عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، قال: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي ... وفيه: وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ... وذكر الباقي.
[الحديث ضعيف] (١).
• الراجح:
المحفوظ أن حديث الخلوف مطلق، (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وإذا كان مطلقًا فتقييده بالآخرة يحتاج إلى دليل، وما دام أن لفظة: (يوم القيامة) غير محفوظة بموجب القواعد الحديثية، وكذلك لفظة: (حين يخلف) فالذي يترجح عندي أن ذلك عام في الدنيا والآخرة.
وقد رجح أن ذلك عام ابن القيم في الوابل الصيب، حيث قال: «وفصل النزاع في المسألة أن يقال:
حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر، وتبدو على الوجه، وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار، وسواد وجوههم.
وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف، وحين يمسون؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى، وبالعكس، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية.
стр. 5252
وهكذا سائر الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها علانية في الآخرة، وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة» اهـ (١).
* * *
стр. 5253
الفصل الثالث
التسوك في المسجد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• السواك يتأكد استحبابه للصلاة والوضوء، والأول مكانه في المسجد والثاني مباح فيه.
• السواك تارة لتطهير الفم وتارة لتحصيل السنة، ولو كان الفم نظيفًا، فلم يتعين استعمال السواك لإزالة القذر.
• إذا جاز الامتخاط والبصق في الثوب في المسجد فالسواك أخف.
• لم يأت نهي عن السواك في المسجد والأصل الجواز.
• استياك النبي ﷺ أمام أمته دليل على أن السواك من باب التنظف والتطيب لا من باب إزالة القذورات.
[م-٨٨٩] اختلف العلماء في استعمال السواك في المسجد:
فقيل: يكره السواك في المسجد، وهو قول بعض الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢).
стр. 5254
وقيل: لا يكره، وهو مذهب الجمهور (١).
• دليل الكراهة:
(٢٣٣٠ - ٢٨١) ما رواه مسلم من طريق إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس ابن مالك، وهو عم إسحق، قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه.
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر).
قال القرطبي في المفهم: «فيه حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد، وتنزيهها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يتسوك فيها؛ لأنه من باب إزلة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يؤكل فيها طعام منتن الرائحة إلى غير ذلك مما في هذا المعنى» (٢).
فلما كان السواك عندهم من باب إزالة الأذى، والمساجد يجب صيانتها، وقد
стр. 5255
يخرج قذر من أسنانه مع التسوك، فيقع في المسجد، لذلك منعوا التسوك في المسجد.
• دليل من قال: لا يكره:
(٢٣٣١ - ٢٨٢) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال:
لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (١).
فهذا دليل على استحباب السواك عند كل صلاة، وكل ما كان السواك مقارنًا لفعل الصلاة كانت العندية أكثر تحققًا، وأحاديث السواك عند كل صلاة في الصحيحين، فلا سبيل إلى الطعن فيها.
وثانيًا: لا نسلم أن السواك من باب إزالة المستقذرات، ولو سلم لم يلزم منه تلويث المسجد حتى يمنع منه، ثم إننا نقول: بمشروعية السواك للصلاة، ولو كان الفم نظيفًا تحقيقًا للسنة، كما نقول: بغسل اليدين ثلاثًا عند الوضوء، ولو تحققنا من نظافة اليد.
قال ابن تيمية: «السواك في المسجد ما علمت أحدًا من العلماء كرهه، بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد، ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة، وبسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء، فإذ جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك، وتجوز الصلاة فيه، والصلاة يستاك عندها، فكيف يكره السواك؟ وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه، فكيف يكره السواك؟» (٢).
وقال العراقي في طرح التثريب: «ولو سلم أن السواك من باب إزالة القاذورات،
стр. 5256
فهو لا يلقيه في المسجد، وإنما يزيله في السواك، فإذا كان السواك محفوظًا معه فلا بأس، وقد ندب إلى السواك لكل صلاة، فيؤمر حاضر المسجد أن يخرج حتى يستاك خارج المسجد؟ هذا مما لا يعقل معناه. والله أعلم» (١).
الدليل الثاني:
(٢٣٣٢ - ٢٨٣) ما رواه أحمد من طريق محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة،
عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله: لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. قال: فكان زيد بن خالد، يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب، كلما قام إلى الصلاة استاك.
[قال الترمذي: حديث حسن صحيح] (٢).
ولعل الترمذي صححها مع تفرد ابن إسحاق بها باعتبار أن هذه اللفظة ليست من الحديث المرفوع، وكثير من الرواة لا ينشط على حفظها، حرصًا على ألا يدخل الموقوف في المرفوع، ولكون الاحتجاج كافيًا في القدر المرفوع من الحديث، وهو قوله: (عند كل صلاة) فلا يكون سكوت بعض الرواة عنها دليلًا على شذوذها، والله أعلم.
* * *
стр. 5257
الفصل الرابع
التسوك بحضرة الناس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي.
• استياك النبي ﷺ أمام أمته دليل على أن السواك من باب التنظف والتطيب لا من باب إزالة القذروات.
[م-٨٩٠] اختلف العلماء في التسوك أمام الناس:
فقيل: يكره السواك بحضرة الناس، اختاره بعض المالكية (١).
وقيل: لا يكره، وهو الصواب (٢).
• تعليل من قال بالكراهة.
قال القرطبي: يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل، وحضرة الناس، ولم يرو أنه تسوك في المسجد ولا في محفل من الناس لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملأ من الناس (٣).
стр. 5258
• دليل من قال: لا يكره .
(٢٣٣٣ - ٢٨٤) استدل بما رواه البخاري من طريق غيلان بن جرير، عن أبي بردة،
عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده، يقول: أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع (١).
أخذ الحافظ ابن حجر من الحديث أن السواك من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه ﷺ لم يختف به، وبوبوا عليه: استياك الإمام بحضرة رعيته (٢).
* * *
стр. 5259
الفصل الخامس
التسوك في الخلاء
[م-٨٩١] كره بعض فقهاء الحنفية السواك في الخلاء (١).
والصحيح عدم الكراهة.
• تعليل الكراهة:
لعلهم رأوا أن السواك من باب التطيب، ولم يعتبروه من باب إزالة القاذورات، وأنه عبادة، فيه مرضاة للرب.
والصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المسألة. والسواك فيه جانب تطهير للفم، فلا يصح التعليل أنه من باب التطيب فقط.
* * *
стр. 5260
الفصل السادس
إمكانية ترتيب الأجر على التسوك بما يضر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• السواك تارة لتحصيل السنة، وتارة لتطهير الفم، والتسوك بالضار يحصل به الثاني دون الأول.
• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا؟
[م-٨٩٢] إذا تسوك بما يضر، فهل يحصل له أجر السنة؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يحرم التسوك بضار، ويجزئ (١).
وقيل: لا يجزئ على قاعدة من يرى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا.
• تعليل من قال: يجزئ:
قال: لأن المقصود قد حصل به، وهو إزالة القلح، وتطهير الفم.
• تعليل من قال لا يجزئ:
قالوا: إن هذا العمل محرم، ولا يمكن أن يقع قربة، لأنه مضاد لأمر الله ورسوله،
стр. 5261
من تحريم تعاطي المضر. ولو قلنا: يحصل به إصابة السنة، لكنا رتبنا على فعل محرم أثرًا شرعيًا، وهذا غير جائز.
(٢٣٣٤ - ٢٨٥) وقد روى مسلم ﵀ من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
الرد: هو المردود، وإذا كان مردودًا فكيف تحصل به السنة، ويصيب الأجر؟ والله أعلم.
* * *
стр. 5262
الفصل السابع
في التسمية للسواك
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل صحيح على المشروعية.
استحب بعض المالكية (١)، والشافعية (٢)، التسمية للسواك.
• والدليل على الاستحباب:
(٢٣٣٥ - ٢٨٦) ما رواه أحمد من طريق ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن
عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع (٣).
[ضعيف، ومتنه مضطرب] (٤).
والراجح أن التسمية لا تشرع
أولًا: الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل صحيح على المشروعية،
стр. 5263
وأحاديث السواك لم ينقل فيها عن النبي ﷺ أنه بدأ بالتسمية عند التسوك. واستحباب التسمية في كل شيء ليس على اطلاقه، فهناك أمور تكون التسمية فيها من البدع، كالتسمية للأذان، والتسمية للصلاة، والتسمية لرمي الجمرات، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي لهذه العبادات.
* * *
стр. 5264
الباب الرابع في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك
لا شك أن السواك مسنون كل وقت؛ لأن حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) مطلق.
قال الشوكاني: «أطلق فيه السواك، ولم يخصه بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فأشعر بمطلق شرعيته، وهو من السنن المؤكدة» (١).
لكن هناك مواضع يكون استحباب السواك فيها آكد. وسوف نعرض لها مسألة مسألة، ونبين ما فيها من خلاف ووفاق. والله المستعان.
* * *
стр. 5265
الفصل الأول
السواك عند الصلاة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• تنعقد أسباب كثيرة للتسوك عند الصلاة، منها قراءة القرآن، ومنها مناجاة الرب، ومنها كثرة الملائكة، ومنها حضور أماكن اجتماع الناس، إلى غيرها من الأسباب.
[م-٨٩٣] اختلف العلماء في حكم السواك للصلاة:
فقيل: السواك واجب للصلاة. على خلاف هل تصح الصلاة إذا تركه أم لا؟ وهو مذهب داود (١)، وإسحاق بن راهوية (٢).
وقيل: السواك سنة عند الصلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم، وسواء كان الفم متغيرًا أو نظيفًا. وهو اختيار بعض الحنفية (٣)، ومذهب
стр. 5266
الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقيل: إن السواك من سنن الوضوء، لا من سنن الصلاة، اختاره أكثر الحنفية (٤).
وقيل: إن صلى في المسجد فلا يستاك، وإن صلى بغير المسجد فيستاك. وهو مذهب المالكية (٥).
стр. 5267
وقيل: يتأكد السواك عند صلاتي الصبح والظهر حكاه الأوزاعي عن بعض أهل العلم (١).
• دليل من قال: السواك واجب عند الصلاة .
ذكرت دليله في حكم السواك، والجواب عنه فليراجع.
• دليل الجمهور على استحباب السواك عند الصلاة .
(٢٣٣٦ - ٢٨٧) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال:
لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (٢).
• دليل من قال: يستحب للصلاة عند الوضوء لا عند الصلاة .
قالوا: إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع (٣)، كما أن خروج الدم ناقض للوضوء عند بعضهم (٤).
• وأجيب:
قال ابن عابدين: «هذا التعليل عليل، فقد رد بأن ذاك أمر متوهم، مع أنه لمن يثابر عليه لا يدمي» (٥).
стр. 5268
وقال في تحفة الأحوذي: «نعم، من يخاف ذلك ـ يعني خروج الدم ـ فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة، وذلك لا يخفى» (١).
قلت: الراجح أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، كما سأبينه إن شاء الله تعالى، في باب نواقض الوضوء. وحتى على القول بأنه ناقض فإن الدم الخارج يسير عرفًا، وهم حدوه بالفاحش.
• دليل من كره السواك في المسجد:
ذكرت أدلتهم في مسألة سابقة مستقلة، وأجبت عن أدلتهم، فارجع إليه غير مأمور.
* * *
стр. 5269
الفصل الثاني
السواك عند الوضوء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• السواك للوضوء هل يقصد به التسوك للصلاة، أو للوضوء قصدًا، أو هما موضعان يتأكد استعمال السواك فيهما، والفرق يتضح فيما لو توضأ لغير صلاة هل يتأكد استحبابه للوضوء؟
[م-٨٩٤] اختلف العلماء في تأكد استحباب السواك للوضوء:
فقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب المالكية (٢)،
стр. 5270
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن عرفة (٤)، وابن العربي من المالكية (٥).
• دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة:
فرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:
السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ .
والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (٦).
وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه، والصحيح أن لفظ السنة
стр. 5271
والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، حتى استاك ﷺ ، وهو في سكرات الموت.
قال ابن العربي: «لا زم النبي ﷺ السواك فعلًا، وندب إليه أمرًا، حتى قال في الحديث الصحيح: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)) وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله» (١).
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها:
(٢٣٣٧ - ٢٨٨) ما رواه البخاري من طريق أبي وائل،
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا. وسبق تخريجه.
فقوله: (إذا قام من الليل) دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.
(٢٣٣٨ - ٢٨٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه (٢).
ولفظ: (كان) يدل على فعله دائمًا أو غالبًا. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.
• دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء:
(٢٣٣٩ - ٢٩٠) ما رواه أحمد من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٣).
стр. 5272
واختلف القائلون بأنه سنة:
هل هو من سنن الوضوء؟ أو هو سنة مستقلة عند الوضوء.
فقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء.
• تعليلهم:
أن السواك أولًا: ليس مختصًا بالوضوء.
وثانيًا: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء، لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (١).
وقيل: بل هو من سنن الوضوء. قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (٢). وأرى أن الخلاف لفظي.
* * *
стр. 5273
مبحث
محل السواك من الوضوء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• أمرنا بالسواك عند كل وضوء، وفي رواية مع كل وضوء، والعندية لا تنافي المصاحبة.
[م-٨٩٥] اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء:
فقيل: عند المضمضة. وهو مذهب الجمهور (١).
стр. 5274
وقيل: بل قبل الوضوء. وهو قول في مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
• دليل من قال السواك قبل الوضوء:
(٢٣٤٠ - ٢٩١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن
عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (٤).
فقوله ﷺ : «عند كل وضوء» فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعًا أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.
• دليل من قال السواك عند المضمضة:
(٢٣٤١ - ٢٩٢) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
стр. 5275
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (١).
فقوله ﷺ : (مع كل وضوء) المعية هنا تقتضي المصاحبة؛ لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.
والذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا والله أعلم.
والتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة. والله أعلم.
وهناك تفسير آخر فيه بعد، ذكره بعض الفقهاء.
قال الزرقاني: «قوله: (مع كل وضوء) أي مصاحبًا له. كقوله في رواية: (عند كل وضوء). ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء». اهـ (٢).
* * *
стр. 5276
الفصل الثالث
في مشروعية السواك للغسل والتيمم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• السواك مشروع في كل وقت، ولكن تقصد التسوك عند عبادة خاصة يحتاج إلى توقيف، كالذكر، منه ما هو مطلق مأذون بفعله في كل وقت، ومنه ما هو مقيد يحتاج إلى توقيف.
[م-٨٩٦] استحب بعض الفقهاء السواك للغسل والتيمم (١)، وقال بعضهم: حتى ولو استاك للوضوء قبل الغسل، فيشرع للغسل (٢).
وحجتهم والله أعلم أنها إذا كان السواك مشروعًا في الطهارة الصغرى، فالكبرى من باب أولى، وإذا كان السواك مشروعًا في الوضوء، كان مشروعًا في بدله، وهو التيمم.
والذي أراه والله أعلم أنه إن توضأ قبل الغسل، شرع له السواك من أجل الوضوء، وإن لم يتوضأ لم يشرع، لعدم الدليل على مشروعيته للغسل لا من قوله ﷺ ، ولا من فعله، وما كان ربك نسيًا.
стр. 5277
وكذلك لا يشرع السواك للتيمم؛ لأنه لم ينقل، والعبادات مبناها على الحظر، حتى يرد دليل على المشروعية، وقد نقلت لنا صفة التيمم في السنة، ولم يرد فيها السواك، والقياس على طهارة الماء ضعيف. والله أعلم.
* * *
стр. 5278
الفصل الرابع
في استحباب السواك عند الانتباه من النوم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• السواك مطهرة للفم فيتأكد استحبابه عند كل ما يغير رائحة الفم، ومنه النوم والاستيقاظ؛ لأنه مظنة تغير الفم؛ لأنه مظنة تغير الفم.
[م-٨٩٧] يستحب السواك عند الانتباه من النوم.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
• الدليل على استحبابه:
الدليل الأول:
(٢٣٤٢ - ٢٩٣) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،
стр. 5279
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا (١).
стр. 5280
قال ابن دقيق العيد: «فيه دليل على استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى، وهي القيام من النوم، وعلته: أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند مقتضى التغير. وقوله: (يشوص) اختلفوا في تفسيره، فقيل: يدلك. وقيل: يغسل. وقيل: ينقي. والأول أقرب. وقوله: (إذا قام من الليل) ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام. ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة» (١).
الدليل الثاني:
(٢٣٤٣ - ٢٩٤) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل، أن ابن عباس حدثه،
стр. 5281
أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ) حتى بلغ: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام فصلى (١).
يحتمل أنه تسوك من أجل القيام من النوم، أو من أجل الوضوء، أو من أجل الصلاة، ولا يبعد أن يكون تسوك منها كلها، ولا يمنع أن يكون هناك أكثر من سبب للتسوك، ولو لم يثبت في التسوك من القيام من الليل حديث، لكان يكفي فيه حديث عائشة: (السواك مطهرة للفم) فإن النوم مظنة لتغير الفم، فيشرع تطهير الفم منه. والله أعلم.
الدليل الثالث:
(٢٣٤٤ - ٢٩٥) ما رواه أحمد، قال ﵀: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا محمد بن مسلم بن مهران مولى لقريش، سمعت جدي يحدث عن ابن عمر،
أن رسول الله ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده فإذا استيقظ بدأ بالسواك.
[حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
الدليل الرابع:
(٢٣٤٥ - ٢٩٦) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، ثنا إبراهيم بن ثابت من بني عبد الأول، حدثني عكرمة بن مصعب من بني عبد الدار، عن محرر بن أبي هريرة،
عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ لا ينام ليلة، ولا ينتبه إلا استن.
[ضعيف] (١).
الدليل الخامس:
(٢٣٤٦ - ٢٩٧) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق علي بن زيد بن جدعان، قال: حدثتني أم محمد،
عن عائشة، أن النبي ﷺ كان لا يرقد ليلًا، ولا نهارًا إلا تسوك قبل أن يتوضأ (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 5284
الدليل السادس:
(٢٣٤٧ - ٢٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، حدثنا هشام بن عروة، قال: حدثني أبي،
أن عائشة حدثته، أن رسول الله ﷺ كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك، ثم توضأ، ثم صلى ثمان ركعات يجلس في كل ركعتين، فيسلم، ثم يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلا في الخامسة، ولا يسلم إلا في الخامسة.
[رجاله ثقات إلا أن ذكر السواك فيه شاذ] (١).
стр. 5285
الدليل السابع:
(٢٣٤٨ - ٢٩٩) ما رواه مسلم من طريق قتادة، عن زرارة، أن سعد بن هشام، قال لعائشة: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت:
كنا نعد له سواكه، وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم، فيصل التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم، وهو قاعد، وتلك إحدى عشرة ركعة. الحديث قطعة من حديث طويل (١).
(٢٣٤٩ - ٣٠٠) وفي رواية لأبي داود من طريق بهز بن حكيم، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام،
عن عائشة أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى، ثم استاك.
стр. 5286
[سنده حسن] (١).
الدليل الثامن:
(٢٣٥٠ - ٣٠١) ما رواه ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، ثنا المنذر بن ثعلبة العبدي، عن ابن بريدة،
عن أبيه ﵁، قال: إن النبي ﷺ كان إذا انتبه من الليل دعا جارية -يقال لها بريرة- بالسواك (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
الدليل التاسع:
(٢٣٥١ - ٣٠٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا واصل، عن أبي سورة،
عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ كان يستاك من الليل مرتين، أو ثلاثًا، وإذا قام يصلي من الليل صلى أربع ركعات لا يتكلم، ولا يأمر بشيء ويسلم بين كل ركعتين (٤).
[ضعيف] (٥).
* * *
стр. 5287
الفصل الخامس
يستحب السواك عند تغير الفم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• السواك مطهرة للفم فيتأكد استحبابه عند كل ما يغير رائحة الفم.
• الفم يتغير بخمسة أشياء: النوم، والصيام، وكثرة الكلام، وطول السكوت، والأكل.
[م-٨٩٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن التسوك عند تغير الفم سنة (١)،
ولا أعلم فيه خلافًا إلا ما سبق من الخلاف في كراهيته للصائم بعد الزوال، وقد سبق البحث فيه.
قال العراقي: وتغير الفم: سواء فيه تغير الرائحة، أو تغير اللون كصفرة الأسنان (٢).
стр. 5288
• الدليل على استحباب السواك عند تغير الفم:
(٢٣٥٢ - ٣٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبدالرحمن ابن أبي عتيق، عن أبيه، أنه سمع عائشة تحدثه،
عن النبي ﷺ ، قال: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.
[صحيح، وسبق بحثه] (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (السواك مطهرة للفم) فقوله: (السواك) مبتدأ. ومطهرة خبر. فأسند التطهير إلى السواك، فكأن الغرض من مشروعية السواك تطهير الفم، والذي يحصل به مرضاة الرب إذا طهره امتثالًا لأمر الله، فالسواك سبب لطهارة الفم، وسبب لمرضاة الرب، وكل ما تغير الفم واحتاج إلى التطهير كان مشروعية السواك آكد، وتطهير الفم إنما شرع لمناجاة الله ، ولذلك شرع عند الصلاة، ولتلاوة كتاب الله، ولدنو الملائكة؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم.
* * *
стр. 5289
الفصل السادس
استحباب السواك عند دخول البيت
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• هل التسوك لدخول البيت من أجله، أو من أجل ملاقاة من فيه، بحيث لو كان يدخل بيتًا لا يوجد فيه أحد لم يشرع التسوك؟
[م-٨٩٩] استحب الأئمة الأربعة التسوك عند دخول البيت (١)، ولم أقف فيه على خلاف.
• ومستند الاستحباب:
(٢٣٥٣ - ٣٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك.
[صحيح] (٢).
стр. 5290
قال القرطبي: «يحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد، فيكون السواك لأجلها. وقال غيره: الحكمة في ذلك أنه ربما تغير رائحة الفم عند محادثة الناس، فإذا دخل البيت كان من حسن معاشرة الأهل إزالة ذلك» (١).
وقال بعضهم: لعله يفعل ذلك إذا انقطع عن الناس استعدادًا لنزول الوحي، وأيًّا كان فإنه يشرع للإنسان إذا دخل بيته في أي وقت من ليل أو نهار أن يبدأ بالسواك تأسيًا بالنبي ﷺ .
* * *