًا في الأخذ من اللحية] (٣). الدليل الثامن: (٢٢٠٨ - ١٥٩) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق أبي غانم محمد بن يوسف الأزرق، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أحمد بن الوليد وإبراهيم بن الهيثم البلدي، قالا: حدثنا أبو اليمان، حدثنا عفير بن معدان، عن عطاء، عن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : لا يأخذ أحدكم من طول لحيته، ولكن من الصدغين. قال ابن مخلد: أحمد بن الوليد المخرمي لا يسوى فلسًا (٤).

стр. 5027

[ضعيف أو ضعيف جدًّا] (١). الدليل التاسع: (٢٢٠٩ - ١٦٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن سماك بن يزيد قال: كان علي يأخذ من لحيته مما يلي وجهه (٢). [ضعيف] (٣). الدليل العاشر: (٢٢١٠ - ١٦١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، قال: قال جابر: لا نأخذ من طولها إلا في حج أو عمرة (٤).

стр. 5028

[ضعيف] (١). الراجح من الأقوال: أرى أن القول بأن الأخذ مما زاد علي القبضة من اللحية جائز، ولا يجب، (٢٢١١ - ١٦٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يأخذ من لحيته، ولا يوجبه (٢). ولم أقل بوجوبه، لأن الأمر لم يثبت فيه قول أو فعل من رسول الله ﷺ ، غاية ما فيه النقل عن الصحابة، وأفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب، فكذلك أفعال غيره من باب أولى، ولو كان مستحبًا أو واجبًا لجاء الأمر به من الشارع، وما كان ربك نسيًا، ولا يقال: إن هذا الفعل بيان للمجمل في قوله ﷺ : (أعفوا) فيأخذ حكمه؛ لأن فعل بعض الصحابة لا يعطى حكم فعل الرسول ﷺ مع إمكان الفعل من النبي ﷺ ، فإما أن يقال: إن الرسول ﷺ وإن كانت له لحية كبيرة إلا أنها لم تبلغ ما يدعو إلى الأخذ منها، فلم تتجاوز القبضة، وهذا هو المنصوص عليه كما سيأتي. وإما أن يقال: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، وهذا مسلم في ظاهره، لكن يبعد أن يكون الرسول ﷺ يفعله، ولا ينقل بالوقت الذي نقل فيه فعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم. والأدلة على أن الرسول ﷺ كان كثيف اللحية، (٢٢١٢ - ١٦٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبدالواحد، قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير،

стр. 5029

عن أبي معمر، قال: قلنا لخباب: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته (١). (٢٢١٣ - ١٦٤) وروى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا أدهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية. الحديث (٢). والله أعلم. (٢٢١٤ - ١٦٥) وروى النسائي، قال: أخبرنا علي بن الحسين، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ رجلًا مربوعًا، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية، تعلوه حمرة، جمته إلى شحمتي أذنيه، لقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت أحسن منه (٣). [رجاله ثقات، والحديث في الصحيحين وليس فيه كث اللحية] (٤).

стр. 5030

وله شاهد من حديث علي عند أحمد، وفيه ابن عقيل (١)، ومن حديث هند بن

стр. 5031

أبي هالة وهو ضعيف (١). وكونه ﷺ كث اللحية لا يلزم منه أنها طويلة؛ فقد فسر أهل اللغة من اللغويين والفقهاء أن كلمة كث تعني الشعر الكثير غير الطويل. جاء في تاج العروس: «كث اللحية وكثيثها، أراد كثرة أصولها وشعرها، وأنها ليست بدقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة». وجاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، وهو من أهل اللغة والفقه، قال: كث اللحية: الكثاثة في اللحية: أن تكون غير رقيقة ولا طويلة، ولكن فيها كثافة» (٢). فهذا تفسير أهل اللغة والفقه: أن لحية الرسول ﷺ كثيرة الشعر، ليست بالطويلة، وإذا لم تكن طويلة لم يستدل على كون الرسول ﷺ لم يأخذ من لحيته على تحريم الأخذ من اللحية الطويلة.

стр. 5032

وكذلك جاء في مسلم: (كان كثير شعر اللحية) ولا يلزم منه أن تكون طويلة إلى حد تتجاوز القبضة، والله أعلم. والأخذ من اللحية ليس واجبًا؛ لكون النصوص عن الصحابة مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وفي دلالته على الاستحباب نظر، فإن كان من أمور العبادات كان مستحبًا، وإن كان من قبيل العادات كان مباحًا. والقول بتحريم الأخذ من اللحية قول شاذ، لا أعلم أحدًا من السلف قال به، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، يحكى عن غالبهم كما في أثر جابر وعطاء بن أبي رباح، ومن فعل ابن عمر، ولم ينقل إنكار الصحابة رضوان الله عليهم. أيظن بالصحابة أنهم يجهلون الأمر بإعفاء اللحية الذي يعرفه عوام المسلمين في بلادنا، خاصة وفيهم ممن روى أحاديث الإعفاء. أو يظن بهم أنهم لا يعرفون مدلول كلمة (أعفوا) وهم أهل اللسان، وبلسانهم نزل القرآن، أو يظن أننا أشد غيرة من الصحابة، حيث ننكر على من أخذ من لحيته، وقصر في هذا صحابة رسول الله ﷺ ، وهم أنصح الناس. وهؤلاء أئمة التابعين، عطاء في مكة، والقاسم في المدينة، وقتادة، والحسن وابن سيرين في البصرة (١)، والشعبي (٢)، وإبراهيم النخعي في الكوفة (٣)، وطاوس في اليمن، وغيرهم من أئمة الفقه والدين يرون جواز الأخذ من اللحية، فهذه بلاد المسلمين في زمن التابعين لا تكاد ترى بلدًا إلا وفيه من العلماء من يذهب إلى جواز

стр. 5033

الأخذ من اللحية، ولا يعلم لهم مخالف، أيظن بهم أنهم قد ظلوا في هذه المسألة؟ قد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين. وهؤلاء الأئمة الأربعة يذهبون إلى جواز الأخذ منها وأضيق المذاهب مذهب الشافعي ﵁ فإنه قيد استحباب الأخذ في النسك، وإذا كان الأخذ منها في النسك لا ينافي الإعفاء، فكذلك الأخذ منها في غير النسك (١).

стр. 5034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5035

وهذا ابن عبد البر (١)، والقاضي عياض (٢)، وابن جرير الطبري (٣)، والطيبي (٤) والغزالي من الشافعية (٥)، والحافظ ابن حجر (٦) يرون جواز الأخذ من اللحية. وقال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه (٧). فقل بالله عليك مَنِ العلماء غيرهم؟ أفيكون قول يراه كل هؤلاء من لدن الصحابة حتى عصر الإمام أحمد، أفيكون قولًا شاذًا مخالفًا لسنة النبي ﷺ . وقد اعترض ابن هانئ على أحمد بأحاديث الأعفاء، فأخبر بأن هذا من الإعفاء والله أعلم. وقد كتب لي بعض الإخوة كتابًا خاصًا مستنكرًا أني أرى الإجماع على جواز

стр. 5036

الأخذ من اللحية، ومستشهدًا بأن قتادة كان يكره الأخذ من اللحية، وأن الكراهة في لغة السلف تعني التحريم، لا غير. ولي وقفة مع هذا الفهم: القول الأول: ننقل النص عن قتادة، ثم نتبين هل يصح حمل الكراهة على التحريم، أو لا يصح. قال الغزالي في الإحياء: «وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها عافية أحب» (١). فقول الحسن وقتادة: (تركها عافية أحب)، قد ذكرت قبل أن كلمة (أحب) صيغة لا تعني التحريم لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في لغة السلف، ولا في لغة الفقهاء، وهي قرينة على أن ما حكي عن قتادة من الكراهة فهي على بابها، وليس مقصوده التحريم. فـ (أحب) أفعل تفضيل ومعناه تركها أحب من القص منها، وهو دليل على الكراهة. ثانيًا: قد نقل ابن عبد البر والطبري عن قتادة أنه كان يكره أن يأخذ من لحيته إلا في حج أو عمرة (٢)، واستثناء النسك من الكراهة دليل على أن الكراهة على بابها؛ لأن النسك لايبيح ما كان محرمًا لذاته، خاصة أن اللحية لا تعلق لها بالنسك. ثالثًا: أن من حكى الخلاف من الفقهاء لم ينقل عنه القول بالتحريم، فالشافعية كانوا يكرهون الأخذ منها إلا في النسك، وهو نفس قول قتادة، والكراهة عندهم على بابها؛ لأن المعتمد في المذهب كراهة الحلق، وهو اختيار النووي والرافعي وجماعة. رابعًا: على التسليم بأن قتادة روي عنه الكراهة وأن هذا ثابت عنه، فإن الكراهة في لغة الشارع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال ﷺ : كان يكره النوم قبلها

стр. 5037

والحديث بعدها، وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، فحمل المشترك على أحد معانيه تحكم، كيف وقد وجدت أكثر من قرينة على أنه محمول على الكراهة. خامسًا: أصحابنا لا تعرف لهم طريقة، فتشوا عن قول بالكراهة يروى عن قتادة مذكور في كتب الفقه، فطاروا به، ثم حملوه على التحريم جزمًا، ثم جاءوك يحلفون بالله إنه هو القول الصحيح، وما عداه بدعة من القول، وماذا سيكون موقفهم لو أنني أخذت بقول قال به قتادة صريحًا وليس محتملًا، ومسندًا وليس معلقًا، ولم ينقل عنه خلافه كهذه المسألة، وخالف في ذلك قولًا يشتهونه، وكان ممن قال بقولهم الأئمة الأربعة، وأئمة التابعين ومن بعدهم كيف سيكون موقفهم مني، وكيف ستكون التهم خارجة منهم لكان أكثرهم ورعًا من يقول عني: إنني أتتبع الأقوال الشاذة، لبعض العلماء، وأن هذا دليل على رقة في ديني، واتباع لهواي، والبحث عن الرخص، كيف يسوغ للدبيان أن يدع أقوال الصحابة، وأقول التابعين، والأئمة الأربعة ثم يتبع قولًا لقتادة، وهل هناك شذوذ أكثر من أن تنقروا عن قول قال به قتادة دون غيره، وصرح بالكراهة، ولم يصرح بالتحريم، ثم حملتوه لهوى في نفوسكم على التحريم، ثم خلطتم معه أقوالًا منكرة لم أتكلم فيها البتة، ثم حشرتوني مع من قال بحل الغناء، وكشف الوجه، والربا وجملة من المخالفات، ثم أشعرتم القارئ بأن هؤلاء فريق واحد هدفهم هدم ثوابت الدين، ألا تستحون من الله، ألا تعرفون عدلًا لإخوانكم ممن ينتسب لنفس المنهج، كيف يطمع منكم بالعدل مخالفكم، بل كيف يطمع أعدائكم بعدلكم، إذا كان هذا حيفكم على إخوانكم، والله الذي لا إله غيره لو وقف ضدي العالم كله على صعيد ما تركت ما أراه حقًا من أجل جلبتكم وصراخكم، ولو انقطع كل ود بيني وبين إخوتي على أن أترك ما راه حقًا ما تركته، ولن أردد ما تريدون طلبًا لكسب مودتكم على حساب ديني، وما أومن به، وافعلوا كيف ما شئتم، فلن يزيدني ذلك إلا قناعة بأنكم أهل حيف وظلم وجور، ولن آسف على قوم يصرمون حبالهم إذا اختلفت معهم في مسألة فقهية ظنية وإن اتفقت معهم في المنهج والاعتقاد، بل وفي آلاف المسائل فلا كنتم ولا كان

стр. 5038

الأصحاب من أمثالكم. موقف آخر يكشف لك مقدار العدل عندهم. طار بعض الإخوة بما قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «والمختار ترك اللحية على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلًا» (١). فحملوا عبارة النووي ما لا تحتمل، وأن النووي يرى التحريم جزمًا لقوله: والمختار ترك اللحية على حالها. وهذا النص لا يدل على تحريم الأخذ؛ لأن المجمل من كلام النووي يحمل على المفسر الواضح، وقد قال في المجموع: «والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقًا» (٢). هذا من جهة ومن جهة أخرى، هل أصحابنا هؤلاء أعلم من أصحاب الشافعية وقد نقلوا عن النووي والرافعي كراهة حلق اللحية، وليس تحريم الأخذ منها؟ جاء في إعانة الطالبين: «قال الشيخان: يكره حلق اللحية .... والمعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام وابن حجر في التحفة، والرملي، والخطيب، وغيرهم الكراهة» (٣). وفي حاشية الشرواني: «قال الشيخان: يكره حلق اللحية» (٤). وإذا كان هذا رأي النووي والرافعي في حلق اللحية، كيف يرى تحريم الأخذ منها، وكيف تدل عبارته: «والمختار تركها على حالها». أنه يقصد بذلك التحريم، هل حملكم على هذا التفسير الجهل، أو الهوى؟ وكلاهما قبيح بالمرء، خاصة إذا أخذ يضلل مخالفيه، ويرميهم بأشنع التهم. * * *

стр. 5039

الفصل الثالث حلق ما تحت الذقن مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • اللحية في الفقه واللغة لا يدخل فيها ما تحت الذقن. [م-٨٦٤] اختلف الفقهاء في حلق ما تحت الذقن: فقيل: يجوز حلق ما تحت الذقن، وهو مذهب الحنابلة (١)، واختاره أبو يوسف من الحنفية (٢). وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (٣)، ونقل عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك، حتى قال: إنه من فعل المجوس (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥).

стр. 5040

فإن كان ما تحت الذقن من الشعر يعتبر من اللحية أخذ حكمه حكم حلق اللحية، وإن لم يكن من اللحية، كان حكمه حكم سائر شعر البدن، كالساق والصدر ونحوهما، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه حلقه، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه نهى عن حلقه، وما سكت عنه فهو عفو. وقد سبق لنا تعريف اللحية في الفقه واللغة: فقيل: اللحية: شعر الخدين والذقن. وقيل: الشعر النازل على الذقن. وعلى كلا القولين ليس داخلًا في مسمى اللحية، وما تحت الذقن من الشعر ليس له حكم شعر الوجه في وجوب غسله في الوضوء، فلا يدخل في المواجهة. فالصحيح أن كل شعر ليس على اللحيين فإنه غير داخل في شعر اللحية، بما في ذلك شعر الخد، والله أعلم. * * *

стр. 5041

الفصل الرابع في نتف الشيب مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • النهي عن نتف الشيب يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم، وتعليل النهي يؤيد أن النهي للكراهة، وهو قول عامة أهل العلم. [م-٨٦٥] فقيل: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن تيمية (٤). وقيل: لا بأس بنتف الشيب، اختاره بعض الحنفية (٥).

стр. 5042

وقيل: يتوجه احتمال أنه يحرم، قاله ابن مفلح (١)، ولم يستبعده النووي (٢)، وحكى ابن الرفعة تحريمه عن نص الأم (٣). • دليل من قال بالكراهة: (٢٢١٥ - ١٦٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه ما من عبد يشيب في الإسلام شيبة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة (٤). [حسن] (٥).

стр. 5043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5044

وله شواهد، منها. الشاهد الأول: حديث أبي هريرة (٢٢١٦ - ١٦٧) روى ابن حبان في صحيحه من طريق حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام كتب له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة (١). [محمد بن عمرو ضعيف في أبي سلمة] (٢).

стр. 5045

الشاهد الثاني: حديث فضالة بن عبيد. (٢٢١٧ - ١٦٨) رواه أحمد، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن حنش، عن فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قال: من شاب شيبة في سبيل الله كانت نورًا له يوم القيامة، فقال رجل عند ذلك: فإن رجالا ينتفون الشيب، فقال رسول الله ﷺ : من شاء فلينتف نوره. [فيه ابن لهيعة، لكن الراوي عنه قتيبة بن سعيد، وروايته عنه أعدل من غيرها، وقد توبع] (١). الشاهد الثالث: (٢٢١٨ - ١٦٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن
следующие страницы →