← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: يمسح عليها، وهو رواية عن أحمد (٥)، ومذهب ابن حزم (٦). وقيل: يمسح إن كانت مشدودة تحت حلقه، وهو رواية عن أحمد (٧). وقد وقد ذكرت أدلة الأقوال، في طهارة المسح على الحائل في المجلد الثالث، فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق. * * *

стр. 947

الفصل الرابع من فروض الوضوء: غسل الرجلين مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: - ويل للأعقاب من النار. حديث شريف. - لم يثبت عن النبي ﷺ مسح للرجلين قط. - قراءة الجر (وأرجلكم) محمولة إما على وجه من وجوه الإعراب الجائزة، كالجر بالمجاورة، وإما على حالة المسح على الخفين، أو على أنها منسوخة، أو على طهارة غير المحدث. [م-١٧٤] اختلف العلماء في فرض القدمين: فقيل: فرضهما الغسل، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: فرضهما المسح، حكاه بعض أهل العلم مذهبًا لعلي بن أبي طالب وابن

стр. 948

عباس وأنس (١)، وهو مذهب الحسن البصري وعكرمة والشعبي (٢). وقيل: طهارتهما التخيير بين الغسل أو المسح (٣). - أدلة الجمهور: * الدليل الأول: قراءة نصب أرجلكم في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦]. فـ (أرجلكم) معطوفة على (وجوهكم) والعامل فيها الفعل: (فاغْسِلُوا)، والعطف على نية تكرار العامل، فكأنه قال: واغسلوا أرجلكم. * الدليل الثاني: الأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه ﷺ ، وأنه غسل رجليه، منها: حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث ابن عباس في البخاري، وحديث علي بن أبي طالب، والربيع بنت معوذ، وغيرها مما سبق تخريجه. * الدليل الثالث: (٣٤٩ - ٢٠٣) ما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف ابن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا (٤).

стр. 949

وجه الاستدلال: قال ابن العربي تعليقًا على قوله: (ونمسح على أرجلنا) «قد يتمسك به من قال بجواز المسح على الرجلين، ولا حجة فيه لأربعة أوجه: الأول: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أن يقولوا: تمسحنا للصلاة: أي توضأنا. والثاني: أن قوله: (وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء) يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلها لا ئحة، فإن المسح لا يحصل منه بلل الممسوح. والثالث: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة، فقال: إن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار. والرابع: أننا لو سلمنا أنهم مسحوا لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله أعلم» (١). * الدليل الرابع: (٣٥٠ - ٢٠٤) ما رواه البخاري، من طريق شعبة قال: حدثنا محمد ابن زياد قال: سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ قال: ويل للأعقاب من النار (٢). وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالحديث الذي قبله. * الدليل الخامس: (٣٥١ - ٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، عن جابر،

стр. 950

أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى (١). قال القرطبي: «قوله: (فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين» (٢). * الدليل السادس: حديث عمرو بن عبسة، رواه مسلم، وسبق ذكر إسناده من قبل، وهو حديث طويل: وفيه: (ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء). الحديث. وله شاهد من حديث أبي هريرة في مسلم. * الدليل السابع: (٣٥٢ - ٢٠٦) أروى أبو داود، قال: حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء (٣). [حسن، وسبق التنبيه على أن زيادة (أو نقص) وهم من الراوي] (٤).

стр. 951

وجه الاستدلال: أنه غسل رجليه، ثم اعتبر النقص من هذا ظلمًا وإساءة. * الدليل الثامن: قال ﷺ : أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا (١). فلو كان فرض الرجلين المسح لم يأمر بالتخليل. * الدليل التاسع: حكى بعض أهل العلم الإجماع على وجوب غسل القدمين، من ذلك: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» (٢). وقال الطحاوي: «رأينا الأعضاء التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء: الوجه واليدان والرجلان والرأس، فكان الوجه يغسل كله، وكذلك اليدان، وكذلك الرجلان» (٣). وقال ابن رشد: «إن فرائض الوضوء على ثلاثة أقسام: قسم مجمع عليه: وهي الأعضاء الأربعة» (٤). وقال ابن قدامة: «والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين» (٥).

стр. 952

قلت: النية ليست محل اتفاق، فالحنفية لا يرونها واجبة، والخلاف محفوظ أيضًا في غسل الرجلين، ولعل ابن قدامة يقصد في المذهب، ولم يقصد في المذاهب. وقال ابن عبد الهادي: ومفروض إجماعًا غسل رجليه إلى الكعبين (١). • وأجيب: مناقشة دعوى الإجماع، عندنا الإجماع المحكي عن صحابة رسول الله ﷺ ، والإجماع المحكي عن غيرهم. أما الإجماع المحكي عن الصحابة، فقد ذكر ابن حزم رحمه الله تعالى أن المسح مذهب لعلي وابن عباس وأنس (٢). وقد ذكر ابن حجر في الفتح: أنهم رجعوا عن ذلك، قال: «ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» (٣). فحكاية رجوع الصحابة علي وابن عباس وأنس أخذه ابن حجر من حكاية ابن أبي ليلى: أن الصحابة مجمعون على غسل القدمين، وليست صريحة إذ يحتمل أنه إجماع على مشروعية الغسل، وهذا لا نزاع فيه، ولا يوجد إجماع على أنه لا يجزئ إلا هو، وبينهما فرق. ولو نقل ابن حجر عن علي وأنس وابن عباس القول بعدم جواز المسح لصح مأخذه، خاصة أنك ترى عكرمة يقول بالمسح، وهو من تلاميذ ابن عباس، فلو رجع ابن عباس لبلغ ذلك تلميذه، ويقول الشعبي كذلك بالمسح، وله عناية بأحكام علي

стр. 953

ابن أبي طالب، ولو وقف على رجوع علي ﵁ لرجع الشعبي، والله أعلم. وأما الإجماع المنقول من غير الصحابة فأعتقد أنه غير دقيق، فقد نقل استثناء القدمين جماعة ممن رووا الإجماع، منهم: السمرقندي الحنفي قال: «والرابع: غسل الرجلين مرة واحدة ..... ثم قال: وهذا فرض عند عامة العلماء، وقال بعض الناس: الفرض هو المسح لا غير، وعن الحسن البصري أنه قال: يخير بين الغسل والمسح، وقال بعضهم: إنه يجمع بينهما» (١). إلخ كلامه ﵀. قال ابن عبد البر: «وذلك أنهم أجمعوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب الذي عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده، فالقول في هذه الحال بالاتفاق هو اليقين» (٢). وقال أبو بكر بن العربي: «قال أبو عيسى: لا يجوز المسح على الأقدام المجردة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري، حيث قال: هو مخير بين المسح والغسل، ثم قال: وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه يجب الجمع بينهما» (٣). وقال القرطبي: «اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه، واختلفوا فيمن مسح قدميه، فاليقين ما أجمعوا عليه، دون ما اختلفوا فيه» (٤). وقد ثبت القول بالمسح عن جماعة من التابعين ممن يعتد بقولهم، ويعتبر خلافهم بالإجماع، كالحسن البصري، وعكرمة، والشعبي، وغيرهم.

стр. 954

فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه، وكان يقول به (١). وهذا إسناد صحيح إلى عكرمة، وعكرمة من تلاميذ ابن عباس، وربما أخذ عنه فقه هذه المسألة، وابن عباس قد جاء عنه القول بالمسح، وهذا يدل على أن القول بأن ابن عباس قد رجع عنه يحتاج إلى تأمل. (٣٥٣ - ٢٠٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، أنه كان يقول: إنما هو المسح على القدمين، وكان يقول: يمسح ظاهرهما وباطنهما (٢). [وهذا إسناد صحيح عن الحسن] (٣٥٤ - ٢٠٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال: إنما هو المسح على القدمين، ألا ترى أن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم، وما كان عليه المسح أهمل، فلم يجعل عليه التيمم (٣). [صحيح]. (٣٥٥ - ٢٠٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن حميد، قال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما (٤). وسنده صحيح. وقد سبق أن هذا القول قاله ابن جرير الطبري، وبعض أهل الظاهر. فالقول بالمسح ثابت عن بعض السلف، لا إشكال في ثبوته من لدن الصحابة

стр. 955

فمن بعدهم، وثبوت القول شيء والراجح شيء آخر، فلا يلزم من ثبوت القول ثبوت الصحة، فقد يكون القول ثابتًا، وهو قول ضعيف من حيث الدلالة. والله أعلم. وقد ذهب بعض أهل العلم أن القول بالمسح كان في أول الأمر ثم نسخ، وقد ذهب إلى هذا ابن حزم والطحاوي رحمهما الله تعالى، وهذا أيضًا ليس بصواب. قال ابن حزم: «القرآن نزل بالمسح ... ثم قال: وإنما قلنا بالغسل فيهما لما حدثناه، ثم ساق بإسناده حديث (ويل للأعقاب من النار) فكان هذا الخبر زائدًا على ما في الآية، أو على الأخبار التي ذكرنا، وناسخًا لما فيها ولما في الآية، والأخذ بالزائد واجب ... » إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١). وقال الطحاوي بعد أن ساق حديث عبد الله بن عمر (تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر، ونحن نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار) قال الطحاوي ﵀: «فدل على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرناه» (٢). ودعوى النسخ مصير من الطحاوي إلى القول بأن الفرض أول ما كان هو المسح فقط، ثم مسح بالغسل، وكان متأخرًا عنه، وإثبات هذا فيه ما فيه، ولا يلزم تخريج الطحاوي من يقول: إن الفرض المسح أو الغسل. • دليل من قال: إن فرض الرجلين المسح: * الدليل الأول: الاستدلال بقراءة جر (وأرجلكم) من قوله تعالى: (بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦].

стр. 956

قال ابن حزم: «القرآن نزل بالمسح، وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها، هي على كل حال عطف على الرؤوس، إما على اللفظ، أو على الموضع، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة» (١). • وأجيب عن الآية بأجوبة، منها: الجواب الأول: إن الجر على المجاورة، وهذا معروف في لغة العرب من ذلك كقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ، بجر (خرب) لمجاورتها لمجرور مع أنها صفة لمرفوع، وكانت القاعدة أن الصفة تتبع الموصوف، ومنه في القرآن الكريم: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [هود: ٢٣]، بجر الميم من كلمة (أليم) على جوار كلمة (يوم) مع أن محلها النصب صفة لعذاب. فإن قيل: إنما يصح الإتباع إذا لم يكن هناك واو، فإن كانت لم يصح، والآية فيها (واو). قلنا: هذا غلط، فإن الإتباع مع الواو مشهور، في أشعارهم، من ذلك ما أنشدوه: لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول (٢). الجواب الثاني: قال ابن العربي: «والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس، فهما يمسحان بكف إذا كان عليهما خفاف، وتلقينا هذا القيد من فعل رسول الله ﷺ ، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليه خفاف، والمتواتر عنه غسلهما، فبين النبي ﷺ بفعله الحال الذي تغسل فيه الرجل، والحال الذي تمسح فيه» (٣).

стр. 957

الجواب الثالث: قال النووي: «إن قراءتي الجر والنصب يتعادلان، والسنة بينت ورجحت الغسل، فتعين» (١). الجواب الرابع: قال النووي: «لو ثبت أن المراد بالآية المسح لحمل المسح على الغسل، جمعًا بين الأدلة والقراءتين؛ لأن المسح يطلق على الغسل، كذا نقله جماعة من أئمة اللغة، منهم أبو زيد الأنصاري وابن قتيبة وآخرون، وروى البيهقي بإسناده عن الأعمش، قال: كانوا يقرؤنها، وكانوا يغسلون» (٢). وقد سبق لنا قول ابن العربي: من المستعمل في أرض الحجاز: تمسحنا للصلاة: أي توضأنا. اهـ الدليل الثاني على جواز مسح القدمين . (٣٥٦ - ٢١٠) ما رواه أبو داود من طريق همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. الحديث، والحديث قطعة من حديث طويل (٣). [حسن في الجملة، إلا أن ذكر الوضوء على وجه التفصيل انفرد به همام عن إسحاق، وحديث المسيء في صلاته في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفيه ذكر الوضوء بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، والله أعلم] (٤).

стр. 958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 962

* الدليل الثالث: (٣٥٧ - ٢١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي ﵁، قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما (١). [رجاله ثقات] (٢). وجه الاستدلال: قوله في الحديث (يمسح على ظاهرهما) ظاهره أنه يمسح على رجليه بدون خفين، وهذا دليل على أن فرض الرجل المسح. • ويجاب عن هذا الدليل بما يلي: لقد تبين من خلال تخريج الحديث الاختلاف في لفظه، فإما أن يقال: إنه هذا الاختلاف يوجب الاضطراب في الحديث، والمضطرب ضعيف. أو يحمل قول من قال بالمسح على ظاهر القدمين بالمسح عليه، وفيه الخف، وهذا أرجح، ولذلك جاء في بعضها الجمع بين المسح على ظاهر القدم، مع ذكر الخف مما يوحي بأن المراد بظاهر القدم هو ظاهر الخف، (٣٥٨ - ٢١٢) فقد جاء في رواية إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه (٣).

стр. 963

فتبين أن مراده من قوله: (ظاهر القدمين) أنه يريد ظاهر الخفين كما صرح به في آخر الحديث. قال الدارقطني في العلل: «والصحيح في ذلك قول من قال: كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما» (١)، وكذا رجح البيهقي في السنن (٢). * الدليل الرابع: من الآثار . (٣٥٩ - ٢١٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن حميد، قال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما (٣). [صحيح]. وقد خرجت ذلك عن بعض التابعين فيما سبق من قول عكرمة (٤)، والشعبي (٥)، والحسن (٦)، وأسانيدها إليهم صحيحة. • دليل من قال: يجوز الغسل والمسح: لعل هذا القول أخذ من أدلة القولين جواز الغسل والمسح، وأن الأمر على التخيير. وقد يكون هذا القول يرجع إلى القول الثاني، وذلك لأن من قال: إن الفرض المسح لا أظنه ينكر الغسل، ولا يمنع منه، ولكنه لا يوجبه، وإنما يرى أن المسح كاف في الواجب، فإن غسل قدمه فلا بأس، ولذلك قال ابن عبد البر في التمهيد: «وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده، فالقول في هذه الحال بالاتفاق هو اليقين» (٧).

стр. 964

فهذا نص من ابن عبد البر أن من قال بالمسح لا يمنع من غسل القدم، والله أعلم. • الراجح: بعد ذكر الأقوال والأدلة فإن الراجح والله أعلم وجوب غسل القدمين، ولا يكفي في ذلك مسحهما، وحديث ويل للأعقاب من النار نص في محل النزاع، والله أعلم. * * *

стр. 965

الفصل الخامس من فروض الوضوء الترتيب بين الأعضاء مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لم تكشف أدلة صريحة عن حكم الترتيب في الوضوء بما يحسم الخلاف، فالتمس حكمه من آية الوضوء، ومن فعل النبي ﷺ . • آية الوضوء استدل بها من يرى أن الترتيب واجب، ومن يرى أن الترتيب سنة، فالأول أخذ الوجوب من ذكر الممسوح بين المغسولات؛ لأن عادة العرب الجمع بين المتجانسين فلا تفرق بينها إلا لفائدة، ولهذا لا يقولون: ضربت زيدًا، وأكرمت عمروًا، وضربت بكرًا، وإنما يقولون: ضربت زيدًا وبكرًا، وأكرمت عمروًا. وقد يقال: إن النكتة في ذلك مشروعية الترتيب، وهو مما لا اختلاف فيه. وقال الفريق الثاني: إن الآية أمرت بتطهير أربعة أعضاء وعطفت بعضها على بعض بالواو، والواو لمطلق الجمع، فلا تفيد ترتيبًا. • واظب النبي ﷺ على الترتيب من غير إخلال به، ولو كان الإخلال به جائزًا لوقع ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، فهل المواظبة على الترتيب يجعل هذا الصفة واجبة؟ أو يقال: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب.

стр. 966

• الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع. وقيل: • كل صفات الوضوء فضيلة إلا الترتيب والموالاة. • الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، لكون الحدث يخرج من موضع، والغسل يجب من موضع آخر، وكون الوضوء وجوبه تعبديًا يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص. [م-١٧٥] اختلف العلماء في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء، فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول داود (٣). وقيل: الترتيب فرض، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو قول إسحاق (٦)، واختيار ابن حزم (٧).

стр. 967

• دليل من قال: الترتيب سنة: * الدليل الأول: قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦]. قال ابن عبد البر: «والحجة لمالك ومن ذكرنا من العلماء، أن سيبويه وسائر البصريين من النحويين، قالوا في قول الرجل: أعط زيدًا وعمرًا دينارًا، أن ذلك يوجب الجمع بينهما في العطاء، ولا يوجب تقدمة زيد على عمرو، فكذلك قول الله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦] إنما يوجب ذلك الجمع بين الأعضاء المذكورة، ولا يوجب النسق، وقد قال الله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٦٩]، فبدأ بالحج، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل أن يحج. وكذلك قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النور: ٥٦]، جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة ماله في حين وقت الصلاة أن يبدأ بإخراج الزكاة، ثم يصلي الصلاة في وقتها عند الجميع، وكذلك قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]، لا يختلف العلماء أنه جائز لمن وجب عليه في قتل الخطأ إخراج الدية وتحرير الرقبة أن يسلم الدية قبل أن يحرر الرقبة، وهذا كله منسوق بالواو، ومثله كثير في القرآن، فدل على أن الواو لا توجب رتبة ... ثم قال: وقد قال الله تعالى: (يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: ٤٣]، ومعلوم أن السجود بعد الركوع (١).

стр. 968

* الدليل الثاني: (٣٦٠ - ٢١٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عوف، عن عبد الله بن عمر بن هند، قال: قال علي: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت (١). [ضعيف] (٢). ولو صح فهو محمول على تقديم الشمال على اليمين في اليدين والرجلين كما جاء ذلك عنه من طريق الحارث عن علي ﵁ (٣). وقد جاء في مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه: قال أحمد: والذي روي عن علي وابن مسعود ما أبالي بأي أعضائي بدأت، قال: إنما يعني اليسرى قبل اليمنى، ولا بأس أن يبدأ بيسار قبل يمين؛ لأن مخرجها من الكتاب واحد، قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]، فلا بأس أن يبدأ باليسار قبل اليمين (٤). اهـ وذكر ابن عبد الهادي في التنقيح قوله: (٣٦١ - ٢١٥) روى الإمام أحمد، عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، أن عليًا سئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئًا قبل شيء؟ قال: لا، حتى يكون كما أمره الله تعالى (٥).

стр. 969

[لم أقف عليه في كتب الحديث، والإسناد المذكور ضعيف] (١). * الدليل الثالث: (٣٦٢ - ٢١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، قال: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود- لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء. [مجاهد لم يسمع من ابن مسعود] (٢).

стр. 970

والصحيح عن ابن مسعود أن ذلك في تقديم اليسرى على اليمنى، (٣٦٣ - ٢١٧) فقد رواه الدارقطني من طريق الحسن بن عرفة، أخبرنا هشيم، عن عبد الرحمن المسعودي، حدثني سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين، عن عبد الله بن مسعود، عن رجل توضأ فبدأ بمياسره، فقال: لا بأس (١). [وصحح الدارقطني إسناده] (٢). * الدليل الرابع: احتجوا بما رووا عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ غسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه (٣). [لم أقف على إسناده] (٤). * الدليل الخامس: القياس على الطهارة الكبرى، فقد أجمعوا على أنه لا ترتيب في طهارة الجنابة،

стр. 971

وهي طهارة من الحدث الأكبر، فكذلك الطهارة من الحدث الأصغر بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث (١). ورده النووي، فقال: «جميع بدن الجنب شيء واحد، فلم يجب ترتيبه كالوجه، بخلاف أعضاء الوضوء فإنها متغايرة متفاصلة» (٢). أي فيجب الترتيب بينها. * الدليل السادس: قالوا: المحدث لو انغمس في الماء ارتفع حدثه، وإذا كان الأمر كذلك فهذا دليل على أن الترتيب لا يجب؛ لأن طهارته كانت دفعة واحدة بلا ترتيب. • وأجيب: بأنه لو انغمس دفعة واحدة لم يتفقوا على أنه يرتفع حدثه حتى يعارض به القول بوجوب الترتيب. قال في المغني: «ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح له إلا غسل وجهه؛ لأنه لم يرتب، وإن انغمس في ماء جارٍ فلم يمر على أعضائه إلا جرية واحدة فكذلك، وإن مر عليه أربع جريات، وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه، كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدًا، فقال بعض أصحابنا: إذا أخرج وجهه، ثم يديه، ثم مسح برأسه، ثم خرج من الماء أجزأه؛ لأن الحدث إنما يرتفع بانفصال الماء عن العضو» (٣). • دليل من قال بوجوب الترتيب: * الدليل الأول: (٣٦٤ - ٢١٨) ما رواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة السلمي الطويل، وفيه مرفوعًا: «ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض ويستنشق، فيستنثر إلا خرت

стр. 972

خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء ... » الحديث (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ عبر في الانتقال من غسل عضو إلى عضو آخر بكلمة (ثم) وهي نص في الترتيب. * الدليل الثاني: قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦]. قال في المهذب: «فأدخل المسح بين الغسلين، وقطع حكم النظير عن النظير، فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب» (٢). وقال النووي: «ذكر الله تعالى ممسوحًا بين مغسولات، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة وغير متجانسة جمعت المتجانس على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون ذلك إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره. فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. فالجواب من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الأمر للوجوب، وهو المختار، وهو مذهب جمهور الفقهاء. يعني: الأمر في قوله تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]. الوجه الثاني: أن الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن.

стр. 973

الدلالة الثالثة: أن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء وعطفت بعضها على بعض، تبتدئ الأقرب فالأقرب لا يخالف ذلك إلا لمقصود، فلما بدأ بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين دل على أن الأمر بالترتيب وإلا لقال: فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم» (١). * الدليل الثالث: الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وكلهم وصفوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاثًا وغير ذلك، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفة غير مرتبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات (٢). اهـ وقال ابن القيم: «وكذلك كان وضوءه مرتبًا متواليًا، لم يخل به مرة واحدة» (٣). * الدليل الرابع: ما ذكره ابن قدامة، قال: توضأ النبي ﷺ مرتبًا، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (٤). وقول ابن قدامة: توضأ مرتبًا ليست من نص الحديث، وإنما وصْفٌ من ابن قدامة لما وقع منه ﷺ ، ولفظ الحديث: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله منه الصلاة إلا به،

стр. 974

ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: وهذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين مرتين، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي. فأراد ابن قدامة ﵀ أن يستنبط من قوله: (لا يقبل الله الصلاة إلا به) أي بهذا الوضوء على هذه الصفة. ويجاب عن هذا الدليل: الأول: أن الحديث تفرد به المسيب بن واضح، وهو ضعيف (١). الثاني: أن هذا الحديث لم يذكر صفة الوضوء مرتبًا حتى يمكن حمل قوله: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به على نفي القبول بفقد الترتيب، فاسم الإشارة بقوله (هذا وضوء) يعود على الوضوء مرة مرة؛ وكونه لا يقبل؛ لكونه نقص عن الفرض الواجب، ثم قال: وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، فالحديث سيق لبيان الواجب من الغسلات، فالمرة فرض، والثانية له الأجر مرتان، والثالثة منتهى الكمال، فلا دليل فيه، والله أعلم. * الدليل الخامس: (٣٦٥ - ٢١٩) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ طاف سبعًا، ورمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم قرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج، فقال: إن المروة من شعائر الله، فابدأوا بما بدأ الله به (٢).

стр. 975

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أمرنا أن نبدأ بما بدأ الله به، والأصل في الأمر الوجوب، وقد بدأ الله بذكر الوجه فاليدين فالرأس، فالرجلين، فيكون الترتيب امتثالًا للأمر النبوي بتقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله. • وأجيب: [المحفوظ من لفظ الحديث أنه بلفظ الخبر: نبدأ بما بدأ الله به، فلا حجة فيه] (١).

стр. 976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 977

* الدليل السادس: قال في الحاوي الكبير: قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، فأمر بغسل الوجه بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والترتيب إجماعًا، فإذا ثبت تقديم الوجه ثبت استحقاق الترتيب ... الخ (١). ورده النووي، فقال: وهذا استدلال باطل، وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه، وتوبع عليه تقليدًا، ووجه بطلانه أن الفاء وإن اقتضت الترتيب لكن المعطوف على ما دخلت عليه بالواو مع ما دخلت عليه كشيء واحد كما هو مقتضى الواو، فمعنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الأعضاء، فأفادت الفاء ترتيب غسل الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يعلم بالبديهة، ولا شك أن السيد لو قال لعبده: إذا دخلت السوق، فاشتر خبزًا وتمرًا لم يلزمه تقديم الخبز، بل كيف اشتراهما كان ممتثلًا بشرط كون الشراء بعد دخول السوق كما أنه هنا يغسل الأعضاء بعد القيام إلى الصلاة (٢). • الراجح بين القولين: بعد استعراض أدلة كل قول نجد أن كل قول من القولين فيه قوة، وله حظ من النظر، فالقول بعدم وجوب الترتيب يسنده أنه هو الأصل؛ لأن الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع، كما تسنده اللغة حيث إن آية

стр. 978

المائدة عبرت بالواو، والواو لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيبًا. وأما حديث عمرو بن عبسة السلمي، فإنه وإن عبر بثم الدالة على الترتيب إلا أن الحديث لم يعلق صحة الوضوء على كلمة (ثم) ولم يُسَق الحديث أصلًا لبيان صفة الوضوء، وإنما سيق الحديث في بيان فضل الوضوء. وأما إدخال الممسوح بين مغسولات، وأنه لا فائدة منه إلا ذكر الترتيب، فلا يستطيع الباحث أن يجزم بوجوب الترتيب بناء على هذه النكتة، وقد يقال: ذكر الممسوح بين المغسولات لبيان أن الترتيب مشروع. وأقوى دليل للقائلين بوجوب الترتيب أن الترتيب هذا هو الوضوء المتلقى من النبي ﷺ ، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخل به مرة واحدة، فمن توضأ وضوءًا منكسًا فقد أتى بوضوء لم يفعله النبي ﷺ ، وهو على خلاف سنته، ومن عمل عملًا ليس عليه أمر الرسول ﷺ فهو رد على صاحبه، وإن كان هذا الدليل قد يحاولون الخروج منه بأن أفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب. وعلى كل فالأخذ بالترتيب فيه احتياط للدين وخروج من الخلاف، خاصة أن الأمر يتعلق بأعظم العبادات بعد الشهادتين: وهي الصلاة. ولو أن الإنسان ترك موضعًا يسيرًا في ذراعه، ثم رآه بعد أن فرغ من وضوئه فلا بأس أن يغسل ذلك الموضع اليسير، ولا يعيد مسح رأسه وغسل رجليه؛ لأن المقدار يسير جدًّا، فهذا الإمام أحمد ﵀ مع أنه يرى وجوب الترتيب ووجوب المضمضة والاستنشاق يسهل في ترك الترتيب بين أعضاء الوضوء وبين المضمضة والاستنشاق، فقد جاء في مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه، قال: سمعت أبي سئل عن رجل نسي المضمضة والاستنشاق، وصلى؟ قال: يعيد الصلاة. قيل: ويعيد الوضوء؟

стр. 979

قال: لا، ولكنه يتمضمض ويستنشق، والله أعلم (١). بينما قال في الكتاب نفسه فيمن توضأ ونسي مسح رأسه، قال أحمد: إن كان جف وضوءه يعيد الوضوء كله، وإن كان لم يجف، فيمسح على رأسه، ويغسل رجليه؛ لأن الله يقول: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦] (٢). * * *

стр. 980

الفصل السادس من فروض الوضوء المولاة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • أمر الله بغسل أعضاء الوضوء، (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) وعطف بعضها على بعض، وهل الأمر على الفور؟ فيه خلاف بين الأصوليين، فيتخرج الخلاف في الفرع على الخلاف في الأصل. • قال تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا) وإذا كانت الفاء للتعقيب، دل على أن الأمر بالغسل على الفور. • أن الله ذكر الوضوء قارنًا بعض الأعضاء ببعض بالواو الدالة على اجتماع هذه العبادة بوقت واحد، فإذا فرقها في وقتين لم تكن عبادة واحدة، كما لو فرق الصلاة. • الموالاة عمل الرسول الدائم المستمر طول عمره، ولم يؤثر عنه ﷺ من قوله ما يدل على جواز التفريق بوجه من جوه الدلالة، وعمل بذلك المسلمون سلفًا وخلفًا، فمن غسل بعض أعضاء الوضوء بنية الوضوء، ثم انصرف إلى عمل

стр. 981

آخر، ثم عاد ليتم ما بدأ به من غير ضرورة صدق عليه قوله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. • الوضوء عبادة غير معقولة المعنى، لكون الحدث يخرج من موضع، والغسل يجب في موضع آخر، وكون الوضوء وجوبه تعبديًا يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي كان يفعله الرسول ﷺ . وقيل: • أن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، فكيف غسلها فقد أتى بما وجب عليه. • طهارة الحدث كطهارة النجاسة، ليس من شرطها الموالاة. [م-١٧٦] اختلف العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء بعد اتفاقهم على أن التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر (١). فقيل: الموالاة سنة، وهو مذهب الحنفية (٢)، والجديد من قولي الشافعي (٣)، والظاهرية (٤).

стр. 982

وقيل: تجب الموالاة مع الذكر، وتسقط مع النسيان والعذر، وهو مذهب المالكية (١). وقيل: تجب الموالاة مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (٢). • دليل الحنفية على استحباب الموالاة: أما دليلهم على استحباب الموالاة فظاهر من مواظبة النبي ﷺ على الموالاة حيث لم يخل بذلك. • وأما دليلهم على كونه ليس واجبًا، فاستدلوا بأدلة منها: * الدليل الأول: أن الله أمر بغسل هذه الأعضاء في الوضوء، فيكف غسل هذه الأعضاء فقد امتثل الأمر. * الدليل الثاني: القياس على غسل الجنابة، فالوضوء إحدى الطهارتين، فإذا لم تجب الموالاة في غسل الجنابة لم تجب في الوضوء. * الدليل الثالث: (٣٦٦ - ٢٢٠) ما رواه مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.

стр. 983

[إسناده في غاية الصحة] (١). وقد فعله ابن عمر في حضور من حضر من الصحابة للصلاة على الجنازة، ولم ينكروا عليه. • دليل من قال بوجوب الموالاة مطلقًا: * الدليل الأول: (٣٦٧ - ٢٢١) ما رواه مسلم من طريق الحسن بن محمد بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى (٢). [ضعَّف أحمد أحاديث معقل عن أبي الزبير خاصة] (٣).

стр. 984

وجه الاستدلال: قال القاضي عياض: في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء، لقوله ﷺ : (أحسن وضوءك) ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته (١). وقال نحوه القرطبي في المفهم (٢). ورده النووي، فقال: وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل؛ فإن قوله: (أحسن

стр. 985

وضوءك) محتمل للتتميم أو للاستئناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر (١). * الدليل الثاني: (٣٦٨ - ٢٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء (٢). [قال أحمد: إسناده جيد] (٣).
следующие страницы →