اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قال العيني: لما كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال بطريق الأولى، فلذلك أورده البخاري في كتاب الوضوء للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء (٢).
- وأجيب:
بأن التسمية ليست مشروعة عند كل حال، بل لا تشرع التسمية للأذان والإقامة، وكذلك لا تشرع عند تكبيرة الإحرام، فلا بد من دليل صحيح صريح في مشروعية التسمية، وإلا فالأصل عدم المشروعية.
* الدليل الثاني:
أحاديث لا صلاة لمن لا وضوء له (٣)، وإن كانت ضعيفة في آحادها، لكنها بالمجموع صالحة للاحتجاج، والنفي فيها للكمال، أي: لا وضوء كامل؛ لأن صفة الوضوء الصحيح قد ثبتت في أحاديث صحيحة بدون التسمية كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان، وابن عباس، وسيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى، فيبقى النفي للكمال، كما جاء في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٤)، أي لا يؤمن الإيمان الكامل، فالنفي دال على استحباب التسمية في الوضوء، لا على وجوبها.
стр. 597
* الدليل الثالث:
(١٨٣ - ٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت وقتادة،
عن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءا فلم يجدوا، قال: فقال النبي ﷺ : هاهنا ماء؟ قال: فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضؤوا بسم الله، فرأيت الماء يفور: يعني بين أصابعه، والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم.
قال ثابت: قلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوًا من سبعين (١).
[تفرد بزيادة التسمية معمر، عن قتادة وثابت، وروايته عنهما فيها كلام] (٢).
وقال الحافظ: أصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم (١).
وليس في الحديث دلالة محتملة على مشروعية التسمية؛ لأن التسمية إنما تجب على المتوضئ، ولم ينقل في الحديث أن أحدًا من الصحابة ممن توضأ قد سمى، وإنما سمى النبي ﷺ لوضع يده الشريفة في الماء طلبًا للبركة، ولو أن من يصب الماء سمى عن المتوضئ لم تصح النيابة في التسمية.
- دليل من قال بوجوب التسمية:
* الدليل الأول:
(١٨٤ - ٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومحمد ابن عبد الله بن الزبير، عن كثير بن زيد، قال: حدثني ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه،
عن جده أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 600
* الدليل الثاني:
(١٨٥ - ٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن موسى يعني المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١).
* الدليل الثالث:
(١٨٦ - ٤٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه،
عن جده عن النبي ﷺ قال: لا صلاة من لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. ولا صلاة لمن لا يصلي علي النبي ﷺ ، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار.
قال أبو الحسن بن سلمة: حدثنا أبو حاتم، حدثنا عيسى عبيس بن مرحوم
стр. 604
العطار، حدثنا عبد المهيمن بن عباس، فذكر نحوه (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 605
* الدليل الرابع:
(١٨٧ - ٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن حارثة،
عن عمرة قالت: سألت عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ قالت: كان إذا توضأ، فوضع يده في الماء، سمى فتوضأ، ويسبغ الوضوء.
[ضعيف] (١).
стр. 606
* الدليل الخامس:
(١٨٨ - ٤٢) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن يزيد بن عبد الله ابن أنيس، قال: حدثني عيسى بن سبرة، عن أبيه،
عن جده قال: صعد رسول الله ذات يوم المنبر فحمد، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولم يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار.
قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن سبرة إلا بهذا الإسناد (١).
[ضعيف] (٢).
* الدليل السادس:
(١٨٩ - ٤٣) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا محمد بن علي بن مهدي العطار، ثنا الحسن بن محمد بن أبي عاصم، ثنا عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده،
عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا
стр. 607
وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
* الدليل السابع:
(١٩٠ - ٤٤) ما رواه أحمد في المسند، قال: حدثنا هيثم - يعنى: ابن خارجة- حدثنا حفص بن ميسرة، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال المزني أنه قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن ابن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنها سمعت أباها يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار (٣).
* الدليل الثامن:
(١٩١ - ٤٥) ما ذكره عبد الحق في أحكامه كما في البدر المنير (١)، من طريق ... عبد الملك بن حبيب الأندلسي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن ثابت،
стр. 610
عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: لا إيمان لمن لم يؤمن بي، ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يسم الله.
[ضعيف جدًّا] (١).
قالوا: فهذه أحاديث ثمانية منها الضعيف جدًّا الذي لا ينجبر، ومنها الضعيف المنجبر بالمتابعات.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: «ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله».
وقال المنذري: «ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها على الوضوء، وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة، والله أعلم» (٢).
وقال ابن الملقن في البدر المنير: «وذكرنا من الأحاديث ما يستدل الفقهاء بمثله، ويستند العلماء في الأحكام إليه، فليس من شأنهم أن لا يحتجوا إلا بالصحيح، بل أكثر احتجاجهم بالحسن، ولا يخلو هذا الباب في ذلك عن حسن صريح» (٣).
وقال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: روي هذا الحديث من وجوه في كل منها نظر، لكنها غير مطرحة، وهي من قبيل ما يثبت باجتماعه الحديث ثبوت الحديث الموسوم بالحسن.
وحسنه العراقي كما في نتائج الأفكار.
وقال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا» (٤).
стр. 611
- دليل من قال: لا تشرع التسمية:
* الدليل الأول:
قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الآية لم تذكر التسمية، ولو كانت مشروعة لذكرت فيها.
- وممكن أن يجاب عن ذلك:
أن الآية غاية ما فيها أنها لم تذكر التسمية، وهذا لا يمنع أن الزيادة على ما في الآية من دليل آخر، فلا يشترط في الدليل الواحد أن يكون مشتملًا على جميع الشروط والواجبات، ولا تحرم الزيادة على ما في الآية من دليل آخر كما زيد في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير على ما ورد في آية المائدة.
* الدليل الثاني:
الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل صحيح على المشروعية، ولم يثبت في الباب حديث صحيح.
جاء في مسائل الكوسج لأحمد «قال: قلت: إذا توضأ، ولم يسم؟ قال: لا أعلم فيه حديثًا له إسناد جيد» (١).
وفي مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت: لأحمد: التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء، ولا يعجبني أن يتركه خطأ ولا عمدًا، وليس فيه إسناد، قال أبو داود: يعني: لحديث النبي ﷺ لا وضوء لمن لم يسم» (٢).
стр. 612
وقال أحمد بن حفص السعدي: «سئل أحمد بن حنبل -يعني: وهو حاضر- عن التسمية في الوضوء؟ فقال: لا أعلم حديثًا يثبت، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف» (١).
فلو كانت التسمية واجبة في الوضوء، ومنزلتها من الوضوء كمنزلة الوضوء من الصلاة لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تقوم بها الحجة على الخلق، ولم ينفرد بهذه الأحاديث الرواة المتكلم فيهم، وفيهم المجروح جرحًا شديدًا، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥].
- وأجيب:
قال ابن حجر تعليقًا على مقالة الإمام أحمد: «لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف؛ لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم بالحسن، ولا على التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كل فرد نفيه عن المجموع» (٢).
وسوف يأتي الجواب عن تعقيب ابن حجر ضمن الكلام على الدليل التالي:
* الدليل الثالث:
قالوا: لم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ ، ولا يليق بصحابة رسول الله ﷺ وهم ينقلون لنا صفة وضوء النبي ﷺ أن يهملوا التسمية، وهي واجبة كوجوب الوضوء للصلاة، وإليك بعضًا منها.
(١٩٢ - ٤٦) منها ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،
أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل
стр. 613
مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه. ورواه مسلم (١).
فهذا الحديث سيق جوابًا على سؤال: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ والسؤال إنما هو عن الوضوء الشرعي الصحيح، فلو كان الوضوء لا يصح إلا بالتسمية لوجب بيانها؛ لأن تركها حينئذ سوف يخل بصحة الوضوء، فلا يصدق عليه أن هذا وضوء رسول الله ﷺ ، فكيف تكون التسمية واجبة كوجوب الوضوء للصلاة؟ !
ولا يصح مخرجًا من هذا أن يقال: إن قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنما هو نفي للكمال؛ وذلك لأن الأحاديث التي فيها ذكر التسمية، جعلت منزلة التسمية من الوضوء، كمنزلة الوضوء من الصلاة، فسقط حمل النفي فيها على الكمال، فيلزم من يصحح أحاديث التسمية أن يقول: بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، لا يصح الوضوء مطلقًا إلا بها، فإذا تركها لم يصح وضوؤه، سواء كان تركه لها ناسيًا أو ذاكرًا، كالصلاة بلا وضوء، وقد جمع بينهما الحديث، لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، فكما أن الصلاة لا تصح مطلقًا إلا بالطهارة، ولو ترك الطهارة ناسيًا لم تصح صلاته، فكذلك الوضوء، ولو قالوا بهذا لزمهم القدح بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت صفة وضوء النبي ﷺ وليس فيها ذكر التسمية، وكان لزامًا إما القول بأن الصحابي قصر في هذا النقل، أو عدم الأخذ بظاهر أحاديث التسمية.
ولذلك فالحنابلة القائلون بوجوب التسمية في الوضوء يصححون الوضوء إذا نسي التسمية، ولا يجعلون التسمية بمثابة الوضوء للصلاة، وهذا دليل على ضعف هذا القول؛ لأنهم لم يأخذوا بظاهر أحاديث التسمية، ولم يدعوها بالكلية.
ومن الأحاديث التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ ولم تذكر التسمية:
стр. 614
(١٩٣ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،
أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال من الحديث كوجه الاستدلال من الذي قبله، حيث لم يشتمل هذا الوضوء على التسمية، ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) أي نحو فعلي هذا، فصحح الوضوء مع خلوه من التسمية.
-والجواب عن أحاديث التسمية أن يقال:
إذا كانت الأحاديث ضعيفة، لم تكن صالحة للاحتجاج، وليس كل ضعيف ينجبر إذا جاء من طريق آخر، خاصة إذا كانت الأحاديث تخالف أصلًا شرعيًا، أو تخالف أحاديث صحيحة، فآية الوضوء من سورة المائدة ليس فيها ذكر التسمية، والأحاديث الصحيحة التي سيقت لنا في وصف وضوء النبي ﷺ من حديث عثمان ﵁ في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وغيرهم كثير لم تذكر لنا التسمية، وهي إنما سيقت في بيان صفة وضوء النبي ﷺ ، وقد ذكروا في بعضها التثليث.
وهناك قاعدة: إذا كان الحكم يحتاج إليه حاجة عامة متكررة، لا بد أن يأتي فيه البلاغ بأدلة صحيحة تقوم بها الحجة، فانظر إلى الوضوء ومنزلته في الشرع، فهو شرط
стр. 615
لأعظم أركان الإسلام العملية: وهي الصلاة، وبدون هذا الوضوء تكون الصلاة باطلة، وعبادة الوضوء تتكرر في اليوم عدة مرات، فالحاجة إلى معرفة الوضوء الصحيح حاجة ملحة عامة، فكيف تأتي سنن الوضوء بأحاديث صحيحة قاطعة للنزاع، ثم تعرض جميع الأحاديث الصحيحة عن ذكر التسمية، ويكون مدارها على أحاديث ضعيفة مع أن منزلة التسمية من الوضوء بمنزلة الوضوء من الصلاة؟
فهذا القول هو أقوى الأدلة بحسب فهمي القاصر، وأن التسمية غير مشروعة في الوضوء، كما هي غير مشروعة في الغسل من الجنابة وفي طهارة التيمم، والتسمية لا تشرع لكل عبادة حتى يقال بمشروعيتها في الوضوء، فهناك عبادات لا تشرع فيها التسمية جزمًا، كالدخول في الصلاة، والشروع في الأذان، ومثلهما على الصحيح رمي الجمارات، وابتداء الطواف، والله أعلم.
ويأتي بعد هذا القول من حيث القوة القول بأنها مستحبة، وأما القول بالوجوب فهو قول ضعيف، وأضعف منه القول بأن التسمية شرط لصحة الوضوء، وكنت فيما كتبت في كتاب الحيض والنفاس قد ذهبت إلى استحباب التسمية في الوضوء، ثم رجعت عن ذلك في هذا البحث حين تأملت الأدلة، ورأيت أن القول المنسوب إلى مالك من كراهة التسمية في الوضوء يتمشى مع القواعد الفقهية، وهذا شأن الأمور الفقهية، بل الأمور الاجتهادية، فربما يرى الإنسان رأيًا، ويخلص في بحثه أنه الصواب ثم يقف على ما يدعوه إلى تركه، وهذا طريق من يبحث عن الحق بتجرد، دون تعصب لقول من الأقوال، ولم يبتل باتباع الجمهور، والله أعلم.
* * *
стр. 616
الفصل الثاني في استحباب السواك للوضوء
[م-١٠٤] طهارة السواك من طهارة التفث ويأتي في مبحث مستقل نظرًا لكثرة أحكامه، وسوف أشير هنا فقط لما له تعلق في الوضوء، في كون السواك من سنن الوضوء، فأقول: في هذه المسألة خلاف بين العلماء:
فقيل: السواك مستحب في الوضوء، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية (١).
стр. 617
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية أيضًا، ومذهب الشافعية، والحنابلة (١)، واختاره ابن عرفة، وابن العربي من المالكية (٢).
- دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة:
فرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:
السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ .
والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (٣).
وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه،، والصحيح: أن لفظ السنة والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضًا، لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، حتى استاك ﷺ ، وهو في سكرات الموت.
قال ابن العربي: «لا زم النبي ﷺ السواك فعلًا، وندب إليه أمرًا، حتى قال في الحديث الصحيح: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلًا ونهارًا، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله».اهـ كلام ابن العربي (١).
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها، ما يلي:
(١٩٤ - ٤٨) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل،
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضًا.
فقوله: (إذا قام من الليل) دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.
(١٩٥ - ٤٩) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح (٢).
ولفظ: (كان) يدل على فعله دائمًا أو غالبًا. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة: إن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.
- دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء:
(١٩٦ - ٥٠) ما رواه أحمد من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
стр. 621
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (١).
واختلف القائلون بأنه سنة:
هل هو من سنن الوضوء، أو هو سنة مستقلة عند الوضوء على قولين:
فقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء
- تعليلهم:
أن السواك أولًا، ليس مختصًا بالوضوء.
وثانيًا: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء؛ لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (٢).
وقيل: بل هو من سنن الوضوء، قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (٣). وأرى أن الخلاف لفظي.
* * *
стр. 622
مبحث
في محل السواك من الوضوء
[م-١٠٥] اختلف العلماء في محل السواك من الوضوء:
فقيل: عند المضمضة، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: قبل الوضوء، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
стр. 623
- دليل من قال السواك قبل الوضوء:
(١٩٧ - ٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (١).
فقوله ﷺ : (عند كل وضوء) فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعًا أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.
- دليل من قال السواك عند المضمضة:
(١٩٨ - ٥٢) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٢).
فقوله ﷺ : (مع كل وضوء) المعية هنا تقتضي المصاحبة؛ لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.
والذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا، والله أعلم.
стр. 624
والتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة، سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة، والله أعلم.
وهناك تفسير آخر فيه بُعْدٌ، ذكره بعض الفقهاء.
قال الزرقاني: «قوله: (مع كل وضوء) أي مصاحبًا له، كقوله في رواية: (عند كل وضوء). ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء» (١).
* * *
стр. 625
الفصل الثالث من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثًا
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- غسل الكفين ثلاثًا من سنن الوضوء المتفق عليها، وهل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة والعدد من باب المبالغة في النظافة، الأول أقرب؟
- التثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذا لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة.
[م-١٠٦] هذه سنتان من سنن الوضوء، فغسل الكفين في ابتداء الوضوء سنة، وكون الغسل ثلاثًا سنة أخرى.
فأما غسل الكفين فإن فيه تفصيلًا:
فإن كان بعد القيام من نوم الليل الناقض للوضوء، ففيه خلاف على النحو التالي:
فقيل: غسل اليد سنة، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)،
стр. 626
والمالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: غسل اليد ثلاثًا واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (٤)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (٥)، والحسن البصري (٦).
وقد ذكرت أدلة كل قول مع مناقشتها في بحث موسع في كتاب المياه، فأغنى عن إعادته هنا.
وإن كان غسل اليدين لم يكن على إثر نوم، فإن غسلهما سنة من سنن الوضوء (٧).
وقيل: سنة مستقلة عند الوضوء، لا من الوضوء كالسواك، اختاره الخرسانيون من الشافعية (٨).
стр. 627
- والدليل على أن غسل الكفين سنة من الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].
فلم يذكر غسل اليدين، ولو كان غسلهما فرضًا لذكره فيما ذكر.
وأما السنة فأحاديث كثيرة في صفة وضوء النبي ﷺ ، منها: حديث عثمان في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب وسوف يأتي ذكر متونها وتخريجها - إن شاء الله تعالى عند الكلام على صفة الوضوء - كلها تذكر أن الرسول ﷺ كان يغسل كفيه في وضوئه، وفعل الرسول ﷺ دال على السنية إن كان على وجه التعبد كما هو الحال هنا.
وأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يستحب استعمالها، وهو بالخيار إن شاء غسلها مرة، وإن شاء غسلها مرتين، وإن شاء ثلاثًا، أي ذلك شاء فعل، وغسلهما ثلاثًا أحب إلي، وإن لم يفعل ذلك فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلها فلا شيء عليه، ساهيًا ترك ذلك أم عمدًا إذا كانتا نظيفتين» (١).
وقال ابن قدامة: «وليس ذلك - يعني غسل الكفين في الوضوء - بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه» (٢).
- الدليل على أن التثليث في غسلهما سنة:
حكى الإجماع على ذلك ابن رشد، والنووي وغيرهما.
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء
стр. 628
المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين والثلاث مندوب إليهما» (١).
وقال النووي في شرح مسلم: «وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة» (٢).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى أن السنة في الوضوء أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، وأحيانًا مرتين مرتين، وأحيانًا ثلاثًا ثلاثًا، وذلك لأن العبادة إذا جاءت على وجوه مختلفة فالسنة أن تفعل كما فعل الرسول ﷺ حتى يصيب السنة من جميع وجوهها، وفيها يتحقق الموافقة للرسول ﷺ في فعله وتركه.
* * *
стр. 629
المبحث الأول غسل الكفين قبل إدخالها في الماء مختص بالآنية
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- اليدان هما آلة الوضوء، وبهما يتم تطهير سائر الأعضاء، فكانت الحكمة أن يبدأ بتنظيف آلة الوضوء قبل الوضوء، وقبل إدخالهما في الإناء.
[م-١٠٧] اختلف الفقهاء في كون غسل اليدين مما تتوقف عليه السنة، هل هو مطلقًا ولو كان على نهر، أو مختص في الآنية مطلقًا صغيرة كانت أو كبيرة، أو مختص في الآنية الصغيرة خاصة؟
فقيل: السنة تختص بالآنية مطلقًا، فالسنة أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء كبيرًا كان أو صغيرًا، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية (١).
стр. 630
وقيل: لا تتحقق السنة إلا إذا غسل يديه خارج الماء مطلقًا سواء توضأ من نهر أو حوض أو إناء، وسواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وهو قول في مذهب المالكية (١).
وقيل: تختص السنة بالآنية الصغيرة، وأما الكبيرة فحكمها حكم الماء الجاري، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية (٢).
- الدليل على أن غسل الكفين مختص بالآنية الصغيرة:
(١٩٩ - ٥٣) ما رواه البخاري ﵀ من طريق ابن شهاب، أن عطاء ابن يزيد أخبره،
أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه
стр. 631
ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (١).
فلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلهما ثلاثًا، وإفراغ الإناء على الكف يشعر بأن الإناء كان صغيرًا.
- وجه من قال: إن السنة مختصة بالآنية مطلقًا كبيرة كانت أو صغيرة:
* الدليل الأول:
أن الآنية في الأحاديث مطلقة، والمطلق يشمل الكبير والصغير، فمن أخرج الآنية الكبيرة فعليه الدليل.
* الدليل الثاني:
أن الماء في الآنية الكبيرة يعتبر قليلًا، بخلاف ماء الأنهار والماء الجاري.
- ويناقش:
بأن الفرق بين القليل والكثير إنما ورد في شأن ورود النجاسة على الماء، حيث ذكر الماء وما ينوبه من السباع، فلا يطبق حد القليل والكثير على إدخال اليد الطاهرة.
- دليل من قال: إن تحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها حتى ماء الأنهار:
* الدليل الأول:
(٢٠٠ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (٢).
فقوله: (قبل أن يدخلها في وضوئه) الوضوء بالفتح هو الماء.
стр. 632
* الدليل الثاني:
أن ذكر الإناء لا يقتضي تخصيصًا، فالإناء ذكر في الحديث لأن بلاد الحجاز ليس فيها أنهار فكان ماء الوضوء عن طريق الآنية، ومثل هذا لا يقتضي ذكرها تخصيصًا، فتحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها، والله أعلم.
- الراجح:
أن غسل الكفين سنة إذا كان الماء في الآنية المعتادة، أما إذا كان الإناء كبيرًا أو كان الماء كثيرًا فإن السنة تتحقق بغسل الكفين ثلاثًا ولو غمس كفيه فيها، والله أعلم.
* * *
стр. 633
المبحث الثاني في إعادة غسل الكفين إذا توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال، والأول أقرب.
[م-١٠٨] من نظر إلى أن غسل الكفين من باب النظافة لأنهما آلة الوضوء لم ير حاجة إلى إعادة غسلهما.
ومن نظر إلى كون الغسل ثلاثًا، ولم يكن غسلة واحدة نظر إلى تغليب معنى العبادة، فقد أُعْطِيت الكفان حكم أعضاء الوضوء من التثليث في الغسل، ولو كان غسلهما من باب النظافة لكفى في ذلك غسلة واحدة؛ لأن اليد لو كان فيها نجاسة متحققة كفى غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، ومثل هذه المسألة المسألة التالية (١).
* * *
стр. 634
المبحث الثالث في افتقار غسل الكفين إلى النية
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال.
[م-١٠٩] اختلف العلماء في غسل الكفين في الوضوء، هل يحتاج إلى نية؟
في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
من اعتبر غسل الكفين من سنن الوضوء اعتبر فيهما النية.
ومن رأى أن غسلهما للنظافة لم يعتبر النية في غسلهما، وعن الإمام مالك ما يقتضي الوجهين (١).
ولهذا السبب أيضًا اعتبر الخرسانيون من الشافعية أن غسل الكفين سنة مستقلة، وليست من سنن الوضوء كالتسمية والسواك عندهم.
واعتبار النية أرجح حتى على القول بأنها شرعت للنظافة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين
стр. 635
حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الإتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم (١).
* * *