Полный текст (1 070 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وتعرك من أذنه إن هفا ... وفي الحق تأديب من أذنبا
وقد أدّب الناس أمثاله ... ولكنه رأس من أدّبا
تدغدغ في مهل بطنه ... فيحضرنا ضحكاً معجباً
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٦، ٢٣٢ ":
وشبابي قد كان من لذّة العيش ... فأودي وغاله ابنا سمير
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٦، ٢٣٢ " لأبي زبيد:
فلحى الله طالب الصلح منّا ... ما أطاف المبسّ بالدهماء
قبله:
فاصدقوني أسوقة أم ملوك ... أنتم والملوك أهل رباء
أم طمعتم بأن تريقوا دمانا ... ثم أنتم بنخوة في السّماء
قبّح الله طالب الصلح منّا.
ولحي الجازعين في أثر القتلى ... ولا ظهّروا على الأعداء
يخاطب بهذا الشعر بني بكر، وذلك أنّ رجلاً من بني عجل يقال له المكّاء نزل برجل من بني طئ فأكرمه الطائيّ، وسقاه فتفاخرا، وغلبت الخمر الطائيّ فقتله العجليّ، وسار من ساعته، فأصبحت طئ وصاحبهم قتيل فقالوا: إن نصب الرجل يكن قوداً بأخينا وإلا فما نريد أن يكون بيننا وبين بكر حرب. ثم بلغهم أن بني بكر فخروا بما فعل المكّاء، فقال أبو زبيد شعره الذي منه هذه الأبيات.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٦، ٢٣٢ " للمرّار الفقعسيّ:
لا يشترون بهجعة هجموا بها ... ودواء أعينهم خلود الأوجس
ع الشعر للمرّار بن منقذ العدويّ لا للمرّار بن سعيد الفقعسيّ، وقد تقدّم ذكرهما " ١٨، ٥٧ ".
стр. 527
وصلة البيت:
فتناوموا شيأ وقالوا عرّسوا ... في غير تنئمة بغير معرّس
فكأنّ أرحلنا بوهد معشب ... بلوى عنيزة من مفيض الترمس
في حيث خالطت الخزامي عرفجاً ... يأتيك قابس أهله لم يقبس
لا يشترون بهجعة هجعوا بها ... ودواء أعينهم خلود الأوجس
فرفعت رأسي للرحيل ولا أرى ... كاليوم مصبح مورد متغلّس
قوله غير تنئمة: أي لم يرفعوا بذلك أصواتهم ولكن إشارة أشار بعضهم إلى بعض. بغير معرّس: أي لم يكن موضع تعريس، ولكنّا لما وجدنا لذّة النوم كأنّا في روضة هذه صفتها. وقوله:
يأتيك قابس أهله لم يقبس
وصف خصب الوادي ولدونة العيدان ورطوبة الورق. وقوله:
ولا أرى كاليوم مصبح مورد
أي موضع ورود يصبّحونه أثقل عليهم لشدّة نعاسهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٢ ":
قد ورد الماء بليل قيس ... نعم وفي أمّ البنين كيس
على الطعام ما غبا غبيس
ع رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ: وفي أمّ زبير كيس وقال ابن الأعرابي عن
стр. 528
المفضّل الغبيس الدهر. وغبا: بقي. فأما قولهم: " سجيس عجيس " فذكر ابن الأعرابي أن الدّهر سميّ عجيساً لأنه ينعجس: أي يبطئ ولا ينفد أبداً، قال: وسجيس الدهر: طوله.
قال أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٣ " ولا أفعله السمر والقمر. ع معناه ما أظلم الليل وطلع القمر، وقال أبو عبيد أي ما كان السمر وطلع القمر. ثم كثر ذلك في كلامهم حتى سمّوا الليل والنهار ابن سمير، فيقولون لا أكلّمه ما سمرا بنا سمير، وقال أبو زيد: ابنا سمير الليل والنّهار، والسمير: الدهر. غيره: وهما أيضاً ابنا جمير سميّا بذلك للاجتماع، يقال جمّر شعره إذا جمعه وضفره. فأما ابن جمير، فالليلة التي لا يرى القمر فيها قال الشاعر:
نهارهم ظمآن ضاح وليلهم ... وإن كان بدراً ظلمة ابن جمير
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٣ " لأبي ذؤيب.
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
بعده:
وحتّى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الهلكى كليب لوائل
وقد تقدّم إنشاده بأتم من هذه الصلة ٢٦.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٣ ":
لقلت من القول مالا يزال ... يؤثر عني يد المسند
ع اختلف في هذا الشعر، فرواه الطوسيّ لامرئ القيس، وقال ابن حبيب: قال
стр. 529
ابن الكلبي هو لعمرو بن معدي كرب قاله في قتله بني مازن بأخيه عبد الله وإخراجهم عن بلادهم، ثم رجعوا بعد ذلك وندم عمرو على قتالهم. وأول الشعر:
تطاول ليلى بالأثمد ... ونام الخليّ ولم أرقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني ... وأنبئته عن أبي الأسود
ولو عنا نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول ما لا يزا ... ل يؤثر عنيّ يد المسند
النثا: يكون في الخير والشر وهو مقصور والثّناء ممدود لا يكون إلاّ في الخير. يقول أن المرء يبلغ بلسانه من هجاء وذمّ وغير ذلك ما يبلغ السيف إذا ضرب به.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٣ " للأعشى:
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل
قبله:
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً: يعني يزيد بن مسهر الشيبانيّ. تأتكل: أي تتحرّق وتلتهب من الغيظ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٧، ٢٣٣ " للصلتان:
ما لبّث الفتيان أن عصفا بهم ... ولكلّ حصن يسّراً مفتاحاً
ع الصلتان: لقب وهو قثم بن خبيئة هكذا نقل ابن قتيبة. وقال الآمدي عن أبي عبيدة: قثم بن خثيم وهو أحد بني محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن
стр. 530
عبد القيس، وهو الذي حكم بين جرير والفرزدق بقصيدته التي أوّلها:
أنا الصلتانيّ الذي قد علمتم ... متى ما يحكّم فهو بالحق صادع
وقد وهم أبو علي في نسبة هذا البيت إلى الصلتان، وإنما هو للنابغة الذبيانيّ من قصيدة معروفة. وقبله:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه ... والحارثين تلوّمنّ فلاحا
ولقد ترى أن الذي هو غالهم ... قد بذّ حمير قبل والصبّاحا
ما لبّث الفتيان. هؤلاء المذكورون من ملوك اليمن وملوك الشأم. وقوله تلؤّمنّ فلاحاً: أي تنتظرنّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٣ ":
ولا يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
ع هو لحميد بن ثور. وقبله:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولا يلبث العصران: يقول إنّ الصحّة والسلامة مؤدّيتان إلى الهرم وهو الداء الذي لا دواء له كما قال النمر:
تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل
يودّ الفتى طول السلامة جاهداً ... فكيف يرى طول السّلامة يفعل
يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وإذا كان العصران في قول حميد الغداة والعشيّ فالأحسن النصب في قوله: يوماً وليلة على
стр. 531
الظرف لهما، وإذا أردت بالعصرين الليل والنّهار فالأحسن أن ترفع يوم وليلة على البدل منهما.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٣ " لابن مقبل:
ألا يا ديار الحيّ بالسبعان ... أملّ عليها بالبلى الملوان
ع وبعده:
نهار وليل دائم ملواهما ... على كل حال الدهر يختلفان
لم يأت على فعلان إلا السبعان اسم موضع. وأملّ: أي دأب ولازم، ومن هذا قيل للدين ملّة لأنّها طريقة تلازم. وقال الأصمعي: أملّ في معنى أملي: أي طال. وقوله: دائب ملواهما: يريد الغداة والعشيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٤ " عن ابن الأعرابيّ:
ذخرت أبا عمرو لقومك كلّهم ... سجيس اللّيالي عندنا أكرم الذخر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٤ ":
تسألني عن السنين كم لي
ع هي لرؤبة وصلتها:
لّما ازدرت نقدي وقلّت إبلي ... تألهّت واتّصلت بعكل
خطبي وهزّت رأسها تستبلي ... تسألني عن السنين كم لي؟
فقلت لو عمّرت سنّ الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل
стр. 532
والصخر مبتل كطين الوحل ... كنت رهين هرم أو قتل
الحسل: ولد الضبّ والضبّ يكنى أبا حسل. وقال ابن الأعرابي: لم يسمع بزمن الفطحل إلاّ في شعر رؤبة هذا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٤ ":
تباري قرحة مثل ال ... وتيرة لم تكن مغدا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٨، ٢٣٤ ":
فذاحت بالوتائر ثم بدّت ... يديها عند جانبها تهيل
ع هو لساعدة بن جؤيّة وقبله:
إذا ما زار مجنأة عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
وغودو ثاوياً فتأوّبته ... مذرّعة أميم لها فليل
تبيت الليل لا يخفي عليها ... حمار حيث جرّ ولا قتيل
فذاحت بالوتائر.
هنالك حين تتركه ويغدو ... سليباً ليس في يده فتيل
يقول إذا ما زار قبره. والمجنأ: المحدودب. والقطيل: المقطوع. وبهذا البيت سمّي ساعدة القطيل. ومذرّعة: يعني ضبعاً بذراعيها توقيف، والضبع مخطّطة بسواد قال:
دفوع للقبور بمنكبيها ... كأنّ بوجهها تحميم قار
стр. 533
وقوله حين يتركه يعني المال وتقدّم ذكره.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٩، ٢٣٤ " لزهير:
نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة ... وتذبيبها عنها بأسحم مذود
ع قبله:
وأنقذها من غمرة الموت أنّها ... رأت أنّها إن تنظر النبل تقصد
نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة.
وجدّت فألقت بينهن وبينها ... غباراً كما ثارت دواخن غرقد
يعني البقرة والصائد الرامي وكلابه. وقوله إن تنظر النبل: أي تنتظر صاحب النبل أقصدها بالسهام فقتلها. وتذبيبها عنها: أي تذبّ عن نفسها بقرنيها الكلاب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٩، ٢٣٥ ":
قرينة سبع إن تواترن مرّة ... ضربن فصفّت أرؤس وجنوب
ع وقبله:
فجاءت ومسقاها الذي وردت به ... إلى الصدر مشدود العظام كتيب
قرينة سبع: وهو آخر الشعر، والشعر لحميد بن ثور. مسقاها: حوصلتها. والعظام: الرابط. والكئيب: المحزون.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٩، ٢٣٥ " للنمر:
أشاقتك أطلال دوارس من دعد ... خلاء مغانيها كحاشية البرد
стр. 534
على أنّها قالت عشيّة زرتها ... هبلت ألم ينبت لذا حلمه بعدي
وبعدهما:
ألست بشيخ قد خطمت بلحية ... فتقصر عن جهل الغرانقة المرد
وإني كما قد تعلمين لأتّقي ... تقاي وأعطى من تلادي للحمد
وقوله كحاشية البرد: شبّه آثار الدار بحاشية البرد الموشّي لأن الحاشية تعلم وتزيّن. ويروى ألم ينبت له. وضرس الحلم: هو الناجذ. قال أبو حاتم: والفرس تسمّيها خرد دندان، معنى دندان: الأضراس، وخرد: هو العقل، أي أضراس العقل. والغرانقة: الفتيان قال ولا يقال غرنوق إلاّ للطويل منهم. ويروى:
وأشرى من تلادي بالحمد
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٩، ٢٣٥ " للبيد:
وسانيت من ذي بهجة ورقيته ... عليه السموط عابس متغضّب
ع وصلته:
فكائن رأيت من ملوك وسوقة ... وصاحبت من وفد كريم وموكب
وسانيت من ذي بهجة
ففارقته والودّ بيني وبينه ... بحسن الثناء من وراء المغيّب
السموط هنا: نظم التاج من خرز وجوهر، ويروى سنّيت. والتسنية: الرفق والتسهيل. يريد ملكاً أتاه في أمر فرفق به حتى صار إلى ما يريد. وهذا كما قال أوس بن حجر:
ورقّيته حتّمات الملو ... ك بين السرادق والحاجب
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ: يقول إذا حلف الملك على أمر حتم يحاذر رقاه وسهّله حتى يرجع عنه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٣٩، ٢٣٥ ":
إذا الله سنّي عقد أمر تيسّرا
стр. 535
وأنشده أيضاً في آخر كتابه عند ذكره خبر معاوية مع روح بن زنباع " ٢ - ٢٥٩، ٢٥٥ " إذا الله سنّي عقد شيء تيسّرا ع وأنشده يعقوب وغيره: إذا الله سنّي حلّ عقد تيسّرا وصدر البيت:
فلا تيأسا واستغورا الله إنّه ... إذا الله سنّي حلّ عقد تيسّرا
استغورا: أي سلاه الغيرة وهي الميرة أي سلاه الرزق وتسهيل أسبابه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٠، ٢٣٥ " لنصيب:
تقيمه تارة وتقعده ... كما يفاني الشموس قائدها
ع والبيت للكميت في أشهر قصائده لا لنصيب وأوّلها:
هل زائر للهموم ذائدها ... عن ساهر ليلة يساهدها
بات لها راعياً تفارطه ... أوراد همّ شتّى مواردها
أهون منها ذياد خامسة ... في الورد أو فيلق يجالدها
تقيمه تارة وتقعده.
يقول أهون على الزائر الذي استزاره لهمومه ذياد ناقة عن الماء قد وردته بعد خمس أو كتيبة يضاربها وهي الفيلق. يقال كتيبة فيلق إذا كانت كثيرة السلاح، قال الأعشى:
في فيلق جأواء ملمومة ... تقذف بالدارع والحاسر
وقوله: تقيمه تارة يريد الهموم المذكورة في أوّل الشعر وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٠، ٢٣٥ " لمزرّد:
стр. 536
ظللنا نصادى أمّنا عن حميتها ... كأهل الشموس كلّهم يتودّد
ع وبعده:
فجاءت بها شكلاء ذات أسرّة ... تكاد عليها ربّة النحى تكمد
شكلاء: أي فيها لونان بياض من السمن الجامد وحمرة من الربّ، يعني سمنة زغرتها من النحي أي عصرتها. وأسرّة: طرائق من الربّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٠، ٢٣٦ " للعجّاج:
يكاد ينسلّ من التصدير
صلته:
بناعج كالمجدل المجدور ... عولي بالطين وبالآجور
يعني بعيراً، ثم مضى في صفته وقال:
يكاد ينسلّ من التصدير ... على مدالاتي والتوقير
تدافع الأتيّ بالقرقور ... هيّأة للعوم والتمهير
نجّاره بالخشب المنجور ... والقير والضبّات بعد القير
المجدل: القصر. والمجدور: العريض الجدار العاليه. والآجور: الآجر. والتصدير: البطان. يقول لولا مداراتي إيّاه لا نسلّ من تصديره لسرعته. والأتيّ: السيل يأتي من بلد آخر. والقرقور: السفين. والتمهير: السباحة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٠، ٢٣٦ " لطفيل:
يرادى على فأس اللجام كأنّما ... يرادى به مرقاة جذع مشذّب
ع وقبله:
أنخنا فسمناها النطاف فشارب ... قليلاً وآب: صدّ عن كلّ مشرب
стр. 537
يرادى: يريد أنخنا الإبل لنسقي الخيل بقايا الماء في المزاد وهي النطاف وتهيأنا للغارة. وقوله: فشارب قليلاً وآب. يقول: هي مجرّبة قد علمت أنه يغار عليها فطرادها بعد الشرب من الزمع والحرص على الغارة. وقيل في قوله: يرادى أنه يريد به يداري فقلب، أي كأنّما يعالج بعلاجه جذع في طوله.
وأنشد أبو عليّ " ٢٤٠، ٢٣٦ ":
ظللنا معاً جارين نحترس الثأي ... يسائرني من نطفة وأسائره
ع هذا البيت لشاعر من بلهجيم، وقال الجرميّ: هو لأبي سدرة الأعرابي. وصلته:
تحسّب هوّاس وأيقن أنّني ... بها مفتد من واحد لا أغامره
ظللنا معاً جارين نحترس الثأي ... يسائرني من نطفة وأسائره
فقلت له فاهاً لفيك! فإنّها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
قوله: يسائرني يريد يسأر لي وأسأر له. وقوله: فاها لفيك: كأنّه همّ بقلوصه فقال له الخيبة لفيك! وقوله: قاريك ما أنت حاذره إشارة إلى السهام وسائر السلاح. وهذا البيت من أبيات الكتاب.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤١، ٢٣٦ " خبر أبي الجهم ابن حذيفة مع معاوية ، وقوله: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح لابن عبد كلال:
стр. 538
نميل على جوانبه كأنّا ... نميل إذا نميل على أبينا
ع وأسقط أول الحديث الذي حمله على الاستشهاد بالبيتين، وهو أن أبا جهم دخل على معاوية بعد عام الجماعة فسلّم عليه فلم يردّ معاوية، فقبض أبو جهم على ثوبه وقال: سلّم يا معاوية فلعهدي بأمّك قد عرضت عليّ نفسها بعكاظ لأتزوّجها. فقال له معاوية: لو تزوّجتها وجدتها حرّة حصاناً وكنت لها كفأ كريماً، فحينئذ قال له: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قال عبد المسيح. وروى الحسن بن عبد الرحيم أن أبا جهم قال لمعاوية: لقد جئت أخطب أمّك قبل أبيك وقبل زوجها حفص بن المغيرة، ثم تزوّجها أبوك فأتت بك وبإخوتك. فقال له معاوية: إنها كانت تستكرم الأزواج ويقال الخداج. وزعم المدائني أن هنداً كانت من المتخيّرات على أعينهنّ، روى ذلك عن ابن إسحاق. قال المدائني: وروى ابن عيّاش عن محمد بن المنتشر قال: سمعت شيخاً من قريش زمن ابن الزبير والشيخ يومئذ ابن مائة وثلاثين سنة يقول: ما رأيت معاوية قطّ إلا وذكرت مسافر ابن أبي عمرو، لكان أشبه به من الماء بالماء قال: وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين قال: وروى زحر بن حصن عن جدّه حميد بن منهب الطائيّ قال: كان الفاكه بن المغيرة من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة، وكانت تحته هند بنت عتبة، فقال معها يوماً من الأيام، ثم عرضت له حاجة فذهب لها، وجاء رجل من الناس فولج ذلك البيت، فلما بصر بامرأة نائمة ولّى هارباً وبصر الفاكه به وهو خارج من البيت فأتى هنداً فركلها برجله وقال: من هذا الذي كان معك؟ قال: والله ما كان معي نم أحد ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقذفها
стр. 539
بالفاحشة وقال: الحقي بأهلك. فأتت أباها عتبة فذكرت ذلك له. فقال لها يا بنيّة إن يكن الرجل صادقاً دسست إليه من يغتاله، وإن يكن كاذباً حاكمته إلى كاهن اليمن. فحلفت له أنه لكاذب. فأتاه عتبة فقال أيها الرجل: إنك قد رميت ابنتي بما لا قرار معه، ولا بدّ من محاكمتك إلى كاهن اليمن. فاتّعدا ليوم من الأيام، فخرج الفاكه في جماعة من مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني أميّة، فلمّا شارفوا الكاهن تغيّر وجه هند. فقال لها أبوها: إني قد أرى ما بوجهك من التغيّر فألاّ كان هذا! قبل أن يشتهر في الناس مسيرنا. فقالت: والله يا أبت ماذاك لشيء تكرهه، ولكني أعلم أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولست آمن أن يسمني بميسم سوء. قال فإني سأخبره. فصفر بفرسه فودي فأولج في إحليله حبّة برّ وأوكى عليها بسير. فصبّحوا الكاهن. فنحر لهم وأكرمهم. فقال له عتبة بن ربيعة: إني قد خبأت لك خبيئاً. قال ثمرة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال له: حبّة برّ في إحليل مهر: قال صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، وقد أجلس هنداً مع صواحب لها، فجعل يمسّ كفّ واحدة واحدة ويشمّ رأسها حتى انتهى إلى هند، فقال لها قومي غير خزياً ولا زانية لتلدنّ ملكاً يقال له معاوية. فنهضت فتعلق بها الفاكه. فقالت: إليك عنّي فوالله لأحرصنّ أن يكون من غيرك. فتزوّجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية. هكذا في بعض الروايات أن زوج هند الفاكه بن المغيرة، وفي بعضها حفص بن المغيرة. ولمّا طلّقها زوجها قالت لأبيها: يا أبت إنّي امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجّني رجلاً حتى تعرضه عليّ. قال لك ذلك. ثم قال لها إنك قد خطبك رجلان من قومك ولست مسميّاً لك واحداً منهما حتى أصفه لك. أما الأول ففي الشرف الصميم والحسب الكريم تخالين به هوجاً من غفلته وذلك إسجاح من شيمته حسن الصحابة، سريع الإجابة، إن تابعته تبعك وإن
стр. 540
ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك عن مشورته، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وعزّ عشيرته، يؤدّب أهله ولا يؤدّبونه، إن اتّبعوه أسهل، وإن جانبوه توعّر عليهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، صعب حجاب القبّة، وإن حاجّ فغير منزور، وإن نوزع فغير مقسور. قد بيّنت لك كليهما. قالت: أمّا الأوّل فسيّد مضياع لكريمته، موات لها فيما عسى أن تغتصّ أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت خبائها، إن جاءته بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطإ ما أنجبت. أطو ذكر هذا عنّي لا تسمّه لي. وأما الآخر فبعل الحرّة الكريمة، إنّي لأخلاق هذا لوامقة، وإنّي له لموافقة، وإنّي لآخذ بأدب البعل مع لزوم قبّتي وقلّة تلّفتي، وإن السليل بيني وبينه لحريّ أن يكون المدافع عن حريم عشيرته، الذائد عن كتيبته، المحامي عن حقيقتها، المثيب
لأرومتها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان ﵀. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ. تها، غير مواكل ولا زمّيل عند صعصعة الحروب. قال ذاك أبو سفيان ابن حرب. قالت: زوّجه ولا تلقني إلقاء السلس، ولا تسمه سوم الضرس، ثم استخر الله في السماء يخر لك في القضاء. وأبو جهم اسمه عامر وقيل عمير وقيل عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر، قرشيّ من بني عديّ بن كعب، أسلم يوم فتح مكة، وهو من معمّري قريش، بني في الكعبة مرّتين مرّة في الجاهليّة ومرة حين بناها ابن الزبير، ومات في تلك الفتنة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان ﵀. وأما عبد المسيح فهو عبد المسيح بن عسلة، وعسلة أمّه بنت عامر الغسّاني
стр. 541
وهو عبد المسيح بن حكيم بن عفير أحد بني مرّة بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان شاعر جاهليّ.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤١، ٢٣٧ " خبر أسيد بن عنقاء وعميلة الفزاري ع وهما جاهليّان. وعميلة من سادات فزارة، وهو عميلة بن كلدة بن هلال بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم بن شمخ بن فزارة بن ذبيان. ومن ولده الربيع بن عميلة وهو من جلة المحدثين، وكذلك ولده الدكين بن الربيع. وقد اختلف في اسم ابن عنقاء فقيل أسيد، وقال السكري اسمه قيس بن بجرة يعرف بأمه عنقاء. وقوله فيه:
غلام رماه الله بالخير يافعاً ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
قال أبو علي ورواه ابن الأنباري: رماه الله بالحسن، قال الرياشي لا يروى بيت ابن عنقاء رماه الله بالحسن إلاّ أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود. وروى غير أبي علي في الشعر زيادة وهي:
كريم نمته للمكارم حرّة ... فجاء ولا بخل لديه ولا حصر
وروى ابن شبّة قال قال العتبي سأل عويف القوافي في حمالة، فمرّ به عبد الرحمن بن محمد بن مروان، فقال له: لا تسأل أحداً وصر إلىّ أكفك، فأتاه فاحتملها، فقال عويف يمدحه: غلام رماه الله بالخير يافعاً وأنشد الأبيات كلّها إلاّ البيت الأوّل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٢، ٢٣٨ ":
стр. 542
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وأنشد له أمثلة. ع وهذان البيتان للشمردل بن شريك بن عبد الله أحد بني ثعلبة بن يربوع، شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة. وغرض الشاعر في هذا المعنى صفة الممدوح بالحياء الشديد والحلم، وكأنهما من إماتة نفس هذا الممدوح وإزالتهما عنه الأشر قد غادراه سقيماً. وقال أبو عبد الله النمريّ وقد أنشد بيت أبي دهبل الجمحيّ:
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمناً وليس بجسمه سقم
قال نزر الكلام من الحياء لئلاّ يظنّ ذلك عيّاً، وقال تخاله ضمناً: وإنما يريد أنه يؤثر على نفسه بزاده ويطوي فكأنه سقيم لنجابته وهو صحيح كما قال الآخر:
يبيت كأنه أشلاء سوط ... وفوق جفانه شحم ركام
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٢، ٢٣٨ ":
أحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطقوا العوراء غرب لسان
ع هذا الشعر لودّاك بن ثميل المازنيّ. وقبل البيتين:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أو لأيّ مكان
стр. 543
أحلام عاد الشعر ومثل قوله: إذا استنجدوا قول الطفيل:
بخيل إذا قيل اركبوا لم يقل لهم ... عواوير يخشون الردى أين نركب
ولكن يجاب المستغيث وخيلهم ... عليها كماة بالمنيّة تضرب
وقول أبي الغول: الصواب قريط
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٣، ٢٣٨ " لبكر بن النطّاح يمدح خربان بن عيسى:
لم ينقطع أحد إليك بودّه ... إلاّ اتّقته نوائب الحدثان
قد مضى ذكر ابن النطّاح. فأما خربان الممدوح وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٣، ٢٣٩ " لأبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
ع وزاد أبو الفرج في آخره:
كأنّ وفود الفيض لمّا تحمّلوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
وأبو الأسد هو نباتة بن عبد الله الشيبانيّ، من أهل الدينور من شعراء الدولة الهاشميّة. والفيض الذي ذكره هو الفيض ابن أبي صالح وزير المهديّ، انقطع أبو الأسد إليه بعد عزله عن الوزارة ولزومه منزله أيّام الرشيد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٤، ٢٣٩ " للعرندس الكلابيّ يمدح بني عمرو الغنوييّن. قال
стр. 544
وكان الأصمعي يقول هذا المحال كلابيّ يمدح غنويّاً:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
ع ذكر أبو تمّام أن الذي كان يقول هذا المحال هو أبو عبيدة. وروى محمد بن يزيد هذا الشعر لعبيد بن العرندس لا لأبيه يمدح قوماً نزل بهم ولم يذكر ممّن هم. وإنما أنكر أبو عبيدة أن يكون كلابي يمدح غنوياّ، لأن فزارة كانت قد أوقت ببني أبي بكر ابن كلاب وجيرانهم من محارب وقعة عظيمة ثم أدركتهم غنيّ فاستنقذتهم، ففي ذلك يقول طفيل الغنويّ:
وحيّ أبي بكر تداركن بعد ما ... أذاعت بسرب الحيّ عنقاء مغرب
تداركن: يعني خيلهم. وأذاعت فرّقت. فلمّا قتلت طئ قيس الندامي الغنويّ وقتلت عبس هريم بن سنان الغنوي استغاثت غنيّ ببني أبي بكر وبني محارب، فقعدوا عنهم ولم يحلبوهم فلم يزالوا بعد ذلك متدابرين متغاورين. ولّما أدرك طفيل ثأر قيس الندامي في طئ قال من جملة كلمته:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوّب
التحوّب: التوجّع. وبات فلان بحيبة سوء.
стр. 545
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٤، ٢٤٠ " للنمر:
لقد غدوت بصهبي وهي ملهبة ... إلهابها كضرام النار في الشيح
ع وهذا أوّل الشعر، وقد مرّ أبو عليّ على آخره، وترتيب إنشاده بعد البيت:
جالت لتسنحني يسراً فقلت لها ... على يمينك! إني غير مسنوح
ثم استمرّت تريد الريح مصعدة ... نحو الجنوب فعزّتها على الريح
يا ويل صهبي قبيل الريح مهذبة ... بين النجاد وبين الجزع ذي الصوح
والشاهد لاستقبال الطريدة الريح قول مضرّس الأسديّ:
وما استنكرت من وحش بقفر ... رأين الإنس فاستقبلن ريحاً
والإهذاب: أشدّ العدو، وكذلك الإلهاب. والنجاد: ما ارتفع من الأرض في غلظ. والصوح: صفح الجبل، وكذا سنده وعرضه.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤٦، ٢٤١ " خبر الزياديّ عن المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة قال رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر على باب بني شيبة فمرّ رجل وهو ينشد:
يا أيّها الرّجل المحوّل رحله ... هلاّ نزلت بآل عبد الدار
стр. 546
ع الزيادي هو محمد بن يزيد بن زياد الكلبي. ولا يعلم للمطّلب ابن أبي وداعة ابن يسمى المطّلب، وإنما يروى عنه كثير ابنه وابن ابنه كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه، وأراد أبو علي كثير بن كثير بن المطّلب ابن أبي وداعة، فقال المطّلب بن المطّلب ابن أبي وداعة، وإنما هو المطّلب ابن أبي وداعة والله أعلم. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص، وأسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله ﷺ : إن له بمكة ابناً كيّساً، فافتدى المطّلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أوّل من افتدى من أسرى بدر، وأسلم هو وابنه يوم الفتح. وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه المطّلب قال رأيت النبي ﷺ يصلّي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرّون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وفي الشعر:
الخالطين فقيرهم بغنيّهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي
هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن كما قالت خرنق بنت هفّان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيّبون معاقد الأزر
والخالطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وهذا البيت يروى لحاتم الطائي أيضاً في أبيات أولها:
إن كنت كارهة لعيشتنا ... هاتا فحلّي في بني بدر
стр. 547
الضاربين لدى أعنّتهم ... والطاعنين وخيلهم تجري
والخالطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر
وعيب على زهير قوله:
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل
فأثبت فيهم مقلّين. وروى أبو عمر المطرّز قال أخبرني أبو جعفر ابن أنس الكرباسيّ عن رجاله قال: كان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكّة فسمع جارية تنشد:
كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ خالصه لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر فقال أهكذا قال الشاعر، قال فداك أبي وأمّي! إنما قال:
فالمحّ خالصه لعبد مناف
فقال رسول الله ﷺ نعم: وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبيّة. والعرب تقول هو بيضة البلد يمدحونه بذلك، وتقول للآخر: هو بيضة البلد يذمّونه به. فالممدوح يراد به البيضة التي يحتضنها الظليم ويصونها ويوقّيها لأنّ فيها فرخه، والمذموم يراد به البيضة المنبوذه بالعراء المذرة التي لا حائط لها ولا يدري لها أب وهي تريكة الظليم. قال الرّمّانيّ: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإن نسبت إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ. قال حسّان في المدح:
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمّون المهاجرين الجلابيب، فلما قال حسّان هذا
стр. 548
الشعر اعترضه صفوان بن المطّل فضربه بالسيف، فأعلموا النبيّ ﷺ فقال لحسّان: أحسن في الذي أصابك، فقال: هي لك، فأعطاه النبيّ عوضاً بيرحي، وهي قصر بني جديلة اليوم، وسيرين فهي أم عبد الرحمن بن حسّان. وفي بعض النسخ من الأمالي ببيت زائد في الشّعر الفائيّ وهو:
منهم عليّ والنبيّ محمّد ... القائلان هلمّ للأضياف
وهذا بيت محدث ذكر أبو نصر أن جده صالحاً أبا غالب ألحقه به. واسم أبي نصر هارون بن موسى بن صالح بن جندل القيسيّ، أندلسيّ أصله من الثغر من حصن مجريط، سكن قرطبة إلى أن مات.
وذكر أبو علي " ١ - ٢٤٦، ٢٤٢ " خبر داود بن سلم مع حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ع وهو داود بن سلم الأسود مولى تيم بن مرّة، حجازي مدنيّ شاعر مجيد رقيق الشعر حسنه، أدرك آخر أيام بني أميّة وأوّل أمر بني هاشم وكان يعرف بداود الأدلم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٧، ٢٤٢ " للنمر بن تولب:
تضّمنت أدواء العشيرة بينها ... وأنت على أعواد نعش تقلّب
ع يرثي أخاه الحرث بن تولب. وبعده:
стр. 549
كأنّ امرأ في الناس كنت ابن أمّه ... على فلج من بحر دجلة مطنب
يعني بما كان فيه من الخير والسعة. ومطنب بعيد الذهاب شديد الجري لا ينقطع.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٤٧، ٢٤٣ "
خبر أبي العتاهية مع عمر بن العلاء
والأبيات التي شبّب بها هي:
يا صاح قد عظم البلاء وطالا ... وازددت بعدك صبوة وخبالا
حمّلت ممّن لا أنوّه باسمه ... ثقلاً كأنّ به عليّ جبالا
ماذا لقيت من الهوى وسقامه ... فيها تبارك ربّنا وتعالى
أكثرت في شعري عليك من الرقي ... وضربت في شعري لك الأمثالا
فأبيت إلاّ جفوة وتمنّعا ... وأبيت إلاّ صبوة وضلالا
إني أمنت من الزمان وريبه ... لّما علقت من الأمير حبالا
وأبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، لقّب أبا العتاهية لأن المهدي قال له يوماً: أنت إنسان متحذلق متعتّه، فاشتقّت له من ذلك كنية غلبت عليه، ويقال للمتحذلق عتاهية كما يقال للطويل شناحيّة. وعمر بن العلاء ممدوحه هو أحد قوّاد المهديّ كان عامله على طبرستان، وهو مولى عمرو بن حريث، وكان عمر جواداً شجاعاً، وفيه يقول بشّار يمدحه:
إذا أرّقتك جسام الأمور ... فنبّه لها عمراً ثمّ نم
فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلاّ بدم
стр. 550
دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضمّ
ولولا الذي خبّروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شمّ
وعمرو بن حريث المخزوميّ مولى عمر أحد الصحابة، له عقب بالكوفة وذكر عظيم، وأمّه بنت هشام بن خلف الكنانيّ كان شريفاً في الجاهليّة، وهو الذي بال على رأس النعمان بن المنذر، وذلك أن النعمان كان على دين العرب فحجّ فرآه هشام، فقال: أهذا ملك العرب قالوا: نعم، فبال على رأسه ليذلّ، فتحوّل النعمان عن دين العرب وتنصّر.
وذكر أبو علي " ١ - ٢٤٨، ٢٤٤ " قولهم: أجود من لافظة ع والمعروف أسمح من لافظة وفيه خمسة أقوال أحدها: ما ذكر أبو عليّ أنه يراد به البحر لأنه يلفظ بالدرّة التي لا قيمة لها جلالة والهاء للمبالغة، وقال بعضهم: هي العنز التي تشلى للحلب فتجيئ لافظة ما في فيها من العلف فرحاً منها بالحلب. وقال بعضهم: هي الحمامة لأنّها تخرج ما في بطنها لفرخها، وقال آخرون: هي الرحى لأنّها تلفظ ما تطحنه أي تقذف به، وقال قوم: هو الدّيك لأنه يأخذ الحبّة بمنقاره فلا يأكلها ولكن يلقيها إلى الدجاج. قال أبو الحسن المدائني: لا يقال للديك لافظة إلاّ ما دام شابّاً لإيثاره بالحبّ الدجاج، قال: ومرّ إياس بن معاوية بديك يلقي له حبّ لم يفرّقه. فقال: ينبغي أن يكون هذا الدّيك هرماً، لأن الهرم إذا القي له الحبّ لم يفرّقه، لتجتمع الدجاج لأنّه لا حاجة له فيهنّ، فليس له همّة إلاّ نفسه، فنظر الديك فوجد كذلك.
стр. 551
وذكر " ١ - ٢٤٨، ٢٤٤ " قلولهم: أجبن من صافر وفسّره فقال: أراد بصافر ما يصفر من الطير، وإنما وصف بالجبن لأنّه ليس من سباعها. ع الصحيح أنّ الصافر هو الصفرد طائر من خشاش الطير يعلّق نفسه من الشجر ويصفر طول ليله خوفاً من أن ينام فيسقط، ويقال أيضاً أجبن من صفرد، ولو كان الصافر ما عدا السباع لساغ أن يقال أجبن من حمام، وأجبن من يمام، وكذلك سائر ما يصاد وما لا يصاد من الرهام. وذكر ابن الأعرابي أنّهم أرادوا بالصافر المصفور به فقلبوه، أي إذا صفر به هرب، كما يقال جبان ما يلوي على الصفير. وذكر أبو عبيدة أن الصافر في المثل هو الذي يصفر بالمرأة للريبة، فهووجل مخافة أن يظهر عليه، واستشهد عليه بقول الكميت بن زيد:
أرجو لكم أن تكونوا في مودّتكم ... كلباً كورهاء تقلى كلّ صفّار
لّما أجابت صفيراً كان آيتها ... من قابس شيّط الوجعاء بالنار
وحديث ذلك أن رجلاً من العرب كان يعتاد امرأة وهي جالسة مع بنيها وزوجها فيصفر لها، فعند ذلك تخرج عجيزتها من وراء البيت وهي تحدّث ولدها فيقضي منها وطره، ثم إن بعض بنيها أحسّ منها بذلك فجاء ليلاً فصفر بها ومعه مسمار محمي، فلما فعلت فعلها كوى به
стр. 552
صرعها، ثم إن الخل جاءها بعد ليال فصفر بها، فقالت: قد قلينا صفيركم، فضرب به الكميت مثلاً.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٨، ٢٤٤ ":
قد علمت إن لم أجد معيناً ... لأخلطنّ بالخلوق طينا
ع وأنشد غير أبي عليّ في مثله:
قام على المركوّ ساق يفعمه ... مختلطاً عشرقه وكر كمه.
فريحه يدعو على من يظلمه
يصف عروساً ضعف زوجها عن السقي فاستعان بها فأعانته. والعشرق: نبات طيّب الريح تستعمله العرائس. والكر كم: شبيه بالورس تصبغ به الثياب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٤٩، ٢٤٤ " لابن أحمر:
وإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدّت عليّ بزوبرا
стр. 553
ع وبعده:
وينطقها غيري وأكلف جرمها ... فهذا قضاء حقّه أن يغيّرا
قال الأصمعي إن ابن أحمر كان قال:
أبا خالد هدّب خميلك لن ترى ... بعينيك وفداً آخر الدهر جائيا
ولا طاعة حتى تشاجر بالقنا ... قناً ورجالاً عاقدين النواصيا
يهجو يزيد بن معاوية. قوله هدّب خميلك: يقول أصلح ثوبك وتزيّن فليس عندك غير ذلك. فطلب فاعتذر بهذا الشعر. وزوبر: اسم معرفة مؤنّث في الأصل وقع علماً بمعناه فلم يصرف. عدّت عليّ بزوبرا: أي بكلّيتها كما جعل سبحان علماً لمعنى البراءة في قوله:
أقول لّما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
فلّما اجتمع فيهما التأنيث والتعريف لم يصرفا.
وأنشد " ١ - ٢٤٩، ٢٤٥ " لابن أحمر أيضاً:
وإنما العيش بربّانه ... وأنت من أفنانه مقتفر
ع وقبله وهو أوّل الشعر:
قد بكرت عاذلتي بكرة ... تزعم أنّي بالصبا مشتهر
وإنما العيش
يريد أن عاذلته قالت له: قد شهرت بالصبا وأنت مسنّ به، وإنما الصبا والعيش بأوّله وجدّته أزمان أنت من أفنانه أي من نواحيه واحدها فنن مقتفر: أي واجد ما طلبت. يقال خرج في طلب إبله فاقتفر آثارها: أي وجد آثارها فاتّبعها، ويروى:
وأنت من أفنانه معتصر.
стр. 554
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٠، ٢٤٥ " للذبياني:
مجلّتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
ع وقبله:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الناس والأحلام غير عوازب
قال أبو علي: من روى مجلّتهم أراد الصحيفة كذا روى عنه مجلّة وإنما هو مجلّة، قال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب مجلّة بكسر الجيم وقد روى غيره فيه الفتح. وقوله فما يرجون: أي ما يخافون، من قوله تعالى: " مالكم لا ترجون لله وقارا ". أي ما يخافون غير أحداث الدنيا وثق لهم بما عند الله. ويروى: غيث العواقب بالغين معجمة والثاء. وروى أبو عمرو: مخافتهم ذات الإله أي يخافون ما نهى الله عنه. ويمدح النابغة بهذا الشعر عمرو بن الحارث الأعرج ابن الحارث الأكبر ابن أبي شمر الغسّانيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٠، ٢٤٦ ":
فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع كنّ بتركن للفقر
ع هو لهدبة بن خشرم. وقبله:
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضاً ... أخا سفر يسري به وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمّأت ... عليه فوارته بلمّاعة قفر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٠، ٢٤٦ " لجميل:
стр. 555
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله
ع هذا أوّل الشعر وبعده:
موحشاً ما ترى به أحداً ... تنتسج الريح ترب معتدله
واقفاً في رباع أمّ جبير ... من ضحى يومه إلى أصله
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٠، ٢٤٦ ":
وغيد نشاوى من كرى فوق شزّب ... من الليل قد نبّهتهم من جلالكا
ع هذا البيت منسوب إلى أخي الكلحبة اليربوعيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٦ ":
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
ع ويروى:
بفخّ وحولي إذخر وجليل
وهذا من حديث مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لّما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري أهل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
стр. 556
وهل أردن يوماً مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: أللهمّ حبّب إلينا المدينة كبّنا مكّة أو أشدّ، أللهمّ وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها وانقل حمّاها واجعلها بالجحفة. ويروى في غير هذه الرواية: بفخّ. ويروى:
وهل يبدون لي شامة وقفيل ... وهذه كلها مواضع بمكة وما يليها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٦ ":
أنا ابن جلاّ وطلاّع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ع البيت لسحيم بن وثيل الرياحيّ. وقبله:
وماذا يدّري الشعراء منّي ... وقد جاوزت رأس الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذني مداورة السنين
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٦ " للعجّاج:
لاقوا به الحجّاج والإصحارا.
ع وصلته:
ألم يروا إذ حلّقوا الأشعارا ... وأفسدوا في دينهم ضرارا
عاثور أمر فلقوا عثارا ... يبغون كسراً فلقوا انكسارا
لاقوا به الحجّاج والإصحارا ... به ابن أجلي وافق الإسفارا
فما قضى أمراً ولا أحارا ... في الحرب إلاّ ربّه استخارا
قوله حلّقوا الأشعارا: يعني تشبّهوا بالخوارج في حلق رؤوسهم وإنما يريد أن يقبّح
стр. 557
أمرهم. وضرارا: أي مضارّة. وعاثور: فاعول من العثار، يريد ألم عاثور أمر أي فاسده. لاقوا به أي بأمرهم، فالهاء عائدة على الأمر لا على المكان، ويحتمل أن ترجع على المكان وإن لم يتقدّم له ذكر لدلالة الانكسار على موضع كسروا فيه. يريد جاؤا ليكسروا الحجّاج وجيشه فكسروا. ويروى فلقوا اكتسارا. وقوله ابن أجلى: أي منكشف الأمر ظاهر الشأن.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٧ " لأبي دؤاد:
بل تأمّل وأنت أبصر منّي ... قصد دير السوى بعين جليّة
بعده:
لمن الظعن بالضحى واردات ... جدول الماء ثمّ رحن عشيّه
مظهرات رقماً تهال له العين ... وعقلاً وعقمة فارسيّة
دير السوى: موضع معروف. والعقل: ضرب من الوشى. والعقمة: الكلل جمع كلّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٧ " للنابغة:
فآب مضلّوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل
ع يرثي النابغة بهذا الشعر النعمان بن الحارث بن الحارث ابن أبي شمر أبا حجر وقبله:
سقى الغيث قبراً بين بصري وجاسم ... ثوى فيه جود فاضل ونوافل
وغيّب فيه يوم راحوا بخيرهم ... أبو حجر ذاك المليك الحلاحل
فآب مضلّوه البيت اختلف في معناه وفي لفظه. فقال ابن الأعرابيّ: مضلّوه دافنوه من قول الله تعالى: " أإذا ضللنا في الأرض ". وقال أبو عمرو: مضلّوه هم الذين ينقلون الموتى يقال لهم مضلّون. وروى عن الأصمعيّ مصلوه بالصاد مهملة يريد جاء قوم بالخبر وجاء قوم بعدهم بخبر آخر جلا الشكّ في الخبر الأوّل، جعلهم بمنزلة المصلّي من الخيل، وهو الذي يتلو السابق. وقال أبو عبيدة: مصلّوه يعني أصحاب الصلوة وهم الرهبان. قال: وقوله بعين
стр. 558
جليّة أي علموا أنه في الجنّة. وقال أبو الحسن الطوسي: وقد سمعت من يروى مصلّوه بالصاد مكسورة مهملة من الصلّة، والصلّة الأرض ولا أحفظ من رواه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٧ " لبكر بن النطّاح:
ولو خذلت أمواله جود كفّه
ع كان بكر قد قصد مالك بن طوق فمدحه، فلم يرض ثوابه فخرج من عنده، وقال يهجوه:
فليت جدي مالك كلّه ... وما يرتجي منه من مطلب
أصبت بأضعاف أضعافه ... ولم أنتجعه ولم أرغب
أسأت اختياري فقلّ الثواب ... لي الذنب جهلاً ولم يذنب
فلما بلغ ذلك مالكاً بعث في طلبه، فلحقوه فردّوه، فلما نظر إليه قام فتلقّاه وقال: يا أخي عجلت علينا وإنما بعثنا إليك بنفقة وعوّلنا بك على ما يتلوها، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر يمدحه:
أقول لمرتاد ندي غير مالك ... كفى بذل هذا الخلق بعض عداته
فتى جاد بالأموال في كلّ جانب ... وأنهبها في عوده وبداته
ولو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسماً لزائر ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربّه ... وشاركهم في صومه وصلاته
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥١، ٢٤٧ " لبكر أيضاً:
وإذا بدا لك قاسم يوم الوغى ... يختال خلت أمامه قنديلا
стр. 559
ع هذا الشعر يمدح به أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، وذلك أنّ أبا دلف لقي أكراداً قطعوا الطريق في عمله وقد ارتدف منهم فارس رفيقاً له، فطعنهما جميعاً فانتظمهما بطعنته، فذلك قول بكر في هذا الشعر:
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
وقال الليثي: إن هذا الشعر لبكر بن عمرو مولى بني تغلب، وروايته:
بطل تناول فارسين بطعنة ... فرأيتموه أتى بذاك جليلا
وهذه الرواية أحسن وأوقع بقوله:
لا تعجبوا لو كان طول قناته ... ميلاً إذن نظم الفوارس ميلا
لأن الرواية الثانية لا تقتضي تعجّباً.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٢، ٢٤٧ ":
يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حيّاً إذاً كانت بغير عماد
ع هذا الشعر منسوب إلى عليّ بن جبلة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٢، ٢٤٨ " لليلى:
يا أيّها السدم الملوّي رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما
ع قال أبو عمرو الشيبانيّ: تعرّض ليلى في هذا الشعر بابن الزبير. والبريم: الجيش الذين أبرموا أمرهم، ويقال الذي فيه أخلاط من القبائل، لأن البريم من الخيوط هو الذي فيه ألوان. وقولها: لوجدته مرؤوماً: أي متعطّفاً عليه كما ترأم الناقة ولدها. وقولها:
لا تقربنّ الدهر آل مطرّف
ويروى آل مصرّف. ويروى: لا ظالماً فيهم ولا مظلوماً منهم
стр. 560
وهذه الرواية هي الجيّدة لوجهين أحدهما: أنّها أفادت معنى حسناً، لأنه قد يكون ظالماً أو مظلوماً من غيرهم، فيستجير بهم لردّ ظلامته أو لاستدفاع مكروه عقوبته، فلا بدّ لهم من إجارته. والوجه الثاني أن قوله: لا تقربن الدهر قد أغنى عن قوله: أبداً فصار حشواً لا يفيد معنى. وروى أبو عمرو بعد قولها ولا مظلوماً:
هبلتك أمّك لو حللت بلادهم ... لقيت بكارتك الحقاق قروما
لتعمّدتك كتائب من عامر ... وأرتك في وضح النهار نجوما
وترى رباط الخيل ... ومخرّقاً عنه القميص تخاله
تغمّدتك بالغين معجمة: أي احتملتك ومن رواه بالعين مهملة أراد قصدتك. وهذه الرواية أيضاً هي المختارة أعني عطف قوله: ومخرّقاً على ما قبله، وكذلك رواه أبو تمّام، قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ثم قال: ومخرّق بالرفع نسقاً على ما قبله، ولم تختلف الرواية عن أبي عليّ في خفض ومخرّق على معنى: وربّ مخرّق، فهو على هذا منقطع مما قبله يعني به رجل مجهول، والشاعر إنّما يريد به الخليع المتقدّم الذكر، ألا ترى قوله:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
ثم قال:
ومخرّق عنه القميص تخاله
وسط البيوت. وفي قولها: ومخرّق عنه القميص قولان أحدهما: أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له، والثاني أنه يؤثر بجيّد ثيابه فيكسوها، ويكتفي بمعاوزها كما قال رجل من بني سعد:
ومحتضر المنافع أريحيّ ... نبيل في معاوزه طوال
ورواية أبي عليّ في معاوزة طوال وهي رواية مردودة. وقولها حتّى تحوّل ذا
стр. 561
الهضاب يسوما رواه أبو عمرو وغيره ذا الضبّاب وهو الصحيح، لأن يسوم جبل منيف في أرض نخلة من الشام يعرف بذي الضباب، وذلك أن الضباب لا يفارقه وإلاّ فكل جبل ذو هضاب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٣، ٢٤٨ " للمتنخّل:
عقّوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤا وقالوا حبّذا الوضح
ع هذا الشعر يهجو به ناساً من قومه كانوا مع ابنه حجّاج يوم قتل. وقبل البيت:
لا ينسئ الله منّا معشراً شهدوا ... يوم الأميلح لا غابوا ولا جرحوا
لا غيّبوا شلوا حجّاج ولا شهدوا ... حمّ القتال فلا تسأل بما افتضحوا
لكن كبير بن هند يوم ذلكمو ... فتخ الشمائل في أيمانهم روح
عقّوا بسهم. قوله لا ينسئ الله: أي لا يؤخّر الله موتهم. وشلو كل شئ: بقيّته، وحمّ القتال وحمّ كلّ شئ: معظمه. ولم يبيّن أبو علي معنى التعقية. ولا علمه على حقيقته، وقد بيّن أبو العباس ثعلب معنى التعقية فقال: إن العقيقة سهم الاعتذار، قال: وسألت ابن الأعرابيّ عن سهم الاعتذار فقال قالت العرب: إن أصل هذا أن يقتل الرجل من القبيلة فيطالب القاتل بدمه فيجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكمّلة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوّة أبوا ذلك وإلاّ قالوا لهم إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء فإن رجع إلينا مضرّجاً دماً فقد نهينا عن أخذ الدية وإن رجع كما صعد فقد أمرنا
стр. 562
بأخذها. قال ابن الأعرابيّ قال أبو المكارم وغيره: فما رجع السهم قطّ إلاّ نقيّاً، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهّال. ولذلك قال شاعر قبيل فعل هذا ولم يشاهده ولا رضيه:
عقّوا بسهم ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
هكذا أنشده وقد تقدم إنشاد أبي عليّ له " ١ - ١٨٥، ١٨٣ ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا
وكبير بن هند قبيلة من هذيل. وسيذكر أبو علي معنى البيت أثر هذا " ١ - ٢٥٦، ٢٥٢ ".
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٥٣، ٢٤٩ " كتاب الحسن بن سهل إلى القاضي ابن سماعة فيه ولا يبيع نصيب يومه بحرمان غده. ع يريد لا يبيع حظّه من يومه الحاضر بحظّه من غده الذي هو أمل لا يدري هل يدركه أم لا؟ وإن أدركه هل يتفرّغ له بقواطع الزمن. وفي بعض الحكم: أمس أجل واليوم عمل وغداً أمل.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٤٩ " ما بالدار لاعي قرو ولم يفسره ع واللاعي اللاحس والقرو أسفل النخلة ينقر فينبذ فيه. وقال أبو عبيدة: القرو القدح وأنشد للأعشى:
وأنت بين القرو والعاصر
فالمعنى بها لاحس قدح أي ما بها أحد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ " لعبيد:
стр. 563
فعردة فقفا حبرّ ... ليس بها منهم عريب
ع وقبله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذنوب
فراكس فثعيلبات ... فذات فرقين فالقليب
وهذه مواضع كلّها بديار بني أسد، وقد حلّيتها وحدّدتها في كتابي المعروف بكتاب معجم ما استعجم، وكذلك جميع ما وقع منها في الأشعار وجميع ما ورد في كتب الآثار والتواريخ والأخبار والحمد لله.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ ":
هل تعرف المنزل من ذات الهوج ... ليس بها من الأنيس دبّيج
ع هذان الشطران لرجل من بني سعد. وبعدهما: غيّرها الدهر وريح سيهوج.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ " لجرير:
وبلدة ليس بها ديّار ... تنشقّ في مجهولها الأبصار
ع يقول تبرق فيها الأبصار: أي تفتّح العيون فزعاً وذعراً. ولا أعلم هذين الشطرين في شئ من شعر جرير.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥٠ ":
تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم ... فما يحسّ عليها منهم أرم
هذا البيت غير محفوظ وإنما أنشد اللغويّون شاهداً على هذا القول زهير:
стр. 564
دار لأسماء بالغمرين ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥٠ ":
يميناً أرى من آل زبّان وابراً ... فيفلت مني دون منقطع الحبل
ع منقطع: مصدر يريد دون قطعي حبله أي حبل عاتقه أو حبل وريده، فأضاف المصدر إلى المفعول كما قال الله : " لقد ظلمك بسؤال نعجتك " يريد بسؤاله نعجتك.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
فوالله لا تنفكّ منّا عداوة ... ولا منهم ما دام من نسلنا شفر
ع البيت لأبي طالب ابن عبد المطلب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ " للعجّاج:
وبلدة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
صلته:
وخفقة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
يلقى وبئس الأنس الجنيّ ... دويّة لهولها دويّ
للريح في أقرابها هوىّ ... همّي ومضبور القرى مهريّ
هكذا صحة إنشاده:
وخفقة ليس بها طوئيّ
لأن قبله:
وبلدة نياطها نطيّ
نطيّ: أي بعيد. والخفقة: البلدة الواسعة التي تخفق فيها الريح. والأقراب: الجوانب. والمضبور: المشدود. والقرى: الظهر.
стр. 565
وأنشد أبو عليّ ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
أجدّ الحيّ واحتملوا سراعاً ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
ع البيت لبشر ابن أبي خازم. وصلته:
ألا ظعن الخليط غداة ريعوا ... بشبوة والمطيّ بنا خضوع
أجدّوا البين واحتملوا سراعا ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
كأن حدوجهم لما استقلّوا ... ببطن الواديين دم نجيع
ريعوا: هيجوا للسير وحرّكوا. وخضوع: واقفة خاضعة أعناقها. والحدوج: مراكب للنساء. والنجيع: الطريّ. شبّه حمرة الرقم الذي جلّلت به الحدوج بحمرة الدم. وينشد أيضاً في الكتيع لعمرو بن معدي كرب:
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الإنس ليس به كتيع
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
لبّثت قليلاً يلحق الداريّون
ع وهكذا أنشده أبو عبيد في الغريب المصنّف وأنشده ابن الأعرابيّ وأبو عمرو وغيرهما:
ضحّ رويداً يلحق الداريّون
قالوا يريد ارع إبلك ضحى، وهذا مثل أي كفّ الطرد حتى يلحق أصحاب الدار، ومثله:
ضحّ رويداً يحلق الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
следующие страницы →