← Сияса и кади

Сияса и кади · id 1585

سراج الملوك

أبو بكر الطرطوشي

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعده. وقال قوم: معناه لأزيدنكم نعم الآخرة. فإن قيل: إنما تكون الزيادة من جنس المزيد عليه. فأجابوا: بأن النعم الدنيوية والأخروية وإن تفاضلت واختلفت كلها متجانسة من حيث أنها نعمة. وقال قوم: معناه لأزيدنكم خيراً، والخير والصلاح قد يكون في كثير من الأوقات بالمنع والسقم ونحوهما، فإن من سأل الله تعالى أن يعطيه مالاً أو يصح جسمه، وهو يعلم أنه إن وهبه المال أنفقه في المعاصي، أو وهبه الصحة وصرف صحته إلى المشي في الآثام، فالمنع ههنا موهبة من الله جزيلة. ومن ههنا قالت العلماء: منع الله تعالى عطاء. وقال قوم: يمكن تقدير الاستثناء فيها لئن شكرتم لأزيدنكم إلا أن تعصوا فأعاقبكم بالحرمان فأجعل ذلك كفارة لكم، وهو أصلح من أن أعاقبكم في الآخرة، والناس لا يسلمون من الذنوب، ولو تهيأ أن يسلموا من الذنوب لدرت الزيادات. قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة: ٦٦) وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (نوح: ١٠-١٢) وقال قوم: الآية خاصة لا محالة إذ لو كانت على عمومها لوجب أن لا يموت من يشكر الله تعالى على الحياة. قال الشيخ: قلت إن الله تعالى وعد الزيادة وقوله الحق، وقد جعل العبادة علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغنى يشكر الله تعالى بلسانه وماله في نقصان، علمنا أنه لم يشكر بل قد أخل بالشكر الذي أخذ عليه، إما لا يزكيه أو يزكي لغير أهله أو يؤخره عن وقته أو يمنع حقاً واجباً عليه فيه، من كسوة عريان أو طعام جائع وشبهه، فيدخل في قول النبي ﷺ : لو صدق السائل ما أفلح من رده. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) . إذا غيروا ما بهم من الطاعات غير الله تعالى ما منه من الإحسان، وإذا كان قوم في العافية فإن الله تعالى لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم يترك أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب، كما قال بعضهم: أدنى الشكر أن لا يعصي الله تعالى بنعمه، وإن جوارحك كلها من نعم الله تعالى عليك فلا تعصه بها. ويحتمل أن يكون معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم إن شئت ألا ترى أنه قال: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه، فيكون التقدير نؤته منها لمن نشاء، بدليل قوله في الآية الأخرى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهكذا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) ثم إن كثيراً من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ولكن معنى الآية أستجب لكم إن شئت ولمن شئت، بدليل قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (الأنعام: ٤١) . وهذا من باب حمل المطلق على المفيد. قال الجنيد: كنت بين يدي السري وأنا ابن تسع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت له: أن لا يعصى الله بنعمه. قال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة. فإن قيل: ما معنى قوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨) . وما يحصل من الأفعال في الوجود يمكن احصاؤه؟ قلنا نعم الله على وجهين دفع ومنع، فالمنع يمكن إحصاؤه ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها، وما يدفع الله عنهم مما في مقدوره من ذلك وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى. فصل: ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر فقال بعض الحكماء: موضع الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف، إن وجده لم يذم وإن عدمه لم يقم. وأجمعت حكماء العرب والعجم على هذه اللفظة فقالوا: الشكر قيد النعم. وقالوا: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. وقالوا: مصيبة وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدى شكرها. وقال بعض الحكماء: من أعطى

стр. 107

أربعة لم يمنع أربعة: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب. وكان يقال: إذا رعيت النعم بالشكر فهي أطواق، وإذا رعيت بالكفر فهي أغلال. قال حبيب: نعم إذا رعيت بشكر لم تزل نعماً فإن لم ترع فهي مصائب وبعث الحجاج إلى الحسن بعشرين ألف درهم فقال: الحمد لله الذي ذكرني. قال علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي تنهى ولا تنتهي، وتأمر الناس بما لم تأت، تحب الصالحين ولا تعمل بما عملوا وتبغض المسيئين وأنت منهم، تكره الموت لكثرة ذنوبك ولا تدعها طول حياتك. وقال المغيرة بن سعيد: اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك. فإنه لا بقاء لنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت، وإن الشكر زيادة من النعم وأمان من النقم. وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك عن شكر النعم وأنت مرتهن بها؟ كلما شكرت نعمة تجدد لك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت ما تنفك بالشكر عن نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها. وقال سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ قال: على أي دين تركته؟ قال: على السلام. قال: الحمد لله الآن تمت النعمة. وروى أن عثمان بن عفان ﵁: دعا إلى قوم ليأخذهم على ريبة فافترقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق عثمان رقبة شكر الله تعالى إذا لم يجر على يديه فضيحة رجل مسلم. ويروى أن الحسن بن علي التزم الركن وقال: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكراً وأبليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ولا أنت أدمت الشدة بترك الصبر! إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم ولا من الجافي إلا الجفا! وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية والصبر عند المصيبة. وروي أن نملة قالت لسليمان بن داود: يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكباً على فرس ذلول فخر عنه ساجداً ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني. وقال صدقة بن يسار: بينما داود ﵇ في محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله تعالى بهذه؟ فأنطقها الله تعالى وقالت: يا داود تعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك فيما آتاك. ولمحمود الوراق: إلهي لك الحمد الذي أنت أهله على نعم ما كنت قط لها أهلا! متى ازددت تقصيراً تزدني تفضلاً كأني بالتقصير أستوجب الفضلا! وكان لبعضهم صديق فحبسه السلطان، فأرسل إليه فقال له صاحبه: اشكر الله تعالى. فضرب الرجل فكتب إليه اشكر الله فجيء بمحبوس مجوسي مبطون، وقيد وجعل حلقة في رجله وحلقة في رجل المجوسي، وكان المجوسي يقوم بالليل مرات ويحتاج هذا إلى أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه فقال: اشكر الله تعالى فقال: إلى متى تقول وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له صاحبه: لو وضع الذي في وسطه في وسطك، كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ما كنت تصنع؟ ولبعضهم: ومن الرزية أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق أأرى الصنيعة منك ثم أسرها إني إذن ليد الكريم لسارق! وقال رجل لسهل بن عبد الله: إن اللص دخل داري وأخذ متاعي. فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل

стр. 108

اللص إلى قلبك وهو الشيطان وأخذ التوحيد منه فما كنت تصنع؟ ولما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل المغفرة فقيل له فيه فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبل المغفرة، فبسط الملك جناحه فرفعه إلى السماء ويروى أن نبياً من الأنبياء ﵈ مر بحجر صغير يخرج منه الماء فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال: منذ سمعت الله تعالى يقول ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦) وأنا أبكي من خوفه، فدعا النبي ﵇ أن يجيره الله من النار، فأوحى الله إليه إني أجرته من النار، فمر النبي ثم عاد فوجد الحجر يتفجر منه مثل ما كان، فعجب فأنطق الله تعالى الحجر فقال له: لم تبكي؟ فقال ذلك بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور! وروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى. فقال: إلهي ما بال المعافى؟ قال: لقلة شكره على عافيتي إياه. وأولى رجل أعرابياً إيلاء حسناً فقال: لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك، ولا أنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك! وأنشدوا: سأشكر لا إني أجازيك منعماً بشكري ولكن كي يرى ذلك الشكر وأذكر أياماً لدي اصطنعتها وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر ولبعضهم: أوليتني نعماً أبوح بشكرها وكفيتني كل الأمور بأسرها فلأشكرنك ما حييت وإن أمت فلتشكرنك أعظمي في قبرها! ولبعض العرب في المعنى: إلهي قد أحسنت عودا وبدأة إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر فمن كان ذا عذر لديك وحجة فعذري إقراري بأن ليس لي عذر وكان مطرف يقول: إلهي تكون منك النعمة وعليك تمامها، وأنت تعين على شكرها وعليك ثوابها. وهذا باب عظيم من النعم على العباد. قال الله تعالى في الثناء على بعض عباده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (الاسراء: ٣) . وقال شاكراً لأنعمه اجتباه وكذلك سائر ما أثنى الله على عباده ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان: ١٢) . ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الاسراء: ٧) . ليس للرب تعالى فيها قليل ولا كثير، فإنه أجل من أن ينال الحظوظ وأجل من أن يلحقه ثناء مثن أو شكر شاكر، فأخبر أن العلو والجلال له دونهم وأنه مقدس عن الناس بثناء مثن أو كفر كافر. قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ (ابراهيم: ١٠) فواعجبا أعطى ثم أثنى! وقال علي بن أبي طالب ﵁: كفر النعمة داعية للمقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر ما أخذ منك، وحقيق بمن أسديت إليه نعمة أو قضيت له حاجة أن يكافي، فإن لم يقدر فليشكر، فإن شكرها فقد أدى حقها. قال الشاعر: فلو كان يستغني عن الشكر ماجد لرفعة مالٍ أو علو مكان لما أمر الرحمن بالشكر خلقه فقال: اشكروا لي أيها الثقلان وقال بعضهم: لئن عجزت عن شكر برك قوتي وأقوى الورى عن شكر برك عاجز فإن ثنائي واعتقادي وطاعتي لأفلاك ما أوليتنيه مراكز وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا امرأة فقالت: يا قوم تغير علينا الدهر إذ قل منا الشكر

стр. 109

وفارقنا الغنى وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم بعقل وأعطى من فضل وواسى من كفاف وأعان على عفاف. شعر: فلو كان للشكر شخص يبي ن إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى ترا هـ فتعلم أني آمر شاكر ولكنه ساكن في الضمي ر يحركه الكلم السائر وقيل للسري: ما الشكر؟ فقال: المكافأة على قدر الطاقة. قيل: فما الكفر؟ قال: ترك الجزاء ولو بالثناء. قيل: وهل يكون أحد أبخل ممن يبخل بالثناء؟ قال: نعم من عادى على الصنيعة. الباب الخامس والثلاثون: في بيان السيرة يصلح عليها الأمير والمأمور ويستريح لها الرئيس والمرؤوس وتسهل صحبة الخلائق أجمعين مستخرجة من القرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ومعلوم أنهم لا يماثلونا في خلقنا ولا أشكالنا ولا عقولنا، ولا سائر ما تدركه العين منهم ومنا فتبقى المماثلة في الأخلاق، فلا أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة، فإذا رأيت من الإنسان خلقاً خارجاً عن الاعتدال، فانظر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر الحيوان، فألحقه به وعامله كما كنت تعامله، فحينئذ تستريح من منازعتهم ويستريحون منك وتدوم الصحبة فإذا رأيت الرجل الجاهل في خلائقه الغليظ في طباعه القوي في بدنه الذي لا يؤمن طغيانه وإفراطه، فألحقه بعالم النمور. والعرب تقول: أجهل من نمر وأنت إذا رأيت النمر بعدت عنه ولا تخاصمه ولا تشانئه فاسلك بالرجل كذلك. وإذا رأيت الرجل الغالب على أخلاقه السرقة خفية والنقب ليلاً على وجه الاستتار، فهذا يماثل عالم الجرذ، فدع ملاحاته ومخاصمته كما تدع سباب الجرذ إذا أفسد رحلك بما يصلح له. وإذا رأيت الرجل هجاماً على أعراض الناس وثلبهم فقد ماثل عالم الكلاب، فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويبتدي بالأذية من لا يؤذيه، فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبحك! ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبه؟ فافعل بمن يهتضم عرضك مثل ذلك. وإذا رأيت إنساناً قد جبل على الخلاف إن قلت لا قال نعم، وإن قلت نعم قال لا، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب، وأنت تستمتع بالحمار ولا تسبه ولا تفارقه، فاستمتع أيضاً بهذا الإنسان ولا تسبه ولا تفارقه. وإذا رأيت رجلاً يطلب عثرات الناس وسقطاتهم، فمثله في الآدميين كمثل الذباب في عالم الطير، فإن الذباب يقع على الجسد فيتحامى صحيحه ويطلب المواضع النغلة منه ذوات المدة والدم والنجاسة، فاستر ذلك الموضع ولا تخاصمه، وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود، وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد، وليس إلا الهرب منه كما قال النابغة: ولا قرار على زأر من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب. وإذا بليت بمن يمشي بالنمائم ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة: فسا بينهم ظربان فتفرقوا، وخاصة هذه الدويبة إذا جعلت وسط جماعة أن يتفرقوا، وكما أن الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة طردوها ومنعوها الدخول بينهم، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ويفسد قلوب بعضهم على بعض. وإذا رأيت إنساناً

стр. 110

لا يسمع العلم والحكمة وينفر من مجالس العلماء والحكماء، ويألف سماع أخبار الدنيا والخرافات وما يجري في مجالس العوام، فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبه أكل العذرات ويألف روائح النجاسات، ولا تراه إلا ملابساً للأخلية والمرحضات وينفر من روائح المسك والورد، وإذا طرح عليك المسك وماء الورد مات. وإذا رأيت إنساناً إنما دأبه حفظ الدنيا لا يستحي من الوثوب عليها، فألحقه بعالم الحدآن بأن تكن رحلك عنه. وإذا بليت بالرجل عليه الأناة والسكينة وقد نصب أشراكه لاصطياد الدنيا، وأكل أموال الودائع والأمانات والأرامل واليتامى فألحقه بعالم الذئاب، وهو كما قال فيه القائل: ذئب تراه مصلياً فإذا مررت به ركع يدعو وجل دعائه: ما للفريسة لا تقع؟ عجل بها يا ذا العلا إن الفؤاد قد انصدع! فاحترز منه كما تحترز من الذئب. وإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن الإنسان الكذاب كالميت في الحكم، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، وكما لا تصحب الموتى لا يصحب الكذاب. وقد قيل في المثل: كل شيء شئ إلا صحبة الكذاب لا شيء ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل، ثم يترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل، وسائر بيضه في قعر الحفرة، فإذا رآه الغراب أخذ تلك البيضة ويكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى، فيظن أنه ليس ثم شيء آخر. والخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال بحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، فكذلك الكذاب إذا سمعت منه خبراً لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه. وإذا رأيت رجلاً إنما دأبه أن يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها، يبيض ثيابه ويعدل عمامته ويأنف أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذى عن ثوبه، ليس له همة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما انثنى من ثيابه، فألحقه بعالم الطواويس التي هذه صفتها فإنه يتبختر في مشيه، وينظر إلى نفسه ويفرش ذنبه فتتخذه الملوك استحساناً له. وإذا رأيت إنساناً حقوداً لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال. والعرب تقول: فلان أحقد من جمل. وكما تجتنب قرب الجمل الحقود فاجتنب صحبة الرجل الحقود. وإذا رأيت إنساناً منافقاً يبطن خلاف ما يظهر فألحقه بعالم اليربوع، وهو فأر يكون في البرية يتخذ حجراً تحت الأرض يقال له النافقاء، وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى، ومنه اشتق اسم المنافق فإذا هم أحد بأخذه دخل حجره وخرج من الباب الآخر، فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر بشيء، كذلك حال المنافق لا يصح منه شيء وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس تستريح منهم وتريحهم، فلعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي واستراحت من مكابدة أخلاقهم، إلا من حيث سرت معهم بهذا السير! وقال الرباحي: يا بني رباح لا تحقروا صغيراً تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب روغانه ومن القرد مكائده، ومن السنور صرعه ومن الكلب صولته ومن ابن آوى حذره، وقد تعلمت من القمر مشي الليل ومن الشمس الظهور الحين بعد الحين. الباب السادس والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها غاية كمال السلطان وشفاء الصدور وراحة القلوب وطيب النفوس

стр. 111

اعلم أيها الملك أنك إن كملت فيك الخصال المحمودة والأخلاق المشكورة والسيرة المستقيمة، وخالفت نفسك وقهرت هواك ووضعت الأشياء مواضعها، ثم إن الرعية اهتضمت حقك وجهلت قدرك ولم توفك حظك، وبلغك منهم ما يسؤك ورأيت منهم ما لا يعجبك، فاعلم أنك لست بإله فلا تطمع أن يصفو لك منهم ما لا يصفو منهم للإله. وفصل الخطاب في هذا الباب أن تعلم أن الله خلق الخلائق أجمعين وأنعم عليهم بأنواع من النعم، فأكمل حواسهم وخلق فيهم الشهوات ثم أفاض عليهم نعمة فكملت لهم اللذات، وبعد هذا فما قدروا الله حق قدره ولا عظموه حق عظمته، بل قالوا فيه ما لا يليق به ووصفوه بما يستحيل عليه، وأضافوا إليه ما يتقدس عنه وسلبوه ما يجب له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فمنهم من قال هو ثالث ثلاثة، ومنهم من قال له زوجة، ومنهم من قال له ابن، ومنهم من قال له البنات، ومنهم من يجسمه ومنهم من يشبهه، ومنهم من أنكره رأساً وقالوا ما للخلق صانع كما حكاه الخالق عنهم فقال: نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وهو مع ذلك يحييهم ويميتهم ويصح أجسامهم وحواسهم ويرزقهم وينعمهم ويقضي مآربهم وأوطارهم، ويمتعهم متاعاً حسناً ويبلغهم آمالهم في معظم ما يحتاجون إليه، فمعاصيهم إليه صاعدة وبركاته عليهم نازلة، كل يعمل على شاكلته وينفق مما عنده، وكل ذي حال أولى بها. وفي مناجاة موسى ﵇ أنه قال: إلهي أسألك أن لا يقال في ما ليس في! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ذلك شيء ما فعلته لنفسي فكيف أفعله لك؟ وفي هذه السيرة عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن تذكر، مع أنك إن التمست رضاء جميع الناس التمست ما لا يدرك، وكيف يدرك رضاء جميع المخلوقين؟ فيا أيها الملك الذي كتب الله عليه الفناء والعمر القصير والزمان اليسير والأيام المعدودة والأنفاس المحصورة، كيف أردت أن يصفو لك من الرعية ما لم يصف منهم لخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم؟ هيهات هيهات بعيد ما طلبت ومستحيل ما أملت! فلك في الله أسوة حسنة أن ترضى منهم ما رضي الله تعالى منهم، وتسير فيهم بسيرة ربهم فيهم، ألم تر كيف أحسن إليك ورضي منك باليسير من العمل، وأكثر لك من النعم والأموال والخول؟ وانظر كيف يستر زلاتك ويغفر هفواتك، ولا يفضحك في خلواتك، ففي هذا ما يمهد النفوس ويهذب ذوي العقول ويهدي إلى الصواب، ويوضح طريق الرشاد. ولله در عمر بن الخطاب ﵁، لقد كان راغباً لما تلوته عليك، فإنه روى عنه أنه كتب إلى عمرو بن العاصي: كن لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك! الباب السابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي فيها ملجأ الملوك عند الشدائد ومعقل السلاطين عند اضطراب الأمور وتغيير الوجوه والأحوال أيها الملك إذا اعتجلت الأمور في صدرك واضطربت عليك القواعد، ومرجت في قلبك وجوه الآراء وتنكرت عليك المعارف، واكفهر لك وجه الزمان ورأيت آثار الغير، فلا تغلبنك خصلتان اترك للناس دينهم ودنياهم ولك الزمان من طوارق الحدثان وما يأتي به الملوان؛ فقد ترى أن المأمون قال في آخر موافقته مع أخيه الأمين: قد نفذت الأموال وألحت الأجناد في طلب الأرزاق فقال المأمون: بقيت لأخي خصلة لو فعلها ملك موضع قدمي هاتين قيل له: وما هي؟ فقال: والله إني لأضن بها على نفسي فكيف على غيري؟ فلما خلص له الأمر سئل عن تلك الخصلة فقال: لو أن الأمين نادى في جميع بلاده أنه قد حط الخراجات والوظائف السلطانية وسائر الجبايات عشر

стр. 112

سنين، ملك علي ولكن الله غالب على أمره. ولما خشي المأمون انتقاض بيعته مع أهل خراسان في فتنته مع أخيه الأمين، فاستشار الفضل بن سهل وكان وزيره فقال له الفضل: قد قرأت القرآن وحديث النبي ﷺ ، والذي عندي أن تجمع الفقهاء وتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة، وبسط العدل والقعود على اللبود وتواصل النظر في كشف المظالم، وتكرم القواد والملوك وأبناء الملوك تعدهم بالمواعيد الكريمة والمراتب السنية والولايات المشاكلة، ففعل ذلك وحط عن أهل خراسان ربع الخراج، فمالت وجوه الخلائق إليه وكانوا يقولون: ابن أختنا وابن عم نبينا ﵊. وانقاد إليه رافع بن الليث وكان من عظماء الملوك بخراسان. ودخل تحت هذه الترجمة أمر اتفق عليه حكماء العرب والروم والفرس والهند وهو أن يصطنع وجوه كل قبيلة والمقدمين من كل عشيرة، ويحسن إلى حملة القرآن وحفظة الشريعة ويدني مجالسهم، ويقرب الصالحين والمتزهدين وكل مستمسك بعروة الدين. وكذلك يفعل بالأشراف من كل قبيلة والرؤساء المتبوعين من كل نمط، فهؤلاء هم أزمة الخلق وبهم يملك من سواهم. فمن كمال السياسة والرياسة أن يبقى على كل ذي رياسة رياسته وعلى كل ذي عز عزه وعلى كل ذي منزلة منزلته، فحينئذ تكون لك الرؤساء أعواناً، ومن دانت له الفضلاء من كل قبيلة فأخلق به أن يدوم سلطانه، والعامة والأتباع دون مقدميهم وساداتهم أجساد بلا رؤوس، وأشباح بلا أرواح وأرواح بلا قلوب. ولما قامت العامة على السلطان بقرطبة ولبسوا السلاح، كان شيخ جالس على كير يعالج صنعته فقال: ما بال الناس؟ قالوا: قامت العامة على السلطان. قال: ولهم رأس؟ قالوا: لا. قال: سق الكير يا صبي! فسارت مثلاً. الباب الثامن والثلاثون: في بيان الخصال الموجبة لذم الرعية للسلطان قال حكيم الفرس: ذم الرعية للملك على ثلاثة أوجه: إما كريم قصر به على قدره ذلك طعناً، وإما لئيم بلغ به فوق قدره فأورثه ذلك بطراً، وإما رجل منع خصلة من الإنصاف. وفي الأمثال: إحسانك إلى الحر يبعثه على المكافأة، وإحسانك إلى اللئيم الخسيس يبعثه على معاودة المسألة. وقيل للإسكندر: إن فلاناً يبغضك ويسيء الثناء عليك! فقال: أنا أعلم أنه ليس بشرير، فينبغي أن نعلم هل أتاه من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك؟ فبحث عن حاله فوجدها رثة، فأمر له بصلة سنية، فبلغه بعد ذلك أنه بسط لسانه بالثناء عليه فقال: أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خيراً أو شراً؟ وينبغي للسلطان أن لا يتخذ الرعية مالاً أو قنية فيكون عليهم بلاء وفتنة، ولكن يتخذهم أهلاً وإخواناً فيكون له جنداً وأعواناً، وقد سبق المثل: إصلاح الرعية خير من كثرة الجنود. الباب التاسع والثلاثون: في مثل السلطان العادل والجائر مثل السلطان العادل مثل الياقوتة النفيسة الرقيعة في وسط العقد، ومثل الرعية مثل سائر الشذر فلا تلحظ العيون إلا الواسطة، وأول ما يبصر المبصرون وينقد الناقدون الواسطة، وإنما يثنى المثنون على الواسطة، وكلما حسنت الواسطة غمرت سائر الشذر فلا يكاد يذكر؛ كما قال ابن صعدة: لقيت بالحجاز بين مكة والمدينة سكينة بنت الحسين ﵄، فكشفت عن وجه ابنتها فإذا وجه كأنه فلقة قمر، فقد أثقلتها بالجواهر واليواقيت وأنواع الدرر فالتفتت إلي وقالت: والله ما علقته عليها إلا لتفضحه. وكما أن جمال الملك أن يلي الواسطة الأفضل

стр. 113

من الشذر، وإن كان خلاف ذلك كان سيئ النظم، كذلك السلطان ينبغي أن يكون الأقرب فالأقرب إليه أهل العلم والعقل والأدب، والرأي والأصالة والشرف والحصافة وذوي الكمال من كل قبيلة، وإن كان على خلاف ذلك فهو نقص في التدبير وكما أن جمال العقد بواسطته، كذلك جمال الرعية بكمال سلطانهم وفضله وبراعته وعدله. ومثل السلطان الجائر مثل الشوكة في الرجل، فصاحبها تحت ألم وقلق ويتداعى لها سائر الجسد، ولا يزال صاحبها يروم قلعها ويستعين وبما في ميسوره من الآلات والمناقيش والإبر على إخراجها، لأنها في غير موضعها الطبيعي ويوشك أن يقلع بالأجرة، فأين غرر الياقوت من شوك القتاد: وروى أبو داود أن خاتم دانيال النبي ﵇ كان عليه منقوش صورة أسدين، وبينهما صورة دانيال وهما يلحسانه لئلا ينسى نعمة الله عليه. الباب الأربعون: فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان اعلم أرشدك الله أن الزمان وعاء لأهله، ورأس الوعاء أطيب من أسفله كما أن رأس الجرة أروق وأصفى من أسفلها. فلئن قلت: إن الملوك اليوم ليسوا مثل الملوك الذين مضوا، فالرعية أيضاً ليسوا كمن مضى من الرعية. ولست بأن تذم أميرك إذا نظرت آثار من مضى منهم بأولى من أن يذمك أميرك إذا نظر آثار من مضى من الرعية، فإذا جار عليك السلطان فعليك الصبر وعليه الوزر. روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا النبي ﷺ فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان. ومنه قال ابن عباس: من كره من أمير شيئاً فليصبر عليه، فإنه من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية وعنه في رواية أخرى: من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية. قال ابن مسعود: قال لنا النبي ﷺ : إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقوقهم واسألوا الله حقكم. وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: سيأتيكم ركب مبغضون يطلبون منكم ما لا يجب عليكم فإذا سألوا ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم وليدعوا لكم. وهذا حديث عظيم الموقع في هذا الباب، فندفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم فيه، ونكف ألسنتنا عن سبهم. يا عبد الله لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ولكن الثقة بالله فلا محنة فوق محنة إبراهيم ﵇ لما جعلوه في كفة المنجنيق ليقذف به في النار قال: اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم واكفني كيدهم. وقال مالك بن دينار: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: إني أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وفي بعض الكتب: ابن آدم تدعوا على من ظلمك ويعوا عليك من ظلمته، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرت الأمر إلى يوم القيامة فيسعكم العفو. وقال سليمان بن داود ﵇: لا تجعل ملجأك في الأعداء المكافأة ولكن الثقة بالله. وروى أبو داود في السنن قال: سرقت ملحفة لعائشة ﵂، فجعلت تدعوه على من أخذها فسمعها النبي ﷺ فقال: ألا تستحي؟ يعني ألا تخففي عنه فنهاها عن الدعاء على الظالم كما ترى فإذا قال المظلوم في دعائه: اللهم لا توفقه فقد دعا على نفسه وعلى سائر الرعية، لأنه من قل توفيقه ظلمك ولو كان موفقاً ما ظلمك، فإن استجيب دعاؤك فيه زاد ظلمه لك. ومن الألفاظ المروية عن سلف هذه الأمة قولهم: لو كانت عندنا دعوة مستجابة ما جعلناها إلى في السلطان. وقال الفضيل:

стр. 114

لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله وصنعت منه طيب الطعام، ثم دعوت الصالحين وأهل الفضل من الأبرار والأخيار، فإذا فرغوا قلت لهم: تعالوا ندعوا ربنا أن يوفق ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمرنا. ولما قدم معاوية المدينة دخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان: واأبتاه! فقال معاوية: يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أماناً، وأظهرنا لهم حلماً تحت غضب فأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان انتصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري تكون علينا أم لنا، ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين. وروي أن رجلاً من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له واعتدى عليه، فذهب إلى المنصور فقال له: أصلحك الله! أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلاً؟ فقال له: بل اضرب لي قبلها مثلاً. فقال: أصلحك الله إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنه يفر إلى أمه لنصرته، إذ لا يعرف غيرها ظناً منه أنه لا ناصر له فوقها، فإذا ترعرع واشتد فأوذي كان فراره وشكواه إلى أبيه، لعلمه أن أباه أقوى من أمه على نصرته، فإذا بلغ وصار رجلاً وحزبه أمر شكا إلى الوالي، لعلمه بأنه أقوى من أبيه فإن زاد عقله واشتدت شكيمته شكى إلى السلطان لعلمه بأنه أقوى ممن سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكا إلى الله تعالى لعلمه بأنه أقوى من السلطان. وقد نزلت بي نازلة وليس فوقك أحد أقوى منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمرها إلى الله تعالى في الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه قال: بل ننصفك. وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه. الباب الحادي والأربعون: في كما تكونوا يولى عليكم لم أزل أسمع الناس يقولون: أعمالكم عمالكم، كما تكونوا يولى عليكم، إلى أن ظفرت بهذا المعنى في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾ (الأنعام: ١٢٩) وكان يقال: ما أنكرت من زمانك فإنما أفسده عليك عملك. وقال عبد الملك بن مروان: ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما، نسأل الله أن يعين كل على كل. وقال قتادة: قالت بنو إسرائيل: إلهنا أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف نعرف رضاك من سخطك؟ فأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائهم: إذا استعملت عليكم خياركم فقد رضيت عنكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فقد سخطت عليكم. وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر انطاع الناس لهما، والدنيا عليهما أضيق من شبر فاتسعت عليهما ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينطاعوا لكما، وقد اتسعت فصارت عليكما أضيق من شبر؟ فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك وشبهك! وكتب أخ لمحمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال، فكتب إليه محمد بن يوسف: بلغني كتابك وتذكر ما أنتم فيه، وليس ينبغي لمن يعمل المعصية أن ينكر العقوبة، ولم أر ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب، والسلام؟ الباب الثاني والأربعون في بيان الخصلة التي تصلح بها الرعية اعلم أن أدعى خصال السلطان إلى إصلاح الرعية وأقواها أثراً في تمسكهم بأديانهم وحفظهم لمرواتهم، إصلاح السلطان نفسه وتنزيهه عن سفساف الأخلاق وبعده عن مواضع الريب، وترفيعه نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللعب واللهو والإعلان بالفسوق؛ وقد كانت صحبة محمد الأمين لذلك الرجل الخليع والماجن الرقيع أبي نؤاس الشاعر وصمة

стр. 115

عظيمة عليه، أوهن بها سلطانه ووضع عند الخاص والعام قدره، وأطلق ألسنة الخلق بالشتم والثناء القبيح على نفسه، فحاربه بذلك أخوه المأمون على الولاية ووجه طاهر بن الحسين لمحاربته ببغداد، وحاربه حتى قتله وأنفذ برأسه إلى المأمون، وكان يعمل كتباً تقرأ على المنابر من خراسان فيقف الرجل فيذم أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور وماخور! ويعيب الأمين بذلك فيقول: استصحب أبا نؤاس رجلاً شاعراً ماجناً كافراً، يستصحبه معه لشرب الخمور وارتكاب المآثم ونيل المحارم. وهو القائل: ألا فاسقني خمراً وقل لي: هي الخمر! ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر! حتى تغيرت عليه نفوس الخلق وتنكرت له وجوه الورى، فلما بلغ ذلك الأمين حبسه، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه أن لا يشرب خمراً ولا يقول فيه شعراً. فمتى أراد السلطان إصلاح رعيته وهو متماد على سيئ أخلاقه، كان كمن أراد بقاء الجسد مع فقد رأسه، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته، وكمن أراد تقويم الضلع مع اعوجاج الشخص، وكيف يحيا النون مع فساد الماء؟ ولقد أصاب الخليل في قوله: أصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعاً لك وقديماً قيل: من أصلح نفسه أرغم أنف أعاديه، ومن أعمل جده بلغ كنه أمانيه. وسئل بعض الحكماء: بم ينتقم الإنسان من عدوه؟ قال: بإصلاح نفسه. ولأبي الفتح البستي: إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً فاحكم على ملكه بالويل والحرب! أما ترى الشمس في الميزان هابطةً لما غدا وهو برج اللهو والطرب؟ وصحبة الأشرار تورث البوار وصحبة الأخيار تقتل النار، وصحبة الأخيار تقتل النار، وصحبة الأشرار كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا، فمحال إصلاح رعيتك وأنت فاسد وإرشادهم وأنت غاو وهدايتهم وأن تضال. وقد سبق المثل: من العجائب أعمش كحال. وتقول العرب: يا طبيب طبب نفسك. وكيف يقدر الأعمى على أن يهدي والفقير على أن يغني والذليل على أن يعز، فبعدك عن تطهير غيرك من العيوب قبل تطهير نفسك، كبعد الطبيب عن إبراء غيره من داءٍ به مثله. وقال بعض حكماء الهند: لن يبلغ ألف رجل في إصلاح رجل واحد، بحسن القول دون حسن الفعل، ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل بحسن الفعل دون القول. وفيه قول القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم؟ تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ما زلت تلقح بالرشاد عقولنا صفة وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم! ولكن أقوى الأسباب في صلاحهم عند قوة صلاحه استعماله عليهم الخاصة منهم، وذوي الأحلام الراجحة والمروآت القائمة والأذيال الطاهرة، فمتى كان رأس العامة سراتهم فهو الطريق إلى حفظ أديانهم ومروآتهم، وتماسكهم عن الانهماك في المحظورات وملابسة المحرمات. قال الشاعر:

стр. 116

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وقال مردك الفارسي: خلتان في السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما: ثقة الرأي وشدة الرحمة. وما أحق بالسلطان أن يسلك بالرعية كل سبيل يصلحون عليه ويسودون معه، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء وأميراً على السادة والفضلاء، وإن أهملهم في ركوب شهواتهم وتوسط لذاتهم، ذهبت أديانهم وسقطت مروآتهم وبقوا كما جاء في المثل في الجماعة المذمومة تقول العرب في القوم لا رؤساء فيهم ولا سراة بينهم: هم سواسية كأسنان الحمار وتقول سواسية كأسنان المشط؛ وفيهم يقول الشاعر: سواسية كأسنان الحمار أما ترى لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا ولئن تكون أميراً على الفضلاء والرؤساء خير من أن تكون أميراً على الأخساء والدمادية والغوغاء والدناة. وقد قال عبد الملك بن مروان يوماً وقد استقام له الأمر: من يعذرني من عبد الله بن عمر، فإنه أبى أن يدخل في سلطاني؟ فقال له بعض جلسائه: تستحضره وتضرب عنقه وتستريح منه! فقال عبد الملك: ويلك! إذا قتلت ابن عمر على من أكون أميراً؟ ولما سار داود إلى الحجاز في الدولة العباسية ليقتل من هناك من بني أمية، قال له عبد الله بن الحسين: يا ابن عم إذا أسرعت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ اعف يعف الله عنك! فعفا. وقال أرسطاطاليس للأسكندر: استصلح الرعية وأذهب شرهم تكن رئيس الأخيار الممدوحين، ولا تكن رئيس الأشرار المذمومين فتكون كراعي البقر. ولما استولى تبع على ملك الهند قال له: قد وهبتك لقومك ووهبتهم لك، فأنزلهم منازلهم وبلغهم مراتبهم، فكا أمة لم تبلغ مراتبها وغلت صدورها وغلت قلوبها فاستحقت فتكها، وهان عليها أعمارها وملك أمورها شرارها، وأنت أعلم بهم، فمن أطناب المملكة وقواعدها أن لا يسلب رئيس رياسته ويبقي على كل ذي عز عزه، ويولي كل ذي منزلة منزلته فحينئذ يأمن من نوائب الأعداء التي هي نتائج الضغائن والأحقاد. الباب الثالث والأربعون: فيما يملك السلطان من الرعية كتب أرسطا إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان تظفر منهم بالمحبة، فإن طلب ذلك منهم بالإحسان هو أدوم بقاء منهم بالاعتساف. واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتتخطاها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أنه إذا عدل السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا التصنع والرياء. وفي سير المتقدمين: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها من شيء فليعملوا أنه فيها. واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. وليس هذا خلاف ما روي عن معاوية أن رجلاً أغلظ له، فحلم عليه فقيل له: أتحلم على مثل هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا، وذلك تفسير قوله فاجتهد أن لا تقول يعني إذا عدلت تكلموا بشيء. وهذه السيرة أحسن من سيرة أزدشير، لما رفع إليه جماعة من بطانته قد فسدت نياتهم، فوقع: نحن معاشر الملوك إنما نملك للأجساد لا النيات، ونحكم بالعدل لا بالرضى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر. قلت: وإنما تحسن هذه السيرة لمن عجز عن الأولى، لأن ملك الأجساد قد يكون بالعدل، وأين هذا من قوله وقد رفع إليه: إنك ركبت أمس في عدة قليلة وتلك حالة لا يؤمن اغتيال الأعداء فيها! فوقع: من عم إحسانه أمن أعداءه وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرائح على فراخه ينفي عنها القذر، ويباعد عنهم الحجر ويكنهم من المطر، ويحميهم من الضباب ويحرسهم من الذئاب، يا أهل الشام أنتم الجنة والرداء وأنتم العدة والفداء! وقالت العجم: أسوس الملوك من قاد رعيته إلى طاعته بقلوبها. ولا ينبغي للوالي أن يرغب

стр. 117

غي الكرامة التي ينالها من العامة كرهاً، ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير. وقال عمر بن عبد العزيز: إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمراً من العدل، فأخاف أن لا تحمله قلوبهم فاخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا. وقال معاوية لزياد: من أسوس الناس أنا وأنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما جعل الله رجلاً حفظ الناس بسيفه كمن سمع الناس وأطاعوا له باللين. وروى أن سليم مولى زياد فخر بزياد عند معاوية فقال معاوية: اسكت! فما أدرك صاحبك بسيفه إلا أدركت أكثر منه بلساني! الباب الرابع والأربعون: في التحذير من صحبة السلطان اتفقت حكماء العرب والعجم فيوصاياهم على النعي عن صحبة السلطان. قال في كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل: صحبة السلطان وائتمان النساء على الأسرار وشرب السم على التجربة. وكان يقال: قد خاطر بنفسه من ركب البحر، وأعظم منه خطراً صحبة السلطان وقال مردك: أحق الأمور بالتثبت فيها أمر السلطان، فإنه من صحب السلطان بغير عقل فقد لبس شعار الغرور. وفي حكم الهند أيضاً: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر، وإنما تشبه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية والثعابين المهلكة، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد، وليس يكافئ خير السلطان شره، لأن خير السلطان لا يعدو مزيد الحال وشر السلطان قد يزيل الحال ويتلف النفس التي لها طلب المزيد، ولا خير في الشيء الذي في سلامته مال وجاه وفي نكبه الجائحة والتلف. ولهذا لما قيل للعتابي: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب؟ قال: لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويردي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون. وأخبرني أبو العباس الحجازي، وكان ممن درج أرض الهند والصين وانتهى إلى صين الصين إلى جبل الياقوت بالهند، وأن فيه ثعابين عظيمة ليس في معمور الأرض أعظم منها، وأن الواحد منها ليبلغ الثور صحيحاً فلا يصل أحد إلى ذلك الجبل ولا يقربه، فإذا كثرت الأمطار أحدرت السيول منه الحصى وسائر ما فيه من المنافع إلى مستقر المياه على مسيرة أيام من الجبل، فيبحث الناس عن ذلك الحصى فيوجد فيه الواحدة بعد الواحدة من أحجار الياقوت. وقال معاوية لرجل من قريش: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي ويبطش بطش الأسد! وقال المأمون: لو كنت رجلاً من العامة ما صحبت السلطان. وقال الأحنف بن قيس: ثلاثة لا أقولهن إلا ليقتدى بهن: لا أتكلف الجليسي إلا بما أحضره به ولا أدخل في أمر لا أدخل فيه، ولا آتي السلطان إلا أن يرسل إلي. وقال ابن المقفع لابنه: إن وجدت من السلطان وصحبته غناء فاغن عنه نفسك واعتز له جهدك، فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذات الدنيا، ومن لا يأخذه بحقه يكسبه الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعاً ل تصحب سلطاناً وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، ولا تخلون بامرأة وإن أقرأتها القرآن، ولا تصل من قطع رحمه فإنه لك أقطع، ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غداً. وفي منثور الحكم: كثرة الأشغال مذهلة عن وجود اللذات بكنهها. وكم قد رأينا وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل العقل والفضل والعلم والدين ليصلحه ففسد هو به. فكان كما قال الأول:

стр. 118

عدوى البليد إلى الذكي سريعة والجمر يودع في الرماد فيخمد ومثل من يصحب السلطان ليصلحه مثل من ذهب ليقيم حائطاً مائلاً، فاعتمد عليه ليقيمه فخر الحائط عليه فأهلكه. وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يسعد من ابتلى بصحبة الملوك فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا قريب ولا حميم، ولا يكرم عليهم إلا أن يطمعوا فيما عنده فيقربوه عند ذلك، فإذا قضيت حاجتهم تركوه ولا ود ولا إخاء إلا بجر البلاء والذنب لا يغفر. وقال بزرجمهر: لا تصلح صحبة السلطان إلا بالطاعة والبذل، ولا مواخاة الإخوان إلا باللين والمواساة، وقال بعض حكماء الفرس: المال والسلطان مفسدان لكل أحد إلا لرجل له عقل كامل. وقالت الحكماء: صاحب السلطان كراكب الأسد، يخافه الناس وهو لمركبه أخوف. وقالوا: من لزم باب السلطان فصبر صبراً جميلاً وكظم الغيظ وطرح الأذى، وصل إلى حاجته الكرم لا يتعلق بأكرم الشجر لكن بأدناه. وكانت العرب تقول: إن لم تكن من قرباء الملك فكن من بعدائه. وفي حكم الهند: إنما مثل السلطان في قلة وفائه في أصحابه وسخاء نفسه عمن فقده منهم، كمثل صبيان المكتب كلما ذهب واحد جاء آخر. والعرب تقول: السلطان ذو غدوات وذو بدوات وذو نزوات؛ تريد أنه سريع الانصراف كثير البدوات هجام على الأمور. الباب الخامس والأربعون: في صحبة السلطان قال ابن عباس ﵄: قال لي أبي: يا بني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب محمد ﷺ ، وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشين له سراً، ولا تجرين عليه كذباً، ولا تغتابن عنده أحداً. قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف! قال أي والله خير من عشرة آلاف! وقالوا اصحب السلطان بحذر والصديق بالتواضع والعدو بالجهد والعامة بالبشر، ولا تحكم لأحد بحسن رأي الملك إلا بحسن أثره. وقال بعض الحكماء: لا تستطلع السلطان ما كتمك ولا تفش ما أطلعك عليه، ومن دل على السلطان استقله ومن أمتن عليه عادله، ومن أظهر أنه يستشيره أبعده. وقال نعض الحكماء: إذا زادك السلطان تأنيساً فزده إجلالاً، وإذا جعلك أخاً فاجعله أباً وإذا زادك إحساناً فزده فعل العبد مع سيده، وإذا ابتليت بالدخول على السلطان مع الناس فأخذوا في الثناء عليه فعليك بالدعاء له، وإن نزلت منه منزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر من الدعاء له عند كل كلمة فإن ذلك شبيه بالوحشة والغلبة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل بما عظمته وذكرته وقال ابن المقفع: لتكن حاجتك في سلطانك ثلاث: خلال رضاء ربك ورضاء سلطانك ورضاء من تلى عليه. ولا عليك أن تلهو عن المال والذخر فسيأتيك منهما ما يكفي ويطيب. وقال مسلم بن عمر لمن عدم السلطان: لا تغتر بالسلطان إذا حباك ولا تتغير إذا أقصاك. وروي أن بعض الملوك استصحب حكيماً فقال له: أصحبك على ثلاث خصال. قال: وما هن؟ قال: لا تهتك لي سراً ولا تشتم لي عرضاً ولا تقبل في قول قائل حتى تستشيرني. قال: هذا لك فما لي عليك؟ قال: لا أفشي لك سراً ولا أدخر عنك نصيحة ولا أوثر عليك أحداً. قال: نعم الصاحب للمستصحب أنت! وقيل لعبد الله بن جعفر: ما الخرق؟ قال: الدلالة على السلطان والوثبة قبل الإمكان. وقال ابن المقفع: أولى الناس بالهلكة الفاحشة المقدم على السلطان بالدالة. وقال يحيى بن خالد: الدالة تفسد الحرمة القديمة وتضر بالمحبة

стр. 119

المتأكدة. وقال بزرجمهر: إذا خدمت ملكاً من الملوك فلا تطعه في معصية خالقك، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه. اصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار لأنهم إنما احتجبوا عن الناس لقيام الهيبة، فلا تترك الهيبة وإن طال أنسك بهم، فهو حسبهم منك. ولا تعط السلطان مجهودك في أول صحبتك له فلا تجد بعد للمزيد موضعاً. علم السلطان وكأنك تتعلم منه وأشر عليه وكأنك تستشيره. إذا أحلك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك ويثق بك، فإياك والدخول بينه وبين بطانته، فإنك لا تدري متى يتغير لك فيكونون عوناً عليك، وإياك أن تعادي من إذا شاء يطرح ثيابه ويدخل مع الملك في ثيابه فعل. وفي الأمثال القديمة: احذر زمارة المخدة. وقد قيل: ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا وفي الأمثال: لا تدل فتمل ولا توجف فتعجف. وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالة فإنها تفسد الحرمة. وقال سليمان بن داود ﵉: لا تغش السلطان ولا تقعد عنه. وقالت الحكماء: شدة الانقباض عن السلطان تورث التهمة، وشدة الانبساط تفتح باب الملالة. واعلم أن من طلب العز بالذل كانت ثمرة سعيه الذل. أحرز منزلتك عند السلطان بمثل ما اكتسبتها من الجد والمناصحة، واحذر أن يحطك التهاون عما رقاك إليه التحفظ. أشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً. من لزم باب السلطان بصبر جميل وكظم الغيظ وأطراح الأذى وصل إلى حاجته. وقال الأحنف بن قيس: لا تقبضوا على السلطان ولا تهالكوا عليه، فإن من أسرف على السلطان أوده ومن تضرع له تخطاه. وقال ابن عباس: ثلاثة من عاداهم عادت عزته ذلة: السلطان والولد والغريم. واعلم أنه إنما يستطيع صحبة السلطان أحد رجلين: إما فاجر مصانع ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته، وإما مغفل مهين لا يحسده أحد. فأما من أراد أن يصحب السلطان بالصدق والنصيحة والعفاف فقلما تستقيم له صحبة، لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته فيطعن عليه في نصيحته له، فأما إذا اجتمع عليه هذان الصنفان كان معرضاً للهلاك. وقال بعض الحكماء: من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. وقيل: لا يوحشك من السلطان إكرام الأشرار، فإن ذلك للضرورة إليهم كما يضطر الملك إلى الحجام فيشرط قفاه ويخرج دمه ويقلع ضرسه. وفي الأمثال: لا حلم لمن لا سفيه له. وكان ابن عمر ﵄ إذا سافر إلى مكة استصحب رجلاً فيه ما فيه، يستدفع به شر السفهاء وأهل الوغادة والدعارة. وقال المعتصم: إن للسلطان لسكرات، فمنها الرضى عمن استوجب السخط، والسخط عمن استوجب الرضى. ومنه قول الحكماء: خاطر من لج البحر، وأعظم منه خطراً من صحب السلطان. وقال ابن المقفع لابنه: لا تعدن شتم السلطان شتماً ولا إغلاظه إغلاظاً، فإن ريح العزة تبسطه في غير بأس ولا سخط. وقال ساميد أحد حكماء الفرس: أربعة أشياء ينبغي أن تفسر للفهم كما تفسر للبليد ولا يتكل فيها على ذكاء أحد: تأويل الدين وأخلاط الأدوية، وصفة الطريق المخوف والرأي والسلطان. واعلم أن السلطان إذا انقطع منك الآخر نسي الأول، فأرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة، إلا من رضوا عنه في وقتهم وساعتهم. وإذا رأيت من الوالي خلالاً لا تنبغي

стр. 120

فلا تكابره على ردها، فإنها رياضة صعبة لكن أحسن مساعدته على أحسن رأيه، فإذا استحكمت منه ناحية الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصر الخطايا اللطيفة أكثر من تبصرك والعدل من حكمتك، فإن العدل يدعو بعضه إلى بعض، فإذا تمكن اقتلع الخطأ. ولا تطلب ما قبل الوالي بالمسئلة ولا تستبطئه إن أبطأ، ولكن اطلب ما قبله من الاستحقاق والاستناء فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له. وقال يحيى بن خالد: إذا صبحت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة القبيحة للزوج الأحمق المبغض. وقال ابن خالد لبعض إخوانه: تنكر لي هارون الرشيد. فقال: ارض بقليله من كثيره، وإياك أن تسخط فيكون السخط منك. الباب السادس والأربعون: في سيرة السلطان مع الجند اعلم أن الجند عدد الملك وحصونه ومعاقله وأوتاده، وهم حماة البيضة والذابون عن الحرمة، والدافعون عن العورة وهم جفن الثغور وحراس الأبواب، والعدة للحوادث وإمداد المسلمين، والجند الذي يلقى العدو والسهم الذي يرمى به، والسلاح المدفوع في نحره، فبهم يذب عن الحريم ويؤمن السبيل وتسد الثغور، وهم عز الأرض وحماة الثغور والرادة عن الحريم والشوكة على العدو، وعلى الجند الحد عند اللقاء والصبر عند البلاء، فإن كانت لهم الغلبة فليمضوا في الطلب، وإن كانت عليهم فلينكسوا الأعنة وليجمعوا الأسنة وليذكروا أخبار غد. وينبغي للملك أن يتفقد جنوده كما يتفقد صاحب البستان بستانه، فيقلع العشب الذي لا ينفعه، فمن العشب ما لا ينفع ومع ذلك يضر بالنبات النافع وهو بالقلع أجدر. ولا يصلح الجند إلا بإدرار أرزاقهم وسد حاجاتهم، والمكافأة لهم على قدر عنائهم وبلائهم. وجنود الملك وعددها وقف على سعود الأئمة ونحوسها. وقال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيق عليهم فيضجوا منك، وأعطهم عطاء قصداً وامنعهم منعاً جميلاً، ووسع عليهم في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء. ولما أفضى الأمر إلى أبي جعفر المنصور أنفذ جيشاً وقال لقواده سيروا بمثل هذه السيرة. ثم قال: صدق الأعرابي أجع كلبك يتبعك! فقام أبو العباس الطوسي فقال: يا أمير لمؤمنين أخشى أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك. ويروى أن كسرى وضع طعاماً في سماط، فلما فرغوا ورفعت الآلات وقعت عينه على رجل من أصحابه وقد أخذ جاماً له قيمة كثيرة، فسكت عنه وجعل الخدم يرفعون الآلات فلم يجدوا الجام، فسمعهم كسرى يتكلمون فقال: ما لكم؟ قالوا: فقدنا جاماً من الجامات. فقال: لا عليكم أخذه من لا يرده ورآه من لا يفضحه. فلما كان بعد أيام دخل الرجل على كسرى وعليه حلة جميلة وحال مستجدة فقال له كسرى: هذا من ذاك! قال: نعم! ولم يقل له شيئاً. وسئل عمرو بن معاذ وكان على الطوائف: بم قدرت على جيوش الطوائف؟ وكان يغزو في كل سنة ويجهز الجيوش إلى بلاد الروم فقال: بسمانة الطيور والقديد والكعك. وروى أن بعض الملوك كان ظالماً لرعيته شديد الأذى لهم في أموالهم، فعوتب في ذلك فقال: أجع كلبك يتبعك! فوثبوا عليه فقتلوه فمر به بعض الحكماء فقال: ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه. وفي نقيض هذا المعنى قالوا: سمن كلبك يأكلك. وذلك أن رجلاً كان له كلب يسقيه اللبن ويطعمه اللحم، ويرجو أن يصيب به خيراً ويحرسه ويصيد به، فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب فأكله فقيل: سمن كلبك يأكلك. وأنشدوا: وقد سمنوا كلباً ليأكل بعضهم ولو أخذوا بالحزم ما سمن الكلب! الباب السابع والأربعون: في سيرة السلطان في استجباء الخراج أيها الملك من طال عدوانه زال سلطانه. واعلم أن المال قوة السلطان وعمارة المملكة ولقاحة

стр. 121

الأمن ونتاجه العدل، وهو حسن السلطان ومادة الملك، والمال أقوى العدد على العدو وهو ذخيرة الملك وحياة الأرض، فمن حقه أن يؤخذ من حقه ويوضع في حقه ويمنع من السرف، ولا يؤخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها ومصالحها ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود نفعها عليها. فيا أيها الملك احرص كل الحرص على عمارة الأرضين والسلام. ويا أيها الملك مر جباة الأموال بالرفق ومجانبة الخرق، فإن العلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع صوت ما لا تناله البعوضة بلسعتها وهول صوتها. ولما عزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص ﵁ عن مصر استعمل عليها ابن أبي السرح، فحمل من المال أكثر ما كان يحمل عمرو بن العاص، فقال عثمان: يا عمرو أشعرت أن اللقاح درت بعدك؟ فقال عمرو: ذلك لأنكم أعجفتم أولادها. نن وقال زياد: أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لن تزالوا سماناً ما سمنوا، وفي منثور الحكم من جاوز في الحلب حلب الدم. وفي الأمثال: إذا استقصى العجل مص أمه رفسته. وقال جعفر بن يحيى: الخراج عمود الملك وما استعزز بمثل العدل وما استذلل بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد وتعطيل الأرضين وهلاك الرعية وانكسار الخراج الجور والتحامل. ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج حتى ضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع، فهو وإن قوي من ناحية فقد ضعف من ناحية، وما أدخل على نفسه من الوجع والضعف أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع. ومثل من كلف الرعية من الخراج فوق طاقتها كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته، ومن يدمن هز العمود يوشك أن يضعف وتقع الخيمة، وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها فتخرب الأرض ويهرب الزارع، فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج ذلك ضعف الأجناد، وإذا ضعف الجند طمعت الأعداء في السلطان. أيها الملك، كن بما يبقى في يد رعيتك أفرح منك بما تأخذ منها. لا يقل مع الصلاح شيء ولا يبقى مع الفساد شيء. وصيانة القليل تربية للجليل، ولا مال لأخرق ولا عيلة لمصلح. وروي أن المأمون أرق ذات ليلة، فاستدعى سميراً فحدثه بحديث فقال: يا أمير المؤمنين كان بالبصرة بومة وبالموصل بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها فقالت بومة البصرة: لا أنكحك ابنتي إلا أن تجعلي في صداقها مائة ضيعة خراباً. فقالت بومة الموصل: لا أقدر عليها الآن ولكن إن دام والينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت لك ذلك! قال: فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور الولاة. وسمعت بعض شيوخ بلاد الأندلس من الجند وغيرهم يقولون: ما زال أهل الإسلام ظاهرين على عدوهم وأمر العدو في ضعف وانتقاص، لما كانت الأرض مقتطعة في أيدي الأجناد فكانوا يستغلونها ويرفقون بالفلاحين، ويربونهم كما يربي التاجر تجارته، فكانت الأرض عامرة والأموال وافرة والأجناد متوفرين، والكراع والسلاح فوق ما يحتاجون إليه، إلى أن كان الأمر في آخر أيام ابن أبي عامر، فرد عطايا الجند مشاهرة وأخذ الأموال على النطع وقدم على الأرض جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا واحتجبوا أموالهم واستضعفوهم، فهربت الرعايا وضعفوا عن العمارة، فقلت الجبايات المرتفعة إلى السلطان وضعفت الأجناد، وقوي العدو على بلاد المسلمين حتى أخذ الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين في نقص وأمر العدو في ظهور إلى أن دخلها المأمون، فرد الإقطاعات كما كانت في الزمان القديم، ولا

стр. 122

أدري ما يكون وراء ذلك. الباب الثامن والأربعون: في سيرة السلطان في بيت المال وهذا باب سلكت فيه ملوك الطوائف والهند والصين والسند، وبعض ملوك الروم خلاف سيرة الأنبياء والمرسلين ﵈ والخلفاء الراشدين، فكانت الملوك تدخر الأموال وتحجبها عن الرعية وتعدها اليوم كريهة، على ما بينا في الباب قبله. وكانت الرسل والخلفاء من بعدهم تبذل الأموال ولا تدخرها وتصطنع الرعية وتوسع عليها، فكانت الرعية هم الأجناد والحماة. وهذه سيرة نبينا محمد ﷺ ، وقد علمتم أن جوعه كان أكثر من شبعه، وأنه مات ودرعه مرهون في صاع من شعير عند يهودي، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابنه الحسن وعمر بن عبد العزيز. وكان النبي ﷺ لما فتح الله عليه بلاد اليمن، كانت تجبى إليه الأموال فيفرقها ليومها، وقد توضع في المسجد وتفرش الأنطاع عليها ويفرقها من الغد ولم يكن له بيت مال. وروى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ صلى العشاء الآخر، ثم دخل حجرته وخرج مسرعاً وبيده خريقة فيها ذهب فقسمه، ثم قال: ما ظن آل محمد لو أدركه الموت وهذا عنده؟ ولم يكن للنبي بيت مال ولا للخلفاء الراشدين بعده، وإنما كانت الخلفاء تقسم الأموال التي جبيت من حلها بين المسلمين، وربما كان يفضل منها فضلات فتجعل في بيت، أو يكون بالناس عنها غنى في ذلك الوقت فتجعل في بيت، فمن حضر من غائب أو احتاج من حاضر قسم له حظه، ثم يفرق حتى لا يبقى في البيت منه درهم، كما روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أشرف على بيت فيه مال فقال: يا بيضاء يا حمراء ابيضي واحمري وغري غيري! ثم أمر فقسم ما فيه بين المسلمين، وأمر قنبراً أن يكنسه ويرشه، ثم دخل فصلى فيه. ثم إن كثيراً من الملوك ساروا في الأموال على هذه السيرة من ملوك الإسلام وملوك الروم، ومعظم ما أهلك بلاد الأندلس وسلط عليها الروم أن الروم التي كانت تجاورها لم يكن لهم بيوت أموال، وكانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس ثم يدخلون الكنيسة، فيقسمها سلطانهم على رجاله بالطاس ويأخذ مثل ما يأخذون، وقد لا يأخذ منها شيئاً، وإنما كانوا يصطنعون بها الرجال، وكانت سلاطيننا تحجب الأموال وتضيع الرجال، فكان للروم بيوت رجال وللمسلمين بيوت أموال، فبهذه الخلة قهرونا وظهروا علينا. وكان من يذهب هذا المذهب ولا يدخر الأموال تضرب فيه الأمثال. ويقال: عدو الملك بيت المال وصديقه جنده، فإذا ضعف أحدهما قوي الآخر، فإذا ضعف بيت المال ببذله للحماة قوي الناصر واشتد بأس الجند فيقوى الملك، وإذا قوي بيت المال وامتلأ بالأموال قل الناصر وضعفت الحماة، فضعف الملك فوثب عليه الأعداء. وقد شاهدنا ذلك في بلاد الأندلس مشاهدة، وإذن كان الدفاع في الرجال لا في الأموال، وإنما يدافع بالأموال بواسطة الرجال فلا شك أن بيت رجال خير من بيت مال. وقد قال بعض الملوك لابنه: يا بني لا تجمع الأموال لتقوى بها على الأعداء، فإن في جمعها تقوية للأعداء. يعني إذا جمعت المال أضعفت الرجال، فيطمع فيك الصديق ويثب عليك العدو وإنما مثل الملك في مملكته مثل رجل له بستان فيه عين معينة، فإن هو قام على البستان فأحسن تدبيره وهندس أرضه وغرس أشجاره وحظر على جوانبه، ثم أرسل الماء فاخضر عوده وقويت أشجاره

стр. 123

وأينعت ثماره وزكت بركاته، فكانوا جميعاً في أمان من الضيعة لا يخافون فقراً ولا شتاتاً، وإن هو رغب في غلته وجبايته ولم ينفق فيه ما يكفيه ولا ساق إليه من الماء ما يرويه رغبة في الغلة وضناً بالمال، ضعفت عمارته ورقت أشجاره وقلت ثماره وذهبت غلته، ومحق الدهر ما جنى من غلته فافتقر القوم وهلكوا وتشتتوا. ومثال الملك في جمع المال ليتقوى به على الأعداء مثال طائر ينتف ريشه ويمص أصوله، ويأكل ما نعم منها فلذ له طيبها وأعجبه خصب جسمه على ذلك، فلم يزل كذلك حتى خف ريشه فسقط إلى الأرض فأكلته الهوام والحشرات. ورأيت في أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال واقتناء الكنوز وقال: إن الرجال وإن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم فتهافتوا عليك، فقال الملك: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم هل بحضرتنا الساعة ذباب؟ قال: لا. فأمر بإحضار جفنة فيها عسل فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها فاستشار السلطان بعض أصحابه في ذلك فنهاه عن ذلك وقال: لا تغير قلوب الرجال فليس في كل وقت أردتهم حضروا قال: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم إذا أمسينا سأخبرك. فلما أظلم الليل قال للملك: هات الجفنة بالعسل. فحضرت ولم تحضر ذبابة واحدة. وقد روينا عن سيرة بعض السلاطين في أرض مصر، وكان قد ملكها وكان اسمه بلد قوزانه، كان يجمع الأموال ولا يحفل بالرجال، فقيل له: إن أمير الجيوش بالشام يتواعدك وكائنه قادم عليك، فاستعد الرجال وأنفق فيهم الأموال، فأوما إلى صناديق موضوعة عنده وقال: الرجال في الصناديق، فغزا أمير الجيوش ذلك الملك في مصر وقتله وتسلم الصناديق والملك، فكان رأيه رأياً فاسداً لأن رجالاً يقيمهم لوقته ويصطنعهم لحاجته، إنما يكونون أجناداً مجمعين وشرذمة ملفقين، ليس فيهم غنى ولا عندهم دفاع ولا ممارسة للحروب. ومن السير المروية في هذا الباب أنه لما فتحت العراق جيء بالمال إلى عمر. فقال صاحب بيت المال: أأدخله بيت المال؟ قال: لا ورب الكعبة لا يؤوى تحت سقف بيت حتى نقسمه! فغطى في المسجد بالأنطاع وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار. فلما أصبح نظر إلى الفضة والذهب والياقوت والزبرجد والدر يتلألأ فبكى، فقال له العباس أبو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين والله ما هذا يوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور! فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكنه والله ما كثر هذا في قوم إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة ورفع يديه وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً، فإني أسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٢) ثم قال: أين سراقة بن مالك بن جعشم؟ فأتي به وكان أشعر الذراعين دقيقهما فأعطاه سواري كسرى وقال: البسهما. ففعل ذلك فقال: قل الله أكبر. قال: الله أكبر. ثم قال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة رجلاً أعرابياً من بني مدلج، ثم قلبهما وقال: إن الذي أدى هذا الأمين! فقال له رجل: أنا أخبرك أنت أمين الله تعالى وهو يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا قال: صدقت وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي صلى الله عليه وسلمقال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ولم يجعل له إلا السوارين. ولما ولي أبو بكر الصديق جاءه مال من العمال، فصب في المسجد وأمر فنادى: من كان له عند النبي ﷺ دين فليحضر. قال أبو أيوب الأنصاري: فقلت حينئذ:

стр. 124

يا خليفة رسول الله إن النبي ﷺ قال لي: لو جاءني مال أعطيتك هكذا وهكذا، وأشار بكفيه فسكت أبو بكر فانصرفت ثم عاودته فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. فقال: ما أبخل عنك اذهب فخذ! فذهبت فحفنت حفنة قال: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة دينار. قال: عد مثليها فعددت مثليها فانصرفت بألف وخمسمائة دينار. وأبو أيوب من أغنياء الأنصار وهو نزيل النبي ﷺ . دل الحديث على أن بيت المال للغني والفقير. ودل أيضاً على أنه لا يجب أن يساوى فيه بين جميع المسلمين بل ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. والدليل عليه أن النبي ﷺ قال له العباس: أعطني من هذا المال الذي عندك. قال: اذهب فخذ. فبسط ثوبه وحثى فيه فلما جاء ليحمله عجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم جاء ليحمله فعجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم حمله على عاتقه فأتبعه النبي ﷺ بصره حتى غاب عنه. فصل قال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف ﵇ من أموال مصر بحق الخراج، مما يؤخذ من وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة، وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظراً للمعاملين وتقوية لحالهم من الذهب العين، أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف دينار. من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والإنفاق على الجسور وسد الترع وإصلاح السبل، وفي تقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار، وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر، وسائر نفقات تطريق الأرض ثمانمائة ألف دينار. ولما ينصرف في أرزاق الأولياء المرسومين بالسلاح وحملته من الشاكرية والغلمان وأشياعهم، وعدة جميعهم مع ألف كاتب مرسومين بالدواوين سوى أتباعهم من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدتهم مائة ألف وإحدى عشر ألف رجل من العين، ثمانية آلاف دينار. ولما يصرف للأرامل والأيتام فرضاً لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون، أربعمائة ألف دينار. ولما يصرف في كهنة برايهم وسائر بيوت صلواتهم مائتا ألف دينار. ولما يصرف في الصدقات وينادي منادي برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة إلا حضر، فيحضر لذلك من يحضر فلا يرد واحداً والأمناء جلوس، فإذا رأوا إنساناً لم يجر رسمه أفرد بعد قبض ما يقبضه حتى إذا فرق المال واجتمع من هذه الطائفة عدد، دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والسلامة، وأنهوا إليه حال تلك الطائفة فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، ثم يمد السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستعلم من كل واحد سبب فاقته، فإن كان ذلك من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان له وأكثر، وإن كان عن دعوة سوء رأي وتدبير غير مستقيم ضمه إلى من يصرف عليه ويأخذه بالأدب والمعرفة، إلى أن يصلح من العين مائتي ألف دينار. ولما يصرف في نفقات فرعون الراتبة لسنته مائتا ألف دينار، تكون النفقات على ما تقدم تفصيلها تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه يوسف الصديق ﵇ ويحصله لفرعون في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار. وقال أبو رهم: كانت أرض مصر أرض مدبرة حتى إن الماء ليجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسوه كيف شاءوا ويرسلوه كيف شاءوا، وذلك قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (الزخرف: ٥١) وكان ملك مصر عظيماً لم يكن في الأرض ملك أعظم منه وكانت الجنات بحافتي النيل لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد. وكانت أرض مصر كلها

стр. 125

تروى من ستة عشر ذراعاً لما دبروا في جسورها وحافاتها، والزرع من بين الجبلين من أولها إلى آخرها وذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (الدخان٢٧: ٢٥) والمقام الكريم المنابر، وكان بها ألف منبر. وقال عبد الله بن عمر: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس، فأخذ في حفره وتدبيره فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطوه مالاً، وكان يذهب به من قرية إلى قرية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى القبلة، ويسوقه كيف أراد وإلى حيث قصد، فليس بمصر خليج أكثر عطوفاً منه، فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة، فحملها إلى فرعون وأخبره الخبر فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما في أيديهم، رد على أهل القرى ما أخذت منهم، فرد عليهم أموالهم. فهذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويوقن بالحساب والثواب والعقاب؟ وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥) قال: هي خزائن مصر، وكانت أربعين فرسخا في مثلها، ولم يطع يوسف فرعون ويخلفه وينوب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، فحينئذ قال: اجعلني على خزائن الأرض. ولما استوثق أمر مصر ليوسف الصديق ﵇ وكمل، وصارت الأشياء إليه وأراد ربك أن يغوضه على صبره لما لم يرتكب محارمه، وجاءت سنو الغلاء والجوع مات العزيز وذهبت الذخائر، وافتقرت زليخا وعمي بصرها وجعلت تتكفف الناس فقيل لها: لو تعرضت للملك لعله يرحمك ويغنيك، فطالما حفظتيه وأكرمتيه! ثم قيل لها: لا تفعلي لأنه ربما يتذكر منك ما كان منك إليه من المراودة والحبس، فيسيئ إليك ويكافئك على ما كان منك إليه. فقالت: أنا أعلم بحمله وكرمه وجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه، وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته. فلما أحست به قامت ونادت: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم! فقال يوسف: ومن أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك على صدور قدمي وأرجل جمتك بيدي واكرم مثواك بجهدي، وكان مني ما كان وذقت وبال أمري وذهبت قوتي وتلف مالي، وفني عمري وعمي بصري وصرت أسأل وأتكفف، فمنهم من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، بعد أن كنت مغبوطة أهل مصر كلها صرت مرحومتهم بل محرومتهم، هذا جزاء المفسدين! فبكى يوسف ﵇ بكاء شديداً وقال لها: هل بقي في قلبك من حب شيء؟ فقالت: والذي اتخذ إبراهيم خليلاً لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة! فمضى يوسف وأرسل إليها رسولاً وقال لها: إن كنت أيما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك فقالت لرسول الملك: أنا أعرف أنه يستهزئ بي، هو لم يردني أيام شبابي وجمالي فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ فأمر بها يوسف ﵇ فجهزت فتزوجها، وأدخلت عليه فصف يوسف قدميه وقام يصلي ودعا الله باسمه الأعظم، فرد الله تعالى عليها شبابها وجمالها وبصرها كهيئتها يوم راودته، فواقعها فإذا هي بكر فولدت له إفراثيم بن يوسف وميشا بن يوسف، وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الدهر بينهما. فيجب للقوي أن ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب مطلوب يصير طالباً ومرغوب يصير راغباً، ومسؤول يصير

стр. 126

سائلاً وراحم يصير مرحوماً فهذا يوسف الصديق ﵇ انظر إلى ضعفه في يدي أخوته يوم الجب ثم ضعفهم بين يديه يوم الصواع. وهذه زليخا ملكة مصر وسيدة أهلها عادت تتكفف في الطرقات. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (الأعراف: من ١٣٧) وكان يوسف بعد هذا يجوع ويأكل خبز الشعير ولا يشبع فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين. وقد رأيت أن أتحفك بمنقبة في مثلها يتنافس العقلاء ويرغب فيها الملوك والوزراء، وذلك أني لما كنت بالعراق وكان الوزير نظام الملك الغالب على ألقابه خوجه بزرك ﵀، قد وزر لأبي الفتح ملك الترك ملك شاه بن البارسلان، وكان قد وزر لأبيه من قبله فقام بدولتهما أحسن قيام، فشد أركانهما وشيد بنيانهما واستمال الأعداء ووالى الأولياء، واستعمل الكفاة وعم إحسانه العدو والصديق والمبغض والحبيب والبعيد والقريب، حتى ألقى الملك بجرانه وذل الخلق لسلطانه. وكان الذي مهد له ذلك بإذن الله تعالى وتوفيقه أنه أقبل بكليته على مراعاة حملة الدين، فبنى دور العلم للفقهاء وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس الرباطات للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ثم أجرى لهم الجرايات والكسى والنفقات، وأجرى الخبز والورق لمن كان من أهل العلم مضافا إلى أرزاقهم، وعم بذلك سائر أقطار مملكته، فلم يكن من أوائل الشام وهي بيت المقدس إلى سائر الشام الأعلى وديار بكر والعراقين، وخراسان بأقطارها إلى سمرقند من وراء نهر جيحون مسيرة زهاء مائة يوم، حامل علم أو طالبه أو زاهد أو متعبد في زاويته إلا وكرامته شاملة له سابغة عليه. فكان الذي يخرج من بيوت أموله في هذه الأبواب ستمائة ألف دينار في كل سنة، فوشى به الوشاة إلى أبي الفتح الملك وأوغلوا صدره عليه وقالوا: إن هذا المال المخرج من بيوت الأموال يقام به جيش يركز رايته في سور قسطنطينية. فخامر ذلك قلب أبي الفتح الملك فلما دخل عليه قال: يا أبت بلغني أنك تخرج من بيوت الأموال كل سنة ستمائة ألف دينار إلى من لا ينفعنا ولا يغني عنا. فبكى نظام الملك وقال: يا بني أنا شيخ أعجمي لو نودي علي فيمن يزيد لم أحفظ خمسة دنانير، وأنت غلام تركي لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين ديناراً وأنت مشتغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله معاصيك دون طاعتك، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراعان وقوس لا ينتهي مدى مرماه ثلثمائة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور. وأنا أقمت لك جيشاً يسمى جيش الليل إذا نامت جيوشك ليلاً قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفاً بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم، ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون وبدعائهم تثبتون وببركتهم تمطرون وترزقون، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة بالدعاء والتضرع. فبكى أبو الفتح الملك بكاء شديداً ثم قال يا أبت شاباش يا أبت شاباش أكثر لي من هذا الجيش! ومن مناقب هذا الرجل وفضائله أن رجلاً قصده يقال له أبو سعيد الصوفي فقال له: يا خوجه أنا أبني لك مدرسة ببغداد مدينة الإسلام لا يكون في معمور الأرض مثلها، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة،.

стр. 127

قال: فافعل. فكتب إلى وكلائه ببغداد أن يمكنوه من الأموال، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة وخط المدرسة النظامية وبناها أحسن بنيان، وكتب عليها اسم نظام الملك وبني حولها أسواقاً تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعاً وخانات وحمامات ووقفت عليها، فكملت لنظام الملك بذلك رياسة وسؤدد وذكر جميل طبق الأرض خبره، وعم المشارق والمغارب أثره، وكان ذلك في سني عشر الخمسين وأربعمائة من الهجرة. ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك فبلغ ما يقارب ستين ألف دينار، ثم نمى الخبر إلى نظام الملك من الكتاب وأهل الحساب أن جميع ما أنفق نحو تسعة آلاف دينار، وأن سائر الأموال احتجها إلى نفسه وخانك فيها فدعاه نظام الملك إلى إصبهان للحساب. فلما أحس أبو سعيد بذلك أرسل إلى الخليفة أبي العباس يقول له: هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك وأنشر لك فخراً لا تمحوه الأيام؟ قال: وما هو؟ قال: أن تمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة وتكتب اسمك عليها وتزن له ستين ألف دينار فأرسل إليه الخليفة يقول: أنفذ من يقبض المال. فلما استوثق منه مضى إلى إصبهان فقال له نظام الملك إنك رفعت لنا نحواً من ستين ألف دينار وأحب أن تخرج الحساب. فقال له أبو سعيد: لا تطل الخطاب، إن رضيت فبها وإلا محوت اسمك المكتوب عليها وكتبت عليها اسم غيرك فأرسل معي من يقبض المال. فلما أحس نظام الملك بذلك قال: يا شيخ قد سوغنا لك جميع ذلك ولا تمح اسمنا. ثم إن أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات للصوفية واشترى الضياع والخانات والبساتين والدور، ووقف جميع ذلك على الصوفية فالصوفية إلى يومنا هذا في رباط أبي سعيد الصوفي وأوقافه يتقلبون ببغداد. ففي مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، فإن فيها عز الدنيا وشرف الآخرة وحسن الصيت وخلود جميل الذكر، فإنا لم نجد شيئاً يبقى على الدهر إلا الذكر حسناً كان أو قبيحاً. وقد قال الشاعر: ولا شيء يدوم فكن حديثاً جميل الذكر فالدنيا حديث فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر، وقدم لنفسك كما قدموا وتذكر بالصالحات كما ذكروا وادخر لنفسك كما ادخروا. واعلم أن المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاثة شئت والسلام. وفي مثله يقول أبو القاسم الحريري صاحب المقامات: مالك من مالك إلا الذي قدمت فابذل طائعاً مالكاً تقول أعمال ولو فتشوا رأيت أعمالك أعمى لكا وكان ابن أبي داود الوزير واسع النفس مبسوط اليدين، يعطي الجزيل ويستقل الكثير ولا يرد سؤالاً ويبتدي بالنوال، فقال له الواثق أمير المؤمنين يوماً: قد بلغني بسط يدك بالعطاء وهذا يتلف بيوت الأموال. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا أمير المؤمنين ذخائر أجرها واصل إليك ومفاتيح شكرها موصول بك، وإنما لي من ذلك محبتي في إيصال الثناء إليك! فقال الواثق بالله: أنت جد بالعطاء وأكثر الشكر والثناء والله أعلم. الباب التاسع والأربعون: في سيرة السلطان في الإنفاق من بيت المال وفي سيرة العمال أعلم أن يوسف الصديق ﵇ لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل الشعير فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض! فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين. وروى البهيقي قال: لما استخلف أبو بكر الصديق غدا إلى السوق فقال له عمر بن الخطاب: أين تريد؟ قال: السوق. قال: قد جاءك ما شغلك عن السوق. قال: سبحان الله يشغلني

стр. 128

عن عيالي؟ قال: يفرض لك بالمعروف. قال: فأنفق في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم ووصى أن ترد من ماله في بيت المال. وروى هذه القصة الحسن البصرى قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال: انظروا كم أنفقت من مال الله فوجدوه قد أنفق في سنتين ونصف ثمانية آلاف درهم. قال: أقضوها عني. فقضوها عنه ثم قال: يا معشر المسلمين، إنه قد حضر من قضاء الله ما ترون ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم، فإن شئتم اجتمعتم وائتمرتم وإن شئتم اجتهدت لكم، فوالله الذي لا إله إلا هو ما آلوكم ونفسي خيراً! فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا. فقال: إني قد اخترت لكم عمر. ويروي مالك هذه القصة على غير هذا الوجه قال: بلغني أن أبا بكر لما ولي لم ينفق من مال الله تعالى شيئاً قال: وغدا يوماً إلى بني عمرو بن عوف، وكانت له هناك امرأة من الأنصار في جمال يريد بيعها، فلقيه بعض المسلمين فقال له: ما تصنع هذا يشغلك عن المسلمين وعن النظر في أمورهم؟ قال: فكيف أصنع؟ قال: تتفرغ للنظر في أمورهم وتنفق من هذا المال. قال: فباع تلك الإبل وغيرها من ماله إلا الأرض، ثم طرحه في بيت المال وكان ينفق من المال على نفسه وعلى عياله، ثم كان عمر على مثل ذلك ثم ولي عمر بن عبد العزيز فلم ينفق منه، فقيل له: قد صنع أبو بكر وعمر ما قد علمت. قال: أجل ولكني أخذت من هذا المال فإن يكن لي فيه حق فقد استوفيت وزدت، ولولا ذلك لفعلت. قال ابن القاسم: قلت لما لك: فأين قولهم عن عمر أنه رد ثمانين ألفاً؟ قال: كذبوا! إنما يقول ذلك أعداء الله، هم لم يجز لولده سلف أبي موسى الأشعري إياه حتى أخذ منه نصفه، فكيف يأخذ من مال الله ثمانين ألفاً؟ ولما توفي أبو بكر استرجع علي بن أبي طالب، وجاء مسرعاً باكياً وقال: رحمك الله يا أبا بكر! كنت والله أول القوم إسلاماً وأكملهم إماناً، وأشدهم يقينا وأخوفهم لله تعالى، وأحفظهم لرسول الله ﷺ ، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتا وفضلاً، وأكرمهم عليه وأرفعهم عنده فجزاك الله عن الإسلام خيراً! صدقت رسول الله ﷺ حين كذبه الناس، فسماك الله في كتابه صديقاً فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣) وآنسته حين تخلفوا وقمت معه حين قعدوا، وصحبته في الشدة حين تفرقوا أكرم الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة والمنزل عليه السكينة وخليفته في أمته بأحسن الخلافة، فقويت حين ضعف أصحابك وبرزت حين استكانوا، وقمت بالأمر حين فشلوا ومضيت بقوة إذ وقفوا، كنت أطولهم صمتاً وأبلغهم قولاً وأشجعهم قلباً، وأشدهم يقيناً وأحسنهم عملاً، كنت كما قال رسول الله ﷺ : ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر دينك، متواضعاً في نفسك عظيماً عند ربك، محبوباً إلى أهل السماوات والأرض، فجزاك الله عنا وعن الإسلام خيراً. وقال عمر بن الخطاب: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً! وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله سبحانه بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت إستعففت وإن افترقت أكلت بالمعروف. وفي رواية أخرى: إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته. وفي رواية أخرى: أخبركم بما أستحل من مال الله، وما قال يحل لي، أستحل منه حلتين حلة الشتاء وحلة للقيظ، وما أحج عليه واعتمر وقوتي وقوت عيالي كقوت رجل من قريش لا من أغنيائهم ولا من فقرائهم، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم. وقال أنس بن مالك: غلا الطعام على عهد عمر

стр. 129

رضي الله عنه الخطاب فأكل عمر خبز الشعير، وكان قبل ذلك لا يأكله فاستنكره بطنه فصوت فضربه بيده وقال: هو والله كما ترى يوسع الله على المسلمين! وقال أبو عثمان النهدي: رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت وعليه جبة صوف فيها اثنتا عشرة رقعة إحداها أديم أحمر. وقال عطاء بن السائب: استعمل عمر بن الخطاب السائب بن الأقرع على المدائن، فدخل إيواناً من إيوان كسرى، فإذا صنم يشير بإصبعه إلى الأرض وقد عقد أربعين فقال: والله ما يشير هذا إلى الأرض إلا وثم شيء، فاحتفروا فاستخرجوا سفطاً فيه جوهر، فكتب إلى عمر: أما بعد فإني دخلت إيواناً من إيوان كسرى فرأيت كذا وكذا، فاحتفرت فوجدت سفطاً فيه جوهر فلم أجد أحق به منك يا أمير المؤمنين، لم يكن من فيء المسلمين فأقسمه بينهم إنما أصبنا شيئاً تحت الأرض. فلما قدم السفط على عمر وعليه خاتم السائب، فرأى عمر فيما يرى النائم كأن ناراً أججت وهو يراد أن يلقى فيها، فكتب إلى السائب أن أقدم علي. قال: فقدمت عليه وهو يطوف في إبل الصدقة، فطفت معه نصف النهار ثم دعا بماء فاغتسل ودعا لي بماء فاغتسلت، ثم ذهب إلى منزله فأتى بلحم غليظ وخبز متحمش ثم قال: انظر من على الباب فإذا أسودان من أهل الصفة، فأذن لهم فجعل يأكل معهم، فإذا لحم غليظ لا أستطيع أن أسيغه، وقد كنت تعودت درمك أصبهان إذا وضعته في فمي نزل بطني، ثم دعا بالسفط فقال: أتعرف خاتمك؟ قلت: نعم. قال: كتبت ترفق بي تزعم أني أحق به، من أين أصبته؟ فأخبرته قال: اذهب فاجعله في بيت مال المسلمين حتى أقسمه بينهم. وقال قتادة: قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام، فصنع له طعام لم ير قبله مثله فقال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهو لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنة فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن كان حظنا في هذا الطعام وذهبوا بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً. وقال عبد الله بن عمر العمري: إن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك. قال: ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي! قال: فدخل منزله فلم ير شيئاً. فقال عمر: أين متاعك لا أرى إلا لبداً وشناً وصحفة وأنت أمير أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جرابه فأخرج منه كسيرات، فبكى عمر فقال أبو عبيدة: قد قلت إنك تعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك من الدنيا ما بلغك المقيل! فقال عمر: غرتنا الدنيا بعدك يا أبا عبيدة! وقال النخعي: بعث عمر بن الخطاب مصدقين فأبطئوا عليه وبالناس حاجة شديدة، فجاءوا بالصدقات فقام فيها متزراً بعباء يختلف في أولها وآخرها يقول: هذه لآل فلان حتى انتصف النهار وجاع، فدخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكل ثم قال: من أدخله بطنه النار أبعده الله! وقال طاوس: أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب، فما أكل سمناً ولا سميناً حتى أكل الناس. وقال سعيد ابن جبير: إن علياً ﵁ قدم الكوفة وهو خليفة، وعليه إزاران قطريان قد رقع إزاره بخرقة ليست بقطرية من وراءه، فجاء أعرابي فنظر إلى تلك الخرقة فقال: أمير المؤمنين، كل من هذا الطعام والبس واركب فإنك ميت أو مقتول! قال: إن هذا خير لي في صلاتي وأصلح لقلبي، وأشبه بسنة الصالحين قبلي وأجدر أن يقتدى بي من أتى بعدي. وقال الحسن: إن عمر بن الخطاب بينما هو يعس في المدينة بالليل، إذ أتى امرأة من الأنصار تحمل قربة، فسألها فذكرت أن لها عيالاً وأن ليس لها خادم، وأنها تخرج بالليل فتسقيهم

стр. 130

الماء وتكره أن تخرج بالنهار، فحمل عمر عنها القربة حتى بلغ منزلها وقال: اغدي على عمر غدوة يخدمك خادماً. قالت: لا أصل إليه. قال: إنك ستجدينه إن شاء الله تعالى. فغدت عليه فإذا هي به فعرفت أنه الذي حمل قربتها، فذهبت تولي فأرسل في إثرها وأمر لها بخادم ونفقة. ولما حج عمر قال: كم بلغت نفقتنا يا برقا؟ قال: ثمانية عشر ديناراً يا أمير المؤمنين. قال: ويحك أجحفنا ببيت مال المسلمين! وقال شهر بن حوشب: لما قدم عمر بن الخطاب الشام طاف بكورها حتى نزل حمصاً فقال: اكتبوا لي فقراءكم. فرفعوا إليه الرقعة فإذا فيها سعيد بن عامر فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا! فعجب عمر وقال: كيف يكون أميركم فقيراً؟ قالوا: إنه لا يمسك شيئاً. فبكى عمر وبعث إليه ألف دينار يستعين بها في حاجته، فجعل يسترجع، فجعل يسترجع فقالت له امرأته: مالك أصابك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: أعظم من ذلك أتتني الدنيا دخلت علي الدنيا، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاماُ، فوالله ما يسرني أني حبست عن الرعيل الأول وأن لي ما طلعت عليه الشمس! قالت: فاصنع به ما شئت. قال: هل عندك معونة؟ قالت: نعم. فأتته بخمارها فصر الدنانير فيه صررا ثم جعلها في مخلاة وبات يصلي ويبكي حتى أصبح، فاعترض جيشاً من جيوش المسلمين فأمضاها كلها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو حبست منها شيئاً نستعين به! قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك، وإني والله ما أختارك عليهن! فسكتت. وروي أن عمر بن الخطاب استعمل على حمص رجلا يقال له عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه أن يقدم، عليه فلم يشعر به عمر أن قدم ماشياً حافياً معه عكازته بيده وأداوته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال: يا عمير أجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما نهاك الله أن تجهر بالسوء من القول وعن سوء الظن؟ وما ترى من سوء الحال وقد جئتك بالدنيا أجرها بقرابها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازتي أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيت، ومزودي أحمل فيه طعامي، وأداوتي هذه أحمل فيها ماء لشربي وصلاتي، وقصعتي هذه أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فوالله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي! قال: فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وبكى ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل. ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ قال: أخذت الرقة من أهل الرقة، والإبل من أهل الإبل، وأخذت الجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به! فقال عمر: عد إلى عملك. فقال عمير: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تردني إلى عملي ولم أسلم منه حتى قلت لذمي: أخزاك الله! فهذا ما عرضني له. ولقد خشيت أن يخاصمني له محمد ﷺ ولقد سمعته يقول: أنا حجيج المظلوم ومن حاججته حججته، ولكن أتأذن لي آتي أهلي؟ فأذن له فأتى أهله فبعث إليه عمر رجلاً يقال له حبيب بمائة دينار فقال له: إذا أتيت عميراً فانزل عليه ثلاثاً، فإن يكن خائناً لم يخف عليك في عيشه وحال أهل بيته، وإن لم يكن خائناً لم يخف عليك فادفع إليه المائة دينار. فأتاه حبيب فنزل عليه ثلاثاً فلم ير له عيشاً إلا الشعير والزيت، فلما مضت الثلاث قال: يا حبيب إن رأيت أن تتحول عنا إلى جيراننا، فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشاً منا، فأما نحن والله لو كان

стр. 131

عندنا غير هذا لآثرناك به! قال: فدفع إليه المائة دينار وقال: قد بعث بها إليك أمير المؤمنين. فدعا بفر وخلق لامرأته فصرها الخمسة والستة والسبعة فقسمها، فقدم حبيب على عمر فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من عند أزهد الناس، وما عنده من الدنيا لا قليل ولا كثير. فبعث إليه عمر وقال: ما صنعت بالمائة يا عمير؟ فقال: لا تسألني عنها. قال: لتخبرني. قال: قسمتها بيني وبين إخواني من المهاجرين والأنصار. قال: فأمر له بوسقين من طعام وثوبين. قال: يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبل، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر، هو كافيهم حتى أرجع إليهم! وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ صر أربعمائة دينار وقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح. ثم تلكأ ساعة في البيت حتى ترى ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه وقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلكأ بالبيت حتى تنظر ما يصنع فيها. فذهب بها إليه وقال: إن أمير المؤمنين يقول لك اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: ﵀ ووصله. ثم قال: يا جارية اذهبي إلى فلان بكذا وإلى فلان بكذا. فقالت امرأة معاذ: ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام فأخبر عمر فقال عمر: إنهم إخوة بعضهم من بعض. الباب الخمسون: في سيرة السلطان في تدوين الدواوين وفرض الأرزاق وسيرة العمال اعلموا أرشدكم الله أن أول من اتخذ الدواوين وأجرى الأعطية على ما روي عمر بن الخطاب، فكان يفضل أهل السابقة ثم الذين يلونهم حتى أجرى على العامة شيئاً واحداً ثلاثمائة وأربعمائة، وفرض للعيال مائة درهم في كل سنة. وكان أبو بكر يسوي بين الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة ويقول: إنما عملوا لله فأجورهم على الله، وإنما هذا المال عرض حاضر يأكله البر والفاجر، وليس ثمناً لأعمالهم. وكان عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه. ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ولاية عمار، فأجرى على عمار ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنه ومن كان يلي معه في كل شهر لما بعثه، وبعث معه عثمان بن حنيف وابن مسعود إلى العراق. وأجرى عليه في كل يوم نصف شاة ورأسها وجلدها وأكارعها ونصف جريب كل يوم. وأجرى على عثمان بن حنيف ربع شاة وخمسة دراهم كل يوم، مع عطائه وكان عطاؤه خمسة آلاف درهم. وأجرى على عبد الله بن مسعود مائة درهم في كل شهر وربع شاة في كل يوم وأجرى على شريح القاضي مائة درهم في كل شهر وعشرة أجربة. وإنما فضل عماراً عليهم لأنه كان على الصلاة. قال مالك: وكان عمر لايفرض لصغير ورضيع وإذا فطم فرض له، فمر من الليل وصي يبكي يبغي الرضاع وأمه لا ترضعه، فقال لها عمر: أرضعيه! قالت: إذاً لا يفرض له عمر. قال: بلى هو يفرض له! ثم فرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في كل سنة؛ قال ابن حبيب: وفرض عمر للعيال كل عيل من ذكر وأنثى جريبين من بر في كل شهر، وقسطين من زيت وقسطاً من خل ومائة درهم في كل

стр. 132

سنة. قال: والجريب قفيز بالقرطبي، والقسط قدر ثمن ربع الزيت بالقرطبي. قال الحسن: وكان عطاء سليمان خمسة آلاف، وكان على زهاء ثلاثين ألفاً من الناس، وكان يخطب الناس في عباءة يلبس نصفها ويفرش نصفها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه وكان يسف الخوص ويأكل من عمل يديه. وقال الحسن: قدم على عمر بن الخطاب وفد من أهل البصرة مع أبي موسى الأشعري، قال: فكنا ندخل عليه وله في كل يوم خبز يلث، فربما وافقناها مأدومة بسمن وأحياناً بزيت وأحياناً باللبن، وربما وافقنا القديد اليابس قد دق ثم أغلي عليه بماء، وربما وافقنا اللحم العريض وهو قليل. فقال لهم يوماً: إني والله أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرفهكم عيشاً، وأما والله ما أجهل كراكر وأسمنة وصناباً وصلائق، قال: والصلاء الشواء والصناب الخردل والصلائق الخبز الرقائق، ولكني سمعت الله عير قوماً بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الاحقاف: ٢٠) . فكلمنا أبو موسى فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين لفرض لكم من بيت المال طعاماً تأكلونه. فكلمناه فقال: يا معشر الأمراء، هل ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسي؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن المدينة أرض العيش بها شديد، ولا نرى طعامك يغنينا ولا يؤكل طعامك، وأنا بأرض ذات ريف وإن أميرنا يغنينا وإن طعامه يؤكل! قال: فنظر ساعة ثم رفع رأسه فقال: قد فرضت لكم من بيت المال شاتين وجريبين. فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين، فكل أنت وأصحابك ثم ادع بشراب واسق الذي عن يمينك ثم اسق الذي عن شمالك ثم قم لحاجتك، فإذا كان العشاء فضع الشاة الغابرة على الجريب الآخر فكل أنت وأصحابك، ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم، والله ما أرى رستاقاً يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرعان في خرابه! وكان عمر قد أطعم جريبين بالخل والزيت لثلاثين رجلاً فكفاهم، فأجراه على كل رجل في كل شهر ممن كان في الدواوين، مكان ما كانت فارس تجريه على خيولهم وأساورتهم. وقال سعيد بن المسيب وأبو سلمة: كان عمر بن الخطاب أبا العيال يسلم على أبوابهن ويقول: ألكن حاجة وأيتكن تريد أن تشتري شيئاً؟ فيرسلن معه بحوائجهن، ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده. وإذا قدم الرسول من بعض الثغور يتبعهن بنفسه في منازلهن بكتب أزواجهن ويقول: أزواجكن في سبيل الله وأنتن في بلدة رسول الله، إن كان عندكن من يقرأ وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن. ثم يقول: الرسول يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن. ثم يدور عليهن بالقراطيس والدواة ويقول: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب حتى أكتب لكن. ويمر بالمغيبات فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن. وقال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملاً لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا جميعاً. فلما قدمت المدينة أتيت برقا فقلت: يا برقا مسترشد وابن سبيل! أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله؟ فأومأ إلى الخشونة، فعمدت إلى خفين مطارفين ولبست جبة صوف ولبست عمامتي على رأسي، فدخلنا على عمر بن الخطاب فصففنا بين يديه فصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه غيري، فدعاني فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي. قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: وما ترتزق؟ قلت: ألفاً. قال: كثير فما

стр. 133

تصنع بها؟ قلت: أتقوت منها بشيء وأعود على أقارب لي، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين. قال: فلا بأس عليك ارجع إلى موضعك. فرجعت إلى موضعي من الصف فصعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا علي فدعاني فقال لي: كم سنك؟ قلت: خمسة وأربعون سنة. قال: الآن استحكمت. ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش وقد تجوعنا له، فأتى بخبز وأعضاء بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك، فجعلت آكل وجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سحت في الأرض ولم أقلها فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس محتاجون إلى سلامك، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني وقال: كيف قلت؟ فقلت: أقول يا أمير المؤمنين لو تنظر إلى قوتك من الطحين أن يخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذا، فيؤتى بالخبز ليناً وباللحم غريضاً. فسكن غيظه ثم قال: ههنا زغت. قلت: نعم. قال: يا ربيع إنا لو شئنا لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسنابك، يعني الخبز الحواري ولكني رأيت الله تعالى عاب على قوم شهواتهم فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الاحقاف: ٢٠) ثم أمر أبا موسى بإقراري على عملي وأن يستبدل بأصحابي. وقال قبيصة بن ذؤيب: دعا عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد، وكان على أهل حمص، فقال: علام يحبك أهل الشام؟ فقال: إني أحبهم فأحبوني. قال: مالك اليوم؟ قلت: عبدي وفرسي وبغلي وخادمي! قال: فما تلبس في الشتاء؟ قال: عصابة أشد بها رأسي وجبة وكساء. قال: فما تلبس في الصيف؟ قال: قميصاً وريطة. قال: فأعطاني عمر ألف دينار وقال خذها وأنفق منها وأعط منها. قلت: لا أرب لي فيها وستجد من هو أحوج إليها مني! قال: خذها فإن النبي ﷺ دفع إلي مالاً وهو دون ما أعطيتك، فقلت له كما قلت لي فقال: يا عمر ما آتاك الله من هذا المال عطاء من غير أن تعرض له أو تشرف له نفسك فاقبله فأخذه فانطلق به إلى امرأته فقال: أترين رجلاً له هذا من فقراء المهاجرين هو أم من الأغنياء؟ فقالت: بل من الأغنياء. فقسمها حتى بقيت منها صرت أظن فيها ثلاثين أو نحو ذلك فقالت له امرأته: أليس لي أنا حق؟ فأعطاها إياها. قال رجاء بن حيوة: رأيت امرأة تسأل عن دار عمر بن عبد العزيز ﵁، فأرشدناها إلى الدار فرأت داراً متهشمة فقالت لخياط هناك: استأذن لي على فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز. فقال: ادخلي وصوتي لها فإنها تأذن لك. فدخلت فلما أبصرت ما هنالك قالت: جئت أرم فقري من بيت الفقراء وإذا رجل يعمل في الطين وهناك امرأة فسألتها عن أمير المؤمنين فقالت: هو ذاك يعمل في الطين. فقالت له: يا أمير المؤمنين، مات زوجي وترك لي ثماني بنات! فبكى عمر بكاء شديداً ثم قال لها: ما تريدين؟ قالت: تفرض لهن. فقال: نفرض للكبرى ما اسمها؟ قالت: فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله. قال: وما اسم الثانية؟ قالت: فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله حتى متب السابعة، فقالت: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين! فطرح القلم من يده وقال لها: لو أنك وليت الحمد أهله لأتممناهن لك مري السبع فليواسين الثامنة. الباب الحادي والخمسون: في أحكام أهل الذمة روى عبد الرحمن بن غنم قال: كتبنا إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلية ولا صومعة

стр. 134

راهب، ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان مختطاً منها في خطط المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوساً ولا نكتمه عن المسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع أحداً من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا ونلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ولا نظهر صلباننا، وكتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً ولا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في حضرة المسلمين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاوزهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين ولا نطلع على منازلهم. فلما أتيت عمر ﵁ بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين، شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. فكتب عمر ﵁ أن أمض ما سألوه، وألحق فيه حرفين واشترطهما عليهم مع ما شرطوه على أنفسهم أن لا يشتروا شيئاً من سبايا المسلمين، ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده. وروى نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أهل الشام في النصارى: أن يقطع ركابهم وأن يركبوا على الأكف وأن يركبوا في شق، وأن يلبسوا خلاف زي لباس المسلمين ليعرفوا. وروي أن بني ثعلبة دخلوا على عمر بن عبد العزيز فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا قوم من العرب افرض لنا. قال: نصارى؟ قالوا: نصارى. قال: ادعوا إلي حجاماً ففعلوا فجز من نواصيهم وشق من أرديتهم حزماً يحتزمونها، وأمرهم أن لا يركبوا بالسروج ويركبون الأكف من شق واحد. وروي أن أمير المؤمنين المتوكل أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلهم وأقصاهم، وخالف بين زيهم وزي المسلمين وجعل على أبوابهم مثالاً للشياطين لأنهم أقرب لذلك وهم أهله، وقرب منه أهل الحق وباعد عنه أهل الباطل والأهواء، فاحي الله به الحق وأمات به الباطل، فهو يذكر بذلك فيترحم عليه ما دامت الدنيا. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا تستعملوا اليهود ولا النصارى، فإنهم أهل رشا في دينهم ولا يحل الرشا. ولما استقدم عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى الأشعري من البصرة وكان عاملاً عليها للحساب، دخل على عمر وهو في المسجد فاستأذن لكاتبه وكان نصرانياً فقال له عمر ﵁: قاتلك الله! وضرب بيده على فخذه، وليت ذمياً على المسلمين أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١) ألا اتخذت حنيفاً؟ قال: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. وكتب بعض العمال إلى عمر بن الخطاب ﵁: إن العدد قد كثر

стр. 135

وإن الجزية قد كثرت، أفنستعين بالأعاجم؟ فكتب إليه عمر: إنهم أعداء الله وإنهم لنا غششة فأنزلوهم حيث أنزلهم الله ولا تؤدوا إليهم شيئاً. وقال عمر بن أسد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى محمد بن المنتشر: أما بعد فإنه بلغني أن في عملك رجلاً يقال له حسان بن بردا على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٥٧) فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان إلى الإسلام فإن أسلم فهو منا ونحن منه وإن أبى فلا تستعن به ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين، فقرأ الكتاب عليه فأسلم. ولما خرج النبي إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال: إني أريد أن أتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: فارجع فلن نستعين بمشرك. ثم لحقه عند الشجرة ففرح به أصحاب النبي ﷺ ، وكانت له قوة وجلادة، قال: جئتك لأتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا قال: ارجع فلن أستعين بمشرك. ثم لحقه على ظهر البيداء فقال له مثل ذلك قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. قال: ففرح به. وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر. هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي النبي ﷺ ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين؟ وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله: أن لا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن. فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير، فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير. فصل: ومتى نقض الذمي العهد بمخالفته لشيء من الشروط المأخوذة عليه، لا يرد إلى مأمنه والإمام فيه بالخيار بين القتل والإسترقاق. وقال أصحاب الشافعي ﵁: ويلزمهم أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس، وإن لبسوا قلانس ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، ويشدون الزنانير في أوساطهم ويكون في رقابهم خاتم من رصاص أو نحاس أو جرس يدخلون به الحمام، وليس لهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان. وأما المرأة فإنها تشد الزنار تحت الإزار وقيل فوقه، وهو أولى، ويكون في عنقها خاتم تدخل به الحمام ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض، ولا يركبون الخيل ويركبون البغال والحمير بالأكف عرضاً، ولا يركبون بالسروج. ولا يصدرون في المجالس ولا يبدءون بالسلام ويلجئون إلى أضيق الطرق ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة وقيل لا تجوز بل يمنعون، وإن تملكوا داراً عالية أقروا عليها، ويمنعون من إظهار المنكر والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، ويمنعون من المقام في الحجاز وهو مكة والمدينة واليمامة. ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلاً يكتب أسماءهم وحلاهم ويستوفي جميع ما يؤخذون به جميع الشروط، وإن امتنعوا من إداء الجزية والتزام أحكام الملة انتقض عهدهم. وإن زنا أحدهم بمسلمة أو أصابها بنكاح أو آوى عيناً للكفار ودل على عورة المسلمين، أو فتن مسلماً عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق أو ذكر الله ورسوله ﷺ بما لا يجوز قيل: ينتقض العهد وإن فعل ما يمنع منه مما لا ضرورة فيه كترك الغيار وإظهار الخمر وما أشبهما عزر عليه، ومتى فعل ما لا يوجب نقض العهد رد إلى مأمنه في أحد القولين وقتل في الحين في القول الآخر.

стр. 136

فصل: وفي تقدير الجزية اختلاف بين العلماء فقيل: إنها مقدرة الأقل والأكثر على ما كتب به عمر ﵁ إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهماً وعلى من دونه أربعة وعشرين درهماً، وعلى من دونه اثنا عشر درهماً، وذلك بمحضر من الصحابة رصي الله عنهم، ولم يخالفه أحد وكان الصرف اثني عشر درهماً بدينار. وهذا مذهب أبي حنيفة وابن حنبل ﵄، وأحد قولي الشافعي ﵁ وجعلوه كأنه حكم إمام فلا ينقض وقيل: إنها مردودة إلى الأمام في الزيادة والنقصان وهو الأقيس، وقيل: إنها مقدرة الأقل دون الأكثر. فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر ﵁، ولا يجوز أن ينقص عنه. وقال بعضهم: يجوز أن يساوي بينهم فيأخذ من كل واحد ديناراً وقال مالك ﵁: يؤخذ من الموسر أربعون درهماً، ومن الفقير دينار أو عشرة دراهم. ويتخرج على مذهب مالك ﵁ في وجوب تقدير طرفيها قولان، بناء على العشرة المأخوذة منهم هل هو تقدير شرعي لا تجوز فيه الزيادة والنقصان، وعن مالك فيه روايتان. ولا جزية على النساء والمماليك والصبيان والمجانين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: سلام عليك. أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور من العمال واستسنت سنة سنها عليهم عمال السوء فأحرز عليهم أرضهم ولا تحمل خراباً على عامر ولا عامراً على خراب، ولا تأخذ من الخراب ما لا يطيقون ولا من العامر إلا وظيفة الخراج، ولا وزن سبعة ليس لها أس، ولا أجور الضرابين ولا أداة فضة ولا هدية النوروز والمهرجان، ولا ثمن المصحف ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض والواجب أن يؤخذ ما ضربه عمر بن الخطاب ﵁، وهو من كل جريب كرم عشرة دراهم، ومن كل جريب نخل ثمانية دراهم، ومن كل جريب رطبة أو شجر ستة دراهم، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شعير درهمان. فصل: وأما الكنائس فإن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة وأمر أن لا يظهر علية خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من كنية إلا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز ﵁ فأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة، وهكذا قال الحسن البصري قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب، وقال الأصطخري: إن طينوا ظاهر الحائط منعوا، وإن طينوا باطنه الذي يليهم لم يمنعوا، ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة وقيل لا تجوز. الباب الثاني والخمسون: في بيان الصفات المعتبرة في الولاة اعلم أرشدك الله أن منزلة العمال من الوالي بمنزلة السلاح من المقاتل، فاجهد جهدك في ابتغاء صلاح العمال، فإذا فقد الوالي عمال الصدق كان كفقد المقاتل السلاح يوم الحرب. ويحتاج إلى طبقات الرجال كما يحتاج الحرب إلى أصناف العدة فنها الدرق للاستجنان والسيف للمناجزة، والرمح للمطاعنة والسهم للمباعدة والدرع للتحصين، ولكل منهم موضع ليس للآخر، والرجال للملك كالأداة للصانع لا يسد بعضها مسد بعض، كذلك طبقات الرجال للملك منهم للرأي والمشورة ومنهم لإدارة الحرب، ومنهم لجمع الأموال ومنهم لحفظها، ومنهم للحماية ومنهم للكتابة، ومنهم للجمال والفخر ومنهم للمباهاة والذكر،

стр. 137

ومنهم للدعاء والوقار ومنهم للعلم والفتيا وحفظ أساس الملة، فلا يكمل للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات. وقال أبو بكر الصديق ﵁: لما مات كسرى بلغ موته النبي ﷺ فقال: من استخلفوا بعده؟ قالوا: ابنته بوران. قال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة! وقال ابن عباس ﵄: لما كانت فتنة الحرة من استعمل القوم؟ قالوا: عبيد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظلة الراهب على الأنصار قال: أميران؟ هلك والله القوم! وليس يشترط النسب إلا في الإمامة العظمى دون سائر الولايات. ولما استحضر هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين ﵄، وكان من الخطباء قال له هشام: بلغني أنك تخطب الخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة: قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵇ ابن أمة، وإسحاق ﷺ ابن حرة، ومحمد ﷺ من ولد إسماعيل. ثم اتهمه في أمر فقال زيد: أنا أحلف لك. قال له هشام: ومن يصدقك؟ قال له زيد: إنه ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى الله ولا أحد دون أن يؤمر بتقوى الله تعالى منك. وقال بعض الخلفاء: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني. قالوا: وكيف تريده؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعمله إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم هو لها! ويروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ استشار في قوم ليستعملهم فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العدل. قال: ومن هم؟ قال: الذين إذا عدلوا فهو ما رجوت، وإن قصروا قال الناس: اجتهد عمر! ولما قدم يزيد بن بشر بن مروان سأله عن بشر قال: يا أمير المؤمنين هو الشديد في غير عنف اللين في غير ضعف، فقال عبد الملك بن مروان: ذاك الأعمر الأجود الذي كان يأمن عنده البريء ويخاف لديه السقيم، ويعاقب على قدر الذنب ويعرف موضع العفو، الشديد في غير عنف اللين في غير ضعف عمر بن الخطاب ﵁. وقال الحكيم: اعتبروا الرجال بأفعالهم لا بعظم أجسامهم، فإن النسر مع عظمه لا يأكل إلا نتناً، وطير الماء مع ضعفه يتحامى ميت السمك ويأكل الحي منه. وفي حكم الهند: السلطان الحازم ربما أحب الرجل فأقصاه وأطرحه مخافة ضره، كالملسوع يقطع إصبعه مخافة أن ينتشر السم في جسمه، ربما أبغض الرجل وأكره نفسه على توليته وتقريبه لغنى يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه، إلا أن للإسلام شروطاً قد لا تستقيم هذه السيرة عليها، ألا ترى أن علي بن أبي طالب ﵁، لما أفضت إليه الخلافة كان معاوية والياً على الشام من قبل عمر ثم عثمان ﵄، فاستشار في أمره فقال له بعضهم: أقره على إمرته وأرسل إليه بعهده، فإن دخل في بيعتك فاعزله، فقال له: رحمك الله أتأمرني أن أطلب العدل بالجور؟ ثم عزله فكان سبب عصيانه. وهكذا أشاروا عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين لو فضلت هؤلاء الأشراف ومن يتخوف منهم، وإنما الناس أصحاب دنيا حتى إذا استوثق الأمر عدت إلى التسوية. فقال: أتأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لو كان مالي لسويت بينهم ولم أفضل بعضهم على بعض، فكيف والمال لهم وإعطاء المال في غير حقه تبذير وسرف، وهو يرفع ذكر صاحبه في الدنيا ويضعه عند الله تعالى في الآخرة؟ ولن يضع امرؤ ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله تعالى شكرهم، وصير لغيره ودهم، فإن بقي معه منهم من يظهر له الود والشكر فذلك ملقى وخديعة لينال منه فإن زلت به النعل يوماً فاحتاج إلى معونته ومكافأة ما سلف من ميرته فشر خليل

стр. 138

وألأم خدين، وإياك أيها الوالي وحب المدح فإن من أحب المدح فهو كمن مدح نفسه. وإذا علم منك ذلك جعلك الناس سلماً لقضاء حوائجهم منك فحينئذ يكون قضاء الحوائج لنفسك لا لهم. وقال النبي ﷺ : أحث التراب في وجوه المداحين. وسمع المقداد رجلاً يمدح عثمان بن عفان ﵁، فأخذ كفاً من تراب فألقاه في وجهه. وسمع النبي ﷺ رجلاً يمدح رجلاً فقال: قطعت ظهر أخيك! لو سمعها ما أفلح بعدها. وفي الحديث خمس تأويلات: أحدها حمله على ظاهره كما فعل المقداد مع المداح لعثمان، والثاني أن يرفع شيئاً من التراب فينثره بين يديه كالمتذلل أي من خلق هذا ويعود إليه لا يستحق هذا الثناء، والثالث لا تقض حاجة المداحين، والعرب تقول لمن رجع خائباً من حاجاته: رجع بكفه مملوءة تراباً، والرابع نقيض هذا قاله لي شيخنا أبا العباس الجرماني قال: معناه اقض حاجته وأعطه ما سأل فإن الذي تعطيه سيصير تراباً كأنك أعطيته تراباً، والخامس أن المعنى الدعاء لأن العرب تقول إذا دعت: بفيه الحجر وبفيه التراب أي يقول للمداحين كذلك. ووصف أعرابي أميراً فقال: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم فالمحسن راج والمسيء خائف. وقال عبد الله بن الزبير: لا يعبدن ابن هند، يعني معاوية، إن كانت فيه لمخارج لم أجدها في أحد بعده أبداً والله إن كنا لنعرفه وما الليث الجري على برامته بأجرأ منه فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن آوى من الأرض بأدهى منه، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتخون له عقل ولا تنقض له قوة، وقال الصنابجي: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁ كتاباً في مثل أذن الفأرة: أما بعد فإنه لا يقيم أمر الله تعالى في الناس إلا حصيف العقدة بعيد الغرة، لا يطلع الناس منه على عورة ولا يحنق في الحق على الجراءة ولا يخاف في الله لومة لائم. وقال مالك ﵁: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ وسأله أن يكتب له كتاباً في أمر، فقال: اذهب إلى منزلنا فأتنا بدواة وقرطاس، فذهب فلم يجد فقال اطلب عندهم شيئاً، فذهب فلم يجد عندهم إلا أذن مزود فكتب له في تلك الأذن. لما ولى المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة، بعد أن استمحن عمله وعقله، امتحنه بمسائل فوجده فوق ما يريد، فتلقاه وجوه أهل البصرة فرأوا شاباً صبياً ما بقلت لحيته، فتعجبوا ونظر بعضهم إلى بعض يقلبون الأكف ويغمزون الحواجب. فقال له بعضهم: كم سن القاضي أصلحه الله تعالى؟ قال: نحو سن عتاب بن أسيد لما ولاه رسول الله ﷺ مكة فهابوه لحدة جوابه وعرفوا فضله، وكان لعتاب بن أسيد إحدى وعشرون سنة لما ولي مكة شرفها الله تعالى. وكان عمر ﵁ يقول: لا يصلح أن يلي أمور الناس إلا حصيف العقل وافر العلم قليل الغرة بعيد الهمة، شديد في غير عنف لين في غير ضعف، جواد في غير سرف لا يخاف في الله لومة لائم. وقال أيضاً: ينبغي أن يكون في الوالي من الشدة ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق كقتل عصفور، ويكون فيه من الرقة والحنو والرأفة والرحمة ما يجزع من قتل عصفور بغير حق. ويروى أن الرشيد أحضر رجلاً ليوليه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. فقال له الرشيد: فيك ثلاث خصال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم والحلم يمنعك من العجلة ومن لم يعجل قل خطأه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور في أمره كثر صوابه. وأما الفقيه فتضم إليك من تفقه به. فولي فما وجد فيه مطعن. وقال أياس بن معاوية: استحضرني عمر بن هبيرة فحضرت فسألني فسكت، فلما أطلت قال: ايه! قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف الفرائض؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف من أيام العرب شيئاً؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: هل تعرف من أيام العجم شيئاً؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. قال: إن في ثلاثاً لا أصلح معهن للعمل. قال: ما هن؟ قلت: أنا دميم كما ترى وأنا حدد وأنا عي. قال: أما الدمامة فأريد أن أحاسد بك، وأما العي فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما سوء الخلق فيقومك السوط! فولاني وأعطاني ألف درهم فهو أول ما تمولته. وقال سليمان بن داود

стр. 139

عليهما الصلاة والسلام: ما ملاقاة لبوة سلبت أشبالها بأصعب من ملاقاة جاهل راض عن نفسه. الباب الثالث والخمسون: في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمال اعلم أرشدك الله تعالى أنه تولى الأعمال أهل الحزم والكفاية والصدق والأمانة، وتكون التولية للغنى لا للهوى، وملاك الولايات كلها وأساسها إن لا تولى الأعمال طالباً لها ولا راغباً فيها. وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ومعي رجل، فلما سلمنا عليه قال صاحبي: يا رسول الله استعملني. فقال النبي ﷺ : إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما علمت ما في نفسه. وقد روى عن بزرجمهر أنه قيل له: ما بال ملك آل ساسان صار أمره إلى ما صار إليه؟ قال: لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار الرجال. والله در عمرو بن العاص حيث قال: موت ألف من العلية أقل ضرراً من ارتفاع واحد من السفلة. وقال رجل من أصحاب النبي ﷺ لرجل قد أذاه: أدركتك دولة إمرة الصبيان! وقال المعلى بن أيوب: غضب المأمون على بعض أصحابه غضباً شديداً فقال له: لا أماتك الله أو يبلغك دولة السفلة! وقال المستوعر الأكبر وقد كان عمر في الجاهلية ثلثمائة سنة: وما سقطت يوماً من الدهر أمة من النذل إلا أن يسود دميمها إذا ساد فيها الفساد بعد ذل لئيمها تصدى لها ذل وقد أديمها وما قادها للخير إلا مجرب عليم بإقبال الأمور كريمها وما كل ذي لب يعاش بفضله ولكن لتدبير الأمور حكيمها اعلموا أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد هو من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها. لأنه لا يخطبه إلا لص في ثوب ناسك وذئب في مسلاخ عابد، أو حريص على جمع الدنيا نابذ لدينه ومروته، فيبتغي عرض الحياة الدنيا وقد سبق المثل: الحرص على الأمانة دليل على الخيانة، يتخذون عباد الله خولا وأموالهم دولا، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم فسدت نياتهم وقلت طاعتهم، فانتقضت الأمور ودب الفساد إلى الممالك، وقد ذكرنا في أول الكتاب الآثار في كراهية الولايات، وقال المأمون ما فتق علي قط فتق في مملكتي إلا وجدت سببه جور العمال. ولما قدم رسول ملك غزنة على عضد الدولة بويه الديلي، وقضى الرسالة وأراد الانصراف قال لعضد الدولة: ما أقول لأخيك؟ قال: قل له جئتك من عند سلطان يظلم وحده. فإن قيل: فما معنى قول يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥) . قلنا: يوسف ﵊ كان نبياً من أنبياء الله تعالى، واثقاً بنفسه بالأمانة والكفاية بين يدي من لا يتحقق بواطن أسرار ولا يعلم خصائصه وفضائله، ويرى الأمور والأعمال والولايات ضائعة في أيدي من ليس لها أهلاً، ويجوز مثل هذا اليوم لمن حصل بين يدي جبار لا يعلم منزلته ولا ما عنده من الخصال والفضائل أن يذكر له بعض ما يعلم من نفسه ليعلم قدره فيسلم بذلك من شره. وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي ﵁ إذا كان القضاء في يد من لا يصلح له وجب أن يخطبه من يصلح له وكان ذلك فرضاً عليه. وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك الرأي، ويحتمل أن يكون يوسف ﵇ قد أوحى الله إليه بما يصير أمره إليه من الملك والعدل ونشر كلمة الإسلام، فلهذا نبه على نفسه. ومن عجيب ما يروى في هذا الباب أن لقمان الحكيم كان عبداً أسود نوبيا غليظ الشفتين مصفح القدمين لامرأة من بني الحسحاس، وكان جليساً لداود ﵇، فأتاه جبريل ﵇ بالنبوة من عند الله تعالى الذي يصطفي لنبوته من يشاء فقال لقمان:

стр. 140

يا جبريل إن أجبرني ربي فسمعاً وطاعةً، وإن خيرني الحكمة، فرضي الله تعالى قوله وأعطاه الحكمة، وصرفت الرسالة إلى داود ﵇، وكان داود يقول: طوبى لك يا لقمان! أوتيت الحكمة وأوتي داود البلية! وروى أنه جالس داود ﵇، وداود يعمل الدروع، فأقام حولاً ينظر صنعة الدروع ولا يعرف ما تصلح له ولا يسأله عن ذلك، فلما تم حول لبس داود الدرع وقال: درع حصينة ليوم حرب! فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث عاملاً اشترط عليه خمساً: لا يركب البراذين ولا يلبس الرقيق ولا يأكل النقى ولا يتخذ حاجباً، ولا يغلق باباً عن حوائج الناس وما يصلحهم ويقول له: إني لا أستعملك على أنشازهم ولا أعراضهم، وإنما أستعملك لتصلح بهم وتقضي بينهم بالعدل. وروى عباية بن رفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصراً وجعل عليه باباً وقال: انقطع الصوت فأرسل عمر بن الخطاب ﵁ محمد بن مسلمة وكان عمر ﵁ إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما هو بعثه، فقال له: أنت سعد فأحرق عليه بابه! فقدم الكوفة فلما أتى الباب أخرج زنده واستورى ناراً ثم أحرق الباب، فأتى سعد الخبر ووصف له بصفته وعرفه، فخرج إليه سعد فقال له محمد: إنه قد بلغ أمير المؤمنين أنك قلت انقطع الصوت. فحلف سعد بالله تعالى ما قال ذلك فقال له محمد: نفعل الذي أمرنا به ونؤدي عنك ما تقول. ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن البرية أصابه من الخمص والجوع ما الله به أعلم، فأبصر غنماً فأرسل غلامه بعمامته فقال: اذهب فابتع شاة. فجاء الغلام بالشاة وهو يصلي فأراد ذبحها فأشار إليه أن يكف. فلما قضى صلاته قال: انظر فإن كنت مسميتها مملوكة فاردد الشاة وخذ العمامة، وإن كنت حرة فاردد الشاة فذهب فإذا هي مملوكة، فرد الشاة وأخذ العمامة فأخذ بخطام ناقته وجعل لا يمر ببقلة إلا خطفها حتى آواه الليل إلى قوم، فأتوه بخبز ولبن وقالوا: لو كان عندنا شيء خلاف هذا أتيناك به، قال: بسم الله كل حلال أذهب السغب خير من مأكل السوء، حتى قدم المدينة ونزل بأهله فابترد من الماء ثم راح، فلما أبصر عمر بن الخطاب ﵁ قال له: لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أديت. وذكروا أنه أسرع السيرة فقال قد فعلت وهو يعتذر إليك ويحلف بالله ما قال. فقال له عمر ﵁: هل آمر لك بشيء؟ قال: قد رأيت مكاناً إن تأمر لي فقال عمر ﵁: إن أرض العراق أرض رقيقة، وإن أهل المدينة يموتون حولي من الجوع، فخشيت أن آمر لك بشيء يكون لك بارده ولي الحار. وروى زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هنيا على الحما فقال له: يا هنى اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، ورب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين أفتكارهم أنا لا أبالك في الماء؟ يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين فأنا تارك لك الماء والكلأ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة. وأيم الله إنهم ليرون أني ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عنهم من بلادهم شبراً! ومر عمر بن الخطاب ﵁ يوماً ببناء يبني بحجارة وجص فقال: لمن هذا فذكروا له أنه لعامل من عماله على البحرين فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وقاسمه ماله. وكان يقول: لي على كل خائن أمينان الماء والطين. وكان أنوشروان يكتب في عهد العمال: سس خيار الناس بالمحبة،

стр. 141

وامزج للعامة الرغبة بالربة، وسس سفلة الناس بالإخافة وقال سليمان بن داود ﵇: كما يصلح الهمز للفرس والرسن للحمار، كذلك يصلح القضيب لظهر الجهال. وفي الأمثال القديمة من لم يصلح باللين أصلحه التليين، ومن يعتدل عدل. وقال هلال بن أساف: استعمل النبي ﷺ المقداد على سرية، فلما رجع قال له النبي صلى الله عليه: كيف رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله ولا أرى أن لي فضلاً على أحد من القوم، فأرجعت إلا وكأنهم عبيد لي. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرها قال: والذي بعثك بالحق نبياً لا أعمل على عمل أبداً. وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما يمنعك أن تفشي العمل في الأفاضل من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: هم أجل من أن أدنسهم بالعمل. وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسفارهم، وعن من يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم، وهل يدخل عليه الضعيف وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم حمد الله تعالى، وإن قالوا لا كتب إليه أن أقبل. ومثل السلطان إذا ولى العمال الظالمين مثل من يسترعى غنمه الذئاب، ومثل من يربط الكلب العقور ببابه. وإن العامة لتشتم الحجاج بن يوسف والخاصة تلوم عبد الملك بن مروان لأنه هو الذي استرعاه الرعية؟ وفيه قيل: ومن يربط الكلب العقور ببابه فعقر جميع الناس من رابط الكلب. وكان العلاء بن أيوب لما ولى فارس من قبل المأمون يكتب عهد العامل، فيقرأه على من يحضره من أهل ذلك العمل ويقول: أنتم عيوني عليه فاستوفوه منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جاثياً ورائحاً، ويأمر العامل أن يقرأ عهده على أهل عمله في كل جمعة، وأن يقول لهم هل استوفيتم؟ الباب الرابع والخمسون: في هدايا العمال والرشا على الشفاعات روى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا والسر فيه أنك إذا قدرت على قضاء حاجته من عند السلطان الظالم أو السيد القاهر، صار ذلك واجباً عليك وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ استعمل رجلاً يقال له ابن اللتبية، فلما جاء قال: يا رسول الله هذا لكم وهذا لي. فغضب النبي ﷺ وقال: ما بال الرجل نستعمله على عمل من أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لنا، أفلا قعد أحدكم في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى له؟ قال مالك: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم. وشاطر أبا هريرة ﵁ وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال له أبو هريرة: دواب تناتجت وتجارات تداولت. فقال: إذن الشطر. وإنما شاطرهم حين ظهرت لهم أموال بعد الولاية لم تكن تعرف لهم. وروى مالك عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى هو وأخوه عبيد الله إبلاً، فبعثا بها إلى الحما فرعت فقال عمر: رعيتما في الحما فشاطرهما وشاطر، سعد بن أبي وقاص حين قدم من الكوفة كأنه رأى أن ما أصاب العامل من غير رشوة فإن كان حلالاً فلا يستحق ذلك لأن لمن له الإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله غيره، فجعله كالمضارب للمسلمين. ولما رفع أبو موسى الأشعري ﵁ مالاً من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵁ بالبصرة،

стр. 142

فاشتريا به بضاعة فربحت بالمدينة، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، وأخذ عمر ﵁ النصف لبيت المال. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله: أما بعد فإنما هلك من كان قبلكم بمنعهم الحق حتى يشتري، وبسطهم الباطل حتى يفتدي الملك بالدين يقوى، والدين بالملك يبقى. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا قدم عليه العمال يأمرهم أن يدخلوا نهاراً ولا يدخلوا ليلاً، كيلا يحجبوا شيئاً من الأموال. وقال عتاب بن أسيد: والله ما أصبت في عملي الذي ولاني النبي ﷺ إلا ثوبين معدين كسوتهما مولاي كيسان. وروى أن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه استعمل أبا مسعود الأنصاري على السواد، فما رجع إلا وقد امتلأت داره فقال: ما هؤلاء قالوا: كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل قال: كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا في أمانتي، ويروى في إمارتي، ورجع إلى علي ﵁ وقال: لا حاجة لي في العمل. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله اختر لي، فقال: اقعد في بيتك وفي الأمثال: إن الهدية نعمي وتصم. وقال بعض الحكماء: الرشوة رشاء الحاجة. وأنشد بعضهم: إذا أتت الهدية دار قوم تطايرت الأمانة من كواها ولبعضهم: إن الهدية حلوة كالسحر يجتلب القلوبا تدني البعيد من الهوى حتى تصيره قريبا وترد مضطغن العداوة بعد جفوته حبيبا ومما قلته في الرشوة: وأكرم من يدق الباب شخص ثقيل الحمل مشغول اليدين ينوء إذا مشى نفساً ونفخاً وينطح بابه بالركبتين وأكرم شافع يمشي إليها أبو المنقوش فوق الصفحتين ولبعضهم: إذا كنت في حاجة مرسلاً وأنت بإنجازها مغرم فأرسل بأكمه جلابة به صمم أغطش أبكم ودع عنك كل رسول سوى رسول يقال له الدراهم وكتب عبد الملك إلى قاضيه الحارث بن عامر، وقد ارتشى بمكرمة: إذا رشوة في باب قوم تقحمت لتسكن فيه والأمانة فيه سعت هرباً منه وولت كأنها حليم تولى عن جواب سفيه الباب الخامس والخمسون: في معرفة حسن الخلق اعلموا أرشدكم الله تعالى أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه وقبلوا القوس ركوة، فعمدوا إلى أخلاق العامة وخلائق الغوغاء والدناة، وما يجري بينهم إذا تلاقوا وتعاشروا من الإفراط في مدح بعضهم بعضاً، وتعاطيهم الكذب والتصنع والملق والمراآة، والمعاريض

стр. 143

عن الأمور المكنونة التي يفحش إظهارها، والانخراط في سلك المزاح والمهاترة. فهذا وما أشبهه عندهم من أحسن الخلق. وهذا عندنا نقيض ما نص الله تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق. فأول ذلك أن يعلم أنه لم تحتو الأرض على بشر أحسن خلقاً من محمد ﷺ ، فكل من تخلق، بأخلاق رسول الله أو قاربها كان أحسن الناس خلقاً وكل خلق ليس يعد من أخلاقه فليس من حسن الخلق. وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل، وإنما أتى الناس لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول ﷺ . وها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والأولياء والأصفياء والعلماء والصالحين، نرجو ما نرجو أن ينفعنا الله وإياك به. قال الله تعالى لنبيه وصفيه محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) . فخص الله تعالى نبيه محمد ﷺ من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله عليه من فضائله بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وعن هذا قالت الشيوخ أن الله تعالى دعا الخلق إلى حسن الخلق، ودعا نبيه ﷺ إلى حسن الخلق. نن قال عبيد بن عمير: قلت لعائشة ﵂: يا أمير المؤمنين صفي لي خلق رسول الله ﷺ فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن. وحسبك بهذا القول منقبة للرسول ﷺ وتعريفاً لك بحسن الخلق، وإذا كان خلق النبي ﷺ القرآن فالقرآن يجمع كل فضيلة ويحث عليها، وينهي عن كل نقيصة ورذيلة ويوضحها ويبينها، ولذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) قال النبي ﷺ : ما هذا يا جبريل؟ فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فهذا من حسن الخلق كما ترى. فانظر أين أخلاق العامة من هذا النمط، إن أحدهم ليقطع من وصله ويحرم من أعطاه، ويظلم من سأله ويغضب على من اتهمه. وإنما اقتصر على هذه الكلمات لأنها أصول الفضائل وينبوع المناقب، لأن في أخذ العفو صلة القاطع والصفح عن الظالم وإعطاء المانع، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله تدخل جميع آداب الشرع فرضها ونفاها، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ومجازاة اللجوج، فهذه الأصول الثلاثة تتضمن محاسن الشرع نصاً وتنبيهاً وسمتاً واعتباراً. وروى عن أنس أنه قال: يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيماناً قال: أحسنكم خلقاً. وروى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق. اقتضى الحديث أن كل نبي مبعوث إلى أمته إنما بعث ليعلم الخلق الحسن، وأن نبينا محمداً ﷺ بعث ليتمم محاسن الأخلاق. إذن فحسن الخلق امتثال الشرائع بأسرها. روى البخاري ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، قال: وإن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً، وقال ﵇: إن الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما. وكان النبي ﷺ في بعض أسفاره وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذة شديدة حتى أثرت حاشية الرداء في عنقه وقال: يا محمد مر لي بشيء من مال الله الذي آتاك، فلست تأمر لي من مالك ولا من مال أبيك! فالتفت النبي صلى الله

стр. 144

عليه وسلم وقال: مروا له ولم يكلمه بكلمة. وقال أنس: نظرت إلى عنق النبي ﷺ قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ وهو يضحك ثم أمر له بعطاء. وروى أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال له: يا محمد املأ لي هذه تمراً وسويقاً فإنك لست تعطي من مالك ولا من مال أبيك فقال له النبي ﷺ : أعد علي ما قلت، قال فأعاد كلامه فقال النبي ﷺ : صدقت املئوا له تمراً وسويقاً لست أعطي من مالي، إنما هو من مال الله . وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل. واعلموا أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال والإنسان مستور بخلقه. ألا ترى أن الله تعالى خص نبيه ﷺ بما خصه به من الفضائل، ثم لم يثن عليه بشيء من خصائله بمثل ما أثنى عليه بخلقه. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) قال: لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله . وقيل: لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد معرفتك بالله تعالى. قال المحاسبي: حسن الخلق كظم الغيظ وإظهار الطلاقة والبشر إلا لمبتدع أو فاجر، إلا أن يكون فاجراً إذا انبسطت إليه استحق وأقلع، والعفو عن الزالين إلا في أدب وإقامة حسد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا لتغيير منكر أو أخذ مظلمة لمظلوم؛ فهذا من حسن الخلق. وقيل: حسن الخلق أن لا تغير ممن يقف في الصف بجنبك. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري، قال بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء حار، فسقط من يدها فوقع على ابن له فمات فدهشت الجارية فقال: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى! وقيل: جاءت جارية لأبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁ بقصعة من ثريد تقدمها إليه، وعنده قوم فأسرعت بها فسقطت من يدها فانكسرت فأصابه وأصحابه مما كان فيها فارتاعت الجارية عند ذلك فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، لعله أن يكون كفارة للروع الذي أصابك! وكان ابن عمر ﵁ إذا رأى أحداً من عبيده يحسن الصلاة يعتقه، فعرفوا ذلك من حسن خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراآة وكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له! وقال الفضيل: لو أن رجلاً أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وكان المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وقال الجنيد: أربع ترفع العبد إلى أرفع الدرجات: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان وقال الكتاني الصوفي: حلق ما زاد عليك في الخلق يزيد عليك في التصوف، وقيل حسن الخلق تحمل أثقال الخلق. وقال الحسن بن علي ﵄: عنوان الشرف حسن الخلق. وكان عبد الله بن محمد الرازي يقول: حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ما إليك. وقال سهل بن عبد الله: حسن الخلق أن لا تطمع فيما ليس لك، وليس بهذه الصفة أحد إلا الله . وقال شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف الأذى واحتمال المؤن، وقيل: حسن الخلق أن تكون من الناس قريباً وفيما بينهم غريباً. وقيل: حسن الخلق احتمال المكروه بحسن المداراة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ الرازي: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي فقال: يا هذه أصبت اسمي الذي أضله أهل البصرة. وفي الحديث عن النبي ﷺ : لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق. وروى أن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، فألقي عليه من فوق سطح بيت طست رماد، فتغير أصحابه وبسطوا ألسنتهم في الملقي، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئاً، من يستحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب. وقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟ قال: نعم مرتين إحداهما كنت جالساً ذات يوم فجاء إنسان فصفعني، والثانية كنت قاعداً ذات يوم فجاء إنسان فبال علي. وكان أويس القرني إذا رأوه الصبيان يرمونه بالحجارة وهو يقول: إن كان فلا بد فارموني بالحجارة الصغار كي لا تدموا ساقي فتمنعوني الصلاة. وسئل سهل بن عبد الله عن حسن الخلق فقال: أدناه الاحتمال للأذى وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا غلاماً له فلم يجبه، فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت! فقال: امض فأنت حر لوجه الله تعالى. وهذا ترى قوة إلهية يفرغها الله تعالى على المصطفين من عباده وأهل الصفوة

стр. 145

من أوليائه. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) جرده عن حقائق البشرية وألبسه من نعت الربوبية حتى قواه على صحبتهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم مع الذي كان يقاسيه مع كونه مستغرقاً باستيلاء الحق تعالى عليه يختص برحمته من يشاء. وقال النبي ﷺ : المؤمن إلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف. وإنما سمي آدم لأنه تألف من الجواهر والألوان. وقال النبي ﷺ لرجلين متغاضبين: آدم الله بينكما أي ألف بينكما. ومنه سمي الأدم المأكول لأنه يؤلف الطعام ويحسنه. ومنه قول النبي ﷺ لرجل أراد أن يتزوج امرأة: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أي يؤلف بينكما. وروي أن معروف الكرخي نزل الدجلة يتوضأ فوضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة فأخذتهما فتبعها معروف وقال: يا أختي أنا معروف لا بأس عليك ألك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب. وروي أن أبا ذر ﵁ كان على حوض يسقي إبله فأسرع بعض الناس إليه فانكسر الحوض فجلس ثم اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ أمرنا إذا غضبنا أن نجلس، فإن ذهب عنا وإلا فنضطجع. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنا لنصافح أكفاً نرى قطعها وقال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم. وقال الحارث بن قيس: يعجبني من الورى كل طلق الوجه مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في المسلمين مثله! وقال عروة بن الزبير ﵁: مكتوب في الحكمة: يا بني لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك طلقاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يسلم صاحباً صالحاً يغنم. وروي أن إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فأوضحه، فلما جاوزه قيل له: هذا إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاء يعتذر إليه فقال: إنك لما ضربتني سألت الله لك الجنة، فقال: لم؟ قال: قد علمت أني أوجر على ذلك فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك مني الشر! وحكي أن أبا عثمان الجيزي دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال: يا أستاذ ليس لي رغبة في دخولك وقد ندمت فانصرف يرحمك الله! فرجع أبو عثمان فلما وافى منزله عاد إليه الرجل وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وقال احضر الساعة. فقام أبو عثمان ومضى معه فلما وافى داره قال مثل ما قال في الأولى وأخذ كذلك يعتذر، ثم كذلك في الثالثة والرابعة وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال له: يا أستاذ إنما أردت اختبارك والوقوف على أخلاقك، وجعل يعتذر إليه ويمدحه فقال أبو عثمان لا تمدحني على خلق تجد مثله في الكلاب، والكلب إذا دعي حضر وإذا زجر انزجر! وروي أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة، وكان جعفر يخدمه والفقير يقول: نعم الرجل أنت لو لم تكن يهودياً! فقال أبو جعفر: إن عقيدتي لا تقدح فيما يحتاج إليه من الخدمة، فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية. وروي أن أبا جعفر العمودي المتعبد لقيه بعض الأجناد ومعه كلب الصيد فقال له: خذ هذا الكلب وقده خلفي. فأبى فضرب رأسه بالسوط حتى أوجعه فقال بعض المارين: ويحك هذا أبو جعفر العمودي العابد! فنزل عن فرسه وجعل يقبل يديه ويعتذر إليه فقال له: أنت في حل! قال إبراهيم بن الحسين: سمعت أبا جعفر العمودي ليالي عدة
следующие страницы →