الشرط السابع
في الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟
- هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟
- النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده؟
- تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي؟
[م-٧٥] اختلف الفقهاء هل يشترط في الوضوء أن يكون الماء مباحًا؟
فقيل: لا يشترط، فلو توضأ بماء محرَّم كالمغصوب أثم، وارتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
стр. 527
وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (١).
وقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو من مفردات مذهب الحنابلة (٢)، وهو اختيار ابن حزم (٣).
وسبب اختلافهم في هذه المسألة: أنه ورد على هذا الوضوء أمران: واجب ومحرم، فالوضوء للصلاة واجب، وأخذ مال الغير بدون وجه حق محرم، فلا يمكن أن يكون الشيء واجبًا ومحرمًا في الوقت نفسه، كما أن الوضوء قربة لله ، ووضوءه بماء مغصوب محرم، والمحرم لا يكون قربة يتقرب بها العبد إلى الله.
والذين ذهبوا إلى صحة الوضوء رأوا أن التحريم راجع إلى أمر خارج عن الوضوء، وهو الغصب، وقد غسل الإنسان أعضاءه فارتفع حدثه مع الإثم، فالتحريم والصحة غير متلازمين، وهناك أدلة أثرية ونظرية لكل فريق ذُكِرَتْ بشيء من التفصيل في مباحث (المياه والآنية) (٤) فارجع إليها غير مأمور، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا.
* * *
стр. 528
الشرط الثامن
القدرة على استعمال الماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- القدرة شرط في جميع التكاليف.
[م-٧٦] نص الحنفية والمالكية على هذا الشرط (١)، وأن من شروط الوضوء القدرة على استعمال الماء، والحقيقة أن القدرة على الفعل ليست شرطًا خاصًا بالوضوء، بل إن جميع التكاليف لا تجب إلا بالقدرة على فعلها، فمن عجز عن أداء شيء فإن كان له بدل، وجب البدل، وإن لم يكن له بدل سقط عنه حتى يقدر على فعله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].
(١٦٩ - ٢٣) وروى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
стр. 529
عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
وما دام أن هذا الشرط لا يختص بالوضوء فكان الأفضل عدم ذكره من شروط الوضوء، والله أعلم.
* * *
стр. 530
الشرط التاسع
قيام الحدث
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- إذا ارتفع الحدث بالماء لم يعد إلا بحدث جديد.
- كل من توضأ فهو على طهارته حتى يحدث، وهذا بالإجماع.
[م-٧٧] وهذا شرط وجوب، فمن لم يكن محدثًا لم يجب عليه الوضوء.
- والدليل على هذا من السنة والإجماع:
(١٧٠ - ٢٤) أما السنة فقد روى البخاري من طريق سفيان قال: حدثني عمرو ابن عامر،
عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (١).
* الدليل الثاني:
(١٧١ - ٢٥) ما رواه مسلم من طريق علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
стр. 531
عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه. قال: عمدًا صنعته يا عمر (١).
* الدليل الثالث:
(١٧٢ - ٢٦) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار مولى بني حارثة،
أن سويد بن النعمان أخبره، أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي أدنى خيبر، فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به، فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (٢).
* الدليل الرابع:
أن المسألة شبه إجماع، قال ابن تيمية: «من توضأ لصلاة صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى -فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ. وقد علم بالنقل المتواتر عن النبي ﷺ أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى؛ فإنه قد ثبت بالتواتر، أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعًا، جمع بهم بين الصلاتين، وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله، ولما سلم من الظهر صلى بهم العصر، ولم يحدث وضوءًا لا هو ولا أحد، ولا أمر الناس بإحداث وضوء، ولا نقل ذلك أحد، وهذا يدل على أن التجديد لا يستحب مطلقًا» (٣).
وقال أيضًا: «لما قدم مزدلفة: صلى بهم المغرب والعشاء جمعًا من غير تجديد وضوء للعشاء، وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة. وأقام
стр. 532
لكل صلاة إقامة، وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ﵃ كلها تقتضي: أنه هو ﷺ -والمسلمون خلفه- صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى، لم يحدثوا لها وضوءًا. وكذلك قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهم أنه كان يتوضأ لصلاة الليل، فيصلي به الفجر، مع أنه كان ينام حتى يغط، ويقول: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فهذا أمر من أصح ما يكون أنه: كان ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأ للنافلة يصلي به الفريضة، فكيف يقال: إنه كان يتوضأ لكل صلاة؟ وقد ثبت عنه في الصحيح أنه ﷺ صلى الظهر، ثم قدم عليه وفد عبد القيس، فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر، ولم يحدث وضوءًا، وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة، وتارة النافلة ثم الفريضة، وتارة فريضة ثم فريضة، كل ذلك بوضوء واحد، وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة، وكان المسلمون على عهده يتوضئون، ثم يصلون ما لم يحدثوا، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ولم ينقل عنه -لا بإسناد صحيح ولا ضعيف-: أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة، فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل.
وأما القول بوجوبه: فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ﷺ ولإجماع الصحابة، والنقل عن علي ﵁ بخلاف ذلك لا يثبت؛ بل الثابت عنه خلافه، وعلي ﵁ أجل من أن يخفى عليه مثل هذا، والكذب على علي كثير مشهور أكثر منه على غيره، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ أن يكون في هذه المسألة نزاع، مع جلالة قدره وسعة معرفته بآثار الصحابة والتابعين، قال أحمد بن القاسم: سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه، ما ظننت أن أحدًا أنكر هذا» (١). (١٧٣ - ٢٧) وأما ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق،
стр. 533
حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بني النجار، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر عمَّ هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها،
أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات (١).
[في إسناده اختلاف، وحسن إسناده الحافظ] (٢).
* * *
стр. 534
الشرط العاشر النية
والكلام في النية طويل ومتشعب، لذا سوف يحصر الكلام على النية في المباحث التالية: في تعريفها، وبيان حكمها، وذكر محلها، وشروطها، وفي وقتها، وفي كيفيتها.
المبحث الأول تعريف النية
تعريف النية لغة:
النيات جمع نية، نوى الشيء ينويه نواة، ونية: قصد وعزم عليه.
يقال: نوى القوم منزلًا: أي قصدوه، ونوى الأمر ينويه: إذا قصد إليه.
ويقال: نواك الله بالخير: أي أوصله إليك.
ويقال: نوى الشيء ينويه: أي عزم عليه.
وقيل: النوى التحول من دار إلى دار، قال ابن فارس: هو الأصل في المعنى، ثم حملوا عليه الباب كله، فقالوا: نوى الأمر ينويه إذا قصده، والنية: الوجه الذي تنويه (١).
стр. 535
وقيل: النية: هي الإرادة (١).
وعلى هذا فالنية تدور على القصد والعزم والإرادة والجهة والتحول.
النية في اصطلاح الفقهاء.
تعريف الحنفية:
قال ابن عابدين: النية: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (٢).
تعريف المالكية:
النية: قصد المكلف الشيء المأمور به (٣).
تعريف الشافعية:
قال الماوردي: هي قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم (٤).
وقال النووي: النية عزم القلب على عمل فرض أو غيره (٥).
تعريف الحنابلة:
قال البهوتي: النية شرعًا: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى. وهذا التعريف جيد، وذلك أنه أشار في التعريف إلى ذكر التقرب إلى الله بالامتثال، وهو ما يخرج العادة إلى العبادة، والنية إنما يحتاج إليها في العبادات؛ وأما في المباحات فليست محل ثواب ولا عقاب لذاتها.
* * *
стр. 536
المبحث الثاني في حكم النية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل عبادة معقولة المعنى لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا كالصلاة، والوضوء فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.
- الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.
ومنها ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (١).
стр. 537
[م-٧٨] اختلف الفقهاء في النية، هل هي شرط من شروط الوضوء، أو لا؟
فقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقًا: الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الراجح.
وقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٥).
- سبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة:
قال ابن رشد: «تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين» (٦).
стр. 538
وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في الطهارة من الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.
* * *
стр. 539
المبحث الثالث في محل النية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- النص القطعي في ثبوته ودلالته لا يعارض بكلام أحد من البشر كائنًا من كان، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، فإن لم يكن الفهم قاطعًا بأن كان ظنيًّا فالعلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغير.
- العقل في القلب، أو في الدماغ أمر لا مدخل للعقل فيه، لأن ظواهر السمع تدل على صحة القول الأول (١).
- قد يسلم الناس لأمور يعتقدونها حقائق وإنما هي أوهام من قائليها.
- العقل في القلب واستقامة الدماغ شرط، والشيء يفسد لفساد شرطه.
[م-٧٩] أكثر الفقهاء على أن النية محلها القلب (٢).
стр. 540
وقيل: محلها الدماغ، وهو رواية عن أحمد (١)، ونسب هذا القول لأبي حنيفة (٢).
وقيل: محلها مشترك بين الرأس والقلب (٣).
- دليل من قال: النية محلها القلب:
قال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) [الأنعام: ٢٥].
وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) [الحج: ٤٦].
وقال تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: ٤٦].
فحين قال: (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) قطعنا في مكانها.
(١٧٤ - ٢٨) ومن السنة ما رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا،
стр. 541
قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب، ورواه مسلم أيضًا (١).
- دليل من قال: العقل في الدماغ:
لم أقف على شيء من الآيات والأحاديث تدل على أن العقل في الدماغ، ولكن يذكر الأطباء المعاصرون والفلاسفة المتقدمون: أن القلب إنما هو عبارة عن مضخة للدم، تدفعه إلى جميع أجزاء الجسم، وأن العقل محله الدماغ، وأن الدماغ هو مصدر الذاكرة والتذكر، وأن الدماغ إذا أصيب بشيء عرض له ما يسمى بفقدان الذاكرة، فلا يتذكر الإنسان من ماضيه شيئًا، وأن هناك عمليات أجريت في نقل القلب من إنسان كافر إلى إنسان مسلم، وأن المسلم بمجرد أن أفاق نطق الشهادة، وأقام الصلاة، مع أن قلبه قد نقل من بدن كافر لا يعرف الله .
وهذا الكلام لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، فإننا نتهم الطب، إذا كان فهم النص قاطعًا، فإن لم يكن الفهم قاطعًا بأن كان ظنيًا فإن العلماء مطالبون بفهم النصوص بما يتفق مع الحقائق العلمية، بشرط أن تكون هذه حقائق، وليست نظريات قابلة للتغير؛ لأن الطب ما زال ينقصه الشيء الكثير، ولن يزال كذلك ما دام من نتاج العقل البشري، فإن العقل آفته النقص وهو مهما أوتي يبقى كما قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥].
(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤].
(قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة: ١٤٠].
وقد سمعت بعض مشايخي يقول: إن العقل يصور الشيء، والقلب يقبله أو يرده، فيكون القلب محل الرغبة والرهبة والقبول والرفض، والعقل محل إدراك الشيء وتصوره، وهذا جمع حسن، وقد رأينا أن عاطفة الإنسان من حبه للشيء وميله
стр. 542
إليه يجده في قبله، كما أن كراهية الشيء ومقته يجدها في قلبه، فمحل الفرح والحزن والحسرة هي في القلب، وقد يكون القلب وهو يتحكم في الدم، وقد سمي الدم نفسًا كما في قول الفقهاء: ما لا نفس له سائلة، فإذا كان يتحكم في هذا الدم (النفس) الذي بواسطته بعد الله تكون حياة جميع الأعضاء بما في ذلك الدماغ يكون هو مصدر إمداد مادة الحياة لها كلها، فيكون هو محل ذلك كله، والله أعلم (١).
* * *
стр. 543
المبحث الرابع في أقسام النية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الواجب في النية استصحاب حكمها لا ذكرها.
- الاستصحاب الحكمي كالاستصحاب الفعلي.
- ما مِن معنى مأمور به في الشريعة، ولا منهي عنه إلا وهو منقسم إلى فعلي وحكمي. والفعلي: هو تحقق وجود الشيء في زمان وجوده، وحكمي إعطاء المعدوم حكم الموجود، فالإيمان إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الإيمان الفعلي، فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين، وهذا هو الإيمان الحكمي، ومثله الكفر ينقسم إلى فعلي وحكمي (١).
[م-٨٠] تنقسم النية إلى أقسام، نتعرض فيها إلى ما يخصنا في باب الفقه، فقد قسمها الفقهاء إلى قسمين:
نية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء والصلاة والصيام ونحوها.
стр. 544
نية حكمية: وذلك أن النية إذا أتى بها الإنسان ثم ذهل عنها فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، فالإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها.
وهو ما يطلق عليه الفقهاء بقولهم: يجب استصحاب حكم النية، ولا يجب استصحاب ذكرها.
والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) [طه: ٧٤]، مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرمًا، ولا كافرًا؛ لظهور الحقائق (١).
قال في مواهب الجليل: «إن النية تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية ثم إذا ذُهِلَ عنها فهي نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها» (٢).
قال القرافي في الفرق السادس والعشرين: «فتاوى علمائنا متظافرة على أنها من الواجبات -يعني الطهارة وستر العورة والاستقبال- مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل القبلة ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته إجماعًا، والله تعالى أعلم» (٣).
* * *
стр. 545
المبحث الخامس في الجهر بالنية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- النية: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله، وليس عليه نطق بلسانه.
- لا يكفي التلفظ بالنية باللسان دون القلب اتفاقًا، فلو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب.
- لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه التلفظ بالنية، والأصل في العبادات التوقيف
وقيل:
- اجتماع اللسان والقلب بالتلفظ بالنية آكد وأولى من انفراد القلب بها؛ لأن اجتماع جارحتين في عمل النية آكد وأولى من عمل جارحة واحدة.
[م-٨١] اتفق الفقهاء أن محل النية هو القلب، واتفقوا على أن الجهر بالنية لا يشرع (١).
стр. 546
واختلفوا في التلفظ بها سرًا.
فقيل: يستحب، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، وبه أخذ المتأخر ون من الحنابلة (٣).
وقيل: يكره، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (٤)، ونص الإمام أحمد على أنه لا يتلفظ بها (٥).
وقيل: التلفظ بالنية خلاف الأولى، إلا للموسوس فيستحب، وهو مذهب المالكية (٦).
стр. 547
وقيل: يستحب في النسك خاصة (١).
- دليل من قال: لا يشرع الجهر بالنية ولا التلفظ بها سرًا:
* الدليل الأول:
أن الله يعلم السر وأخفى، قال تعالى: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [الحجرات: ١٦].
وقال تعالى: (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: ١٠].
وقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) [ق: ١٦].
وقال ربنا جل وعلا: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: ١٩].
* الدليل الثاني:
(١٧٥ - ٢٩) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين .... (٢).
* الدليل الثالث:
(١٧٦ - ٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه،
عن أبي هريرة في حديث المسيء في صلاته، وفيه قال له رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (٣).
فلو كان التلفظ بالنية مشروعًا لنقل ذلك.
стр. 548
* الدليل الرابع:
الأصل في العبادات المنع، ولا يعلم نقل خاص عن السلف في الجهر بها، ولا التلفظ بها سرًا.
قال ابن القيم: «ولم يكن يقول ﷺ في أوله: نويت رفع الحدث، ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من الصحابة البتة، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف» (١).
وقال ابن تيمية: «اتفق الأئمة أنه لا يشرع الجهر بها، ولا تكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه، وكذا بقية العبادات، وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه، لاسيما إذا آذى به، أو كرره، وقال: الجهر بها بلفظ النية منهي عنه عند الشافعي وسائر أئمة الإسلام، وفاعله مسيء، وإن اعتقده دينًا خرج من إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة إن لم ينته» (٢).
- دليل من قال: يشرع التلفظ بها سرًّا:
قالوا: يستحب التلفظ بها ليوافق اللسان القلب.
وربما قاسه بعضهم على التلبية عند الإحرام، وليست التلبية جهرًا بالنية، وإنما كما قلنا: هي بمثابة تكبيرة الإحرام، ولا يشرع أن يقول عند التلبية: اللهم إني أريد نسك كذا وكذا فيسره لي.
- دليل من قال: يشرع التلفظ بالنسك خاصة:
ربما أخذ بعض الفقهاء من قول مجاهد: إذا أراد الحج يسمي ما يهل به (٣).
стр. 549
- ويجاب:
بأن هذا ليس مما نحن فيه، فإن النبي ﷺ كان يذكر نسكه في تلبيته، فيقول: لبيك عمرة وحجًا، وإنما المقصود أنه لا يشرع لمن أراد الإحرام أن يقول: اللهم إني نويت نسك كذا، فلم يرد ذلك في حديث صحيح، ولا ضعيف، والتلبية ليست جهرًا بالنية، وإنما هي بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة.
-الراجح:
أن الجهر والتلفظ لا يشرعان، ولا يوجد نص عن الصحابة بالتلفظ بالنية فضلًا عن الجهر بها، والله أعلم.
* * *
стр. 550
المبحث السادس الحكمة من مشروعية النية
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- شريعة الله كلها حكمة، ومن لدن حكيم خبير، تعالى سبحانه أن يشرع عبثًا أو يخلق سدى.
[م-٨٢] الحكمة من مشروعية النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز ما كان لله سبحانه وتعالى عما كان لغيره، وكذلك تمييز العبادات بعضها عن بعض، فهذه فريضة، وهذه نافلة.
فالصيام مثلًا قد يكون حمية، وقد يكون قربة، والغسل قد يكون تبردًا ونظافة، وقد يكون عبادة، ولا يميز هذا عن ذاك إلا النية.
قال في مواهب الجليل، في بيان حكمة مشروعيتها: وحكمة ذلك والله تعالى أعلم تمييز العبادات عن العادات، ليتميز ما هو لله تعالى عما ليس له، أو تتميز مراتب العبادات في أنفسها لتمييز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه، فمثال الأولى: الغسل، يكون عبادة وتبردًا، وحضور المساجد يكون للصلاة وفرجة، والسجود لله أو للصنم.
ومثال الثاني الصلاة: لانقسامها إلى فرض ونفل، والفرض إلى فرض على
стр. 551
الأعيان، وفرض على الكفاية، وفرض منذور وفرض غير منذور، ومن هنا يظهر كيفية تعلقها بالفعل فإنها للتمييز، وتمييز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه كصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين، وقد يكون بوقته كصلاة الظهر أو بحكمه الخاص به كالفريضة، أو بوجود سببه كرفع الحدث، فإن الوضوء سبب في رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع وصح الوضوء، ولما كانت حكمة مشروعيتها ما ذكر كانت القرب التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية، كالإيمان بالله، وتعظيمه، وجلاله، والخوف من عذابه، والرجاء لثوابه، والتوكل عليه، والمحبة لجماله، وكالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ، وكذلك النية منصرفة إلى الله بصورتها فلا جرم، ولم تفتقر النية إلى نية أخرى، ولا حاجة للتعليل بأنها لو افتقرت إلى نية أخرى لزم التسلسل، وكذلك يثاب الإنسان على نية مفردة ولا يثاب على الفعل مفردًا، لانصرافها بصورتها لله تعالى، والفعل متردد بين ما هو لله تعالى وما هو لغيره، وأما كون الإنسان يثاب على نيته حسنة واحدة وعلى فعله عشر حسنات إذا نوى فلأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل، والوسائل أنقص رتبة من المقاصد، وعلم من الحكمة المذكورة: أن الألفاظ إذا كانت نصوصًا في شيء لا يحتاج إلى نية، وكذلك الأعيان المستأجرة إذا كانت المنافع المقصودة فيها متعينة لم تحتج إلى تعيين، كمن استأجر قميصًا أو عمامة أو خباءً أو نحو ذلك، وكذلك النقود إذا كان بعضها غالبا لم يحتج إلى تعيينه في العقد وكذلك الحقوق إذا تعينت لربها كالدين الوديعة ونحوها.
ولملاحظة هذه الحكمة اختلف العلماء في النية في صوم رمضان وفي الوضوء ونحوهما، فمن رأى أنهما متعينان لله تعالى بصورتهما قال: لا حاجة إلى النية فيهما، ومن رأى أن الإمساك في رمضان قد يكون لعدم الغذاء ونحوه وقلما يكون لله تعالى، وأن الوضوء قد يكون لرفع الحدث أو للتجديد أو للتبرد، أوجب النية.
* * *
стр. 552
المبحث السابع في شروط النية
للنية شروط عامة في جميع العبادات، وشروط خاصة في كل عبادة، وسوف أعرض للشروط العامة للنية، مبينًا ما ورد فيها من خلاف.
* * *
стр. 553
الشرط الأول
الإسلام
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل عبادة تشترط لها النية لا تصح من كافر، واختلفوا في الذمية إذا طهرت من الحيض وكانت تحت مسلم، هل تشترط النية لاغتسالها من الحيض؟ والخلاف راجع إلى أن غسلها أهو عبادة، أم حق لآدمي لكونه لم يجب عليها قبل الزواج؟ وعلى الثاني يصح غسلها بلا نية، وهو الصواب.
- كل ما يمنع من الوطء فللزوج أن يجبر زوجته على رفعه.
[م-٨٣] لا تصح النية من كافر، لأنه ليس أهلًا للنية، وليس من أهل العبادة، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً) [الفرقان: ٢٣].
فلو توضأ الكافر أو اغتسل لم يصحا منه عند الجمهور.
وصحح الحنفية وضوءه وغسله، فلو أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله؛ لأن النية عندهم ليست شرطًا في الوضوء والغسل، وقد ذكرت في مسألة مستقلة حكم النية في الوضوء، ورجحت أنها شرط في صحة الطهارة من الحدث، والله أعلم.
[م-٨٤] إلا أنه يستثنى من ذلك الكتابية تكون تحت المسلم، فإذا طهرت من
стр. 554
المحيض أو النفاس فإنها تغتسل للزوج حتى يتمكن من جماعها، وهل تشترط النية لغسلها؟ على قولين:
فقيل: يصح غسلها بلا نية؛ لأنها ليست أهلًا للنية، فغسلها إنما هو لحق الآدمي وليس حقًا لله، وإذا لم يكن عبادة لم تشترط له النية، وهو ظاهر مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو المشهور عند المتأخرين (٢).
وقيل: لا بد لها من نية، إلا إذا امتنعت فتسقط للضرورة، كما لو امتنع الرجل عن أداء زكاته، فإنها تؤخذ منه قهرًا، وتجزئ عنه في الدنيا، وهو مذهب الشافعية (٣)،
стр. 555
ووجه آخر في مذهب الحنابلة (١).
والأول أقوى؛ بل إن إيجاب غسل البدن كله عليها إن قال أحد بعدم وجوبه، فله وجه؛ لأن طهارة الحائض مركبة من طهارتين: عن حدث وعن خبث، وإذا كان يتوجه وجوب الطهارة عليها من الخبث لحق الزوج، فإن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، وإنما هي طهارة تعبدية محضة، فإن قال أحد: يكفي أن تغسل فرجها، وتنظفه من الأذى، فهذا كاف في حل وطء زوجها فهو قول قوي جدًّا، ولا يستبعد القول به، خاصة أن الحنفية يقولون بجوازه في حق المسلمة إذا طهرت لتمام المدة، فإنهم لا يوجبون الغسل لحل الوطء، فهذه من باب أولى، والله أعلم.
* * *
стр. 556
الشرط الثاني
التمييز
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا تصح نية من مجنون أو صبي لا يميز؛ لأنهما لا يعقلان النية.
- كل ما يمنع من أصل الاستمتاع فللزوج أن يجبر زوجته الذمية على إزالته، كالغسل من الحيض والتضمخ بالنجاسة.
- التعذر الشرعي كالتعذر الحسي، فتعتبر نية المرأة الذمية تحت مسلم كنية المسلمة المجنونة المتزوجة، لا تشترط في صحة غسلها بجامع عدم التكليف.
- غسل المرأة المجنونة إذا طهرت من الحيض، هل هي بمنزلة الميت فينوي عنها مغسلها، أو بمنزلة الذمية فيصح غسلها بلا نية؟ والثاني أقرب؛ لأن الغسل واجب للميت وليس عليه.
[م-٨٥] لا تصح النية من صغير غير مميز، لعدم صحة القصد منه.
ولا تصح النية من مجنون، للعلة نفسها، وأما غسل المرأة المجنونة من المحيض لتحل لزوجها، فيرى الشافعية والحنابلة أن زوجها يغسلها، وينوي عنها لتعذر النية منها.
стр. 557
قال النووي: وأما المجنونة إذا انقطع حيضها فلا يحل لزوجها وطؤها حتى يغسلها، فإذا غسلها حل الوطء؛ لتعذر النية في حقها، وإذا غسلها الزوج هل يشترط لحل الوطء أن ينوي بغسله استباحة الوطء؟
فيه وجهان حكاهما الروياني، وقطع المتولي باشتراط النية، وقطع الماوردي بعدم الاشتراط، قال: بخلاف غسل الميت، فإنه يشترط فيه نية الغسل على أحد الوجهين؛ لأن غسله تعبد، وغسل المجنونة لحق الزوج، فإذا أفاقت لزمها إعادة الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وذكر المتولي فيه وجهين، كالذمية إذا أسلمت، قال: وكذا الوجهان في حل وطئها للزوج بعد الإفاقة والله أعلم (١).
وقال البهوتي في كشاف القناع: «وغسل مجنونة من حيض ونفاس، مسلمة كانت أو كتابية، حرة أو أمة، فلا تعتبر النية منها لتعذرها، ولكن ينويه عنها من يغسلها كالميتة.
وقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة، لعدم تعذرها مآلا بخلاف الميت، ولأنها تعيده إذا أفاقت وأسلمت. اهـ قلت: ومقتضاه أنها لا تعيده على الأول، لقيام نية الغاسل مقام نيتها» (٢).
وما ترجح في غسل الكافرة فهو الراجح هنا، بجامع أن كلًا منهما ليس من أهل العبادة، والله أعلم.
* * *
стр. 558
الشرط الثالث
عدم الإتيان بما ينافي النية حتى يفرغ من وضوئه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- النية أهي ركن؛ لأنها داخل العبادة، أم هي شرط، وإلا لافتقرت إلى نية أخرى كما في أجزاء العبادة، وقيل: إيجادها أول العمل ركن واستصحاب حكمها شرط.
- يشترط في صحة النية عدم الصارف: بأن لا يأتي بمناف للنية، كأن يأتي بما يقطعها، أو يبطلها قبل إتمام العبادة.
[م-٨٦] إذا أتى الرجل بمناف للنية بأن أتي بما يقطعها أو يبطلها، أو صرف نيته لغير الوضوء في أثنائه كما لو نقل نية الوضوء في أثنائه من نية القربة إلى نية التبرد فقط، أو ارتد أثناء الوضوء فإن الوضوء يبطل
ويعبر الفقهاء عن هذا الشرط بوجوب استصحاب حكمها، فلا يجب عليه أن يستصحب ذكر النية بعد أن نواها، وتلبس بالعبادة، وإنما الواجب استصحاب حكمها إلى إتمام العبادة، وهذا رأي الأئمة الثلاثة (١).
وأما الحنفية فهم كما سبق يرون النية سنة في الطهارة، وبالتالي لا يؤثر مثل ذلك في صحة الوضوء.
* * *
стр. 559
الشرط الرابع
أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة بشيء يسير
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- إذا وقعت النية في محلها لم تبطل بالذهول عنها إلا أن يأتي بنية مضادة أثناء العبادة.
- اشتراط مقارنة النية لأول أجزاء المنوي متعذر أو متعسر، فجاز تقدمها كنية الصوم.
- إذا جاز تقديم النية على الصيام ولو طال الفصل بإجماع فإن هذا أصل يجب أن تقاس عليه وترد إليه سائر العبادات.
- تنقسم النية إلى فعلية موجودة وحكمية معدومة.
فإذا نوى المكلف أول العبادة فهذه نية فعلية.
وأما النية الحكمية: فهو إعطاء المعدوم حكم الموجود، فالإيمان إذا استحضره المؤمن في قلبه فهذه نية فعلية، فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين، وهو الإيمان الحكمي، ومثله الكفر ينقسم إلى فعلي وحكمي (١).
- يقوم الاستصحاب الحكمي محل الاستصحاب الفعلي قبل العبادة وأثنائها
стр. 560
بشرط عدم المنافي كما لو نوى قطع العبادة أو إبطالها قبل إتمامها.
- تقدم النية على المنوي جائز ولو طال الفصل ما لم يفسخها؛ لأنه إذا لم يفسخها فهو مستصحب لحكمها.
- المقصود من النية تمييز العبادات عن العادات، وتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، وهذا يحصل بالنية المقترنة والمتقدمة.
وقيل:
- النية الفعلية شرط في أول العبادة دون استمرارها، والحكمية شرط في استمرارها فقط.
-الاكتفاء بالحكمية على خلاف الأصل فيقتصر فيها على العمل المتصل (١).
النية تارة تكون متقدمة على المنوي، وتارة تكون مقارنة له، وتارة تكون متأخرة عنه، وإليك بيان حكم كل حال من هذه الأحوال.
- الحال الأولى: تقديم النية على العمل:
[م-٨٧] أجاز العلماء تقدم النية على المنوي في الصوم للمشقة، فجاز الصوم بنية من أول الليل، بل صحح بعضهم الصيام بنية ولو من أول الشهر.
-وعللوا الجواز:
بأن إيجاب تذكر النية قبل الفجر بيسير فيه حرج ومشقة، ولأن الصوم قد يأتي على كثير من الناس وهو في حالة النوم، وألحقوا بالصوم الزكاة؛ لصحة دخول النيابة في إخراجها.
[م-٨٨] وهل يجوز تقدم النية على العمل في غيرهما قياسًا على الصوم؟
اختلف العلماء في ذلك:
стр. 561
فالعلماء متفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير ثم استصحب ذكرها إلى أن تلبس بالعبادة فإن هذه النية تجزئ بلا خلاف.
قال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (١).
[م-٨٩] واختلفوا في من قدم النية على العمل وعزبت عنه ذهنه إلى حين دخل في العمل هل يعتد بهذه النية أو لا؟
فقيل: يجوز تقدم النية على المنوي ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي من أكل أو شرب، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا. وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن تيمية، ولم يشترط شيئًا (٢).
جاء في البحر الرائق: «فعن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف» (٣).
قال ابن نجيم: والمراد بقوله «بلا فاصل أي بين النية والتكبير، والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي» (٤). اهـ
وقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرط أن يكون الفاصل يسيرًا، اختاره
стр. 562
ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (١).
قال المقري المالكي: «شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر ما لا يقطع ذلك من تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير ... » (٢).
وقال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (٣).
وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤).
стр. 563
وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (١).
- دليل من قال بجواز تقديم ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي:
* الدليل الأول:
إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
الدليل الثاني:
القياس على الصوم، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، ولو طال الفصل جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.
* الدليل الثالث:
النية شرط من شروط الصلاة فجاز تقدمها كبقية الشروط.
* الدليل الرابع:
النية إذا عقدها فقد قصد امتثال الأمر بعد توجهه إليه ولم يفسخ هذا القصد فكان قصدًا صحيحًا كالمقارن.
* الدليل الخامس:
إذا لم يكن هناك فرق بين الشرط المقارن والشرط المتقدم في العقود على الصحيح،
стр. 564
فكذلك الشأن في عقود العبادات؛ لأن حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات.
* الدليل السادس:
اشتراط المقارنة يؤدي إلى الوقوع في الوسواس المذموم شرعًا وطبعًا.
- دليل من أجاز تقدم النية بشرط أن يكون التقدم يسيرًا:
* الدليل الأول:
اليسير من كل شيء معفو عنه، فالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا.
* الدليل الثاني:
الكلام اليسير في مصلحة الصلاة وكذا الفاصل اليسير بين الركعات لمصلحتها لايمنع من البناء عليها فإذا كان لا يبطل الصلاة فمن باب أولى لا يبطل النية.
(١٧٧ - ٣١) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد: وأكثر ظني العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
فهذا الرسول تكلم مع الصحابة، والكلام في الأصل مبطل للصلاة، ولكن حين كان لمصلحة الصلاة، وكان يسيرًا، ولم يطل الفصل، بنى رسول الله ﷺ على
стр. 565
صلاته، ولم يستأنف، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفًا، لم يؤثر ذلك في الصلاة، والله أعلم.
- دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي:
* الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) [الزمر: ١١].
فقوله: (مُخْلِصاً) حال له في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.
وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
- وأجيب:
بأن الآية والحديث دليل على اشتراط النية، وهذا مسلم، ولكن ليس فيه أن استصحاب حكم النية لا يكفي، وأن الواجب استصحاب ذكر النية بلا فاصل إلى أن يتلبس بالعبادة، فإذا كان الإسلام والذي هو شرط في صحة جميع العبادات لا يجب استصحاب ذكره عند العبادة، فغيره من باب أولى.
* الدليل الثاني:
استدل ابن حزم بقوله: «لو جاز أن يفصل بين النية وبين الدخول في الصلاة بمدة يسيرة، ولو دقيقة، أو قدر اللحظة لجاز بمثل ذلك وبأكثر حتى يجوز الفصل بينهما بسنة أو سنتين، وهذا باطل، أو يحد المخالف حدًا برأيه لم يأذن به الله تعالى» (١).
- دليل من اشترط دخول وقت العبادة:
لعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب.