الدليل الخامس:
(٢٢٣٣ - ١٨٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا حسين وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا عبيد الله يعنى ابن عمرو، عن عبد الكريم، عن ابن جبير -قال أحمد: عن سعيد بن جبير-
عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد. قال حسين: كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (١).
[رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وقفه ورفعه] (٢).
• وأجيب بأجوبة:
الأول: ضعف الحديث؛ لأن في إسناده اختلافًا، وقد ناقشت هذا في التخريج.
قال أبو حفص الموصلي: قد ورد: (يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد، لا يريحون رائحة الجنة)، ولا يصح في هذا الباب شيء غير قوله في حق أبي قحافة: (وجنبوه السواد) والجواب عنه من وجهين: ثم ذكرهما (١).
الجواب الثاني:
أن الوعيد الشديد ليس على الصبغ بالسواد، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر، كما قال الحافظ ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له (٢)، وابن الجوزي كما
стр. 5084
سيأتي عنه، ويدل على ذلك قوله ﷺ يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم ﵃، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضاب بالسواد؛ إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
قلت: قد يكون فائدة ذكر آخر الزمان أنه يكثر فيه، وينتشر، بخلاف ما وجد في العصر الأول، فإن الصبغ من آحادهم، وعلى كل حال هذا تأويل للنص والذي ينبغي على طالب العلم أن يترك تأويل النصوص وحملها على خلاف الظاهر، وإذا كنا نعيب على أهل البدع تأويل نصوص الصفات، فكيف نسمح لأنفسنا أن نقبل به هنا، وما الفائدة من ذكر هذا الخبر إذا كان على معصية لم تعلم، ويكون الخبر لغوًا لا فائدة فيه؛ لأننا لا نعلم جرمهم لنتقيه، غاية ما فيه أن في آخر الزمان قومًا لايريحون رائحة الجنة، ثم القاعدة الأصولية: أن الحكم إذا رتب على وصف فإنه يدل على أن الوصف علة في الحكم، فلو قال قائل: إن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ) [النور: ٢].
لو قال: إن الجلد ليس على الزنا، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر هل يمكن أن يقبل ذلك منه؟
الثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع، لا مطلقا جمعًا بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق (١).
قال ابن الجوزي: إنما كرهه - يعني الصبغ بالسواد - قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى درجة التحريم إذا لم يدلس، فيجب به هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد، ثم نقول على تقدير الصحة يحتمل أن يكون المعنى: لا يريحون ريح الجنة لفعل
стр. 5085
صدر منهم أو اعتقاد، لا لعلة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم، فعرفهم بالسيما، كما قال في الخوارج: سيماهم التحليق، وإن كان تحليق الشعر ليس بحرام (١).
الجواب الرابع عن الحديث:
لقد صبغ جماعة من أصحاب النبي ﷺ بالسواد، أيكون الصبغ متوعدًا عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون؟!!، ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم.
• وأجيب:
بأننا إنما نحتاج إلى الرد إلى أقوال الصحابة وأفعالهم فيما لم يرد فيه نص، أما ما ورد فيه نص فلا يحتاج الأمر إلى الرجوع إلى أفعال الصحابة، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩]، فإذا كانت السنة واضحة صريحة فلا ترد إلى غيرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك مسائل كثيرة خالف فيها بعض الصحابة النص المتفق عليه، ومع ذلك لم يقدح هذا في النص، أرأيت إلى لبس خاتم الذهب جاء فيه النص واضحًا بتحريمه، ومع ذلك جاء عن عدد من الصحابة كانوا يلبسون خاتم الذهب، فهل كان ذلك علة في رد النص؟
وقد يقال: إن الرجوع إلى فهم الصحابة يتعين لفهم النص، وفهمهم أولى من فهم غيرهم، فيحمل على أن النهي للكراهة لمخالفتهم النهي، لكن يشكل عليه قوله في الحديث: (لا يرح رائحة الجنة) لا يقال مثل هذا في المكروه، والله أعلم.
الجواب الخامس:
أن العقوبة الواردة في الحديث مبالغ فيها، وقد يكون من أسباب ضعف الحديث
стр. 5086
أن يرتب على العمل اليسير ثواب عظيم، أو عقاب كبير كما ذكر ذلك العلماء، وهذا يقال هنا لأن الإسناد ليس من القوة (١)، فالتحريم نحتاج للقول به إلى إسناد صحيح خال من النزاع؛ لأن الأصل الحل، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع.
• وأجيب:
بأن الشرع هو الذي يقدر أن الذنب يسير أو عظيم، ولذلك ورد وعيد شديد في المسبل إزاره،
(٢٢٣٤ - ١٨٥) فقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار، قالوا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحر،
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟
стр. 5087
قال: المسبل، والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (١).
فلا يمكن أن نعل الحديث بأن ذنب الإسبال يسير فكيف يتوعد عليه بمثل هذه العقوبة، والله أعلم.
الدليل السادس:
(٢٢٣٥ - ١٨٦) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا صدقة بن منصور بحران، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عاصم بن سليمان التميمي، عن إسماعيل بن أمية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: جيء بأبي قحافة إلى النبي ﷺ يوم الفتح، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال: النبي ﷺ : غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد (٢).
[موضوع بهذا الإسناد] (٣).
الدليل السابع:
(٢٢٣٦ - ١٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى، قال: حدثني عبد الله بن المؤمل،
стр. 5088
عن عكرمة بن خالد، قال: أتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ وكأن رأسه ثغامة، فبايعه رسول الله ﷺ ثم قال: غيروا رأس الشيخ بحناء.
[ضعيف وذكر الحناء فيه منكر] (١).
الدليل الثامن:
(٢٢٣٧ - ١٨٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة،
عن عبد الملك، قال: سئل عطاء عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هو مما أحدث الناس، وقد رأيت نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رأيت أحدًا منهم يختضب بالوسمة، ما كانوا يخضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة (٢).
[صحيح].
• وأجيب:
أولًا: لا شك أنه ثبت عن بعض الصحابة الصبغ بالأسود، ثبت عن الحسن من طرق كثيرة وبعضها صحيح، وثبت عن عقبة بن عامر بسند صحيح، وسيأتي النقول عنهم إن شاء الله.
(٢٢٣٨ - ١٨٩) ثانيًا: قد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن إسرائيل،
стр. 5089
عن عبد الأعلى، قال: سألت ابن الحنفية عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هي خضابنا أهل البيت (١).
[حسن].
ثالثًا: أن الصبغ بالأسود على فرض أن جميع الصحابة لم يصبغوا به، لم ينقل عن الصحابة أيضًا أنهم كرهوه أو منعوه، ولو نقل لكان صالحًا للحجة.
وقال بعضهم: إن الوسمة صبغ ليس بالأسود، قيل: إن كان كذلك لم يكن قول عطاء بأن الصبغ به حدث دليل أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود، فإما أن تعتبره أسود فالجواب عنه ما علمت، أو ليس بالأسود فلا تستدل به على أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود.
الدليل التاسع:
(٢٢٣٩ - ١٩٠) ما رواه ابن عدي من طريق رشدين بن سعد، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن قسيط،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ إن الله يبغض الشيخ الغربيب.
قال أحمد: قال رشدين: الذي يخضب بالسواد (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 5090
• دليل القائلين بكراهة الخضاب بالسواد:
جمعوا بين النهي عن الخضاب بالسواد، وبين فعل الصحابة على أن النهي ليس للتحريم، ولو كان للتحريم لما خضب جمع من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال ابن القيم: «صح عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كان يخضبان بالسواد، ذكر ذلك عنهما ابن جرير في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو ابن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام» (١).
فذكر ابن القيم ثمانية من أصحاب النبي ﷺ يصبغون بالسواد، أيكون الصبغ متوعدًا عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون؟! ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم، فإما أن نقول: إن فعل مثل هؤلاء يقدح في المنقول من النهي، وهذا غير جيد، أو نقول: إن فعل هؤلاء يبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، فيكون من أجازه لم يعارض من كرهه، والجواز لا ينافي الكراهة كما هو
стр. 5091
معروف، ومن خضب بالسواد فهم أن الأمر على التخيير. والله أعلم.
قال ابن القيم: وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب (١).
وسوف أحاول تخريج بعض الآثار عن الصحابة ﵃، لأن أقوالهم ليست كأقوال غيرهم.
(٢٢٤٠ - ١٩١) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن الزهري، قال: إن الحسين بن علي يخضب بالسواد. قال معمر: رأيت الزهري يغلف بالسواد وكان قصيرًا (٢).
(٢٢٤١ - ١٩٢) وروى عبد الرزاق أيضًا، قال: عن معمر، عن الزهري قال: كان الحسن بن علي يخضب بالسواد (٣).
الأثر الثاني:
(٢٢٤٢ - ١٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثنا أبو عشانة المعافري، قال:
رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول:
نسود أعلاها وتأبى أصولها ... ........................ (١).
الأثر الثالث:
(٢٢٤٣ - ١٩٤) روى ابن أبي الدنيا في العمر والشيب، قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، عن زاجر بن الصلت، عن الحارث بن عمرو،
стр. 5094
عن البحتري بن عبد الحميد، أن عمر بن الخطاب قال: نعم الخضاب السواد هيبة للعدو ومسكنة للزوجة (١).
[ضعيف] (٢).
الأثر الرابع:
(٢٢٤٤ - ١٩٥) روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا نعيم بن حماد، ثنا رشدين بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن سعد بن أبي وقاص كان يخضب بالسواد.
[ضعيف] (٣).
الأثر الخامس:
(٢٢٤٥ - ١٩٦) روى الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن منصور الكلبي قال حدثني سليم أبو الهذيل قال:
стр. 5095
رأيت جرير بن عبدالله يخضب رأسه ولحيته بالسواد (١).
الأثر السادس:
(٢٢٤٦ - ١٩٧) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،
أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى عمرو بن العاص وقد سود شيبه، فهو مثل جناح الغراب، فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: أمير المؤمنين أحب أن ترى في بقية، فلم ينهه عمر ﵁ عن ذلك، ولم يعبه عليه، وتوفي عمرو بن العاص وسنه نحو من مائة سنة.
[ضعيف] (٢).
أما الآثار عن التابعين فهي كثيرة جدًّا، ولكن لما كانت المسألة فيها أحاديث اكتفيت بها؛ لأن الاستدلال بأقوال التابعين إنما يستأنس بها إذا لم يكن في المسألة سنة عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه، فإننا نرجع إلى آثار السلف من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 5096
• دليل من قال يجوز تغيير الشيب بالسواد:
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الإباحة، والنهي في المسألة ليس محفوظًا.
قال يحيى: سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق (١).
وإمام بمثل مالك، وهو في المدينة قد رأى فقهاء التابعين وأخذ منهم يرى أنه لم يسمع في الصبغ بالسواد شيئًا دليل على أن أحاديث النهي في الباب لا تصح.
الدليل الثاني:
(٢٢٤٧ - ١٩٨) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن،
إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث يقتضي الأمر بالصبغ، ولم يقيد صبغًا دون صبغ، فبأي شيء صبغ الرجل فقد امتثل الأمر.
الدليل الثالث:
(٢٢٤٨ - ١٩٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد وابن نمير قالا: ثنا محمد بن عمرو
стр. 5097
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى (١).
[حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب، فله أن يغيره بأي شيء؛ لأن الحديث مطلق لم يقيد بشيء.
الدليل الرابع:
(٢٢٤٩ - ٢٠٠) ما رواه مسلم، من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح- ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة، فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء (٣).
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديثين السابقين.
• وأجيب عن هذا:
بأن الأمر المطلق بتغيير الشيب مقيد بالأحاديث الأخرى، وهو النهي عن
стр. 5098
الأسود، كما في حديث جابر وأنس وغيرهما.
ورد هذا:
بأنه لم يثبت النهي عن الأسود، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(٢٢٥٠ - ٢٠١) ما رواه ابن ماجه قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي: محمد ابن فراس، أخبرنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد بن صيفي، عن أبيه،
عن جده صهيب الخير قال قال رسول الله ﷺ : إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد؛ أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم.
[ضعيف] (١).
الدليل السادس:
أن أبا بكر صبغ بالحناء والكتم، والحناء والكتم يعطي نوعًا من اللون الأسود، وذلك لأن الأسود درجات، منه: الأسود الداكن، ومنه الأسود الفاتح، وبينهما درجات، يسميه بعضهم باللغة المعاصرة البني الغامق، وهي لون من درجات اللون
стр. 5099
الأسود، فلما أذن في الحناء والكتم دل على إذنه بالأسود، لكن قد يكون الحناء له نفع للبشرة والشعر، فخص بالنص، وهو دليل على جوازه بغير الحناء والكتم مما يعطي لونهما. والله أعلم.
• دليل القائلين بأنه يجوز للمرأة دون الرجل:
قالوا: إن الزينة للمرأة مطلوبة، ولذلك جاز لها خضاب اليدين والرجلين، ولا يجوز ذلك في حق الرجل، وجاز لها لبس الذهب دون الرجل، والأحاديث الواردة إنما ثبتت في حق الرجل، كحديث: (وجنبوه السواد) وحديث يكون قوم آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، قد جاء في بعض الفاظه: (يخضبون لحاهم بالسواد). والله أعلم.
هذا بعض ما وقفت عليه من أدلة الفريقين، والقول بالتحريم قول قوي، والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب. وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره.
فهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن يريان الجواز، وقال ابن عابدين: ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. وهذا مالك يقول: لا أعلم فيه شيئًا.
وهذا الإمام أحمد يكره الصبغ، ويفسرها أكثر أصحابه بأنها كراهة تنزيه.
والصواب أن كل ما قيل: مكروه في كتب المذاهب الفقهية، ولم نعلم أنهم يريدون به كراهة التحريم، فإنه يحمل على كراهة التنزيه:
أولًا: لأن اصطلاح الكراهة عند الفقهاء يختلف اصطلاحه في نص الشارع، وإنما اشتهر هذا المصطلح أعني إطلاق الكراهة على كراهة التنزيه عند الفقهاء.
ثانيًا: أنهم صرحوا بالمقصود به، فلا نتكلف في صرفه (١).
стр. 5100
وقد حاولت قدر الإمكان عرض أدلة الفريقين بكل حياد؛ لأن نصوص المعرفة
стр. 5101
حق للقارئ، لا يجوز إذا رجحت قولًا أن أغمط أدلة القول الآخر؛ ولأن فهم النص قد أُوافَق عليه وقد أُخَالف، وفرق بين رأي العالم واجتهاده وبين النص؛ لأننا لو جعلنا فهم النص بمنزلة النص ألغينا الاجتهاد، والعصمة إنما هي للنص، وليست لفهم النص، فلا يخلط بينهما، فيبقى على طالب العلم أن يذكر النصوص، والقارئ يرجح ما يراه، ولا ينبغي أن نصادر حق القارئ بالترجيح، فأتحامل فأسوق كل دليل أراه يؤيد رأيي، ولو كان بتأويل سائغ أو غير سائغ، وأغض الطرف عن أدلة القول الآخر بسبب أنه لم يترجح لي، وأتكلف التأويل، ورحم الله ابن القيم فإنك حين تقرأ له مسألة خلافية، يجمع لكل قول ما يمكن أن يكون مؤيدًا له، ويسوق له الأدلة من هنا وهناك حتى تظن أنه يرى هذا القول، ثم في آخر الأمر يتبين لك أنه لا يراه، ولكن فرق بين أن أعطي كل قول حقه من الأدلة، وبين أن أغمط أدلته خشية أن يترجح لغيري خلاف ماترجح لي.
وأحكام الإسلام منها ما هو واضح بين، ومنها ما هو خفي، وهو ما عناه الرسول ﷺ بقوله: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) فبعض المسائل من الأمور المتشابهة، والذي ينبغي على طالب العلم أن يستفرغ وسعه في فهم النص ودلالته، وليست كل مسألة يكون الفرق بين القولين فيهما كما بين السماء والأرض، ففي أحيان كثيرة يكون الترجيح هو اطمئنان النفس وميلها إلى أحد القولين، وهذا الميل يكفي في ترجيح أحد القولين؛ ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن إذا كانت المسألة كذلك ينبغي أن يتورع الإنسان من الطعن في أي من الأقوال المحتملة، والله أعلم.
وإني حين أرجح كراهية تغيير الشيب بالسواد، ذلك لأن ما يختاره الإنسان للناس غير ما يختاره الإنسان لنفسه، فإن على الباحث أن لا يوقِّع بتحريم شيء إلا وقد ظهر له ظهورًا جليًا من نص صريح لا خلاف في ثبوته، وذلك لأنه يخبر عن حكم الشرع، لا عن سلوك يرتضيه لنفسه، والاحتياط ليس في جانب المنع، بل الاحتياط
стр. 5102
هو أن لا يتجرأ أحد على التحريم إلا بدليل صريح صحيح، فمن ظهر له هذا، فهو وذاك، ومن لم يظهر له، فمن أين يقوله، والله يقول:
(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [الأنعام: ١١٦] بل إن التحريم أشد من الإباحة، وذلك أن الإباحة لا تحتاج إلى دليل، لأنها الأصل بخلاف التحريم.
* * *
стр. 5103
الفصل السادس
في غسل البراجم
تعريف البراجم:
البراجم لغة: جمع برجمة، وهي المفاصل والعقد التي تكون في ظهور الأصابع، ويجتمع فيها الوسخ (١).
وقال بعضهم: ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ.
[م-٨٦٨] وأما حكم غسل البراجم فقد نص على استحبابه الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢).
قال النووي: وهي سنة مستقلة، ليست مختصة في الوضوء (٣).
стр. 5104
وقيل: المراد تنظيفها بالوضوء (١).
• الدليل على استحباب غسل البراجم:
(٢٢٥١ - ٢٠٢) ما رواه مسلم من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء (٢).
الراجح فيه وقفه على طلق (٣).
الدليل الثاني:
(٢٢٥٢ - ٢٠٣) رواه أحمد، قال: ثنا عفان، حدثنا: حماد، ثنا علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر،
عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ قال: إن من الفطرة - أو الفطرة - المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وتقليم الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط والاستحداد والاختتان والانتضاح.
[ضعيف] (٤).
الدليل الثالث:
(٢٢٥٣ - ٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن
стр. 5105
ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أبي بن كعب مولى بن عباس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قيل له: يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل ﵇؟ فقال: ولم لا يبطئ عنى، وأنتم حولي لا تستنون، ولا تقلمون أظافركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 5106
الدليل الرابع:
(٢٢٥٤ - ٢٠٥) قال الحافظ: وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشر رفعه:
قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم.
وفي سنده راو مجهول (١).
الدليل الخامس:
الإجماع على أن غسل البراجم سنة، قال النووي في المجموع: «وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء» (٢).
• وأما دليل من استدل على كون غسل البراجم في الوضوء،
(٢٢٥٥ - ٢٠٦) ما رواه ابن عدي، من طريق أبي خالد إبراهيم بن سالم، حدثنا عبد الله بن عمران، عن أبي عمران الجوني،
عن أنس بن مالك قال: وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يومًا، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة، وأن يتعاهد البراجم إذا توضأ؛ فإن الوسخ إليها سريع، واعلم أن لنفسك عليك حقًا، وأن لرأسك عليك حقًا، وأن لجسدك عليك حقًا، وأن لزوجك عليك حقًا، وأما النساء فليس ينبغي إلا أن يتعاهدن أنفسهن ولأزواجهن، وأن الله
стр. 5107
جميل يحب الجمال وأن لكم حفظة يحبون الريح الطيب كما تحبونها، ويكرهون الريح المنتنة كما تكرهونها (١).
[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٢).
خلصت من البحث أن غسل البراجم ليس فيه حديث صحيح، وأصح ما ورد فيه حديث عائشة عند مسلم، وقد أعله الإمام أحمد والنسائي وغيرهما. ومع ذلك فنحن مأمورن بالنظافة، وديننا دين الطهارة، وإذا كان هناك وسخ في البراجم كان المسلم مأمورًا بالنظافة في أحاديث أخرى، وإذا كان الوسخ يسيرًا لا يمنع وصول الماء صحت الطهارة، وإذا كان مانعًا من وصول الماء، فهل يعفى عنه؟ أو لا يصح الوضوء معه، فإن كان كثيرًا عرفًا لم تصح الطهارة، وإلا صحت. والله أعلم.
* * *
стр. 5108
الباب السابع في شعر الرأس
الفصل الأول في النهي عن القزع
المبحث الأول في تعريف القزع
تعريف القزع:
قال في تاج العروس: القزع، محركة قطع من السحاب رقاق، كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة. الواحدة: قزعة، ومنه حديث الاستسقاء: (وما في السماء قزعة) أي قطعة من الغيم.
وقيل: القزع، السحاب المتفرق، وما في السماء قزعة: أي لطخة غيم.
ثم قال: ومن المجاز: القزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك مواضع منه غير محلوقة، تشبيهًا بقزع السحاب، ومنه الحديث: (نهى عن القزع) يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه (١).
[م-٨٦٩] واختلف في القزع:
فقيل: أن يحلق رأس الصبي في مواضع، ويترك الشعر متفرقًا. وهذا يؤيده معنى
стр. 5109
القزع في اللغة، وعليه فلا يشمل ما إذا حلق جميع الرأس وترك موضعًا واحدًا كشعر الناصية (١).
وقيل: القزع حلق بعض الرأس مطلقًا، قال الطيبي: وهو الأصح؛ لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر، فوجب العمل به (٢).
ولعل قوله ﷺ في الحديث: (اتركوه كله أو احلقوه كله) (٣) يشمل ما إذا حلق موضعًا وترك الباقي، والله أعلم (٤).
وقد ورد تفسير القزع من بعض الرواة.
(٢٢٥٦ - ٢٠٧) فروى البخاري في صحيحه، قال: حدثني محمد، قال: أخبرني مخلد، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن حفص، أن عمر بن نافع أخبره، عن نافع مولى عبد الله،
أنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القزع. قال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي، وترك ها هنا شعرة، وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي رأسه.
стр. 5110
قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال الصبي. قال عبيد الله: وعاودته، فقال: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعرًا، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا (١).
(٢٢٥٧ - ٢٠٨) وروى مسلم من طريق عن عبيد الله، أخبرني عمر بن نافع، عن أبيه،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع. قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض (٢).
قال المازري في المعلم: إذا كان ذلك - يعني القزع - في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه (٣)، وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (٤).
* * *
стр. 5111
المبحث الثاني في حكم القزع
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصل في النهي التحريم إلا لصارف، والإجماع هنا يصرف النهي من التحريم للكراهة.
[م-٨٧٠] يكره القزع، وهو مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5112
• دليل الكراهة .
الدليل الأول:
(٢٢٥٨ - ٢٠٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الله ابن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع (١).
الدليل الثاني على الكراهة:
الإجماع، فقد نقله أكثر من واحد.
قال النووي: «أجمع العلماء على كراهية القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (١). وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (٢).
* * *
стр. 5115
الفصل الثاني
في حلق شعر الرأس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التعبد بحلق الرأس في غير النسك بدعة.
• لم يصح أن النبي ﷺ حلق رأسه في غير النسك، والتأسي بتركه كالتأسي بفعله.
[م-٨٧١] اختلف العلماء في حلق شعر الرأس.
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك ولا حاجة، وهو مذهب المالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).