فالعلماء متفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير ثم استصحب ذكرها إلى أن تلبس بالعبادة فإن هذه النية تجزئ بلا خلاف.
قال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (١).
[م-٨٩] واختلفوا في من قدم النية على العمل وعزبت عنه ذهنه إلى حين دخل في العمل هل يعتد بهذه النية أو لا؟
فقيل: يجوز تقدم النية على المنوي ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي من أكل أو شرب، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا. وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن تيمية، ولم يشترط شيئًا (٢).
جاء في البحر الرائق: «فعن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف» (٣).
قال ابن نجيم: والمراد بقوله «بلا فاصل أي بين النية والتكبير، والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي» (٤). اهـ
وقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرط أن يكون الفاصل يسيرًا، اختاره
стр. 562
ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (١).
قال المقري المالكي: «شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر ما لا يقطع ذلك من تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير ... » (٢).
وقال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (٣).
وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤).
стр. 563
وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (١).
- دليل من قال بجواز تقديم ولو طال الفصل إذا لم يوجد فاصل أجنبي:
* الدليل الأول:
إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
الدليل الثاني:
القياس على الصوم، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، ولو طال الفصل جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.
* الدليل الثالث:
النية شرط من شروط الصلاة فجاز تقدمها كبقية الشروط.
* الدليل الرابع:
النية إذا عقدها فقد قصد امتثال الأمر بعد توجهه إليه ولم يفسخ هذا القصد فكان قصدًا صحيحًا كالمقارن.
* الدليل الخامس:
إذا لم يكن هناك فرق بين الشرط المقارن والشرط المتقدم في العقود على الصحيح،
стр. 564
فكذلك الشأن في عقود العبادات؛ لأن حكم الإرادات المعتقدة لا يزول إلا بفسخ تلك الاعتقادات.
* الدليل السادس:
اشتراط المقارنة يؤدي إلى الوقوع في الوسواس المذموم شرعًا وطبعًا.
- دليل من أجاز تقدم النية بشرط أن يكون التقدم يسيرًا:
* الدليل الأول:
اليسير من كل شيء معفو عنه، فالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا.
* الدليل الثاني:
الكلام اليسير في مصلحة الصلاة وكذا الفاصل اليسير بين الركعات لمصلحتها لايمنع من البناء عليها فإذا كان لا يبطل الصلاة فمن باب أولى لا يبطل النية.
(١٧٧ - ٣١) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد: وأكثر ظني العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين. الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
فهذا الرسول تكلم مع الصحابة، والكلام في الأصل مبطل للصلاة، ولكن حين كان لمصلحة الصلاة، وكان يسيرًا، ولم يطل الفصل، بنى رسول الله ﷺ على
стр. 565
صلاته، ولم يستأنف، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفًا، لم يؤثر ذلك في الصلاة، والله أعلم.
- دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي:
* الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) [الزمر: ١١].
فقوله: (مُخْلِصاً) حال له في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.
وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
- وأجيب:
بأن الآية والحديث دليل على اشتراط النية، وهذا مسلم، ولكن ليس فيه أن استصحاب حكم النية لا يكفي، وأن الواجب استصحاب ذكر النية بلا فاصل إلى أن يتلبس بالعبادة، فإذا كان الإسلام والذي هو شرط في صحة جميع العبادات لا يجب استصحاب ذكره عند العبادة، فغيره من باب أولى.
* الدليل الثاني:
استدل ابن حزم بقوله: «لو جاز أن يفصل بين النية وبين الدخول في الصلاة بمدة يسيرة، ولو دقيقة، أو قدر اللحظة لجاز بمثل ذلك وبأكثر حتى يجوز الفصل بينهما بسنة أو سنتين، وهذا باطل، أو يحد المخالف حدًا برأيه لم يأذن به الله تعالى» (١).
- دليل من اشترط دخول وقت العبادة:
لعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب.
стр. 566
مثال ذلك: الزكاة سبب وجوبها بلوغ النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول لما يشترط له الحول، فتقديم الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يجوز؛ لأنه قدم العبادة قبل سبب وجوبها، فإذا بلغ المال النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول: أي قبل شرط وجوبها.
مثال آخر: لو أن رجلًا أراد أن يقدم كفارة يمين قبل أن يعقدها لم تصح كفارة، لأن عقد اليمين هو سبب وجوب الكفارة، ولو أنه عقد اليمين ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث جاز؛ لأن الحنث هو شرط الوجوب، وتقديم العبادة على شرط وجوبها جائز، وعلى سبب الوجوب لا يجوز، والله أعلم (١).
- الحال الثانية: أن تكون النية مقارنة للمنوي:
ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب أن تكون النية مقارنة للمنوي (٢).
وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي، وهو مذهب الشافعية (٣). واختاره الآجري (٤).
واختلفوا في الصيام الواجب هل تجوز نيته مع طلوع الفجر؟
فقيل: يجوز، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٥).
стр. 567
- وجه القول بالجواز:
أن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران، وقياسًا على سائر العبادات.
وقيل: لا يجوز، وهو قول مرجوح في مذهب المالكية (١)، وعليه أكثر الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
قال الشيرازي: «أكثر أصحابنا يقولون: لا يجوز إلا بنية من الليل» (٣).
- واستدلوا بوجوب تقدم النية في الصيام على المنوي:
(١٧٨ - ٣٢) بما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر (٤).
[إسناده من أصح الأسانيد، وروي عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا، ولا يثبت] (٥).
- والراجح بين القولين:
قبل ترجيح أحد القولين لا بد أن نعرف تفسير المقارنة، فإن كان المقصود بالمقارنة ألا يوجد فاصل بين النية وبين المنوي، بحيث ينوي العبد الطاعة، ثم يدخل
стр. 568
فيها مباشرة فلا حرج في مقارنة النية للمنوي في هذه الحال، لأن النية قد وجدت قبل العمل ولو ببرهة.
وإن كان المقصود من المقارنة أن تنوي حال التلبس بالعبادة فهذا لا يجوز، لأنه في هذه الحال سوف يكون هناك جزء من العبادة ولو يسيرًا عاريًا من النية.
وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فقال:
«أما مقارنتها التكبير فللعلماء فيه قولان مشهوران:
أحدهما: لا يجب، والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كلفوا تركه لعجزوا عنه، وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير، وهذا تنازعوا في إمكانه، فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن، ولا مقدور للبشر عليه، فضلا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه، فهو متعسر، فيسقط بالحرج. وأيضًا فمما يبطل هذا والذي قبله، أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره، فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية؛ ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها، كالطهارة، والله أعلم» (١).
- الحالة الثالثة: أن تكون النية متأخرة عن بعض المنوي.
ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة، خاصة إذا كان أول العبادة واجبًا فيها، فلا تتأخر النية في الوضوء عن غسل الوجه، ولو تأخرت عن غسل الكفين فلا يؤثر ذلك في صحة الوضوء؛ لأن غسل الكفين سنة،
стр. 569
ولا تتأخر النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام وهكذا؛ لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.
وخالف في ذلك الكرخي من الحنفية، فقال: يجوز تأخير النية عن تكبيرة الإحرام، وهذا بناء على قول في مذهب الحنفية: أن تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة (١).
ولعل هذا القول لا يخرج عن القول السابق، وإنما الخلاف في تحقيق المناط، فتكبيرة الإحرام عند من يراها ركنًا في الصلاة -وهو الصحيح- لا يجوز أن تتأخر النية عن تكبيرة الإحرام، وأما عند من يرى تكبيرة الإحرام ليست من الأركان ولا الواجبات لا يمنع من تأخير النية عنها، كما أجاز الحنابلة تأخر نية الوضوء عن أول مسنونات الطهارة، وهي غسل الكفين، وتجب عندهم عند أول واجبات الطهارة.
واختلفوا في صيام النفل، هل يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة؟
على قولين:
فذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أن تبييت النية من الليل في صيام النفل ليس بواجب، فلو نوى في أثناء اليوم في صيام النفل صح صومه بشرط ألا يتناول مفطرًا من طلوع الفجر.
وخالف في ذلك مالك ﵀ (٥)، فقال: يجب تبييت النية من الليل، وهو
стр. 570
مذهب الظاهرية (١)، ورجحه المزني من الشافعية (٢).
وسوف يأتي بسط أدلة هذه المسألة في كتاب الصيام أبلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
* * *
стр. 571
الشرط الخامس
أن يكون جازمًا بالنية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- النية قصد لا يتصور توجهه إلا إلى معلوم أو مظنون فلا تتعلق بمشكوك فيه.
- من العلماء من يبطل العبادة بتعليق النية مطلقًا؛ لأن شرط العبادة عنده أن تكون النية جازمة، ومنهم من يجيزه مطلقًا، ومنهم من يجيزه إن استند إلى أصل أو ظاهر، كما لو اقتدى بمسافر شك هل هو قاصر أو متم، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، ومثله لو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، ولا يقدر إلا على هذا.
[م-٩٠] اختلف الفقهاء في حكم تعليق النية في الوضوء؟
فقيل: لا يصح تعليق النية إلا إن قصد بكلمة إن شاء الله تعالى التبرك أو الاستعانة، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
стр. 572
وأما الحنفية فقد سبق أنهم يرون النية سنة، فلا يضر تعليقها (١).
واختلفوا فيما لو توضأ بنية إن كان محدثًا فالنية رفع الحدث، وإلا فهو تجديد:
فقيل: لا يصح الوضوء بهذه النية، وهذا مذهب المالكية؛ لعدم الجزم بالنية.
جاء في حاشية الدسوقي: «فالواجب عليه إذا توضأ أن يتوضأ بنية جازمة، فإن توضأ بنية غير جازمة -بأن علقها بالحدث المحتمل- كان هذا الوضوء باطلًا» (٢).
-وجه القول بالبطلان:
أن هذا الإنسان إما أن يكون متطهرًا أو محدثًا، فإن كان متطهرًا فلا اعتبار به، إذ لم ينو التجديد، بل نوى رفع الحدث وليس عليه، وإن كان محدثًا فلا يصح، لعدم جزم نيته.
وقيل: يصح الوضوء، وهو مذهب الشافعية.
جاء في المجموع: «قال البغوي: لو توضأ ونوى إن كان محدثا فهو عن فرض طهارته، وإلا فهو تجديد، صح وضوءه عن الفرض، حتى لو زال شكه وتيقن الحدث لا يجب عليه إعادة الوضوء» (٣).
وقالوا: يغتفر التعليق هنا، كالمسافر إذا نوى خلف من شك في نية القصر، فقال: إن قصر قصرت (٤).
قلت: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وهو أن يقول: إن كنت محدثًا فهذا الوضوء عنه، فإن كان على طهارة لم يضره هذا الوضوء، وإن كان محدثًا فقد نواه معلقًا، والتعليق يغتفر، وقد رجح المحققون من العلماء صحة التعليق في مسألة مشابهة، كما لو قال رجل: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، فتصح نيته
стр. 573
على الصحيح (١)؛ لأن هذا غاية ما يمكن أن يفعله، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وفيه قول ثالث في مذهب الشافعية:
قالوا: يرتفع حدثه، إلا إن انكشف الحال وتبين أنه محدث، فيلزمه استئناف الوضوء (٢).
وإنما صح الوضوء للضرورة؛ لأن هذا غاية ما يسعه، وإذا زالت الضرورة، وانكشف الحال، وتبين أنه محدث فقد زالت الضرورة، فيلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأن النية لم تكن جازمة.
قال أبو عمرو بن الصلاح ﵀: «لا نقول بأنه لا يرتفع حدثه على تقدير تحقق الحدث، وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير انكشاف الحال، ويكون وضوءه هذا رافعًا للحدث إن كان موجودا في نفس الأمر، ولم يظهر لنا للضرورة، فإذا انكشف الحال زالت الضرورة، فوجبت الإعادة بنية جازمة» (٣).
[م-٩١] ولا يشرع للإنسان أن يحدث لكي يجزم بالنية، فلم يرشد الرسول ﷺ في هذه الحالة إلى هذا الفعل، وإنما أرشد بالأخذ باليقين وطرح الشك، كما قال ﷺ إذا شك أحدكم في الصلاة فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
وقيل: يجوز التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، وهذا قول رابع، اختاره ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن القيم في أعلام الموقعين عند الكلام على تعليق التوبة بالشرط، قال: «وقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الإحرام، فقال: (حجي
стр. 574
واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن لك ما اشترطت على ربك) فهذا شرع مع الله في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي، وكذلك الداعي بالخيرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي، فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه».
وكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيما رجل سبه أو لعنه وليس لذلك بأهل أن يجعلها كفارة له وقربة يقربه بها إليه، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلي على الميت شرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته، إن كان محسنا فتقبل حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته؛ فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط، فكيف يمنع تعليق التوبة بالشرط؟
وقال شيخنا: كان يشكل علي أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
وكذلك قوله في الحديث الآخر: وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غير مفتون (١).
- ومثل تعليق النية التردد بالنية، وعدم الجزم بها، وله حالتان:
الحال الأولى:
[م-٩٢] أن يحصل التردد منه بعد فراغه من الوضوء، أو ينوي رفض الوضوء بعد الفراغ منه.
стр. 575
فالصحيح عند الجمهور أن ذلك لا يؤثر في وضوئه (١).
- ودليلهم على الصحة:
القياس على الصلاة والصوم والحج، فكما أنه لو رفض الصوم أو الصلاة أو الحج بعد فراغه منه لم يبطل صومه ولا صلاته ولا حجه، فكذلك لا يبطل وضوءه.
وقيل: إن وضوءه يبطل، وهو وجه ثان في مذهب الأئمة الثلاثة (٢).
- وتعليهم بالبطلان:
أن حكم الوضوء -وهو رفع الحدث- ما زال باقيًا، بدليل أنه يصح له أن يصلي به، بخلاف الصلاة والصوم والحج فإنها تنقضي حسًا بعد أدائها وخروج وقتها، والصحيح الأول.
الحالة الثانية:
أن يتردد في الوضوء هل يتمه أو يقطعه:
وهذا فيه تفصيل:
[م-٩٣] أن يحصل له التردد من أول الوضوء إلى آخره، فهذا وضوءه باطل على الصحيح؛ لأن التردد ينافي النية؛ لأن النية هي القصد إلى الشيء قصدًا جازمًا.
[م-٩٤] أن يحصل التردد أثناء الوضوء، فهو قد شرع في الوضوء، وهو جازم على رفع الحدث، وفي أثنائه حصل له التردد، ففي هذا خلاف بين أهل العلم:
стр. 576
فقيل: وضوءه باطل، وهو الصحيح من مذهب أحمد (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لا يبطل الوضوء فيما مضى، وإذا أراد إتمام الطهارة قبل تطاول الفصل فلا بد من تجديد النية لما بقي، وهو مذهب المالكية (٣)، والصحيح في مذهب الشافعية (٤)، واختاره بعض الحنابلة (٥)، وهذا أصح من القول الأول.
وهذا التفصيل بالنسبة للوضوء، وأما غيره من العبادات فإن الحكم يختلف إذا خرج من النية قبل تمام العبادة، فهناك من العبادات ما يخرج منها قولًا واحدًا، فإذا نوى قطع الإيمان صار مرتدًا، والعياذ بالله.
وإذا نوى الخروج من الحج أو العمرة بعد دخوله في النسك لم يخرج منهما بهذه النية، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦]، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المسألة في كتاب المناسك، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
* * *
стр. 577
المبحث الثامن في صفة النية
[م-٩٥] كيفية النية في الوضوء أن ينوي رفع الحدث، أو أداء الفرض، أو استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة، كاستباحة الصلاة.
قال الخرشي: «وفي كيفية النية ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينوي رفع الحدث.
الثاني: أن ينوي أداء الفرض، أي امتثال أمر الله، وتدخل السنن والنوافل بالتبعية. زاد الصاوي: والمقصود بأداء الفرض ما تتوقف صحة العبادة عليه ليشمل وضوء الصبي (١).
стр. 578
ثالثها: أن ينوي استباحة ممنوع مما لا يستباح إلا بالطهارة.
ومتى خطر ذكر جميع الثلاثة تلازمت، وإن خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها، ما لم يقصد عدم حصول الآخر، كأن يقول: أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة أو العكس، فتبطل النية، وتكون عدما للتنافي» (١).
فإذا نوى رفع الحدث فقد ارتفع حدثه، وهذا هو المقصود من الطهارة،
ولأن معنى رفع الحدث: استباحة كل فعل كان الحدث مانعًا من فعله.
أو بمعنى آخر: أنه إذا نوى رفع الحدث يكون بذلك قد نوى إزالة الوصف القائم بالأعضاء المانع من الصلاة ونحوها (٢)
والمقصود من رفع الحدث رفع حكمه؛ لأن الحدث قد وقع، فلا يمكن رفعه.
* * *
стр. 579
الفرع الأول إذا نوى طهارة مطلقة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- المطلق يحمل على الحقيقة الشرعية.
- المنوي من العبادات ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة، والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان:
أحدهما: ما يكون مقصودًا لغيره ومقصودًا لنفسه كالوضوء.
والثاني: ما يكون مقصودًا لغيره فقط كالتيمم، ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم، فإذا نوى الوضوء وأطلق صح؛ لأنه مقصود لنفسه، وإذا نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان (١).
[م-٩٦] نية الوضوء المطلق أو الطهارة المطلقة فإذا نوى طهارة وأطلق، فهل يرتفع حدثه؟
стр. 580
فقيل: يرتفع حدثه، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: لا يرتفع، وهو قول ثان في مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والصحيح في مذهب الحنابلة (٢).
- وجه قول من قال: يرتفع حدثه:
قالوا: إن نية الطهارة أو الوضوء المطلق تنصرف إلى الوضوء الشرعي المعهود.
- وجه من قال: لا يرتفع حدثه:
قالوا: إن نيته متناولة لما تشرع له النية، ولما لا تشرع له النية كإزالة النجاسة؛ لأن كليهما يسمى طهارة شرعية، فلم تصح طهارته.
- والراجح:
القول بالصحة؛ لأن نية الطهارة في أعضاء الوضوء على الترتيب المخصوص لا تكون عن نجاسة، فتعين أن تكون عن حدث، والله أعلم.
* * *
стр. 581
الفرع الثاني إذا نوى ما تسن له الطهارة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- لا يشترط في الطهارة نية الفرض ولا نية النفل، فإذا نوى طهارة مطلقة أو ما تشرع له الطهارة ارتفع حدثه كناسي اللمعة في الغسلة الأولى، فإن الغسلة الثانية مسنونة قامت في اللمعة عن فرض (١).
- من توضأ بنية التجديد ناسيًا حدثه ارتفع حدثه؛ لأن نيته أن يكون على أكمل الحالات، وذلك يستلزم رفع الحدث، فنية الكمال يتضمن الإجزاء (٢).
- إذا نوى ما تسن له الطهارة ارتفع حدثه نظرًا إلى أصل الأمر بالوضوء لهذه الأمور.
- قال ابن العربي: قال محققو علمائنا: ليس في الشريعة نفل يجزئ عن فرض إلا الوضوء قبل الوقت.
وقيل:
стр. 582
- إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف الأصل.
- الحدث عبارة عن المنع الشرعي، وصحة ما تسن له الطهارة لا تتوقف على رفع المنع فلا تستلزمه، فيكون حدثه باقيًا.
[م-٩٧] إذا نوى ما تسن له الطهارة فهل يرتفع حدثه؟
فقيل: يرتفع، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وهو الراجح.
وقيل: لا يرتفع، وهو المشهور في مذهب المالكية (٤)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، ووجه في مذهب الحنابلة (٦).
- وجه القول بأنه حدثه لم يرتفع:
قالوا: لأن الفعل الذي قصد إليه يصح فعله مع بقاء الحدث، فلم يتضمن القصد إليه القصد برفع الحدث جملة.
وجه القول بأن حدثه يرتفع:
قالوا: لأنه بهذه النية نوى أن يكون على أكمل الحالات، فنيته مستلزمة لرفع الحدث كله.
ولأن هذه طهارة شرعية مأمور بها، مثاب عليها، ولا يوجد دليل على اشتراط كون الطهارة لا بد أن تكون شرطًا في العبادة، وليست مسنونة.
* * *
стр. 583
الفرع الثالث إذا نوى ما لا تشرع له الطهارة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- كل ما يجوز فعله بغير طهارة إذا نواه لا تقوى نيته إلى طهارة ما لا يفعل إلا بطهارة؛ لأن الأعلى لا يندرج تحت الأدنى.
[م-٩٨] إذا نوى التبرد والنظافة من وضوئه، فهل يرتفع حدثه أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يرتفع، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: لا يرتفع، وهو مذهب الجمهور.
وهذا المسألة ترجع إلى مسألة سابقة ذكرت أدلتها ونوقشت بشيء من التفصيل، وهي هل تشترط النية في رفع الحدث؟
فمن قال: لا تشترط كالحنفية قالوا: يرتفع حدثه، لأن الوضوء حقيقته جريان الماء على الأعضاء، وقد وجد.
ومن قال: تشترط النية في رفع الحدث، قال: لا يرتفع حدثه هنا؛ لأن الوضوء عبادة من شرطها النية ولم توجد، وقد مضى بحث هذه المسألة فأغنى عن إعادته هنا، فيمكن أن ترجع إليها إذا أردت الوقوف على أدلة كل فريق، والله أعلم.
* * *
стр. 584
الفرع الرابع إذا نوى رفع الحدث ونية التبرد مقرونين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- ما يحصل ضمنًا إذا تعرض له بالنية لا يضر (١).
- إذا نوى المتوضئ رفع الحدث والتبرد، ارتفع حدثه في الأصح كالإمام يرفع صوته بالتكبير ناويًا إعلام الطارق بأنه في صلاة.
- لو نوى رفع الحدث والتبرد أجزأه؛ لأن ما نواه معه حاصل، وإن لم ينوه، فلا تضاد.
وقيل:
- لو نوى رفع الحدث والتبرد لا يجزئه؛ لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله تعالى فقط (٢).
[م-٩٩] إذا نوى بطهارته أمرين معًا أحدهما مشروع، والآخر مباح، كما لو نوى رفع الحدث، وما لا تشرع له النية كالتبرد والتنظف، فهل يرتفع حدثه؟
стр. 585
فقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب المالكية، والوجه الصحيح في مذهبي الشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يرتفع، وهو وجه في مذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم (٢).
- دليل من قال: يرتفع حدثه:
* الدليل الأول:
من القرآن قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) [نوح: ١٠ - ١٢].
فلو نوى الإنسان هذه الأمور مع نية طلب المغفرة لم يكن ذلك قادحًا في نيته.
الدليل الثاني:
(١٧٩ - ٣٣) ما روه البخاري من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله،
فقال عبد الله: كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء (٣).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر بالصوم لغرض قطع الشهوة، فلم تفسد نية الصيام.
стр. 586
* الدليل الثالث:
(١٨٠ - ٣٤) قال النبي ﷺ : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب (١).
فإذا قصد المسلم الأمرين (نظافة الفم ومرضاة الرب) في التسوك لم يكن ذلك قادحًا في نيته، فكذلك الوضوء طهارة حسية للأعضاء، وطهارة معنوية من الذنوب، فلو نوى الطهارتين لم يكن ذلك قادحًا في النية، والله أعلم.
ولأن الواجب هو نية رفع الحدث فإذا نوى ذلك فقد أتى بما هو واجب عليه، وكونه ينضم إلى هذه النية نية التبرد فإن هذا لا ينافي رفع الحدث؛ لأن غسل أعضاء الوضوء يتضمن التبرد فهو حاصل له نواه أو لم ينوه، ولا تقدح في الإخلاص حتى يقال: إن النية ليست خالصة.
دليل من قال: لا يرتفع حدثه:
قال ابن حزم في ذكر دليله: إن خلط بنية الطهارة للصلاة نية لتبرد أو لغير ذلك لم تجزه الصلاة بذلك الوضوء. برهان ذلك قول الله تعالى:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: ٥].
فمن مزج بالنية التي أمر بها نية لم يؤمر بها، فلم يخلص لله تعالى العبادة بدينه ذلك، وإذا لم يخلص فلم يأت بالوضوء الذي أمره الله تعالى به، فلو نوى مع وضوئه للصلاة أن يعلم الوضوء من بحضرته أجزأته الصلاة به؛ لأن تعليم الناس الدين مأمور به وبالله تعالى التوفيق (٢).
والراجح القول الأول، وهو أن نية التبرد تدخل تبعًا، ولا تؤثر في النية، وقد قام بما هو واجب عليه من نية رفع الحدث، والله أعلم.
* * *
стр. 587
الفرع الخامس إذا نوى رفع حدث واحد وعليه مجموعة أحداث
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه.
[م-١٠٠] إذا تعددت الأحداث وكان سببها واحدًا كمن نام عدة مرات، أو جامع عدة مرات، ولم يرفع حدثه الأول، فإن هذه الأحداث كلها ترتفع بنية واحدة حتى ولو لم يقصد ذلك، ولو نسي عددها.
- الدليل على هذا من السنة:
(١٨١ - ٣٥) ما رواه مسلم من طريق هشام بن زيد،
عن أنس أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد (١).
وأما إذا كان عليه نوع واحد من الأحداث، ولكن تعددت أسبابه كمن بال وتغوط ونام، فنوى رفع أحدها، فهل يرتفع حدثه؟ هذا فيه تفصيل، وهو ما سوف يتناوله الحديث -إن شاء الله- في هذا التقسيم، ويمكن تقسيمه إلى مسألتين:
* * *
стр. 588
المسألة الأولى
أن ينوي رفع أحدها ناسيًا بقيتها أو ذاكرًا ولم يخرجها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء:
أحدها: الأسباب الموجبة، يقال: أحدث، إذا خرج منه ما يوجب الحدث.
وثانيهما: المنع المترتب على هذه الأسباب.
والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع ما وقع، فتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا نوى رفع المنع ارتفع؛ لأنه شيء واحد (١).
- إذا نوى رفع بعض الأحداث ناسيًا لغيرها أجزأه؛ لأن المقصود رفع المنع وقد حصل.
- الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه.
[م-١٠١] فإذا نوى أن يرفع الحدث عن النوم، وكان عليه مجموعة أحداث ولم ينوها بالرفع ولم يخرجها من نيته، فإن حدثه يرتفع، سواء كان الحدث المنوي هو الذي
стр. 589
حدث أولًا أو آخرًا، وهذا مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وهو الصحيح.
وقيل: لا يرتفع إلا ما نواه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤).
- وجه من قال: يرتفع جميع حدثه:
قالوا: لأن هذه الأحداث كان موجبها واحدًا، واجتمعت، فيتداخل حكمها، وينوب موجب أحدها عن الآخر.
ولأن الحدث شيء واحد وإن تعددت أسبابه، فلا يقال: لو بال وتغوط ونام يقال: عليه ثلاثة أحداث، بل يقال: عليه حدث واحد من أسباب متعددة.
ولأنه لم يكن معروفًا عند السلف أمر المتطهر باستحضار نية رفع الأحداث عند الطهارة، فلم يكن الواحد منهم يحصي كم عليه من الأحداث.
ولأن اشتراط النية لكل حدث واستحضار جميعها أمر فيه حرج ومشقة.
ولأنه حين نوى رفع الحدث عن النوم ارتفع، فلا يبقى الحدث الآخر مع ارتفاع الأول.
- وجه من قال: لا يرتفع إلا ما نواه:
هذا القول مبني على أن الأحداث لا تتداخل، وأن ليس للإنسان إلا ما نوى بمقتضى الحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) فهذا لم ينو رفع حدث النوم أو البول أو نحوهما.
والقول الأول هو الصواب لقوة أدلته الأثرية والنظرية.
* * *
стр. 590
المسألة الثانية
أن ينوي رفع أحد الأحداث وينوي بقاء غيره
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- إذا نوى استباحة صلاة بعينها، وأخرج غيرها من نيته، فله أن يستبيح ما نواه وما لم ينوه؛ لأن حدثه قد ارتفع باعتبار ما نواه، وذلك يقتضي استباحة ما تشترط له الطهارة، وليس للمكلف أن يقتطع مسببات الأسباب الشرعية عنها، فلو قال: أتزوج ولا يحل لي الوطء، أو أشتري السلعة ولا يحصل لي الملك لم يعتبر ذلك، فكذلك ههنا (١).
- الحدث له معنيان في اصطلاح الفقهاء، أحدها: الأسباب الموجبة، يقال: أحدث، إذا خرج منه ما يوجب الحدث.
وثانيهما: المنع المترتب على هذه الأسباب، والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع ما وقع، فتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا نوى رفع المنع ثبتت الاستباحة (٢).
стр. 591
وقيل:
- إذا نوى رفع أحد الأحداث وإبقاء بعضها بطلت طهارته للتضاد، ولا يستبيح شيئًا؛ لأن الأعمال بالنيات، وقد نوى بقاء أحد الأحداث، وليس نية رفع الحدث بأولى من نية بقاء الحدث، والحدث إذا وجد فقد وجد المانع (١).
[م-١٠٢] لو كان عليه حدثان: حدث من بول وحدث من نوم، فنوى رفع أحدهما على ألا يرتفع الأخر، ففيه أربعة أقوال:
قيل: إن وضوءه باطل، وهو مذهب المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، والصحيح في مذهب الحنابلة (٤).
- وجه كون الوضوء باطلا:
أن هذا المتوضئ جاء بنية متضادة، فتتنافى النية، وتكون كالعدم، فكونه يقول: هذا الوضوء أرفع به الحدث، ولا أستبيح به الصلاة، هذا نوع من التناقض والتضاد.
وقيل: يصح وضوءه، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
- وجه هذا القول:
أن الأحداث تتداخل، فإذا نوى واحدًا منها ارتفع الجميع؛ ولأنه لما نوى رفع أحد الحدثين كان ذلك أقوى حكمًا فبطل الشرط.
ولأن الحدث وصف واحد، وإن تعددت أسبابه، فإذا نوى رفعه من البول ارتفع كله.
стр. 592
وقيل: إن نوى رفع الحدث الأول ارتفع الجميع، وإن نوى غيره لم يصح وضوءه؛ وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
- وجه هذا القول:
أن الذي أوجب الطهارة هو الحدث الأول، فإذا نواه ارتفع الجميع.
وقيل: إن نوى رفع الحدث الأخير ارتفع الجميع، وإن نوى غيره لم يصح؛ لأنها تتداخل في الآخر منها، وهذا الوجه حكاه ابن الصباغ من الشافعية (٢).
والراجح والله أعلم:
أن حدثه يرتفع، ويكون قوله الآخر باطلًا لا عبرة به، وقد ارتفع الحدث، خاصة أن هذا الفعل قد يقع من الإنسان لا على وجه التلاعب، ولكن قد يتذكر، وهو ينوي رفع الحدث أن يفعل عبادة معينة بهذا الوضوء، وينوي معه عدم استباحة الصلاة بهذا الوضوء، لا على وجه التلاعب، ولكن قد يكون نوى ذلك في تلك الساعة لغرض صحيح لشغل أو غيره، وإن كان حصل منه ذلك على وجه التلاعب فإنه لا يسلم من الإثم مع رفع الحدث، وقد يقال: إن كان متلاعبًا فإنه قد يعاقب بحرمان رفع الحدث، والله أعلم.
* * *
стр. 593
الباب الثاني سنن الوضوء
الفصل الأول في استحباب التسمية للوضوء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- الأصل في العبادات عدم المشروعية.
- لا تشرع التسمية للدخول في الصلاة، وهي المقصودة من الطهارة، فوسيلتها (الوضوء والغسل) من باب أولى.
- لم يرد ذكر للتسمية في الغسل من الجنابة لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، وإذا كان هذا في الطهارة الكبرى فالصغرى أولى بعد المشروعية، والتكلف بقياس الكبرى على الصغرى قياس للأغلظ على الأخف، فلا يصح، مع أنه لا يسلَّم بثبوته في الصغرى.
[م-١٠٣] اختلف العلماء في حكم التسمية في الوضوء:
стр. 594
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: تعتبر من فضائل الوضوء، وهو المشهور عند المالكية (٤).
وقيل: مباحة، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: تكره التسمية في الوضوء، وهو قول في مذهب مالك (٦).
стр. 595
وتأول ربيعة الأحاديث الواردة بالتسمية، فقال: إن تفسير حديث النبي ﷺ : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، أنه الذي يتوضأ ويغتسل، ولا يذكر وضوءًا للصلاة، ولا غسلًا للجنابة (١). فحمله التسمية على النية.
وقيل: واجبة، وتسقط مع النسيان، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة (٢).
وقيل: التسمية شرط لصحة الوضوء، قال صاحب عون المعبود، وهو مذهب أهل الظاهر (٣).
- دليل من قال: إن التسمية في الوضوء سنة:
* الدليل الأول:
(١٨٢ - ٣٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب،
عن ابن عباس يبلغ به النبي ﷺ قال: لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله،
стр. 596
اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قال العيني: لما كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال بطريق الأولى، فلذلك أورده البخاري في كتاب الوضوء للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء (٢).
- وأجيب:
بأن التسمية ليست مشروعة عند كل حال، بل لا تشرع التسمية للأذان والإقامة، وكذلك لا تشرع عند تكبيرة الإحرام، فلا بد من دليل صحيح صريح في مشروعية التسمية، وإلا فالأصل عدم المشروعية.
* الدليل الثاني:
أحاديث لا صلاة لمن لا وضوء له (٣)، وإن كانت ضعيفة في آحادها، لكنها بالمجموع صالحة للاحتجاج، والنفي فيها للكمال، أي: لا وضوء كامل؛ لأن صفة الوضوء الصحيح قد ثبتت في أحاديث صحيحة بدون التسمية كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان، وابن عباس، وسيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى، فيبقى النفي للكمال، كما جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٤)، أي لا يؤمن الإيمان الكامل، فالنفي دال على استحباب التسمية في الوضوء، لا على وجوبها.
стр. 597
* الدليل الثالث:
(١٨٣ - ٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت وقتادة،
عن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءا فلم يجدوا، قال: فقال النبي ﷺ : هاهنا ماء؟ قال: فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضؤوا بسم الله، فرأيت الماء يفور: يعني بين أصابعه، والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم.
قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوًا من سبعين (١).
[تفرد بزيادة التسمية معمر، عن قتادة وثابت، وروايته عنهما فيها كلام] (٢).
وقال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم (١).
وليس في الحديث دلالة محتملة على مشروعية التسمية؛ لأن التسمية إنما تجب على المتوضئ، ولم ينقل في الحديث أن أحدًا من الصحابة ممن توضأ قد سمى، وإنما سمى النبي ﷺ لوضع يده الشريفة في الماء طلبًا للبركة، ولو أن من يصب الماء سمى عن المتوضئ لم تصح النيابة في التسمية.
- دليل من قال بوجوب التسمية:
* الدليل الأول:
(١٨٤ - ٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومحمد ابن عبد الله بن الزبير، عن كثير بن زيد، قال: حدثني ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه،
عن جده أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 600
* الدليل الثاني:
(١٨٥ - ٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن موسى يعني المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١).