الفصل الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس
[م-١٦٥] الفرض الثالث من فروض الوضوء مسح الرأس.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].
وأما السنة فالأحاديث الكثيرة المستفيضة والتي سقناها فيما سبق من فروض الوضوء.
وأما الإجماع فنقله خلق كثير، نقله من الحنفية: الطحاوي (١).
ومن المالكية: ابن عبد البر (٢)، والحطاب (٣)، وابن رشد (٤)، والقرطبي (٥)، والخرشي (٦).
стр. 912
ومن الشافعية: النووي (١)، والماوردي (٢).
ومن الحنابلة: ابن قدامة (٣)، وابن مفلح (٤)، والزركشي (٥) وغيرهم.
* * *
стр. 913
المبحث الأول في القدر الواجب مسحه من الرأس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- هل الأمر بمسح الرأس في آية المائدة يعتبر مجملًا في اللغة، فيطلب البيان من السنة، أو أن آية المائدة ليس فيها إجمال أصلًا، لأن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) يقتضي مسح البعض كما لو قلت: مسحت يدي بالحائط فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط.
- الخلاف ليس في مسمى الرأس بل في إيقاع المسح على هذا الجزء، وهذا كما في نظائره من الأفعال، تقول: ضربت رأسه وضربت برأسه، فإنه يوجد هذا المعنى بإيقاع الضرب على جزء من أجزاء الرأس، ومن قال: لا يكون ضاربًا لرأسه حتى يقع الضرب على جميع الرأس فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة.
وقيل:
- اسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيًا لمسح جميعه.
- كل عضو أمرنا بغسله أو مسحه فالأصل وجوب استيعابه إلا بدليل.
стр. 914
- الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس.
- الرأس عضو شرع المسح فيه بالماء، فوجب أن يعمه الحكم قياسًا على مسح الوجه بالتيمم (١).
[م-١٦٦] اختلف العلماء في المقدار الواجب مسحه من الرأس،
فقيل: يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية (٢).
وقيل: يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية (٣)،
والمشهور من مذهب
الحنابلة (١)، واختاره المزني من الشافعية (٢).
وقيل: المفروض أقل ما يتناوله اسم المسح، ولو شعرة، وهو مذهب الشافعية (٣).
- دليل الحنفية على جواز الاقتصار على الناصية في المسح:
* الدليل الأول:
(٣٣٧ - ١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا التيمي، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة،
عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة. قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة (٤).
[المحفوظ عن المغيرة عدم ذكر الناصية والعمامة في الحديث] (٥).
стр. 918
وجه الاستدلال:
لما مسح النبي ﷺ على الناصية، كان مسحه ﵊ على العمامة من باب الفضل، لا من باب الوجوب؛ إذ لا يمكن أن يجب مسح البدل ومسح الأصل في وقت واحد.
قال الطحاوي: «في هذا الأثر أن الرسول ﷺ مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة، لكان كالمسح على الخفين، فلم يكن إلا وقد غيبت الرجلان فيهما، ولو كان بعض الرجلين باديًا، لما أجزأه أن يغسل ما ظهر منهما، ويمسح على ما غاب منهما، فجعل حكم ما غاب منهما، مضمنًا بحكم ما بدا منهما، فلما وجب غسل الظاهر وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكم كله حكمًا واحدًا، كما كان حكم الرجلين إذا غيبت بعضها في الخفين حكمًا واحدًا، فلما اكتفى النبي ﷺ في هذا الأثر بمسح الناصية على مسح ما بقي من الرأس دل ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو
стр. 919
مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلًا على الفضل لا على الوجوب حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار» (١).
- وأجيب:
بأنه لو جاز الاقتصار على مسح الناصية لما مسح على العمامة، وإذا مسح على ناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه بلا ريب.
قلت: وهناك تأمل آخر في الحديث، وهو: هل قوله في الحديث: (توضأ فمسح على ناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين) نقل لفعل واحد، أو أنه نقل لأفعال مختلفة رصدها المغيرة، ونقلها مجتمعة في نص واحد؟
فإن كان الفعل واحدًا فظاهر أن المسح لم يقتصر على الناصية، فلا يكون فيه دليل على جواز الاقتصار على الناصية، وإن كان النقل لأفعال مختلفة، وأن هذه مجموعة أحاديث، وليست حديثًا واحدًا للمغيرة، جمعها في حديث واحد، فهو دليل قوي على جواز الاقتصار على المسح على الناصية، وهذا الاحتمال غير بعيد، فإن هناك أحاديث للمغيرة ينقل لنا فيها المسح على الخفين فقط، وهناك حديث ينقل لنا المسح على الجوربين والنعلين، وقد تُكِلم فيه، وخرجته في المسح على الحائل، فيحتاج الباحث إلى تأمل، هل هذه الأفعال كانت متفرقة جمعها المغيرة في حديث واحد، أو كانت فعلًا واحدًا في وضوء واحد، نقله لنا المغيرة بن شعبة صاحب رسول الله ﷺ ، والحنفية والشافعية لا يمكن أن يقولوا لنا: إنها أفعال مختلفة؛ لأنه يلزمهم على هذا أن يقولوا بجواز المسح على العمامة، وهم لا يقولون به، ومحال أن يحتجوا علينا ببعض الحديث، ويتركوا بعضه، والله أعلم.
قال ابن القيم في الزاد: «ولم يصح عنه في حديث واحد، أنه اقتصر على مسح
стр. 920
بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، ثم قال: وأما اقتصاره على الناصية مجردة لم يحفظ عنه» (١). اهـ
وأما الجواب على ما ذكره الطحاوي، فيقال: لا نسلم أن ما ظهر من القدم فرضه الغسل، وأنه يجب أن يغيب القدم في الخف، فالمسح على الخف ورد مطلقًا، واشتراط كون الخف ساترًا للمفروض لم يأت في كتاب ولا سنة، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، والحنفية لا يمنعون المسح على الخف ولو ظهر أصبع أو أصبعين من القدم، ويجمعون في هذه الحالة بين المسح والغسل، مع أن نسبة الأصبعين إلى خمسة الأصابع كنسبة الناصية إلى العمامة، فانتقض كلام الطحاوي ﵀ في عدم الجمع بين المسح والغسل، والله أعلم.
* الدليل الثاني على جواز الاقتصار على الناصية:
(٣٣٨ - ١٩٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل،
عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 921
قال ابن القيم: «مقصود أنس به: أن النبي ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه» (١).
ولا نحتاج إلى هذا الجواب، والحديث ضعيف، ولو قبلوا منا هذا لقبلنا منهم دعوى أن الأحاديث الواردة في المسح على العمامة دون ذكر الناصية أن المقصود مع مسح الناصية، لأن هذه الأحاديث لم تنفيها، وقد أثبتها حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية على القول بثبوته، بل نقول: حديث أنس لا يثبت، ولا يستدل على دعوى الاقتصار على مقدم الرأس إلا بحديث صحيح.
* الدليل الثالث:
(٣٣٩ - ١٩٣) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:
بلغني أن النبي ﷺ كان يتوضأ، وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم
стр. 922
مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة (١).
[مرسل، ومرسلات عطاء من أضعف المراسيل] (٢).
* الدليل الرابع:
فعل ابن عمر مع ما عرف عنه من حرصه على متابعة السنة.
(٣٤٠ - ١٩٤) فقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن نافع،
أن ابن عمر كان يدخل يديه في الوضوء، فيمسح بها مسحة واحدة اليافوخ قط (٣).
[صحيح] (٤).
واليافوخ: هو وسط الهامة، وهو الموضع الذي لا يلتئم من الصبي إلا بعد سنتين أو نحو ذلك، وهو حيث التقى عظم مقدم الرأس ومؤخره (٥).
стр. 923
فاجتمع لنا أثر صحيح موقوف، ومرسل عطاء، وحديث أنس الضعيف فهل يحصل بمجموعها ما يثبت به الاحتجاج، أو لا تقوى على معارضة الثابت عن رسول الله ﷺ . هذا محل تأمل عندي.
قال ابن حجر عن مرسل عطاء: «وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجئيه من وجه آخر موصولًا، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر، أو مسند، ثم قال: وفي الباب أيضًا عن عثمان في صفة الوضوء، قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك، مختلف فيه، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قال ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره، والله أعلم» (١).
- دليل من قال يجزئ أقل ما يتناوله المسح:
* الدليل الأول:
قال تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]، فيتحقق مسح الرأس بمسح جزء من أجزائه، كما تقول: ضربت رأسه، وضربت برأسه، فمن قال: إنه لا يكون ضاربًا لرأسه حقيقة إلا إذا وقع الضرب على جميع رأسه على كل جزء من أجزائه فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة ولا يعرفونه، ومثل هذا إذا قال القائل: مسحت الحائط ومسحت بالحائط، فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط، ولا ينكر هذا إلا مكابر (٢).
- وقد يناقش:
بأن إضافة الفعل إلى الرأس ينقسم في العرف إلى قسمين:
стр. 924
أحدهما: ما يدل على الاستيفاء، كقولك حلقت رأسي.
والثاني: ما يدل على مسح البعض كما لو قلت: مسحت بالجدار؛ لأن الجدار لا يراد منه مسح جميعه.
* الدليل الثاني:
ثبت في الدليل أن النبي ﷺ مسح بناصيته، فهذا يمنع وجوب الاستيعاب، ويمنع التقدير بالثلث أو الربع أو النصف فإن الناصية دون الربع، فيتعين أن الواجب ما يقع عليه اسم مسح.
- ويناقش:
بأن حديث المسح على الناصية قد أشار النسائي إلى شذوذها كما ذكرت ذلك في التخريج، والله أعلم.
* الدليل الثالث:
الباء في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]، دالة على التبعيض، وجهه: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وإن لم يتعد كانت للإلصاق كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].
- ورد عليهم:
بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد رده سيبويه في خمسة عشر موضعًا في كتابه.
فإن قيل: فما فائدة دخول الباء مع أن الفعل يتعدى بنفسه.
ذكر ابن تيمية أنه «لو قال: (وامسحوا رؤوسكم) أو وجوهكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان وإن لم يكن بيدك بلل، فإذا قيل: وامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون
стр. 925
برؤوسكم وبوجوهكم شيئًا بهذا» (١).
- دليل من قال: يجب استيعاب الرأس بالمسح:
* الدليل الأول:
(٣٤١ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،
أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا بيان لما أجمل في آية المائدة من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وإذا كان فعله ﷺ بيانًا لمجمل واجب، كان مسحه كله واجبًا، فالله أمر بمسح الرأس، وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر، وتفسيرًا للمجمل.
* الدليل الثاني:
احتج بعضهم لوجوب العموم في مسح الرأس بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك مسح الرأس لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) لا يجوز مسح بعضه (٣).
* الدليل الثالث:
الباء في قوله : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) كالباء في قوله تعالى:
стр. 926
(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) في التيمم، فكما أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز مسح بعض الوجه في التيمم، فكذلك لا يجوز مسح بعض الرأس في الوضوء، فالعامل واحد في الموضعين، وهو قوله تعالى: (وَامْسَحُوا) (١).
* الدليل الرابع:
قال ابن عبد البر: الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله فقد أحسن، وفعل أكمل ما يلزمه (٢).
* الدليل الخامس:
أن الله ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس، وحرف الباء لا يقتضي التبعيض لغة، بل هو حرف إلصاق، فيقتضي إلصاق الفعل بالمفعول، وهو المسح بالرأس، والرأس اسم لكله، فيجب مسح كله.
الراجح من هذه الأقوال:
لا شك أن القول بوجوب مسح جميع الرأس له أدلة قوية من حيث الأثر ومن حيث النظر، وهو أحوط بكل حال، وقول من قال بجواز الاقتصار على الناصية له قوة أيضًا، خاصة أنه صح فعله عن ابن عمر، وقد عرف ابن عمر في حرصه على متابعة السنة، والله أعلم.
* * *
стр. 927
المبحث الثاني تكرار مسح الرأس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الحكمة من المسح التخفيف، ولولا ذلك لكان فرضه الغسل، لذا لا يستحب تكرار مسح الرأس.
• كل ممسوح لا يكرر، إلا محل الاستجمار ثلاثًا، ولو أنقى بما دونها بخلاف طهارة الغسل (١).
[م-١٦٧] اختلف العلماء في تكرار مسح الرأس:
فقيل: لا يستحب تكرار مسح الرأس ولا الأذنين، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
واستحب الشافعية تكرار المسح للرأس ثلاثًا (٥).
والراجح قول الجمهور، وقد استعرضنا أدلة الفريقين والجواب عن أدلة الشافعية في سنن الوضوء.
* * *
стр. 928
المبحث الثالث في مسح الأذنين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• لم يأت ذكر للأذنين في صفة الوضوء في كتاب الله.
• ثبت مسح الأذنين وتركهما في السنة الفعلية، فكان المسح دليلًا على المشروعية، والترك دليلًا على عدم الوجوب.
• اختلف في الأذنين، هل هما عضوان مستقلان، ومن ثم اختلفوا:
هل مسحهما سنة كالمضمضة، أو فرض باعتبار أن السنة الفعلية هي بيان للمجمل في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦] على القول بأن هذه الآية مجملة؟
وهل هما عضوان مستقلان باعتبار أن الرأس تسمية لجارحة مخصوصة والأذنان ليستا منه حسًا، وقد اتفقوا على أن من اقتصر على مسحهما دون مسح الرأس فإن ذلك لا يجزيه وهذا دليل على أنهما ليستا من الرأس، فتغني عنه.
أو هما من الرأس حكمًا لا حقيقة، بدليل أن فرضهما مسح ظاهرهما كما يمسح الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، ولا ترتيب بين الأذن اليمنى واليسرى بخلاف اليدين والرجلين، ولا يكرر مسحهما؟
стр. 929
[م-١٦٨] تكلمنا في سنن الوضوء في حكم أخذ ماء جديد للأذنين، ونتكلم في هذا الفصل في حكم مسحهما في الوضوء، هل هو واجب أم سنة، وقد اختلف العلماء في حكم مسح الأذنين:
فقيل: مسحهما سنة، فمن تركه فلا إعادة عليه، وهو مذهب الجمهور (١)، وراية عن أحمد (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
وقيل: يجب مسحهما، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، وقول إسحاق (٥)، واختاره بعض المالكية (٦).
وقيل: يستحب مسح داخلهما، وأما خارج الأذنين فقولان، حكاه ابن بشير (٧).
• دليل الجمهور على أن مسحهما سنة:
* الدليل الأول:
الإجماع، قال النووي: قال ابن جرير الطبري في كتاب اختلاف الفقهاء: «أجمعوا أن من ترك مسحهما فطهارته صحيحة، وكذا نقل الإجماع غيره» (٨).
كما حكى الإجماع ابن عبد البر (٩).
стр. 930
والحق أن الخلاف محفوظ، ولذلك قال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا، وعنه أنه سنة» (١).
وقال القرطبي: «وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ، ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق» (٢).
وقال ابن بشير: «وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنة، فمن ترك مسحهما لم تبطل صلاته، وأما خارج الأذنين ففيه قولان، أحدهما: أنه فرض. والثاني: أنه سنة» (٣).
فكل هذه النقول تثبت أن هناك قولًا في وجوب مسح الأذنين مما يضعف حكاية الإجماع على أن مسحهما سنة.
* الدليل الثاني:
(٣٤٢ - ١٩٦) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن يحيى المازني،
عن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ، بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. ورواه مسلم بنحوه (٤).
وجه الاستدلال:
أن هذا الوضوء وقع جوابًا كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر صفة الوضوء
стр. 931
من المضمضة والاستنشاق والتثليث فيهما، وذكر مسح الرأس مبينًا من أين يبدأ، وأنه من مقدم الرأس، وذكر إقبال اليدين وإدبارهما، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولم يذكر الأذنين، ولو أن الراوي قال: ومسح برأسه لقيل: ربما أنه أجمل، فلما ذكر صفة مسح الرأس بداية ونهاية، ولم يتعرض للأذنين علم أنه لم يمسحهما، وتركه لهما وهو في معرض بيانه لصفة وضوء النبي ﷺ دليل على أن مسحهما ليس بواجب.
* الدليل الثالث:
(٣٤٣ - ١٩٧) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره،
أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، حيث ذكر مسح الرأس، ولم يذكر مسح الأذنين، والسياق في بيان صفة وضوء النبي ﷺ ، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين حصل له من الأجر كذا وكذا، وهذا الوضوء ليس فيه مسح الأذنين، فمن امتثل الحديث فقد صح وضوءه، وفعل ما أمر به.
* الدليل الرابع:
لم يرد في السنة أمر من النبي ﷺ بمسح الأذنين، وما نقل عنه أنه كان ﷺ يمسح أذنيه هي مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
стр. 932
• دليل الحنابلة على وجوب مسح الأذنين:
* الدليل الأول:
قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].
وجاء في الأحاديث أن الأذنين من الرأس، وسبق تخريجها في سنن الوضوء، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمرًا بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني، وأحاديث (الأذنان من الرأس) إما أن نقول: إنها حجة بمجموعها، أو نقول: إنها موقوفة، فإن رجحنا كونها مرفوعة فلا إشكال، وإن رجحنا كونها موقوفة على الصحابة، فإن قول الصحابي حجة إذا لم نعلم له مخالفًا، وقد حكى النووي الإجماع على أن الأذنين تطهران، كما في المجموع وحكاه غيره.
• ويجاب عنه بوجهين:
الوجه الأول:
القول بأن الأذنين من الرأس: أي يمسحان بماء الرأس، وليس فيه دليل على وجوب المسح من هذا الحديث على أن الحديث لا يثبت مرفوعًا.
الوجه الثاني:
لو أخذنا وجوب مسح الأذنين من حديث (الأذنان من الرأس) فإن ذلك يعني القدح في الصحابة الذين نقلوا لنا صفة وضوء النبي ﷺ ولم يمسحوا الأذنين، مع أن المقام مقام تعليم، كحديث عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري.
* الدليل الثاني:
(٣٤٤ - ١٩٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار،
عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه
стр. 933
خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه)، دليل على أن الأذنين من الرأس، فيكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس، فإذا كان مسح الرأس فرضًا كان مسحهما فرضًا.
• وأجيب:
أولًا: أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه مرسل، الصنابحي لم يدرك النبي ﷺ ، والمرسل من قسم الضعيف (٢).
ثانيًا: قد روى مسلم نحو هذا الحديث من مسند عمرو بن عبسة، إلا أنه جعل خروج الخطايا من الرأس مع أطراف الشعر، ولم يذكر الأذنين. فقد أخرجه مسلم من حديث طويل وفيه: (ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء) (٣). الحديث، وهذا أصح.
ثالثًا: هذا الحديث مجرد فعل، ونحن لا ننازع بمشروعية مسح الأذنين، ولكن النزاع في وجوب مسحهما، والله أعلم.
* الدليل الثالث:
(٣٤٥ - ١٩٩) ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
стр. 934
عن ابن عباس قال توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى.
[رجاله ثقات إلا ابن عجلان فإنه صدوق، وأكثر الرواة على عدم ذكر مسح الأذنين في الحديث] (١).
وفي الباب حديث عثمان بن عفان (٢)، وعبد الله بن عمرو (٣)، والربيع بنت معوذ (٤)، وقد سبق تخريجها.
وجه الاستدلال:
هذه الأحاديث وإن كانت أفعالًا إلا أنها بيان لما أجمل في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).
• وأجيب:
بأننا لا نسلم بأنها بيان للمجمل، وغاية ما فيها أنها تدل على استحباب مسح الأذنين، وهذا لا نزاع فيها بيننا، وإنما الخلاف هل مسحهما فرض أم لا؟
• الراجح:
أن مسح الأذنين سنة، وليس بفرض، والله أعلم.
* * *
стр. 935
الفرع الأول في صفة مسح الأذنين
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• قال البهوتي: كيف مسح الأذنين أجزأ.
[م-١٦٩] صفة المسح من الآثار:
أما صفة المسح من الآثار، ففي الباب أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول:
حديث ابن عباس المتقدم في المسألة السابقة: وفيه: (ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه). الحديث.
الحديث الثاني:
(٣٤٦ - ٢٠٠) حديث عثمان ﵁، وسبق تخريجه من طريق إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، وفيه:
أنه توضأ، فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وهو حديث ضعيف (١).
стр. 936
الحديث الثالث:
(٣٤٧ - ٢٠١) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه:
ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، بالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء. وسبق تخريجه (١).
الحديث الرابع:
حديث الربيع بنت معوذ، أن النبي ﷺ توضأ، فأدخل إصبعيه في حجري أذنيه. وسبق تخريجه (٢).
الحديث الخامس:
(٣٤٨ - ٢٠٢) ما رواه أحمد، حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا حريز قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال:
سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: أتي رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 937
فدلت هذه الأحاديث على أن صفة مسح الأذنين: مسح الباطنين بالسبابتين، وظاهر الأذنين بالإبهامين، وإدخال الأصبعين في صماخ الأذنين. هذا ما تدل عليه مجموع الأحاديث السابقة.
وأما كلام الفقهاء في صفة مسح الأذنين فلا يخرج عما جاء في الآثار.
قال البهوتي: وكيف مسح الأذنين أجزأ.
وقيل: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين، وعليه أكثر العلماء.
قال ابن عابدين الحنفي: يمسح باطنهما بباطن السبابتين، وظاهرهما بباطن الإبهامين (١).
стр. 938
وفي حاشية العدوي على الخرشي: «وصفة مسح الأذنين، أن يجعل باطن الإبهامين على ظاهر الشحمتين، وآخر السبابتين في الصماخين، وهما ثقبا الأذن، ووسطهما ملاقيًا للباطن، دائرين مع الإبهامين للآخر، وكره تتبع غضونهما» (١).
وفي كشاف القناع قال: «أن يدخل سبابتيه في صماخيهما -يعني الأذنين- ويمسح بإبهاميه ظاهرهما» (٢).
وقال ابن عبد البر: «إن ترك مسح داخل أذنيه فلا شيء عليه» (٣).
وهل يتتبع غضاريف الأذنين؟
قال العدوي في حاشيته على الخرشي: وكره تتبع غضونهما.
وقال في كشاف القناع: «ولا يجب مسح ما استتر من الأذنين بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، فالأذن أولى، فالغضروف داخل فوق الأذن: أي أعلاها ومستدار سمعها».
ونفي الوجوب لا يدل على نفي الاستحباب.
وأما الشافعية فرأوا أن يمر برأس الأصبع على معاطف الأذن.
ومذهب المالكية أرجح؛ لأن باب المسح أخف من باب الغسل، واستيعاب الممسوح أمر شاق حتى من يقول: بمسح الرأس كله، لا يمسح كل شعرة فيه، فإذا مسح أكثره أجزأ، والأذن أخف من الرأس، لكون مسح الرأس فرضًا، ومسح الأذن سنة على الصحيح، ولأن الأذنين تبعًا للرأس، لا يجزئ مسحهما عن الرأس، ويجزئ مسح الرأس عنهما، فإذا مسح باطن الأذنين بالسبابة حقق السنة إذا مر بإبهاميه على ظاهرهما، والله أعلم.
* * *
стр. 939
الفرع الثاني تمسح الأذنان معًا
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الرأس والأذنين في حكم العضو الواحد، وماؤهما واحد، وطهارتهما المسح.
[م-١٧٠] يمسح الأذنين معًا، ولا يقدم اليمنى على اليسرى، قاله النووي (١).
وقال أيضًا: «مسح الأذنين بعد مسح الرأس، فلو قدمه عليه فظاهر كلام الأصحاب لا يحصل له مسح الأذنين؛ لأنه فعله قبل وقته، وذكر الروياني في حصوله وجهين، والصحيح المنع» (٢).
والصحيح جوازه لكنه خلاف السنة، فكما لو قدم اليد اليسرى على اليمنى أو الرجل اليسرى على اليمنى صح، وكان خلاف السنة، لأن الرأس والأذنين في حكم العضو الواحد، وماؤهما واحد، وطهارتهما المسح.
* * *
стр. 940
المبحث الرابع في المسح على العمامة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المسح على العمامة أصل بنفسه وليس مقيسًا على الخفين.
• إما أن تكون العمامة ليست محلًا للمسح فلا تمسح، أو تكون محلًا للمسح فيجوز الاقتصار عليها، أما أن يقال: إنها محلًا لسنة المسح بشرط أن يمسحها مع الناصية فهذا مخالف للقواعد؛ لأن ما كان محلًا للمسح يجوز الاقتصار عليه.
• العادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض، فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة أغلب الرأس، فهي الأصل، كيف وقد ثبت الاقتصار على مسح العمامة.
[م-١٧١] اختلف العلماء في المسح على العمامة،
стр. 941
فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: يجوز، اختاره الثوري (٤)، والأوزاعي (٥)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦)، ومذهب الظاهرية (٧)، وهو الصحيح.
стр. 942
وانظر الكلام على هذه المسألة، وأدلتها والآثار الموقوفة والمرفوعة في أحكام المسح على الحائل من هذه الموسوعة، ولله الحمد.
* * *
стр. 943
المبحث الخامس في المسح على الخمار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ما خمر الرأس أي غطاه، فإنه يجوز المسح عليه، والعمامة تسمى خمارًا في اللغة، فهي داخلة في العموم اللفظي لكلمة عمامة.
• ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.
• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.
[م-١٧٢] اختلف العلماء في مسح المرأة على الخمار،
فقيل: تمسح كما يمسح الرجل على العمامة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)،
стр. 944
ورجحه ابن حزم (١).
وقيل: لا تمسح، وهو مذهب الجمهور (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: إن خافت من البرد ونحوه مسحت، مال إليه ابن تيمية (٤).
وقد ذكرت أدلة الأقوال، ورجحت جواز المسح على خمار المرأة في طهارة المسح على الحائل، في المجلد الثالث، فأغنى عن إعادته هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 945
المبحث السادس في المسح على القلانس (١).
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية
- ثبت أن النبي ﷺ كان في إحرامه ملبِّدًا رأسه، فما وضع على الرأس من التَّلبيد فهو تابع له.
• المسح على العمامة، هل متعلق بالمسمى، فلا يمسح إلا على ما يسمى عمامة بالصفة التي كانت معهودة في عصر النبوة، أم أن المسح متعلق بالمعنى، فكل ما خمر الرأس وغطاه، فهو عمامة، يجوز المسح عليه؟ الراجح الثاني.
• ما فعله بعض الصحابة ﵃ من العبادات، ولم يثبت أنه مخالف للنص، أو مخالف لغيرهم من الصحابة، ففعله مشروع.
[م-١٧٣] اختلف العلماء في المسح على القلانس،
стр. 946
فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: يمسح عليها، وهو رواية عن أحمد (٥)، ومذهب ابن حزم (٦).
وقيل: يمسح إن كانت مشدودة تحت حلقه، وهو رواية عن أحمد (٧).
وقد وقد ذكرت أدلة الأقوال، في طهارة المسح على الحائل في المجلد الثالث، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق.
* * *
стр. 947
الفصل الرابع من فروض الوضوء: غسل الرجلين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
- ويل للأعقاب من النار. حديث شريف.
- لم يثبت عن النبي ﷺ مسح للرجلين قط.
- قراءة الجر (وأرجلكم) محمولة إما على وجه من وجوه الإعراب الجائزة، كالجر بالمجاورة، وإما على حالة المسح على الخفين، أو على أنها منسوخة، أو على طهارة غير المحدث.
[م-١٧٤] اختلف العلماء في فرض القدمين:
فقيل: فرضهما الغسل، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: فرضهما المسح، حكاه بعض أهل العلم مذهبًا لعلي بن أبي طالب وابن
стр. 948
عباس وأنس (١)، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي (٢).
وقيل: طهارتهما التخيير بين الغسل أو المسح (٣).
- أدلة الجمهور:
* الدليل الأول:
قراءة نصب أرجلكم في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
فـ (أرجلكم) معطوفة على (وجوهكم) والعامل فيها الفعل: (فاغْسِلُوا)، والعطف على نية تكرار العامل، فكأنه قال: واغسلوا أرجلكم.
* الدليل الثاني:
الأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه ﷺ ، وأنه غسل رجليه، منها: حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب، والربيع بنت معوذ، وغيرها مما سبق تخريجه.
* الدليل الثالث:
(٣٤٩ - ٢٠٣) ما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف ابن ماهك،
عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا (٤).
стр. 949
وجه الاستدلال:
قال ابن العربي تعليقًا على قوله: (ونمسح على أرجلنا) «قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه:
الأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أن يقولوا: تمسحنا للصلاة: أي توضأنا.
والثاني: أن قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء) يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها لا ئحة، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح.
والثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة، فقال: إن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار.
والرابع: أننا لو سلمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله أعلم» (١).
* الدليل الرابع:
(٣٥٠ - ٢٠٤) ما رواه البخاري، من طريق شعبة قال: حدثنا محمد ابن زياد قال:
سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ قال: ويل للأعقاب من النار (٢).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالحديث الذي قبله.
* الدليل الخامس:
(٣٥١ - ٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، عن جابر،
стр. 950
أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى (١).
قال القرطبي: «قوله: (فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين» (٢).
* الدليل السادس:
حديث عمرو بن عبسة، رواه مسلم، وسبق ذكر إسناده من قبل، وهو حديث طويل: وفيه: (ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء). الحديث.
وله شاهد من حديث أبي هريرة في مسلم.
* الدليل السابع:
(٣٥٢ - ٢٠٦) أروى أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء (٣).
[حسن، وسبق التنبيه على أن زيادة (أو نقص) وهم من الراوي] (٤).