← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (١). فلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلهما ثلاثًا، وإفراغ الإناء على الكف يشعر بأن الإناء كان صغيرًا. - وجه من قال: إن السنة مختصة بالآنية مطلقًا كبيرة كانت أو صغيرة: * الدليل الأول: أن الآنية في الأحاديث مطلقة، والمطلق يشمل الكبير والصغير، فمن أخرج الآنية الكبيرة فعليه الدليل. * الدليل الثاني: أن الماء في الآنية الكبيرة يعتبر قليلًا، بخلاف ماء الأنهار والماء الجاري. - ويناقش: بأن الفرق بين القليل والكثير إنما ورد في شأن ورود النجاسة على الماء، حيث ذكر الماء وما ينوبه من السباع، فلا يطبق حد القليل والكثير على إدخال اليد الطاهرة. - دليل من قال: إن تحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها حتى ماء الأنهار: * الدليل الأول: (٢٠٠ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (٢). فقوله: (قبل أن يدخلها في وضوئه) الوضوء بالفتح هو الماء.

стр. 632

* الدليل الثاني: أن ذكر الإناء لا يقتضي تخصيصًا، فالإناء ذكر في الحديث لأن بلاد الحجاز ليس فيها أنهار فكان ماء الوضوء عن طريق الآنية، ومثل هذا لا يقتضي ذكرها تخصيصًا، فتحقيق السنة يشمل الآنية وغيرها، والله أعلم. - الراجح: أن غسل الكفين سنة إذا كان الماء في الآنية المعتادة، أما إذا كان الإناء كبيرًا أو كان الماء كثيرًا فإن السنة تتحقق بغسل الكفين ثلاثًا ولو غمس كفيه فيها، والله أعلم. * * *

стр. 633

المبحث الثاني في إعادة غسل الكفين إذا توضأ ثم أحدث في أثناء وضوئه مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال، والأول أقرب. [م-١٠٨] من نظر إلى أن غسل الكفين من باب النظافة لأنهما آلة الوضوء لم ير حاجة إلى إعادة غسلهما. ومن نظر إلى كون الغسل ثلاثًا، ولم يكن غسلة واحدة نظر إلى تغليب معنى العبادة، فقد أُعْطِيت الكفان حكم أعضاء الوضوء من التثليث في الغسل، ولو كان غسلهما من باب النظافة لكفى في ذلك غسلة واحدة؛ لأن اليد لو كان فيها نجاسة متحققة كفى غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، ومثل هذه المسألة المسألة التالية (١). * * *

стр. 634

المبحث الثالث في افتقار غسل الكفين إلى النية مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - غسل الكفين ثلاثًا هل هو تعبدي لتحديده بثلاث غسلات، ولو كانت اليد نظيفة، أو أن ذلك من باب النظافة فيكون العدد من باب المبالغة في النظافة، فيه احتمال. [م-١٠٩] اختلف العلماء في غسل الكفين في الوضوء، هل يحتاج إلى نية؟ في هذه المسألة قولان لأهل العلم: من اعتبر غسل الكفين من سنن الوضوء اعتبر فيهما النية. ومن رأى أن غسلهما للنظافة لم يعتبر النية في غسلهما، وعن الإمام مالك ما يقتضي الوجهين (١). ولهذا السبب أيضًا اعتبر الخرسانيون من الشافعية أن غسل الكفين سنة مستقلة، وليست من سنن الوضوء كالتسمية والسواك عندهم. واعتبار النية أرجح حتى على القول بأنها شرعت للنظافة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين

стр. 635

حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الإتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم (١). * * *

стр. 636

الفصل الرابع من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق يدخل في المضمضة والاستنشاق سنن كثيرة من سنن الوضوء، وقبل أن نأتي على أكثرها، نذكر أولًا خلاف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء. * * *

стр. 637

المبحث الأول في حكم المضمضة والاستنشاق مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - هل داخل الفم والأنف في حكم الباطن فلا يجب غسلهما، أو في حكم الخارج فيجب؟ - في الصيام أعطي الفم والأنف حكم الخارج، فهل يكون لهما في الوضوء حكم الخارج. - على الترجيح بأن لهما حكم الخارج، فهل تحصل بهما المواجهة، فيدخلان في مسمى الوجه، أو لا يواجهان الناظر، فلا يدخلان؟ - لما أفردت المضمضة والأنف بماء غير ماء الوجه دل على أنها لا يدخلان في مسمى الوجه. - هل يلحق الفم والأنف بداخل العينين وداخل الأذنين وموضع الثيوبة من المرأة وهذه المواضع لا يجب غسلها، فلا يجب غسلهما، أو يلحقان بالجفون، فيجب غسلهما؟ - لما شرع الترتيب بين الفم والأنف في الوضوء دل على أنهما ليسا من الوجه؛ إذ العضو الواحد لا ترتيب بينه وبين بقية العضو، كالأذنين لا تقدم يمين الأذن على الشمال باعتبارهما عضو واحد.

стр. 638

[م-١١٠] اختلف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل إلى أقوال: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). وقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). هذان قولان متقابلان. وفيه قولان آخران متقابلان أيضًا: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (٤). وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (٥). وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (٦).

стр. 639

والراجح: أن المضمضة سنة في الوضوء وفي الغسل، وأما الاستنشاق فواجب في الوضوء سنة في الغسل، والله أعلم. وسبب اختلاف العلماء اختلافهم في الأدلة الواردة في الباب، فآية المائدة في الوضوء ليس فيها ذكر للمضمضة والاستنشاق، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]. (٢٠١ - ٥٥) وروى مسلم أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن (١). وليس في كتاب الله ذكر المضمضة والاستنشاق، فدل على أنهما غير واجبين. هذا في الحدث الأصغر، وأما في الأكبر فقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك (٢). (٢٠٢ - ٥٦) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٣). فعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق. فأخذ بعض أهل العلم من هذه الأدلة أن المضمضة والاستنشاق ليسا واجبين لا في حدث أصغر، ولا في حدث أكبر. وذهب آخرون إلى أن الاستنشاق قد جاء الأمر به في السنة الصحيحة (٢٠٣ - ٥٧) فقد روى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا

стр. 640

توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر. ولفظ مسلم: (إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر) (١). وأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا، لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر، ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا، فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر. (٢٠٤ - ٥٨) كما استدلوا بحديث رواه أبو داود (٢)، عن لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق -أو في وفد بني المنتفق- إلى رسول الله ﷺ قال: فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. الشاهد من هذا الحديث قوله: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا). وفي رواية لأبي داود، وزاد فيه: (إذا توضأت فمضمض) (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب دون المضمضة، قال ابن المنذر: «والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة» (٤).

стр. 641

وقال ابن عبد البر: «وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبدًا، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده» (١). وقد بسط الكلام في المسألة، وجمعت الأدلة الواردة في الباب وتم تخريجها، والكلام عليها من حيث الصحة والضعف، في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور. * * *

стр. 642

المبحث الثاني في استحباب تقديم المضمضة على الاستنشاق مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - تقديم المضمضة على الاستنشاق جاء من فعل الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. [م-١١١] اختلف العلماء في حكم تقديم المضمضة على الاستنشاق، فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: تقديم المضمضة على الاستنشاق شرط، وهو أصح الوجهين في مذهب

стр. 643

الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). - دليل القائلين بأنه سنة: * الدليل الأول: الإجماع على مشروعية تقديم المضمضة على الاستنشاق. قال ابن نجيم: «المضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن منها تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع» (٣). وقال النووي: «واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق» (٤). * الدليل الثاني: أن النبي ﷺ كان يواظب على تقديم المضمضة على الاستنشاق، وهذا كاف في الدلالة على الاستحباب. قال ابن حجر: «اتفقت الروايات على تقديم المضمضة ... ». ويدل عليه حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وغيرها ففيها ذكر المضمضة قبل ذكر الاستنشاق. (٢٠٥ - ٥٩) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه

стр. 644

ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (١). (٢٠٦ - ٦٠) وروى مسلم في صحيحه، من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا. الحديث، وهو في البخاري بنحوه (٢). فقوله ﵁: فمضمض واستنشق فذكر المضمضة قبل الاستنشاق. دليل من قال: التقديم شرط: قالوا: لأن الفم والأنف عضوان مختلفان، فيشترط الترتيب بينهما قياسًا على الترتيب بين الوجه واليد. وأجيب: بأن الفم والأنف من الوجه، فهما في حكم العضو الواحد، ثم إن تقديم المضمضة على الاستنشاق جاء من فعل الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. الراجح بين القولين: الراجح هو القول الأول؛ لقوة دليله، والشرطية تحتاج إلى دليل صحيح صريح، ولم يقم دليل يكفي على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 645

المبحث الثالث المبالغة في المضمضة والاستنشاق مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - لم يصح دليل في الأمر بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية. - الأمر بالأعلى لا يدخل فيه الأدنى، فالأمر بالمبالغة في الاستنشاق لا يدخل فيه المضمضة؛ لأن الأنف عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو ينظف نفسه باستمرار. وقيل: - ثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق في الوضوء، وما ثبت في الاستنشاق ثبت في الفم؛ لأنهما كالعضو الواحد تؤخذ لهما غرفة واحدة. تعريف المبالغة في المضمضة: قال ابن الهمام: والسنة المبالغة فيهما - يعني: المضمضة والاستنشاق- وهو في المضمضة إلى الغرغرة، وفي الاستنشاق إلى ما اشتد من الأنف (١).

стр. 646

وقال الخرشي: ويستحب المبالغة: وهي إدارة الماء في أقاصي الحلق في المضمضة، وفي الاستنشاق: جذبه لأقصى الأنف (١). وقال النووي: «قال أصحابنا: المبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء أقصى الحلق ويديره فيه» (٢). وقال في مطالب أولي النهى: «أن يبلغ بالماء أقصى الحنك، ووجهي الأسنان واللثة» (٣). وقيل: المبالغة: إدارة الماء في الفم كله أو أكثره. والمبالغة في الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف كله أو أكثره. وكل هذه التعريفات قريبة من بعض، فالمضمضة مكانها الفم، فيحرص الإنسان على إدارة الماء في جميع الفم من مقدم أسنانه واللثة إلى أقصى حلقه، وحكم الأكثر حكم الكل، فإذا أدار الماء في أكثر فمه، واستنشق الماء إلى أكثر أنفه فقد حصلت له سنة المبالغة، والله أعلم. [م-١١٢] وإذا عرفنا معنى المبالغة في المضمضة والاستنشاق، فما حكمهما؟ فقيل: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة، وهو قول الأئمة الأربعة (٤).

стр. 647

وقيل: المبالغة فيهما واجبة، ذكرها من الحنابلة ابن عقيل في فنونه (١). وقيل: المبالغة في الاستنشاق وحده سنة دون المضمضة، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة (٢). وقيل: المبالغة واجبة في الاستنشاق وحده، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). - الدليل على مشروعية المبالغة في الاستنشاق: (٢٠٧ - ٦١) ما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط ابن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق -أو في وفد بني المنتفق- إلى رسول الله ﷺ قال في حديث طويل، وفيه: فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (٤). الشاهد من هذا الحديث الطويل، قوله (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) (٥). [الحديث صحيح] (٦). - والدليل على مشروعية المبالغة في المضمضة ما يلي: * الدليل الأول: الإجماع على مشروعية المبالغة في المضمضة لغير صائم.

стр. 648

قال النووي: «المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف» (١). وقد نقلنا في الأقوال أن هناك قولًا يرى أن المبالغة في الاستنشاق وحده دون المضمضة، وهو قول غير مشهور، ولذلك لم يره النووي خارقًا للإجماع، أو كان نقله ذلك بحسب علمه، ولم يطلع عليه. * الدليل الثاني: القياس على المبالغة في الاستنشاق، فإذا كانت المبالغة في الاستنشاق مشروعة، فكذلك المبالغة في المضمضة، بجامع أن كلًا من الفم والأنف له تجويف يتفاوت مرور الماء في داخله، فالمبالغة فيهما يحصل منها كمال الطهارة في جميع باطنهما. * الدليل الثالث: أن المبالغة في المضمضة والاستنشاق من إسباغ الوضوء المأمور به شرعًا. * الدليل الرابع: (٢٠٨ - ٦٢) ما رواه أبو بشر الدولابي، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه لقيط بن صبرة بلفظ: إذا توضأت فأبلغ المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا (٢). فزاد الأمر بالمبالغة بالمضمضة، وذكره الزيلعي في نصب الراية (٣). [وزيادة المضمضة غير محفوظة] (٤). - دليل من قال: لا تشرع المبالغة في المضمضة . لعله يرى أن الأمر بالمبالغة ورد في الاستنشاق خاصة، ولم يصح دليل في الأمر

стр. 649

بالمبالغة في المضمضة، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت دليل خاص، ولم يثبت. - دليل من قال بوجوب المبالغة فيهما: * الدليل الأول: ثبت الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، والأصل في الأمر الوجوب. * الدليل الثاني: أحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمنًا؛ لأنهما كالعضو الواحد، فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر. ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا. -الراجح: لم أقف على حديث في الأمر بالمبالغة في المضمضة إلا إلحاقها بالاستنشاق، مع أن الأنف أحوج إلى التنظيف والمبالغة فيه من الفم؛ لأن الأنف أكثر عرضة للأتربة والغبار، وقد يعلق بشعيراته أجزاء من الأتربة والغبار، فتتأكد المبالغة في حقه؛ لكمال النظافة، بخلاف الفم والذي يكون اللعاب فيه أكثر، فهو يتنظف باستمرار، وأما القول بأن المبالغة في المضمضة من إسباغ الوضوء فهذا لا يصح لأن الحديث فرق بينهما، فقال: أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، فلو كانت المبالغة من إسباغ الوضوء لكان في ذلك تكرار إلا أن يقال: إن هذا مثل قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]، والله أعلم. * * *

стр. 650

المبحث الرابع في حكم المبالغة بالمضمضة والاستنشاق للصائم مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومن ثم كرهت المبالغة في الاستنشاق للصائم تقديمًا لدرء مفسدة إفساد الصيام على جلب مصلحة استحباب الاستنشاق. [م-١١٣] اختلف العلماء في حكم المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم، فقيل: تكره المبالغة فيهما، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: تحرم المبالغة فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي

стр. 651

أبو الطيب من الشافعية (١). وقيل: تكره المبالغة في الاستنشاق دون المضمضة، اختاره الماوردي والصيرمي من الشافعية (٢). - دليل من قال: بكراهية المبالغة في المضمضة . قالوا: قياسًا على النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وقد مر معنا حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا). ولأن كلًّا منهما منفذ للطعام، يخشى منه إفساد الصوم. - دليل من قال: تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق: إذا كانت القبلة تحرم على الصائم إذا خشي على نفسه الإنزال، فكذلك تحرم المبالغة في المضمضة والاستنشاق، بجامع أن كلًا منهما يخشى منه إفساد الصيام. - وأجيب: بأن القبلة غير مطلوبة، بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال بخلاف المبالغة، وبأنه في المبالغة في المضمضة يمكنه إطباق الحلق، ومج الماء، ولا يمكنه رد المني إذا خرج ... - دليل من قال: لا تكره المبالغة في المضمضة للصائم . * الدليل الأول: النص ورد في النهي عن المبالغة في الاستنشاق، ولم يرد نهي عن المبالغة في المضمضة، وما كان ربك نسيًا. * الدليل الثاني: أن هناك فرقًا بين المبالغة في المضمضة والمبالغة في الاستنشاق، فيمكنه رد الماء في

стр. 652

المضمضة بإطباق حلقه، ولا يمكنه هذا في الاستنشاق، ولهذا قال الشافعي في الأم: وإن كان صائما رفق بالاستنشاق؛ لئلا يدخل رأسه (١). * * *

стр. 653

المبحث الخامس في استنثار الماء بعد الاستنشاق مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - إذا أمر بالاستنثار لا يدل على أن الاستنشاق واجب إلا بقرينة، كما أنه إذا أمر بالجهر بالقراءة لم يدل ذلك بمجرده على وجوب القراءة، وإذا أمر برفع الصوت بالتلبية لم يدل على وجوب التلبية. تعريف الاستنثار اصطلاحًا (١): الاستنثار: هو استفعال: من النثرة بالنون المثلثة، وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا (٢). وكره مالك فعل الاستنثار بغير اليد، لكونه يشبه فعل الحمار (٣).

стр. 654

وقال ابن الأعرابي ابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق (١). والصواب الأول، وأن الاستنشاق غير الاستنثار. (٢٠٩ - ٦٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فأكفأ على يديه من التور، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. هذا لفظ البخاري، وأورده مسلم مختصرًا (٢). فجمع في الحديث بين الاستنشاق والاستنثار، ولو كانا واحدًا لم يجمع بينهما. [م-١١٤] وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستنثار فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور (٣). وقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (٤). - دليل من قال: إن الاستنثار سنة . انظر أدلته في حكم المضمضة والاستنشاق. - دليل من قال بالوجوب . (٢١٠ - ٦٤) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،

стр. 655

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر. ورواه مسلم (١). والأصل في الأمر الوجوب. ولا شك أن الاستنشاق يراد منه نظافة الأنف، فكمال النظافة أن يغسل داخل الأنف بالاستنشاق، ويطرد الوسخ منه بالاستنثار. وقد رجحت أن المضمضة سنة في الوضوء والغسل، وأما الاستنشاق فقد يقال بوجوبه في الوضوء دون الغسل، لظاهر الأمر به، وقد يقال: إن المضمضة إذا لم تثبت في الوضوء فالاستنشاق جزء منها، فيكون الأمر بالاستنشاق للاستحباب، والله أعلم. * * *

стр. 656

المبحث السادس في استحباب المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - الاستنثار في الوضوء هل هو من باب إزالة القذر فيكون بالشمال، أو من باب التنظف والتطيب فيكون باليمين؟ - كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله، ولم يك مانع فالمشروع تركه [م-١١٥] اختلف الفقهاء في الاستنشاق هل يكون في اليد اليمنى أو في اليسرى، فقيل: يتمضمض ويستنشق باليد اليمنى، ويستنثر باليد اليسرى، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 657

وقيل: المضمضة في اليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى (١). - دليل من قال المضمضة والاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال: أما الدليل على كون المضمضة والاستنشاق باليمين ، (٢١١ - ٦٥) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (٢). (٢١٢ - ٦٦) وروى مسلم في صحيحه، من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو ابن يحيى بن عمارة عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ؟ فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا. الحديث، وهو في البخاري بنحوه (٣). فقوله ﵁: فمضمض واستنشق من كف واحدة، دليل أن كف المضمضة هي كف الاستنشاق، وإذا كانت المضمضة في اليمين فكذلك الاستنشاق، والله أعلم. - وأما الدليل على كون الاستنثار بالشمال: (٢١٣ - ٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زائدة بن قدامة، عن

стр. 658

خالد بن علقمة، حدثنا عبد خير قال: جلس عليٌّ بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث وفي آخره قال: هذا طهور نبي الله ﷺ ، فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله ﷺ فهذا طهوره (١). [رجاله ثقات، وقد تفرد خالد بن علقمة بذكر الاستنثار بالشمال، على اختلاف عليه في ذكره، وقد رواه جماعة عن عبد خير ولم يذكروا الاستنثار بالشمال، كما رواه غير عبد الخير ولم يذكر الاستنثار] (٢).

стр. 659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 662

* الدليل الثاني: قالوا: يستحب الاستنثار بالشمال لما فيه من إزالة الوسخ الذي في الأنف، (٢١٤ - ٦٨) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.

стр. 663

قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه [الراجح أنه منقطع] (١). * الراجح: لا يثبت في السنة شيء في كون الاستنثار بالشمال، ولا أعلم خلافًا في أن الاستنثار بالشمال مستحب، والله أعلم. * * *

стр. 664

المبحث السابع في الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - الأصل أن ما كان أكثر عملًا كان أكثر فضلًا إلا ما استثني، ومنه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات أفضل من الفصل بست غرفات (١). [م-١١٦] اختلف العلماء هل السنة في المضمضة والاستنشاق الجمع أم الفصل؟ على قولين: فقيل: يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، وعليه أكثر أصحاب الشافعية (٤).

стр. 665

وقيل: السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة. اختاره ابن رشد من المالكية (١)، وهو المنصوص عن الشافعي (٢)، ورجحه النووي (٣)، والعراقي (٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥). - دليل من قال بالفصل بين المضمضة والاستنشاق: * الدليل الأول: (٢١٥ - ٦٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا معتمر، قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: دخلت يعني على النبي ﷺ ، وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق (٦). [ضعيف] (٧).

стр. 666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 667

- وأجيب عنه بثلاثة أجوبة: الأول: أنه ضعيف. الثاني: أن المراد: تمضمض، ثم مج، ثم استنشق، أي ولم يخلطهما. الثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وكان هذا منه ﷺ مرة واحدة؛ لأن لفظه عند أبي داود: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وهذا لا يقتضي أكثر من مرة (١). * الدليل الثاني: قال ابن الملقن في البدر المنير (٢): رأيت في سنن ابن السكن المسماة بـ (الصحاح المأثورة) ما نصه: روى شقيق بن سلمة، قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأفردوا المضمضة من الاستنشاق، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ . وهذا الإسناد معلق كما ترى، وصحته تتوقف على معرفة الساقط من إسناده، ولم أقف عليه، فيبقى عندي ضعيفًا، وقد ذكر بعض العلماء أن أحاديث الفصل لا تثبت، وهذا منها. قال النووي: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلًا، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف. وقال أيضًا: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء، فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح؟ (٣).

стр. 668

* الدليل الثالث: (٢١٦ - ٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار، عن أبي مطر قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ ؟ وهو عند الزوال فدعا قنبرًا فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا. الحديث (١). وجه الاستدلال: أنه لما أدخل بعض أصابعه فيه حال المضمضة دل على أن الاستنشاق مفصول عن المضمضة. - وأجيب: أولًا: الحديث ضعيف جدًّا (٢). ثانيًا: الحديث ليس صريحًا في المسألة، فإدخال بعض الأصابع في الفم حال المضمضة لا يلزم منه فصل المضمضة عن الاستنشاق، فقد تكون الأصابع المدخلة هي أصابع اليد اليسرى، ومعلوم أن المضمضة والاستنشاق في اليد اليمنى كما قدمنا. * الدليل الرابع: من النظر، أن الفم والأنف عضوان مستقلان، فكان القياس أن المتوضئ لا ينتقل إلى عضو آخر حتى يفرغ من العضو الذي قبله، فلا ينتقل إلى الأنف إلا بعد الفراغ من الفم، كسائر أعضاء الوضوء. - وأجيب: بأنهما وإن كانا في الحس عضوين إلا أنهما عضوان في عضو واحد، وهو

стр. 669

الوجه، وحتى مع التسليم أنهما عضوان مستقلان حسًا، فالشرع حكم لهما بأنهما عضو واحد حكمًا، وإنما تلقينا صفة المضمضة والاستنشاق من السنة الصحيحة، فلا دخل للنظر فيهما وقد ورد النص، والله أعلم. * الدليل الخامس: استدل بعضهم ببعض الأحاديث المجملة، كقوله: (فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا) من أن ظاهرها الفصل بين المضمضة والاستنشاق. - وأجيب: بأن هذه الأحاديث مجملة، تحتمل الفصل وتحتمل الجمع، والمجمل يحمل على المبين والمفصل كما في حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وحديث علي ﵃ أجمعين، وسوف يأتي ذكرها في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. - دليل من قال: يجمع بين المضمضة والاستنشاق: * الدليل الأول: (٢١٧ - ٧١) ما رواه البخاري، من طريق وهيب قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء. الحديث. وقد رواه مسلم من هذا الطريق إلا أنه قال: (فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات) (١). وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى به، بلفظ: (فمضمض واستنشق من كف واحدة) (٢).

стр. 670

قال الحافظ: واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة. وقال النووي: في هذا الحديث دلالة ظاهرة للمذهب الصحيح المختار، أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منهما (١). وقال ابن القيم: «لم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة» (٢). * الدليل الثاني: (٢١٨ - ٧٢) ما رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (٣). وجه الاستدلال: إذا كان ﷺ قد أخذ غرفة من ماء للمضمضة والاستنشاق، فلا يمكن أن تكون هناك صفة إلا صفة واحدة هي الوصل بين المضمضة والاستنشاق، ولا يمكن الفصل في هذه الحالة والغرفة واحدة.
следующие страницы →