← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

- دليل من قال: لا يكره الكلام أثناء الوضوء: * الدليل الأول: لا يوجد نهي من الشارع عن الكلام أثناء الوضوء، والأصل في الأفعال الإباحة، فمن ادعى النقل عن الإباحة بحكم آخر سواء الكراهة أو الحكم بأن ذلك من آداب الوضوء وسننه فعليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ . * الدليل الثاني: (٣١٦ - ١٧٠) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. الحديث. ورواه مسلم (١). فهذا في الكلام أثناء الغسل، والوضوء مثله. - الراجح من الخلاف: إن صح نقل الإجماع على كراهة الكلام أثناء الوضوء فالدليل الإجماع، وإلا فالأصل الإباحة وقد يقال: إن كان سكوت الإنسان أثناء الوضوء من أجل تصور امتثال أوامر الشرع، فإذا غسل وجهه تذكر أنه عبد لله يمتثل أمر الله بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) كما يحاول أن يكون هذا الفعل مطابقًا لما فعله رسول الله ﷺ ، يفعل ما فعله، وفي غسل اليدين يتصور امتثاله لأمر الله بقوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وهكذا في كل أفعال الوضوء، إذا كان هذا لذلك فقد يكون السكوت مطلوبًا، وإن كان السكوت من أجل استصحاب النية في الوضوء

стр. 842

فهذا له بحث آخر سوف يذكر إن شاء الله تعالى في فروض الوضوء، وما عداه فيكون الكلام وعدمه على الإباحة، والاستحباب والكراهة لا بد فيهما من دليل شرعي، وقد سبق كلام النووي بأنه لم يرد نهي من الشارع عن الكلام، والله أعلم. * * *

стр. 843

الفصل التاسع عشر في الوضوء قبل الوقت مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - قال ابن العربي: قال محققو علمائنا: ليس في الشريعة نفل يجزئ عن فرض إلا الوضوء قبل الوقت. وسمعت الشاشي يقول: إنه واجب في وقت غير معين. وهذا ضعيف؛ لأنه لا يصح وجوب الفرع مع عدم وجوب الأصل، ولا الشرط مع عدم وجوب المشروط (١). [م-١٤٤] قال الحنفية: الفرض أفضل من النفل إلا في ثلاث مسائل، أحدها: الوضوء قبل الوقت (٢). وقال النووي: أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة، نقل فيه الإجماع ابن المنذر في كتابه الإجماع وآخرون، هذا في غير المستحاضة ومن في معناها فإنه لا يصح وضوءها إلا بعد دخول الوقت (٣).

стр. 844

قلت: أما المستحاضة فقد اختلف العلماء في وضوءها هل يصح منها الوضوء قبل دخول الوقت أم لا وذلك نظرًا إلى أن بعضهم يرى طهارتها طهارة ضرورة. فقيل: لا تتوضأ قبل دخول الوقت، كما أن خروج الوقت مبطل لطهارتها السابقة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلا أن الشافعية يرون الوضوء يجب عليها لكل فريضة مؤداة أو مقضية بخلاف النافلة، ومذهب الحنفية والحنابلة يجب عليها الوضوء لوقت كل صلاة، فتصلي بطهارتها الفرائض والنوافل ما دام الوقت، فإذا خرج بطلت طهارتها. وقيل: يجب عليها الوضوء لكل صلاة مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج، وهو اختيار ابن حزم (٤). وقيل: لا يعتبر خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب، وبالتالي هي كغيرها تتوضأ متى شاءت. وهو مذهب المالكية، وهو الراجح (٥).

стр. 845

وقد ذكرت أدلة كل فريق، وبيان الراجح منه في مجلد الحيض والنفاس، والطهارة بالاستنجاء والاستجمار، باب الاستنجاء من الحدث الدائم، فارجع إليه غير مأمور. واستحباب الوضوء قبل دخول وقت الصلاة يرجع إلى أن الوضوء على الصحيح عبادة مستقلة مطلوبة بذاتها، وإن كان شرطًا في صحة الصلاة فلا يمنع ذلك أن يكون عبادة مستقلة رتب الله على فعلها أجرًا عظيمًا من كفارة الذنوب، (٣١٧ - ١٧١) لما روى مسلم في صحيحه من طريق أبان، حدثنا يحيى، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها (١). الحديث الثاني: (٣١٨ - ١٧٢) ما رواه مسلم من طريق أبي عمار شداد بن عبد الله ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة صدي بن عجلان، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين،

стр. 846

إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك (١). الحديث الثالث: (٣١٩ - ١٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه، أنه سمع ثوبان يقول قال رسول الله ﷺ سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (٢). [إسناد حسن إن شاء الله، والحديث صحيح] (٣). الحديث الرابع: (٣٢٠ - ١٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف -يعني ابن خليفة- عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت

стр. 847

له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء (١). الحديث الخامس: (٣٢١ - ١٧٥) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٢). الحديث السادس: (٣٢٢ - ١٧٦) ما رواه مسلم من طريق ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة يعني ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني. قال معاوية بن صالح: وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، كلاهما (أبو إدريس وجبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمر، مرفوعًا، وفيه: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (٣). (٣٢٣ - ١٧٧) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين ابن واقد، أخبرني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي: بريدة يقول: أصبح رسول الله ﷺ ، فدعا بلالًا، فقال: يا بلال بم

стр. 848

سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة، فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب؟ قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : بهذا. [انفرد به الحسين بن واقد، والقصة في الصحيحين من مسند أبي هريرة، وليس فيه استدامة الطهارة] (١). إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على فضل الوضوء، ومع كون الوضوء عبادة مطلوبة لذاتها وأن يكون الإنسان دائمًا على طهارة شرع الوضوء أيضًا لأسباب مختلفة، منها ذكر الله تعالى، وأشرفه قراءة القرآن، ومنها المبيت على طهارة، ومنها الوضوء للجنب عند النوم والأكل والشرب، وغيرها من الأسباب المتفق عليها أو المختلف فيها بين الفقهاء، والله أعلم. * * *

стр. 849

الفصل العشرون في تساوي الذكر والأنثى في أحكام الوضوء مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - المرأة كالرجل في الوضوء بل في كل العبادات إلا ما دل الدليل على التفريق بينهما. [م-١٤٥] قال النووي: والمرأة كالرجل في الوضوء إلا في اللحية الكثة (١). قلت: حتى في اللحية، فلو نبتت للمرأة لحية كان حكمها في الوضوء حكم لحية الرجل من التفصيل بين اللحية الكثيفة والخفيفة. قال الصاوي: والحاصل أن اللحية حيث كانت خفيفة وكل شعر في الوجه خفيف يجب إيصال الماء للبشرة، لا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الشعر كثيفًا يكره تخليله في الوضوء، سواء كان لحية أو غيرها، لذكر أو أنثى، ولا يطالب بكل حال بغسل أسفل اللحية الذي يلي العنق، كانت كثيفة أو خفيفة (٢). اهـ

стр. 850

وقال في الإنصاف: «شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعنفقة ولحية المرأة وغير ذلك مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور. وجزم به في الرعاية في لحية المرأة» (١). * * *

стр. 851

الفصل الحادي والعشرون في تخفيف الوضوء المستحب مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - يصح في النفل ما لا يصح في الفرض. [م-١٤٦] الوضوء إذا كان مستحبًا له أن يمسح ما يجب غسله، وله أن يقتصر على بعض أعضاء الوضوء. قال ابن مفلح: «توضأ علي فمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث، وأن النبي ﷺ صنع مثله. قال شيخنا -يعني ابن تيمية- إذا كان مستحبًا له أن يقتصر على بعض الأعضاء كوضوء ابن عمر لنومه جنبًا إلا رجليه، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قام من الليل فأتى حاجته -يعني الحدث- ثم غسل وجهه ويديه ثم نام. وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره» (١). (٣٢٤ - ١٧٨) وحديث علي الذي أشار إليه ابن مفلح فقد أخرجه، أحمد، قال: ثنا بهز، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة، قال:

стр. 852

رأيت عليًا رضي الله تعالى عنه صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله، فشرب قائمًا، وقال: إن ناسًا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (١). [صحيح] (٢).

стр. 853

(٣٢٥ - ١٧٩) وأما فعل ابن عمر، فأخرجه مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنب، غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام (١). [إسناده في غاية الصحة] (٢).

стр. 854

واختلف العلماء في تفسير فعل ابن عمر، وكونه توضأ إلا رجليه، فقال ابن تيمية كما سبق: إن الوضوء إذا كان مستحبًا وليس بواجب فله أن يقتصر على بعض أعضائه، وهذا قد يصح إذا سلم بأن الوضوء للجنب عند إرادة النوم مستحب، وليس بواجب، وفيه خلاف قوي جدًّا سوف أتعرض له في حينه إن شاء الله تعالى. وقال ابن حجر: يحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه، على أن ذلك كان لعذر. قلت: الأصل عدم العذر، ثم قوله: (وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام، وهو جنب) ثم ذكر فعله، يدل على أن ذلك كان منه على الاستمرار، وليس لعارض أو عذر. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: لم يعجب مالكًا فعل ابن عمر، وأظنه أدخله -يعني في الموطأ- إعلامًا أن ذلك الوضوء ليس بلازم. قلت: إذا كان ليس بلازم فلماذا يغسل معظم أعضاء الوضوء، ولو كان ابن عمر تركه بالكلية لكان ذلك مشعرًا بذلك، على أنه لا يتعدى أن يكون رأيًا لابن عمر، وفعل الصحابي ليس بحجة إلا إذا لم يخالف، والحجة فيما روى لا فيما رأى. وقال الطحاوي: «هذا وضوء غير تام، وقد علم أن الرسول ﷺ أمر بوضوء تام، فلا يفعل هذا إلا وقد ثبت النسخ لذلك عنه».اهـ

стр. 855

والطحاوي ﵀ يتساهل في دعوى النسخ، حتى يرى فهم الصحابي للحديث نسخًا، والنسخ لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند التعارض التام لدليلين شرعيين لم يمكن الجمع بينهما، وعلم المتأخر، وأما فهم الصحابي ورأيه لا ينسخ ما ثبت شرعًا. والراجح والله أعلم فيما ظهر لي أن ابن عمر فهم أن هذا الوضوء هو الذي يتقدم غسل الجنابة، وقد ورد في صفة الوضوء عند الغسل للجنابة صفتان: الأولى: أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يغتسل. الصفة الثانية: أن يتوضأ إلا موضع قدميه، ثم يغتسل، وكلا الصفتين ثبتت عن رسول الله ﷺ في غسله للجنابة: فأخذ ابن عمر بإحدى الصفتين، وهذا فيه مجال للاجتهاد، وهل إذا توضأ للنوم، وأراد الاغتسال للجنابة يعيد الوضوء أم لا؟ هذه مسألة تحتاج إلى تأمل، والله أعلم. * * *

стр. 856

الباب الثالث في فروض الوضوء توطئة في تعريف الفرض تعريف الفرض اصطلاحًا (١): هناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي. فإذا كان الفرض يأتي بمعنى الواجب، فمعنى فروض الوضوء: أي واجباته وأركانه. قال في حاشية الصاوي: المراد بالفرض هنا: ما تتوقف صحة العبادة عليه. (٣٢٦ - ١٨٠) وقد روى البخاري في صحيحه، عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين،

стр. 857

بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله. الحديث (١). * * *

стр. 858

الفصل الأول من فروض الوضوء غسل الوجه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - كل أفعال الوضوء فريضة إلا غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق على الصحيح، ورد اليدين في مسح الرأس، ومسح الأذنين (١). - كل الأقوال المشروعة في الوضوء ليست واجبة (٢). [م-١٤٧] من فروض الوضوء غسل الوجه، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: حديث عثمان بن عفان ﵁، في الصحيحين، ومنها: حديث عبد الله بن زيد فيهما، وحديث ابن عباس في البخاري،

стр. 859

وحديث علي بن أبي طالب وغيرها من الأحاديث الصحيحة والحسنة. وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم. قال الطحاوي الحنفي: نظرنا في ذلك فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه واليدان والرجلان والرأس (١). ومراده بالاتفاق هنا: الإجماع. وقال العيني: «غسل الوجه، وهو فرض بالنص بلا خلاف» (٢). وقال ابن عبد البر: «العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئًا، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما» (٣). وقال ابن رشد المالكي: «اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء» (٤). وقال الماوردي الشافعي: «أجمع المسلمون على وجوب غسله- يقصد الوجه» (٥). وقال النووي: «وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه» (٦). ونقله في كتابه المجموع (٧).

стр. 860

ونقله من الحنابلة ابن قدامة في المغني (١)، والكافي (٢)، وعبد الرحمن بن قدامة (٣)، والزركشي (٤)، وابن عبد الهادي (٥)، وغيرهم. وانظر كتاب إجماعات ابن عبد البر في العبادات فقد نقل الإجماع عن خلق كثير، وقد استفدت منه في نقل ما سبق (٦). فإذا ثبت عندنا غسل الوجه، من كتاب الله ، ومن سنة المصطفى ﷺ ، ومن إجماع الأمة، فإن حقيقة الغسل: هو مرور الماء على العضو. قال ابن عابدين: غسل الوجه: هو إسالة الماء مع التقاطر ولو قطرة. وقال أبو يوسف: هو مجرد بل المحل بالماء، سال أو لم يسل (٧). قلت: يلزم من كلام أبي يوسف ألا يكون هناك فرق بين الغسل والمسح، ولكن عبارة صاحب فتح القدير أدق من هذا، فقد قال: يجزئ إذا سال بعض الماء على العضو وإن لم يتقاطر (٨). فخرج عن صورة المسح، فتقاطر الماء ليس شرطًا، وسيلانه على العضو شرط، وإلا كان مسحًا. وهل يجب عليه إمرار اليد على الوجه؟ قال في فتح القدير: «والغسل: الإسالة، يفيد أن الدلك ليس من صفته» (٩).

стр. 861

قلت: إمرار اليد على الوجه غاية ما فيها أنها مستحبة عند الجمهور، وعند المالكية لا يسمى غاسلًا إلا بإمرار اليد على الوجه مع الماء، وسبق أدلة القوم في مناقشة استحباب الدلك، في باب سنن الوضوء، والله أعلم. * * *

стр. 862

المبحث الأول حد الوجه الفرع الأول حد الوجه طولًا وعرضًا مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - الوجه مأخوذ من المواجهة، فاللحى الأسفل والأعلى في وجوب الغسل في الوضوء سواء، وكذلك الذقن، وليس عليه أن يغسل ما تحته، قال ابن رشد الجد: وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا (١). - حد الوجه لا يشمل داخل الأنف، والفم وداخل العين، وإن كان الأنف والفم في حكم الخارج في الصيام، فهما في حكم الباطن في الوضوء؛ لأن الصيام متعلق بوصول الماء إلى المعدة، والوضوء متعلق بحصول المواجهة، فاختلف الموجب [م-١٤٨] اتفق الفقهاء بأن غسل الوجه من فروض الوضوء، ولكن ما حد هذا الوجه الواجب غسله طولًا وعرضًا؟ أما حد الوجه طولًا فإن الفقهاء متفقون بأن حده من منابت شعر الرأس المعتاد

стр. 863

إلى الذقن طولًا في الأمرد، وسيأتي الكلام على حده في الملتحي (١). وأما حد الوجه عرضًا: فقال الجمهور: عرضه من الأذن إلى الأذن مطلقًا (٢)، وبه قال متأخرو المالكية (٣). وقيل: حد الوجه في الملتحي: من الصدغ إلى الصدغ، وهي رواية عن مالك. وسوف يأتي الكلام في الصدغ في مسألة مستقلة. وقولنا: منابت الشعر المعتاد: خرج به غير المعتاد، وهو أقسام: الأول: الأجلح: وهو من كان ينحسر شعره عن مقدم رأسه (٤)، فإذا تصلع الشعر عن ناصيته لا يجب عليه غسل ذلك الموضع. قال النووي: بلا خلاف؛ لأنه من الرأس (٥). الثاني: الأفرع: هو الذي ينزل شعره إلى الوجه، ويقال له الأغم (٦). فقيل: يجب عليه غسله، ولو كان عليه شعر؛ لأنه من الوجه حقيقة، وعليه الجمهور (٧).

стр. 864

وقيل: لا يجب غسله إلا أن يعم الجبهة كلها، وهو وجه ضعيف عند الشافعية؛ ووجهه: قالوا: لأنه في صورة الرأس. ولا تغني الصورة عن الحقيقة شيئًا. قال النووي: «ولو نزل الشعر عن المنابت المعتادة إلى الجبهة نظر إن عمها وجب غسلها كلها بلا خلاف، وإن ستر بعضها فطريقان الصحيح منهما وبه قطع العراقيون وجوب غسل ذلك المستور، ونقل القاضي حسين أن الشافعي نص عليه في الجامع الكبير. (والثاني) وبه قال الخراسانيون: فيه وجهان أصحهما هذا، والثاني: لا يجب لأنه في صورة الرأس» (١). الثالث: الأنزع. النزعتان: هما البياض الذي انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال نزع الرجل فهو أنزع (٢). فلا يجب غسلهما؛ لأنهما من الرأس، وهو قول الجمهور (٣). وقيل: النزعتان من الوجه، وهو وجه في مذهب الحنابلة:

стр. 865

قال المرداوي: اختاره القاضي، وابن عقيل، والشيرازي، وقطع به القاضي في الجامع (١). والأول أصح؛ فكما أن ناصية الأصلع لا تدخل في الوجه، قال النووي بلا خلاف (٢)، فكذلك لا يدخل البياضان للأنزع. والله أعلم. * * *

стр. 866

الفرع الثاني حكم البياض الواقع بين العذار وبين الأذن مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - الاختلاف في البياض الذي بين العذار والأذن يرجع إلى اختلافهم فيه، هل تحصل فيه المواجهة، فيكون من الوجه، أولا فلا يكون منه؟ وأضعفها من قال: هو من الوجه؛ فيمن لا شعر بخده؛ لأنه يواجه به، بخلاف من بخده شعر فلا يواجه به؛ لأنه إن كان واجب الغسل قبل الشعر فكذلك بعد الشعر، إلا أن الوجوب ينتقل إلى الشعر إن كان كثيفًا. تعريف العذار: قال في المغرب: عذارا اللحية: جانباها، استعير من عذاري الدابة، وهما ما على خديه من اللجام، وعلى ذلك قولهم: أما البياض الذي بين العذار وشحمة الأذن صحيح. وأما من فسره بالبياض نفسه فقد أخطأ (١). وقال ابن الأثير في غريب الحديث: العِذَاران من الفرس كالعارضين من وجه الإنسان (٢).

стр. 867

وجاء في المصباح المنير: عذار اللحية: الشعر النازل على اللحيين (١). وقال ابن قدامة: العذار: هو الشعر الذي على العظم الناتئ، الذي هو سمت صماخ الأذن، وما انحط عنه إلى وتد الأذن (٢). فتبين من هذا أن العذار عند أهل اللغة والفقه: هو الشعر النابت المحاذي للأذنين بين الصدغ والعارض وهو أول ما ينبت للأمرد غالبًا. [م-١٤٩] فإذا عرفنا العذار فما حكم البياض الواقع بين العذار والأذن، هل هو من الوجه فيجب غسله أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: البياض من الوجه، وهو مذهب الجمهور، وعليه يجب غسله (٣). وقيل: الوجه من العذار إلى العذار، وعليه لا يجب غسل البياض الذي بين الأذن والعذار، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك (٤). قال ابن رشد: وهو المشهور من مذهب مالك (٥). وقيل: الفرق بين الأمرد والملتحي، فيجب غسلهما من الأمرد دون الملتحي، روي هذا القول عن أبي يوسف من الحنفية (٦)، وحكاه بعضهم قولًا في مذهب

стр. 868

مالك (١). وقيل: يسن غسله، وهو قول في مذهب المالكية (٢). وقيل: الأذنان من الوجه، وهو قول الزهري، وسبق ذكره ودليله والجواب عليه (٣). وقيل: ما أقبل من الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وهو قول الشعبي، وسبق ذكر دليله والجواب عليه (٤). - دليل الجمهور: أن هذا البياض من الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة كالخد. ولأنه من الوجه في حق المرأة وفي حق الرجل الأمرد، فكذلك من له لحية. - دليل من قال: ليس من الوجه: لا أعلم له دليلًا حتى قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك (٥). - دليل من قال: سنة: ذكر هذا القول جماعة من المالكية كما سبق عزوه عند ذكر الأقوال، ولم يذكروا دليل السنية، ولعل من قال به نظر إلى اختلاف أصحاب مالك في وجوب غسله، فتوسط بين من قال بوجوب غسله، وبين من قال: لا يغسل. أو فهم من القائلين بأنه

стр. 869

لا يغسل بأنه نفي للوجوب، وليس نفيًا للاستحباب، أو رأى أن دليل الوجوب ليس بالقوي فاحتاط بالقول باستحباب غسله، والله أعلم. * * *

стр. 870

الفرع الثالث في غسل شعر الوجه المسألة الأولى في شعر اللحية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - اللحية هل هي من الوجه، لحصول المواجهة بها، أو ليست من الوجه لأن الوجه كانت له هذه التسمية قبل ظهورها. - ما تحت الشعر الكثيف لا تقع به المواجهة، فلم يتناوله الاسم، وإذا لم يتناوله لم يتعلق به الحكم، ولأن النبي ﷺ كان كثيف اللحية، وغسل وجهه مرة، والمرة الواحدة لا يصل الماء فيها إلى ما تحت الشعر والبشرة. - الكثيف شعر يستر ما تحته في العادة، فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس بخلاف الشعر الخفيف فإنه بمنزلة شعر الحاجبين والذراعين فيجب غسل ما تحته. [م-١٥٠] اتفق الجمهور على تقسيم شعر اللحية إلى قسمين: خفيف، وكثيف:

стр. 871

فالكثيف: لا يجب إيصال الماء إلى البشرة. والشعر الخفيف: يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة (١)، واختلف في حد الشعر الكثيف، فقيل: ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب، وعليه الأكثر. وقيل: ما عده الناس خفيفًا فهو خفيف، وما عدوه كثيفًا فهو كثيف. وقيل: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة فهو خفيف، وإلا فهو كثيف. والثاني والثالث غير منضبط، والأول حد فاصل فهو معتبر (٢). وقيل: يسقط غسل البشرة مطلقًا إذا نبت عليه شعر، سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا، وهو ظاهر كلام الكاساني في بدائع الصنائع، ولم يرتضيه ابن نجيم وابن عابدين (٣).

стр. 872

وقيل: يجب غسل البشرة مطلقًا حتى في اللحية الكثيفة، حكي عن بعض المالكية (١)، واختاره المزني وأبو ثور (٢)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). - دليل من فرق بين الشعر الخفيف والكثيف: * الدليل الأول: (٣٢٧ - ١٨١) حديث ابن عباس في البخاري أن النبي ﷺ توضأ، فغرف غرفة فغسل بها وجهه. الحديث. وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف مع كثافة اللحية، خاصة أن النبي ﷺ كان كثير شعر اللحية كما في مسلم، وفي رواية: كان كث اللحية: أي الشعر الكثير ليس بالطويل ولا بالقصير. ولو كان غسل ما تحت الشعر واجبًا لنقل أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته، ولم يذكر التخليل في أحاديث الصحيحين كحديث عبد الله ابن زيد، وعثمان ابن عفان، وغيرهما، والله أعلم. * الدليل الثاني: ولأن الأصل وجوب غسل البشرة لقوله تعالى: (ب ب) انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ إذا كان كثيفًا؛ لأنها طهارة مبنية على التخفيف، ولأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كاف وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة كالخف والعمامة والجبيرة فالمتصل خلقة أولى. - دليل من أوجب غسل البشرة مطلقًا: * الدليل الأول: قياس الحدث الأصغر على الغسل الواجب؛ بجامع أن كلًا منهما طهارة من

стр. 873

حدث. (٣٢٨ - ١٨٢) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ولعلهم رأوا أن الواجب هو غسل البدن، وإذا طرأ على البدن شعر لم يمنع ذلك من وجوب غسل البدن، حتى يتعذر غسله، والشعر لا يمنع من وصول الماء إلى البدن. - ويجاب على ذلك: بأن الطهارة الصغرى مبنية على التخفيف، ولذلك جاز فيها المسح على الرأس وعلى الخفين، وكانت على أعضاء مخصوصة، بخلاف الطهارة الكبرى فإن طهارتها ليس فيها مسح، وتعم جميع البدن، والله أعلم. * الدليل الثاني: استدلوا ببعض الأدلة التي سقناها في تخليل اللحية، وفيها: أن النبي ﷺ خلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. ومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. والأصل في الأمر الوجوب. انظر هذه الأدلة في مسألة تخليل اللحية. وهي أحاديث كلها ضعيفة، لا تقوم بها حجة. * الدليل الثالث: ما تحت الشعر الكثيف داخل في حد الوجه بعد نبات الشعر، فيجب غسله.

стр. 874

ولهذا جاء عن سعيد بن جبير: ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها (١)، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية (٢). ولعل كلام سعيد بن جبير يكون متوجهًا لمن قال: يسقط الغسل إلى غير بدل، أما من غسل لحيته فلا يقال له: فإذا أنبت لم يغسلها، والله أعلم. والراجح من خلاف أهل العلم التفريق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف، فيجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف، نظرًا لأن البشرة ما زالت ظاهرة غير مستترة، والأصل وجوب غسل البشرة، فإن حجبت بالشعر كان الغسل للشعر فقط، وناب مناب البشرة. * * *

стр. 875

المسألة الثانية في مسح شعر اللحية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - الأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر. - هل شعر اللحية الكثيف له حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض إليه من الغسل إلى المسح؟ أو أن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر الكثيف انتقل الفرض إلى الشعر حيث كان كثيفًا؟ [م-١٥١] اختلف العلماء في شعر اللحية هل يغسل أم يمسح كما في شعر الرأس ونحوه؟ فقيل: يمسح منها مقدار الربع، وهو قول أبي حنفية (١)، واختار أبو يوسف صحة الوضوء ولو لم يمس لحيته بالماء (٢).

стр. 876

قال الكاساني: وهذه الرويات - يعني رواية أبي حنيفة وأبي يوسف مرجوع عنها (١). وقيل: ليس غسل اللحية من السنة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). وقيل: يجب غسله، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). - وجه من قال: يمسح اللحية بدون غسل: رأى أن الشعر على الوجه حكمه حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض من الغسل إلى المسح، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يأخذ للحية ماء جديدًا، بل بفضل ماء الوجه. ومن قال: يمسح مقدار الربع من اللحية، رأى أن كل ممسوح طهارته مبنية على التخفيف، فالخف لا يجب استيعابه، وكذلك مسح الرأس عنده، فإذا مسح من اللحية ومن الرأس مقدار الربع فقد قام بما هو واجب عليه. * دليل من قال: يجب غسل اللحية: قال: إن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر انتقل الواجب إلى الشعر حيث كان كثيفًا، أما لو كان خفيفًا لوجب غسل البشرة، فالغسل لا يسقط.

стр. 877

وقد جاء في حديث ظاهره غسل اللحية (٣٢٩ - ١٨٣) فقد روى مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله: أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث. فإذا كان الماء يقطر من أطراف اللحية كان هذا دليلًا على غسلها، وليس على مسحها فقط، والله أعلم. وقد يقال: إن هذا في غسل الشعر النابت فوق البشرة، وقد وجب غسله؛ لأنها ناب عن البشرة، وأما غسل المسترسل من اللحية والنازلة على الصدر فلم ينب مثل هذا الشعر عن بشرة يجب غسلها حتى يجب غسله، وعليه ينزل كلام من قال: لا يغسل أو قال: يمسح فقط، والله أعلم. * * *

стр. 878

المسألة الثالثة شعر الوجه فيما عدا اللحية مدخل في ذكر الضابط الفقهي: - الأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر. [م-١٥٢] شعر الوجه سوى اللحية كالعذار وشعر الحاجبين والشارب وأهداب العينين والعنفقة ونحوها. فالجمهور لا يفرقون بين شعر اللحية وبين غيرها مما ينبت في الوجه كالشارب والعنفقة وشعر الحاجبين، فما كان كثيفًا غسل ظاهره، وما كان خفيفًا وجب غسل البشرة تحته (١). وذهب الشافعية إلى التفريق بين شعر اللحية وبين غيرها، فقالوا في اللحية كقول الجمهور، فرقًا بين الكثيفة والخفيفة، وأما شعر غير اللحية فأوجبوا وصول الماء إلى تحت البشرة مطلقًا، كثيفًا كان أو خفيفًا.

стр. 879

قال النووي: «قال أصحابنا ثمانية من شعر الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها، سواء خفت أو كثفت، وهي: الحاجبان، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية من المرأة والخنثى، وأهداب العينين، وشعر الخد» (١). وعللوا ذلك: بأن الشعر كونه كثيفًا في هذه المواضع نادر، والنادر لا حكم له. وقول الجمهور أرجح؛ لأن شعر اللحية كغيره، فالأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر، لأن الحكم في اللحية إن كان معللًا بكونه تحصل به المواجهة، فقد انتقلت هذه العلة إلى الشعر، ولم تبق البشرة تحصل بها المواجهة بعد سترها، وإن كان الحكم في اللحية معللًا بالمشقة في إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، فالمشقة موجودة في شعر الشارب الكثيف والحاجب الكثيف ونحوهما، والله أعلم. * * *

стр. 880

المسألة الرابعة في غسل المسترسل من اللحية مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - منشأ الخلاف في غسل المسترسل من اللحية: هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب (١). - الأصل غسل بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلًا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يجب غسله حتى يكون غسل اللحية بدلًا منه؟ [م-١٥٣] اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية. فقيل: يجب غسل ظاهره، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وعليه أكثر الشافعية (٤).
следующие страницы →