قال الكاساني: وهذه الرويات - يعني رواية أبي حنيفة وأبي يوسف مرجوع عنها (١).
وقيل: ليس غسل اللحية من السنة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).
وقيل: يجب غسله، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
- وجه من قال: يمسح اللحية بدون غسل:
رأى أن الشعر على الوجه حكمه حكم الحائل من خف ونحوه، فينتقل الفرض من الغسل إلى المسح، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يأخذ للحية ماء جديدًا، بل بفضل ماء الوجه.
ومن قال: يمسح مقدار الربع من اللحية، رأى أن كل ممسوح طهارته مبنية على التخفيف، فالخف لا يجب استيعابه، وكذلك مسح الرأس عنده، فإذا مسح من اللحية ومن الرأس مقدار الربع فقد قام بما هو واجب عليه.
* دليل من قال: يجب غسل اللحية:
قال: إن الواجب غسل البشرة، وحين استترت بالشعر انتقل الواجب إلى الشعر حيث كان كثيفًا، أما لو كان خفيفًا لوجب غسل البشرة، فالغسل لا يسقط.
стр. 877
وقد جاء في حديث ظاهره غسل اللحية
(٣٢٩ - ١٨٣) فقد روى مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله: أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة قال:
قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث.
فإذا كان الماء يقطر من أطراف اللحية كان هذا دليلًا على غسلها، وليس على مسحها فقط، والله أعلم.
وقد يقال: إن هذا في غسل الشعر النابت فوق البشرة، وقد وجب غسله؛ لأنها ناب عن البشرة، وأما غسل المسترسل من اللحية والنازلة على الصدر فلم ينب مثل هذا الشعر عن بشرة يجب غسلها حتى يجب غسله، وعليه ينزل كلام من قال: لا يغسل أو قال: يمسح فقط، والله أعلم.
* * *
стр. 878
المسألة الثالثة
شعر الوجه فيما عدا اللحية
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر.
[م-١٥٢] شعر الوجه سوى اللحية كالعذار وشعر الحاجبين والشارب وأهداب العينين والعنفقة ونحوها.
فالجمهور لا يفرقون بين شعر اللحية وبين غيرها مما ينبت في الوجه كالشارب والعنفقة وشعر الحاجبين، فما كان كثيفًا غسل ظاهره، وما كان خفيفًا وجب غسل البشرة تحته (١).
وذهب الشافعية إلى التفريق بين شعر اللحية وبين غيرها، فقالوا في اللحية كقول الجمهور، فرقًا بين الكثيفة والخفيفة، وأما شعر غير اللحية فأوجبوا وصول الماء إلى تحت البشرة مطلقًا، كثيفًا كان أو خفيفًا.
стр. 879
قال النووي: «قال أصحابنا ثمانية من شعر الوجه يجب غسلها وغسل البشرة تحتها، سواء خفت أو كثفت، وهي: الحاجبان، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية من المرأة والخنثى، وأهداب العينين، وشعر الخد» (١).
وعللوا ذلك: بأن الشعر كونه كثيفًا في هذه المواضع نادر، والنادر لا حكم له.
وقول الجمهور أرجح؛ لأن شعر اللحية كغيره، فالأصل غسل البشرة، فلما حجبها الشعر انتقل الحكم إلى الشعر، لأن الحكم في اللحية إن كان معللًا بكونه تحصل به المواجهة، فقد انتقلت هذه العلة إلى الشعر، ولم تبق البشرة تحصل بها المواجهة بعد سترها، وإن كان الحكم في اللحية معللًا بالمشقة في إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف، فالمشقة موجودة في شعر الشارب الكثيف والحاجب الكثيف ونحوهما، والله أعلم.
* * *
стр. 880
المسألة الرابعة
في غسل المسترسل من اللحية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- منشأ الخلاف في غسل المسترسل من اللحية: هل ينظر إلى مباديها فيجب أو محاذيها فلا يجب (١).
- الأصل غسل بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلًا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته ما يجب غسله حتى يكون غسل اللحية بدلًا منه؟
[م-١٥٣] اختلف العلماء في حكم ما استرسل من اللحية.
فقيل: يجب غسل ظاهره، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وعليه أكثر الشافعية (٤).
стр. 881
وقيل: لا يجب بل يسن، وهو مذهب الحنفية (١) وأحد قولي الشافعية (٢).
وقيل: لا يشرع غسله، وهو اختيار ابن حزم ﵀ (٣).
- دليل من قال: يجب غسل المسترسل من اللحية .
* الدليل الأول:
استدل بقوله تعالى: (ب ب) [المائدة: ٦]، فالله أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا، ولم يخص صاحب لحية من أمرد، فكل ما أطلق عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، فوجب غسلها بدلًا من البشرة.
* الدليل الثاني:
أن اللحية النازلة من الذقن تشبه اللحية النابتة على الخد، فإذا وجب غسل النابت على الخد وجب غسل النابت على الذقن مطلقًا سواء نزل على الصدر أم لم ينزل.
* الدليل الثالث:
ولأن النازل من الذقن تبع لأصله، وأصله يجب غسله فكذلك النازل، منه؛ فقد يجب تبعًا ما لا يجب استقلالًا.
стр. 882
- دليل من قال: لا يشرع غسل المسترسل:
* الدليل الأول:
الأصل المأمور بغسله: هو بشرة الوجه، وإنما وجب غسل اللحية بدلًا من البشرة حين نبتت فوق الوجه، وما انسدل من اللحية على الصدر ليس تحته مما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلًا منه.
* الدليل الثاني: القياس على الرأس، فكما أن جلد الرأس مأمور بمسحه، فلما نبت عليه الشعر ناب مسح الشعر عن مسح الرأس، وما انسدل من الرأس سقط، فليس تحته بشرة يلزم مسحها، ومعلوم أن الرأس سمي رأسًا لعلوه ونبات الشعر فيه، وما سقط من الشعر وانسدل فليس برأس، فكذلك ما انسدل من اللحية فليس بوجه (١).
دليل من قال: يسن ولا يجب:
لعله قال ذلك احتياطًا، وخروجًا من الخلاف، فلم يبلغ الدليل عنده من القوة ما يجعله يجزم بالوجوب، ورأى أن الاحتياط في الترغيب في مسحه فاستحبه، خاصة أن فيه من الأدلة ما يدل على غسل ظاهر اللحية،
(٣٣٠ - ١٨٤) كما في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد ابن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير،
عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. الحديث.
فقوله: من أطراف لحيته مطلق، يشمل اللحية المسترسلة وغيرها. والله أعلم.
стр. 883
- الراجح:
أن اللحية المسترسلة لا يجب غسلها، لقوة أدلة القائلين بعدم الوجوب، وأما قولهم: إنها تحصل بها المواجهة لا يكفي في الوجوب، فالرقبة متصلة بالوجه، وتحصل بها المواجهة ولا يجب غسلها، فكيف بالشعر النازل عن حد الرقبة، وأما حديث (مع أطراف لحيته) فلا يشعر بالوجوب، قد يشعر بالاستحباب، مع أن الحديث ليس نصًّا في اللحية المسترسلة، والله أعلم.
* * *
стр. 884
الفرع الرابع إذا غسل وجهه غسل جزءًا من الجوانب المحيطة به
[م-١٥٤] ذكر كثير من الفقهاء أن على المتوضئ إذا غسل وجهه أن يغسل جزءًا من رأسه، وسائر الجوانب المجاورة للوجه، احتياطًا، وليس هذا الغسل وجبًا لنفسه وجوب المقاصد، وإنما وجب لغيره من باب الوسائل، لأن استيعاب الوجه واجب، ولا يمكنه الاستيعاب إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما يجب إمساك جزء من الليل في الصيام ليستوعب النهار (١).
* * *
стр. 885
الفرع الخامس في الكلام على الأنف والفم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- حد الوجه لا يشمل داخل العين والأنف والفم؛ لأن الأنف والفم من الباطن حسًا، وإنما اعتبرا في حكم الخارج في الصيام؛ لأن الصيام متعلق بوصول الماء إلى المعدة بخلاف الوضوء.
- إذا أمر بالاستنثار فلا يدل على أن الاستنشاق واجب إلا بقرينة، كما أنه إذا أمر بالجهر بالقراءة لم يدل ذلك بمجرده على وجوب القراءة، وإذا أمر برفع الصوت بالتلبية لم يدل على وجوب التلبية، وإذا أمر بالمبالغة في المضمضة لم يكن يدل ذلك على وجوب المضمضة.
[م-١٥٥] أما ظاهر الأنف وحمرة الشفتين الظاهرة فهما من الوجه، فيجب غسلهما لدخولهما في حد الوجه طولًا وعرضًا، وأما باطن الأنف وداخل الفم فهل يدخلان في الوجه، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبين في الوضوء؟ أو لا يدخلان في حد الوجه، كما لا يدخل باطن العينين فيه؟ فتكون المضمضة والاستنشاق سنة، وقبل نقل خلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق ينبغي أن أبين أن المضمضة والاستنشاق مجمع على مشروعيتهما في الوضوء، وإنما الخلاف في وجوبهما.
стр. 886
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: والذي عليه المسلمون أن الاستنشاق والمضمضة من سنة الوضوء التي لا يجوز تركها (١).
وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طرًا: أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين (٢).
وقال ابن حزم: واتفقوا على أن من غسل يديه ثلاثًا ثم مضمض ثلاثًا ثم استنشق ثلاثًا .... أنه قد أدى ما عليه في الأعضاء المذكورة (٣).
وأما الخلاف في وجوبهما فقد اختلف أهل العلم فيهما على أقوال:
فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، وهو مذهب المالكية والشافعية.
وقيل: واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
هذان قولان متقابلان.
وفيه قولان آخران متقابلان أيضًا:
فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل.
وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما.
والراجح: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء وفي الغسل، والله أعلم.
وانظر أدلة الأقوال في سنن الوضوء، فقد ذكرتها هناك.
* * *
стр. 887
الفرع السادس في غسل ما تحت الذقن
[م-١٥٦] قال في مواهب الجليل: وليس عليه أن يغسل ما تحت الذقن، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا (١).
قلت: يقصد والله أعلم استيعاب ما تحت الذقن بالغسل، وإلا فقد تقدم أنه يجب عليه إذا غسل وجهه أن يغسل ما يجاوره من جوانب الرأس، وعليه فلا بد أن يغسل جزءًا ولو يسيرًا من تحت ذقنه، ليمكنه استيعاب وجهه.
ولذلك قال النووي: «يجب على المتوضئ غسل جزء من رأسه ورقبته وما تحت ذقنه مع الوجه؛ لأنه لا يمكنه استيعاب الوجه إلا بذلك، كما يجب إمساك جزء من الليل من الصيام ليستوعب النهار» (٢).
* * *
стр. 888
الفصل الثاني من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين
[م-١٥٧] من فروض الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].
وأما السنة فالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ كحديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما وسبق تخريجهما.
وأما الإجماع فقد نقله جماعة كثيرة من أهل العلم، أقتصر على بعضهم:
قال الطحاوي الحنفي: «نظرنا في ذلك، فرأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس» (١).
وقال ابن عبد البر: «العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ومسح الرأس فرضٌ ذلك كله، لأمر الله في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئًا، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح
стр. 889
الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله» (١).
وقال الخرشي المالكي: «ومحصل ذلك، أن منها فرضًا بإجماع، وهي الأعضاء الأربعة» (٢).
وقال القاضي أبو الوليد بن رشد: «فرائض الوضوء ثمانية: منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم، وهي التي نص الله ﵎ عليها، غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين» (٣).
وقال الماوردي الشافعي: «غسل الذراعين واجب بالكتاب والسنة والإجماع» (٤).
وقد نقل الإجماع من الشافعية الخطيب الشربيني (٥)، والبجيرمي (٦)، والنووي (٧)، وغيرهم.
كما نقله من الحنابلة: ابن مفلح (٨)، والزركشي (٩)، وغيرهم.
* * *
стр. 890
المبحث الأول في غسل المرفقين مع اليدين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل ما تتوقف عليه صحة الواجب فهو واجب (١).
- كل فعل وقع بيانًا لنص مجمل، وكان مدلول المجمل واجبًا فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف، فالأمر بغسل اليد في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، مجمل، وفعل الرسول الله ﷺ بغسل مرفقيه وقع بيانًا لهذا المجمل فيكون واجبًا (٢).
-حرف (إلى) الأصل فيه في اللغة الغاية، كقولك: سرت إلى الرياض: أي انتهى سيري إليها.
ويأتي بمعنى (مع) كما في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) أي مع الله.
واختلف في الغاية هل تدخل مع المغيا أو لا تدخل، أو يفرق بين ما هو من جنس
стр. 891
ما قبلها كما في هذه المسألة فيدخل، أو من غيره فلا يدخل، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] أو يفرق بين الغاية المنفصلة بالحس كما في آية الصيام السابقة فإن الليل منفصل عن النهار بالحس، فلا تدخل، وبين ما لا يكون منفصلًا بالحس كالمرفق فيدخل.
والحق أن آية المائدة ليست مجملة، وأن لفظ (إلى) لفظ مشترك بين معنيين، والمشترك غير المجمل، فإذا ورد ما يدل على أحد المعنيين تعين وقد توضأ أبو هريرة حتى شرع في العضد، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فتبين أنها بمعنى (مع).
[م-١٥٨] ذهب الجمهور إلى وجوب إدخال المرفقين في غسل اليدين (١).
وقال زفر وأبو بكر بن داود: لا يجب إدخال المرفقين (٢)، وهو رواية عن مالك (٣)، وأحمد (٤)، وهو رأي ابن حزم (٥).
- دليل الجمهور:
* الدليل الأول:
(٣٣١ - ١٨٥) حديث أبي هريرة في مسلم، من طريق نعيم بن عبد الله المجمر
стр. 892
قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله (١).
وجه الاستدلال:
كون أبي هريرة غسل يده حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ صريحًا في الرفع.
قال القرطبي في المفهم: (أشرع) رباعي أي: مد يده بالغسل إلى العضد، من قولهم: أشرعت الرمح قبله: أي مددته إليه، وسددته نحوه، وأشرع بابًا إلى الطريق، أي: فتحه مسددًا إليه، وليس هذا من شرعت في هذا الأمر، ولا من شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي، وذاك رباعي، ثم قال: والإشراع المروي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما (٢).
* الدليل الثاني:
(٣٣٢ - ١٨٦) ما رواه الدارقطني من طريق عباد بن يعقوب، حدثنا القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده،
عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 893
* الدليل الثالث:
(٣٣٣ - ١٨٧) ما رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي (يعقوب بن إبراهيم بن سعد) أخبرنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه حدثه، أنه سمع عثمان بن عفان، قال: هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين (١).
[قوله: (حتى مس أطراف العضدين) زيادة شاذة في الحديث] (٢).
стр. 894
* الدليل الرابع:
(٣٣٤ - ١٨٨) ما رواه البزار (١)، والطبراني في الكبير (٢)، من طريق محمد بن حجر، ثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيه، عن أمه،
عن وائل بن حجر، قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتي بإناء فيه ماء، فذكر أن الرسول ﷺ توضأ، وفيه: ثم أدخل يمينه في الإناء، فغسل بها ذراعه اليمنى، حتى جاوز المرفق ثلاثًا، ثم غسل يساره بيمينه حتى جاوز المرفق، ثم مسح رأسه ثلاثًا، وظاهر أذنيه ثلاثًا، وظاهر رقبته، وأظنه قال: وظاهر لحيته ثلاثًا، ثم غسل بيمينه قدميه ثلاثًا، وفصل بين أصابعه، أو قال: وخلل بين أصابعه، ورفع الماء حتى جاوز الكعب، ثم رفعه في الساق، ثم فعل باليسرى مثل ذلك. وهذا لفظ البزار.
[ضعيف] (٣).
* الدليل الخامس:
(٣٣٥ - ١٨٩) ما رواه عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس،
стр. 895
عن ثعلبة بن عباد،
عن أبيه قال: ما أدري كم حدثني هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما من عبد يتوضأ فيحسن وضوءه حتى يسيل الماء على وجهه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ثم يغسل قدميه حتى يسيل الماء من قبل عقبيه، ثم يصلي فيحسن صلاته إلا غفر له ما سلف (١).
[ضعيف] (٢).
فاعتبر الحافظ هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا.
قال في الفتح: «ويمكن أن يستدل لدخولهما يعني -المرفقين- بفعله ﷺ ، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين.
стр. 896
وفيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.
وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (فغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق).
وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعًا (ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه) فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا» (١).
قلت: إن كان الاستدلال بالفعل المجرد على وجوب إدخال المرفقين فالاستدلال بحديث أبي هريرة في مسلم أولى، وقد تقدم ذكره في أدلتهم.
* الدليل السادس:
لم ينقل عنه ﷺ أنه أخل ولو مرة واحدة، فترك غسل المرفقين، فكل من نقل لنا صفة وضوئه ﷺ نقل لنا أنه كان يغسل مرفقيه، فهذا بيان للمجمل في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].
وإنما تلقينا صفة الوضوء من فعله ﷺ ، وهو المبين لما أنزل عليه.
* الدليل السابع:
قال الماوردي: «لا يعرف فيه خلاف -يعني: وجوب غسل المرفقين- قبل زفر، فكان زفر محجوجًا بإجماع من تقدمه» (٢). اهـ
وقال الحافظ: «قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا يكون زفر محجوجًا بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حكى عن أشهب كلامًا محتملًا» (٣). اهـ كلام الحافظ.
стр. 897
ولا أدري هل يستقيم القول: بأنه محجوج بالإجماع قبله، مع مخالفة زفر والطبري وبعض أصحاب داود، ومالك وأحمد في رواية عنهما، وهل ثبت الإجماع فعلًا؟ أو تكون عبارة: لا أعلم مخالفًا ليست نقلًا للإجماع، بقدر ما هي نقل لعدم العلم بالخلاف، وبينهما فرق.
- دليل من قال: لا يجب غسل المرفقين:
استدلوا بقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فكلمة (إلى) لانتهاء الغاية فما بعدها غير داخل فيما قبلها، كما لا يجب دخول الليل في الصيام لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْل) [البقرة: ١٨٧].
- وأجيب عن الآية بجوابين:
الأول: أن (إلى) في هذا الموضع بمعنى (مع) وليست غاية للمحدود، فيكون معنى الآية (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، كما في قوله تعالى:
(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) [البقرة: ١٤]، أي مع شياطينهم.
وكما في قوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: ٥٢]، أي: مع الله.
وكما في قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢] أي: مع أموالكم.
وقال ابن عبد البر: وقد تكون إلى بمعنى الواو، فيكون المعنى: وأيديكم والمرافق (١).
الجواب الثاني:
أن (إلى) وإن كانت حدًا وغاية فقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل في جملته، وإن كان من غير جنسه لم يدخل، ألا تراهم يقولون: بعتك الثوب من الطرف إلى الطرف، فيدخل الطرفان في البيع؛ لأنهما من جنسه، وكذلك لم يدخل
стр. 898
إمساك الليل في جملة الصيام؛ لأنه ليس من جنس النهار (١).
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وأنكر بعض أهل العلم أن تكون (إلى) بمعنى (مع) أو تكون بمعنى (الواو) قال: ولو كان كذلك لوجب غسل اليد كلها، واليد عند العرب: من أطراف الأصابع إلى الكتف، وقال: لا يجوز أن نخرج (إلى) عن بابها، ويذكر أنها بمعنى الغاية أبدًا، وقال: وجائز أن تكون (إلى) بمعنى الغاية، وتدخل المرافق مع ذلك في الغسل؛ لأن الثاني إذا كان من الأول كان ما بعد (إلى) داخلًا فيما قبله، نحو قول الله : (إِلَى الْمَرَافِقِ) ثم ذكر نحو الكلام السابق المنقول عن المبرد (٢).
وقولهم: إن اليد عند الإطلاق من أطراف الأصابع إلى الكتف غير مسلم، وإن قال به أحد أئمة اللغة، فاليد عند الإطلاق لا تشمل إلا الكف، كما قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، والقطع إنما هو للكف، وقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [المائدة: ٦]، والتيمم إنما يمسح الكفان فقط على الصحيح.
وقال الزمخشري نقلًا من فتح الباري: «ولفظ (إلى) يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخلوها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) دليل عدم الدخول: النهي عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل الدخول كون الكلام مسوقًا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: (إِلَى الْمَرَافِقِ) لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن» (٣).
стр. 899
- الراجح:
دخول المرفقين في الغسل، نظرًا لقوة أدلتهم، وكون النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل ولو مرة واحدة في ترك غسل المرفق في الوضوء، ولم يأت من يقول: لا يدخل المرفقان في غسل اليد إلا من حيث الاستدلال بـ (إلى) وهي محتملة، وطريقة الراسخين حمل المحتمل على الواضح، والمجمل على المبين، والله أعلم.
تنبيه:
إذا غسل يديه بعد غسل وجهه، كان عليه أن يغسلها من أطراف أصابعه إلى المرفقين، فيغسل الكفين مرة ثانية في غسل اليدين، ولا يكتفي في غسلهما في بداية الوضوء.
وقيل: إن غسل كفيه في بداية الوضوء اكتفى بغسل الذراعين، وهذا قول في مذهب الحنفية، وقد ذكرناه في مباحث غسل الكفين، والأول أرجح وأحوط.
- أما وجه كونه أرجح:
فإن غسل الكفين في أول الوضوء سنة، ومحلهما قبل غسل الوجه، فإذا كان غسل الكفين اختلف حكم غسلهما واختلف محله كذلك فكيف يتداخلان؟ فلو كان الحكم والمحل واحدًا لكان القول بالتداخل له وجه.
- وأما كونه أحوط:
فهذا فظاهر؛ لأن من ترك غسلهما فقد اختلف العلماء في صحة وضوئه، وأما من غسلهما فقد خرج من العهدة بيقين، والله أعلم.
* * *
стр. 900
المبحث الثاني في غسل اليد الزائدة ونحوها من أعضاء الوضوء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- إذا اشتبه الزائد بالأصلي في محل الفرض وجب غسلهما جميعًا للخروج من العهدة بيقين.
- إذا عرف الأصلي من الزائد، فالأصلي يجب غسله بالاتفاق، وهل يجب غسل الزائد إذا نبت في محل الفرض مطلقًا، أو يجب إذا حاذى محل الفرض، ولو نبت في العضد، أو يجب إذا كان للزائد مرفق؛ لأن لها حكم اليد الأصلية؟ أقوال.
[م-١٥٩] الأعضاء الزائدة يجب غسلها في طهارة الحدث الأكبر وكذا في الغسل المسنون، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.
وأما في طهارة الحدث الأصغر: فقد ذهب الفقهاء إلى أن من خلق له عضوان متماثلان كاليدين على منكب واحد ولم يمكن تمييز الزائدة من الأصلية، وجب غسلهما جميعا للأمر به في قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].
стр. 901
فإن أمكن تمييز الزائدة من الأصلية، وجب غسل الأصلية باتفاق، وكذا الزائدة إذا نبتت على محل الفرض (١).
أما إذا نبتت في غير محل الفرض ولم تحاذ محل الفرض فالاتفاق واقع على عدم وجوب غسلها في الوضوء ولا مسحها في التيمم (٢).
أما إذا كانت الزائدة نابتة في غير محل الفرض وحاذت كلها أو بعضها محل الفرض فجمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والقاضي أبو يعلى
стр. 902
من الحنابلة (١)، يوجبون غسل ما حاذى محل الفرض منها، عند المالكية كلها إذا كان لها مرفق (٢).
أما الحنابلة فلهم فيها قولان: أحدهما، مع الجمهور، وهو قول أبي يعلى، والثاني: قول ابن حامد وابن عقيل: أن النابتة في غير محل الفرض لا يجب غسلها، قصيرة أو طويلة، لأنها أشبهت شعر الرأس إذا نزل عن حد الوجه، وهذا القول: هو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣)، ورجحه ابن قدامة (٤).
- والراجح:
أنه لا يجب غسلها مطلقًا ما دامت ليست يدًا أصلية، وقد نبتت في غير محل الفرض، والله أعلم.
* * *
стр. 903
المبحث الثالث في الجلد المنكشط
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- ما لا يجب في أصل خلقته لا يكون واجبًا (١).
[م-١٦٠] اختار بعض الفقهاء: أن المعتبر في الجلد المتدلي ما انتهى إليه، ولا ينظر إلى الموضع الذي تدلى منه.
فإذا تدلى الجلد المتقلع من محل الفرض في اليد وجب غسله مع اليد، سواء انكشط من محل الفرض وتدلى منه، أو انكشط من العضد وبلغت إلى المرفق أو الساعد فتدلى منه؛ لأنها صارت تابعة لما نزلت إليه.
وإن تدلى من العضد لم يجب غسله سواء انكشط من العضد وتدلى منه، أو انكشط من محل الفرض وبلغ إلى العضد؛ لأنه صار تابعًا للعضد.
هذا ما اختاره بعض المالكية، والعراقيون والبغوي من الشافعية، ورجحه النووي.
стр. 904
واختار إمام الحرمين من الشافعية: أن الصواب أن يعتبر بأصله فإذا تدلت جلدة الساعد وجب غسلها، ولو تدلت جلدة من العضد ولم تلتصق بالساعد لم يجب غسلها نظرًا إلى أصلها، وإن التصق طرف منها بالساعد فيجب أن يغسل منها مقدار ما استتر من الساعد فقط؛ حيث قام هذا القدر في محل الالتصاق مقام ما استتر به، وبهذا قطع الماوردي، وصححه المتولي (١).
- الراجح:
أن ما تدلى من محل الفرض يجب غسله، وما تدلى من غيره لم يجب، والله أعلم.
* * *
стр. 905
المبحث الرابع في أقطع اليد أو بعضها
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- كل عضو سقط بعضه تعلق الحكم بباقيه غسلًا ومسحًا.
- إذا قطعت اليد من فوق المرفق فلا فرض عليه، لفوات المحل.
- العضو إذا كان مقطوعًا من المفصل ففيه قولان.
وسبب الخلاف اختلافهم في المرفق، هل هو عظم الساعد، فلا يجب غسل عظم العضد، أو هو مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فيجب غسل رأس العضد، وهل غسله كان تبعًا فلا يجب غسله إذا قطعت اليد من المفصل، أو كان غسله قصدًا، فيجب غسله.
[م-١٦١] إذا كان الرجل أقطع اليد، فإن كان مقطوعًا من دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من الساعد مع المرفق (١).
стр. 906
لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].
(٣٣٦ - ١٩٠) ولما رواه البخاري، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١).
فقوله: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فإذا استطاع أن يغسل بعض محل الفرض وجب عليه؛ لدخوله تحت قدرته، وسقط عنه ما عجز عنه.
وحكي إجماعًا وجوب غسل ما بقي من محل الفرض، نقل الإجماع فيه النووي في المجموع (٢)، والحطاب في مواهب الجليل (٣).
[م-١٦٢] وإن كان مقطوعًا من المفصل ففيه قولان:
فقيل: يجب عليه غسل رأس العضد، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: لا يجب عليه غسل رأس العضد. وهو قول في مذهب الشافعية.
وأصل القولين اختلافهما في المرفق ما هو؟
فقيل: إن المرفق عظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسل عظم العضد.
وقيل: المرفق: هو مجتمع العظمين، عظم الساعد وعظم العضد، فعلى هذا يجب عليه غسل رأس العضد.
стр. 907
ومنهم من قال: هو مجتمع العظمين، وإنما هل يغسل عظم العضد تبعًا، أو قصدًا، فإن قلنا: يجب غسله قصدًا وجب غسله هاهنا، وإن قلنا: يجب غسله تبعًا لم يجب غسله هاهنا.
[م-١٦٣] وإن قطع من فوق المرفق فلا فرض عليه، لفوات المحل.
واستحب له الشافعية (١)، والحنابلة (٢) أن يمس ما بقي من العضد بالماء، واختلفوا في علة الاستحباب:
فقيل: حتى لا يخلو العضو من طهارة.
وقيل: يستحب ذلك إطالة للتحجيل.
والراجح أنه لا يشرع له أن يمسه بماء؛ لأن محل الفرض سقط بزوال العضو الواجب غسله، ولم يشرع بدل عنه، فالعضد ليس محلًا للفرض حتى يستحب له أن يمسه بماء، والله أعلم.
* * *
стр. 908
المبحث الخامس في الوسخ يكون تحت الظفر
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
- الأصل في اليسير أنه معفو عنه ما لم يكن هناك نص بعدم العفو، وهذا في كل شيء (١).
[م-١٦٤] إذا كان تحت الظفر وسخ يمنع وصول الماء، فهل يصح وضوءه؟
فقيل: تجب إزالته مطلقًا، ولا يصح الوضوء مع وجوده، اختاره المتولي من الشافعية (٢)، وابن عقيل من الحنابلة (٣).
стр. 909
وقيل: لا تجب إزالته مطلقًا، ويعفى عنه، اختاره الغزالي من الشافعية (١)،
ومال إليه ابن قدامة من الحنابلة (٢).
وقيل: إن كان يسيرًا عفي عنه، وإن فحش وجبت إزالته، وهو مذهب المالكية (٣)، وأومأ إليه ابن دقيق العيد (٤)، ورجحه ابن تيمية (٥).
وسبب الخلاف في هذه المسألة اختلافهم في العفو عن يسير ما يجب غسله من أعضاء الوضوء، فمن رأى أنه يجب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، ولا يعفى عن شيء منها أوجب إزالة ما تحت الأظفار، ومن رأى أن هذا الشيء اليسير يعفى عنه كما يعفى عن يسير النجاسة ونحوها عفى عنه، ومن رأى أن الأعراب على عهد
стр. 910
رسول الله ﷺ كانوا لا يتعاهدون نظافة مثل ذلك، ولم يأمرهم الرسول ﷺ بغسله، رأى العفو عنه مطلقًا، ولم يقيده باليسير، وقد عرضنا أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة من هذه السلسلة فارجع إليه غير مأمور.
* * *
стр. 911
الفصل الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس
[م-١٦٥] الفرض الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].
وأما السنة فالأحاديث الكثيرة المستفيضة والتي سقناها فيما سبق من فروض الوضوء.
وأما الإجماع فنقله خلق كثير، نقله من الحنفية: الطحاوي (١).
ومن المالكية: ابن عبد البر (٢)، والحطاب (٣)، وابن رشد (٤)، والقرطبي (٥)، والخرشي (٦).
стр. 912
ومن الشافعية: النووي (١)، والماوردي (٢).
ومن الحنابلة: ابن قدامة (٣)، وابن مفلح (٤)، والزركشي (٥) وغيرهم.
* * *
стр. 913
المبحث الأول في القدر الواجب مسحه من الرأس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- هل الأمر بمسح الرأس في آية المائدة يعتبر مجملًا في اللغة، فيطلب البيان من السنة، أو أن آية المائدة ليس فيها إجمال أصلًا، لأن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) يقتضي مسح البعض كما لو قلت: مسحت يدي بالحائط فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط.
- الخلاف ليس في مسمى الرأس بل في إيقاع المسح على هذا الجزء، وهذا كما في نظائره من الأفعال، تقول: ضربت رأسه وضربت برأسه، فإنه يوجد هذا المعنى بإيقاع الضرب على جزء من أجزاء الرأس، ومن قال: لا يكون ضاربًا لرأسه حتى يقع الضرب على جميع الرأس فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة.
وقيل:
- اسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيًا لمسح جميعه.
- كل عضو أمرنا بغسله أو مسحه فالأصل وجوب استيعابه إلا بدليل.
стр. 914
- الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس.
- الرأس عضو شرع المسح فيه بالماء، فوجب أن يعمه الحكم قياسًا على مسح الوجه بالتيمم (١).
[م-١٦٦] اختلف العلماء في المقدار الواجب مسحه من الرأس،
فقيل: يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية (٣)،
والمشهور من مذهب