Полный текст (1 070 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الهضاب يسوما رواه أبو عمرو وغيره ذا الضبّاب وهو الصحيح، لأن يسوم جبل منيف في أرض نخلة من الشام يعرف بذي الضباب، وذلك أن الضباب لا يفارقه وإلاّ فكل جبل ذو هضاب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٣، ٢٤٨ " للمتنخّل:
عقّوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤا وقالوا حبّذا الوضح
ع هذا الشعر يهجو به ناساً من قومه كانوا مع ابنه حجّاج يوم قتل. وقبل البيت:
لا ينسئ الله منّا معشراً شهدوا ... يوم الأميلح لا غابوا ولا جرحوا
لا غيّبوا شلوا حجّاج ولا شهدوا ... حمّ القتال فلا تسأل بما افتضحوا
لكن كبير بن هند يوم ذلكمو ... فتخ الشمائل في أيمانهم روح
عقّوا بسهم. قوله لا ينسئ الله: أي لا يؤخّر الله موتهم. وشلو كل شئ: بقيّته، وحمّ القتال وحمّ كلّ شئ: معظمه. ولم يبيّن أبو علي معنى التعقية. ولا علمه على حقيقته، وقد بيّن أبو العباس ثعلب معنى التعقية فقال: إن العقيقة سهم الاعتذار، قال: وسألت ابن الأعرابيّ عن سهم الاعتذار فقال قالت العرب: إن أصل هذا أن يقتل الرجل من القبيلة فيطالب القاتل بدمه فيجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكمّلة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوّة أبوا ذلك وإلاّ قالوا لهم إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء فإن رجع إلينا مضرّجاً دماً فقد نهينا عن أخذ الدية وإن رجع كما صعد فقد أمرنا
стр. 562
بأخذها. قال ابن الأعرابيّ قال أبو المكارم وغيره: فما رجع السهم قطّ إلاّ نقيّاً، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهّال. ولذلك قال شاعر قبيل فعل هذا ولم يشاهده ولا رضيه:
عقّوا بسهم ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
هكذا أنشده وقد تقدم إنشاد أبي عليّ له " ١ - ١٨٥، ١٨٣ ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا
وكبير بن هند قبيلة من هذيل. وسيذكر أبو علي معنى البيت أثر هذا " ١ - ٢٥٦، ٢٥٢ ".
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٥٣، ٢٤٩ " كتاب الحسن بن سهل إلى القاضي ابن سماعة فيه ولا يبيع نصيب يومه بحرمان غده. ع يريد لا يبيع حظّه من يومه الحاضر بحظّه من غده الذي هو أمل لا يدري هل يدركه أم لا؟ وإن أدركه هل يتفرّغ له بقواطع الزمن. وفي بعض الحكم: أمس أجل واليوم عمل وغداً أمل.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٤٩ " ما بالدار لاعي قرو ولم يفسره ع واللاعي اللاحس والقرو أسفل النخلة ينقر فينبذ فيه. وقال أبو عبيدة: القرو القدح وأنشد للأعشى:
وأنت بين القرو والعاصر
فالمعنى بها لاحس قدح أي ما بها أحد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ " لعبيد:
стр. 563
فعردة فقفا حبرّ ... ليس بها منهم عريب
ع وقبله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات فالذنوب
فراكس فثعيلبات ... فذات فرقين فالقليب
وهذه مواضع كلّها بديار بني أسد، وقد حلّيتها وحدّدتها في كتابي المعروف بكتاب معجم ما استعجم، وكذلك جميع ما وقع منها في الأشعار وجميع ما ورد في كتب الآثار والتواريخ والأخبار والحمد لله.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ ":
هل تعرف المنزل من ذات الهوج ... ليس بها من الأنيس دبّيج
ع هذان الشطران لرجل من بني سعد. وبعدهما: غيّرها الدهر وريح سيهوج.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٤، ٢٥٠ " لجرير:
وبلدة ليس بها ديّار ... تنشقّ في مجهولها الأبصار
ع يقول تبرق فيها الأبصار: أي تفتّح العيون فزعاً وذعراً. ولا أعلم هذين الشطرين في شئ من شعر جرير.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥٠ ":
تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم ... فما يحسّ عليها منهم أرم
هذا البيت غير محفوظ وإنما أنشد اللغويّون شاهداً على هذا القول زهير:
стр. 564
دار لأسماء بالغمرين ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥٠ ":
يميناً أرى من آل زبّان وابراً ... فيفلت مني دون منقطع الحبل
ع منقطع: مصدر يريد دون قطعي حبله أي حبل عاتقه أو حبل وريده، فأضاف المصدر إلى المفعول كما قال الله : " لقد ظلمك بسؤال نعجتك " يريد بسؤاله نعجتك.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
فوالله لا تنفكّ منّا عداوة ... ولا منهم ما دام من نسلنا شفر
ع البيت لأبي طالب ابن عبد المطلب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ " للعجّاج:
وبلدة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
صلته:
وخفقة ليس بها طوئيّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
يلقى وبئس الأنس الجنيّ ... دويّة لهولها دويّ
للريح في أقرابها هوىّ ... همّي ومضبور القرى مهريّ
هكذا صحة إنشاده:
وخفقة ليس بها طوئيّ
لأن قبله:
وبلدة نياطها نطيّ
نطيّ: أي بعيد. والخفقة: البلدة الواسعة التي تخفق فيها الريح. والأقراب: الجوانب. والمضبور: المشدود. والقرى: الظهر.
стр. 565
وأنشد أبو عليّ ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
أجدّ الحيّ واحتملوا سراعاً ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
ع البيت لبشر ابن أبي خازم. وصلته:
ألا ظعن الخليط غداة ريعوا ... بشبوة والمطيّ بنا خضوع
أجدّوا البين واحتملوا سراعا ... فما بالدار إذ ظعنوا كتيع
كأن حدوجهم لما استقلّوا ... ببطن الواديين دم نجيع
ريعوا: هيجوا للسير وحرّكوا. وخضوع: واقفة خاضعة أعناقها. والحدوج: مراكب للنساء. والنجيع: الطريّ. شبّه حمرة الرقم الذي جلّلت به الحدوج بحمرة الدم. وينشد أيضاً في الكتيع لعمرو بن معدي كرب:
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الإنس ليس به كتيع
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٥، ٢٥١ ":
لبّثت قليلاً يلحق الداريّون
ع وهكذا أنشده أبو عبيد في الغريب المصنّف وأنشده ابن الأعرابيّ وأبو عمرو وغيرهما:
ضحّ رويداً يلحق الداريّون
قالوا يريد ارع إبلك ضحى، وهذا مثل أي كفّ الطرد حتى يلحق أصحاب الدار، ومثله:
ضحّ رويداً يحلق الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
стр. 566
يعني حمل بن بدر الفزاريّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٦، ٢٥١ ":
إذا رآني واحداً أو في عين
ع ورواه ابن الأعرابيّ:
إذا رآني واحداً أوفى عين ... أطرق من خوفي إطراق الطّحن
قال وفيها:
وإن أتاها ذو فلاق وحشن ... تعارض الكلب إذا الكلب رشن
قال والطحن دويّبة بيضاء كالعظاية الصغيرة تأتي الرمل فتجعل فيها داره ثم تغيب فيها. قال والفلاق: لبن قد خثر وحمض حتى تفلّق وهو الممذقرّ. والحشن: وسخ القدر من داخله وتراكب بعضه على بعض. ورشن: أتاهم ليأكل، والراشن الداخل مع القوم وهو الواغل.
وأنشد " ١ - ٢٥٦، ٢٥١ " بعده بيت المتنخّل وقد تقدّم موصولاً " ص ١٣٥ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٦، ٢٥٢ ":
إن سعيد الجدّ من بات ليلة ... وأصبح لم يؤشب ببعض الكبائر
ع وهي لعبد الرحمن بن حسّان ذكر ذلك الصوليّ. ع ورأيت أبياتاً من هذا الشعر منسوبة إلى محمد بن يسير. وهذا البيت الأوّل مأخوذ من قول حسّان بن ثابت:
стр. 567
وإن امرأ أمسى وأصبح سالماً ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٥٨، ٢٥٣ " خطبة الأعرابيّ الذي ولاّه جعفر بن سليمان بعض مياههم وفيها: قدّموا بعضاً يكن لكم كلاّ ولا تخلّفوا كلاّ يكن عليكم كلاّ. ورواه آخرون: قدّموا بعضاً يكن لكم فرضاً ولا تخلّقوا كلاّ يكن عليكم كلاّ. وروى الرياشي عن الأصمعي هذا الخبر بخلاف ما رواه أبو علي عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمّه. فقال: كنّا في حلقة يونس فجاء أعرابيّان فسلّما فقال أحدهما: إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء فخذوا لمقرّكم من ممرّكم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم
قدّموا بعضاً يكن لكم فرضاً ولا تخلّفوا كلاّ يكن عليكم كلاً
وتصدّقوا علينا فإنّ الله يجزي المتصدّقين ولا يضيع أجر المحسنين، فأخرج رجل منهم درهماً فأعطاه، فقلب ظهره لبطنه ثم أقبل على صاحبه فقال:
نشبي وما جمّعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد
همم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلد إلى بلد
من لم يكن لله متّهماً ... لم يمس محتاجاً إلى أحد
يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد
قال ثم رمى بالدرهم ومضى فجمعنا له شيئاً وتبعناه فأبى أن يأخذه. وقال الليثي: إن هذا الشعر لحسين الأشقر مولى باهلة، ولعل هذا الأعرابيّ جاء به متمثلاً.
стр. 568
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٨، ٢٥٤ ":
وعازب قد علا التهويل جنبته ... لا تنفع النعل في رقراقه الحافي
ع وصلته:
مستأسد النبت معلول أطاوله ... كأنّ زاهره تلوين أفواف
باكرته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفياً صاحبي وغيره الخافي
لا ينفع الوحش منه إن تحذّره ... كأنّه معلق فيها بخطّاف
والشعر لعبد المسيح بن عسلة وقد تقدّم ذكره " ١٢٩ " وقوله: مستخفياً صاحبي: أي فرسي أخفيه لئلا تعلم به الوحش فتنفر، ومثله لا يخفي لإشرافه وبدنه، وقيل لنشاطه وصهيله وتحصّنه. ومن البيت الآخر أخذ النابغة قوله في اعتذاره إلى النعمان:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأي عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
وعبد المسيح أقدم منه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٤٥٩، ٤٥٤ " لعبد الله بن مصعب:
وإنّي وإن أقصرت من عير بغضة ... لراع لأسباب المودّة حافظ
ع هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، يكنى أبا بكر مدنيّ شاعر فصيح، استعمله الرشيد على المدينة وأفاد منه مالاً جليلاً. وعبد الله هذا هو الذي يلّقب عائد الكلب غلب عليه ذلك لقوله:
مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
стр. 569
وأشدّ من مرضي عليّ صدودكم ... وصدود كلبكم عليّ شديد
قد والذي سمك السماء بقدرة ... غلب العزاء وادرك المجلود
وهجي بذلك حتى قال العبّاس بن عتبة العلوي:
إن الزمان الذي أهدى لنا العجبا ... من عائد الكلب أفنى الدين والحسبا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٥٩، ٢٥٥ " قصيدة ذي الإصبع العدوانيّ، وقد مضى من أوّلها أبيات ومضى القول فيها ٦٩. ومنها:
عنّي إليك فما أمّي براعية ... ترعى المخاض وما رأيي بمغبون
ع إنما خصّ رعية المخاض لأنها أشدّ من رعية غيرها فلا يمتهن فيها إلاّ من حقر ولم يبال به. وروى غير أبي علي بعد قوله:
والله لو كرهت كفيّ مصاحبتي ... إذاً لقلت لها من ساعدي بيني
ثم انثنيت على الأخرى فقلت لها ... إن تسعديني وإلاّ مثلها كوني
وفيها:
وأنتم معشر زيد على مائة
زيد زيادة وهو مصدر زاد يزيد زيداً، وقيل إنه جمع زائد كما يقال صاحب وصحب وراكب وركب. وفيها:
بل ربّ حيّ شديد الشغب ذي لجب ... دعوتهم راهناً منهم ومرهون
يريد غالباً منهم ومغلوباً. وخفض قوله ومرهون على توهّم حرف الجرّ كأنه قال من راهن ومن مرهون، وأنشد النحويّون في مثله لزهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
стр. 570
على توهّم الباء في مدرك، ومثله للفرزدق:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة ... إليّ ولا دين بها أنا طالبه
كأنه قال: لكونها حبيبة ولا لدين، هذا قول الأخفش. وصحّة إعرابه عندي أن يكون تقديره بل ربّ حيّ شديد الشغب ذي لجب مدعوّ ومرهون دعوتهم راهناً منهم، لأن قوله دعوتهم دالّ على مدعوّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦١، ٢٥٧ لهميان:
قد أسأرت في الحوض حضجاً حاضجاً
ع هو هميان بن قحافة أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقيل أحد بني عامر بن عبيد بن الحارث وهو مقاعس، راجز محسن إسلاميّ. وصلة الشطر:
فصبّحت جابية صهارجاً ... تحسبه جلد السماء خارجاً
قد أسأرت في الحوض حضجاً حاضجا ... قد عاد من أنفاسها رجارجا
تسمع في أجوافها لجالجا ... أزاملاً وزجلاً هزامجا
قوله جلد السماء: يعني صفاء الماء وطيبه وهو يوصف بالزرقة في تلك الحال كما قال:
فألقت عصا التيسار عنها وخيّمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره
стр. 571
وقال يعقوب: ما بالحوض حضج وحضج: بالفتح والكسر وهي البقيّة. والرجارج: الذي يتقطّع يذهب ويجئ، وتفسير أبي عليّ قول آخر وهو قول أبي عبيد. ولجالج: كما يلجلج الكلام فلا يبين. والأزامل: جمع أزمل وهو الصوت. والهزامج: المتدارك من الصوت من هزمج إذا مرّ يترنّم ترنّماً متداركاً.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦١، ٢٥٧ و٢ - ٤٤، ٤١ " لابن مقبل:
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
ع يصف بقرة فقدت ولدها فكاد اللعاع وهو ألين المرعى يسحطها: أي يغصّها، يقال أكل طعاماً فسحطه أي أغصّه. والسحط والشحط في غير هذا الموضع الذبح الوجيّ وإنما ذلك لولهها على ولدها وأسفها على طلاها. وقال أبو حنيفة: إذا ظهر البقل شيأ قيل برض فهو بارض ثم يكون لعاعاً يقال ألعّت الأرض وتلعّت الماشية اللعاع رعته. والحوذان: من أحرار البقل طيّب يأكله الناس، قال ابن أبي دؤاد:
أعاشني بعدك واد مبقل ... آكل من حوذانه وأنسل
قال أبو حنيفة وقد أنشد البيت: والرجرج أيضا من ناعم البقل. وصلة البيت قال يصف امرأة:
أو نعجة من إراخ الرّمل خذّلها ... عن إلفها واضح الخدّين مكحول
قالت لها النفس كوني عند مولده ... إنّ المسيكين إن جاوزت مأكول
حتى احتوى بكرها بالجزع مطّرد ... هملّع كهلال الشهر هذلول
стр. 572
كأنّ ما بين أذنيه وزبرته ... من صبغه في دماء الجوف منديل
لّما أتت مفرس المسكين تطلبه ... وحولها قطع منه خراديل
كاد اللعاع
هملّع: خفيف. كهلال الشهر: أي دقيق ضامر. وهذلول: سريع يعني الذئب. وخراديل: قطع لا واحد لها من لفظها. قال وقد يقال خردلة خردلة شديدة، فالخراديل والخناطيل القطع المتفرّقة وكذلك الرعابيل، والخناطيل في غير هذا الموصع طائفة من الإبل والدوابّ. وقال غير أبي حنيفة: رجرج يعني لعابها يترجرج في فيها وإنما يسيغ الطعام اللعاب، ويقال للماء الذي تعبث فيه الإبل حتى يخثر ويتمطّط رجرجة، قال الراجز:
فأسأرت في الحوض حضجاً حاضجاً ... قد عاد من أنفاسها رجارجا
والكتيبة الرجراجة: التي تموج. وأنشد ابن الأنباري في كتاب الحاء هذا البيت الشاهد لجران العود النميري وأنشد قبله:
لما ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ... ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٢، ٢٥٨ " قول ابن الإطنابة في حديث معاوية:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وفيه:
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانّك! تحمدي أو تستريحي
ع وروى غير واحد:
وقولي كلّما جشأت لنفسي
وهو أحسن من
стр. 573
وجهين أحدهما: أن جشأت وجاشت بمعنى واحد معناهما الارتفاع، والثاني رجوع الضمير على مذكور. وروى ابن داحة وابن دأب معاً في هذا الحديث بعد قوله: فما تمنعني إلا أبيات ابن الإطنابة وأنشداها. قال فقلت: الله لتحامينّ عن الشاة والبعير ولأفرّنّ عن الملك فصبرت حتى آل الأمر إلى ما آل إليه. ومن هذا البيت أخذ قطريّ بن الفجاءة قوله:
أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
وابن الإطنابة هو عامر وقيل عمرو بن زيد مناة بن مالك ابن الأغرّ الخزرجيّ شاعر جاهليّ. والإطنابة: أمّه، والإطنابة المظلّة وهي أيضاً سير يوضع على فرض الوتر من القوس.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٢، ٢٥٨ ":
ألا أيّها الناهي فزارة بعد ما ... أجدّت لغزو إنما أنت حالم
стр. 574
ع الشعر لبعض بني فزارة يقوله في الحرب التي كانت بينهم وبين كلب. وفيه:
أبى كلّ ذي تبل يبيت بهمّه ... ويمنع منه النوم إذ أنت نائم
ويروى: أرى كل ذي تبل، والوجه الأول، ويروى ويمنع منه النوم: يعني التبل منعه النوم. وهذا البيت أنشده في خبر المفضّل الضّبيّ قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن حسن صاحب أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، فلما رأى البياض يقلّ والسواد يكثر قال أنشدني شيأ يهوّن عليّ بعض ما أرى، فأنشدته هذه الأبيات فرأيته يتطالل في سرجه، ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. ع هكذا صحّت الرواية عن أبي علي يتطالل بإظهار التضعيف وإنما هو يتطالّ كما تقول يتقاصّ ويترادّ ولا يجوز إظهار التضعيف إلاّ في ضرورة الشعر، قال قعنب ابن أمّ صاحب:
مهلاً أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا
وقد يأتي ذلك لازدواج اللّفظ وتقابله كما روى في حديث النبي ﷺ : أيّتكنّ صاحبة الجمل الأزبب تنبحها كلاب الحوأب؟ وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٣، ٢٥٩ " لأبي سعيد المخزوميّ:
من لي بردّ الصبا واللهو والغزل ... هيهات ما فات من أيّامك الأول
وفيها:
ما لي وللدمنة البوغاء أندبها.
ع والبوغاء: التراب الدقيق، قال الشاعر:
لعمرك لولا هاشم ما تعفّرت ... ببغدان في بوغائها القدمان
стр. 575
والبوغاء أيضا: شذى الطيب يقال ارتفعت بوغاء الطيب وفيه:
مالي أرى ذمّتي يستمطرون دمي
يريد مالي أرى أهل عهدي يستبطؤن قيامي ثم قال:
كيف السبيل إلى ورد خبعثنة؟
والخبعثنة: التارّ البدن القويّ. وفيه:
بالليل مشتمل بالجمر مكتحل
عين الشجاع توصف بالحمرة في الحرب من الجرأة والغضب فتغلب الحمرة على بياضها وهذا مشاهد معلوم. قال ضرار بن الخطّاب الفهريّ:
بيض كرام كأنّ أعينهم ... تكحل فوق الهياج بالعلق
وقال زيد الخيل:
هلاّ سألت بني نبهان ما حسبي ... يوم الهياج إذا ما احمرّت الحدق
وقد يوصف أيضاً طرف الجبان بالحمرة لا حدقته وذلك لانقلاب حماليقه من الفزع.
وقال المرّار:
إنّي إذا طرف الجبان احمرّا
وكان خير الخصلتين الشرّا ... أكون ثم أسدا وبرا
ولايشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل
هذا كقول بشّار في عمر بن العلاء:
إذا حزبتك صعاب الأمور ... فنبّه لها عمراً ثمّ نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلاّ بدم
قيل إنه أراد بقوله: من قليب دم يده كأنها تسيل دماً لكثرة سفكه دم أعدائه، وقيل أراد يغلب الناس على المياه والمحاضر فيسفك دماء من غالبه عليها. وهذا كما قال أبو تمام:
стр. 576
ذرى المنبر الصعب من فرشه ... ونار الوغى ناره للصلاء
معرّسه في ظلال السيوف ... ومشربه من نجيع الدماء
وكشف أبو الطيّب هذا المعنى فقال:
تعوّد أن لا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا يرد الغدران إلاّ وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق
وأبو سعيد هو عيسى بن خالد بن الوليد، من ولد الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، بغداذي كثير الشعر جيّده، وهو المهاجي لدعبل، وكان دعبل ينفيه ويعرّفه بالدعيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٣، ٢٦٠ " للفند الزمّاني:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
وفيه:
فلّما صرّح الشرّ ... فأمسى وهو عريان
ع وغيره يرويه فأضحى وهو خير لأن الشيء في الضحى أشهر وهو قد ربط آخر الكلام بقوله صرّح. وفيه:
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان
غداً بالغين معجمة، كذلك رواه أبو عليّ وهو الصواب، ومن روى شددنا شدّة الليث يكون الاختيار عدا لأن السبع يغدو جائعاً وتغدو المواشي أيضاً سارحة من مراحها ويبرز
стр. 577
الصيد أيضاً من مجاثمه وجحرته وكنسه ومكامنه، قال رؤبة:
كأنه ليث عرين هوّاس ... عادته خبط وعضّ همّاس
يغدو بأشبال أبوها الهرماس
ومن روى مشينا مشية الليث، لم يصلح أن يقول عدا، لأن الليث لا يكون ماشياً عادياً في حال. فإن قيل عدا هنا من العدوان، فالجواب أن الليث لا يمشي في حال عدوانه، وإنما يشدّ شداّ وهذا بيّن واضح. ومن روى شددنا شدّة الليث جاز أن يقول عدا من العدوان لا من العدو، لأن الشدّ هو العدو الذي قيل في بيت عبد يغوث:
أنا الليث معديّاً عليه وعادياً
وفيه:
بضرب فيه تخضيع ... وتوهين وإقران
تخضيع: إذلال من الخضوع وقيل صوت، ومنه الخضيعة وهو الصوت الذي يسمع من جوف الفرس. والإقران: اللين. ومن رواه بضرب فيه تفجيع وتأييم وإرنان فهو من آمت المرأة إذا قتل عنها زوجها أو مات. وإرنان: من الرنين في البكاء يقال: رنّ وأرنّ. والفند هو شهل وليس في العرب شهل بشين معجمة غيره بن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، جاهليّ قديم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٤، ٢٦٠ " لأبي الغول الطهويّ:
стр. 578
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدّقوا فيهم ظنوني
ع يريد صدّقوا في أنفسهم ظنوني، فالظنون مفعولة، وروى غير أبي عليّ صدّقت فيهم ظنوني فالظنون على هذه الرواية فاعلة، ويروى صدّقت بضم الصاد فتكون الظنون مفعولة.
وفيه:
فوارس لا يملّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
الزبن لا يكون إلاّ بالثفنات، يريد الحرب التي لا تقبل الصلح كالناقة التي تدفع الحالب. وفيه:
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حيناً بعد حين
تبلى من البلى، وروى غيره ولا تبلى بضم التاء من الابتلاء وهو الاختبار أي: لا يختبر ما عندهم من النجدة والبأس وإن طال أمد الحرب لكثرة ما عندهم من ذلك، ويجوز على هذه الرواية إلاّ بعد حين. وفيه:
فنكّب عنهم درأ الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
هذا مثل قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّاً إذا ما نجهل
стр. 579
وقال خلف بن خليفة:
عليهم وقار الحلم حتى كأنّما ... وليدهم من فضل هيبته كهل
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
وله أمثلة في التنزيل. وفيه:
ولا يرعون أكناف الهوينا ... إذا حلّوا ولا روض الهدون
الهوينا: لا تكبير لها ومثلها قولهم: يا حديّاك: أي تحدّيك، ومثلها الهديّا: السّهم يرمى أثر السّهم. والهوينا: الدعة والخفض. والهدون: السكون والطمأنينة. يقول: هؤلاء القوم من عزّهم ومنعتهم لا يرعون الأماكن التي أباحتها المسالمة ووطأتها المهادنة، ولكن يرعون النواحي المتحاماة والأرضين الممتنعة، كقول أبي النّجم يصف إبلاً:
تبقّلت من أوّل التبقّل ... بين رماحي مالك ونهشل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٥، ٢٦١ " لقيس بن زهير:
ألم تر أن خير الناس أضحى ... على جفر الهباءة ما يريم
ع يرثي حذيفة وحملاً ابني بدر بن عمرو بن جؤيّة بن لوذان بن عديّ بن فزارة بن
стр. 580
ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وقيس هو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويكنى قيس أبا هند، شاعر فارس جاهليّ، وهو الذي راهن حذيفة بن بدر، فأجرى حذيفة الخطّار والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء، هذا الأكثر، وقيل بل أجرى قيس داحساً وأجرى حذيفة الغبراء، واتّفقا على أن يكون المضمار أربعين والغاية مائة غلوة والمجرى من ذات الإصاد، فلما أتيا المدى وأرسلا الخيل عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس. فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من المائة فأرسلها مثلاً، ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تندر خيل قيس. فقال: سبقتك يا قيس، فقال: رويداً يعلون الجدد فأرسلها مثلاً، ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: سبقتك يا قيس، فقال: جرى المذكيات غلاب فأرسلها مثلاً. وجعلت بنو فزارة كميناً بالثنيّة فاستقبلوا داحساً فلطموه وهو السابق وأمسكوه ثم لطموا الغبراء وهي السابقة ثم أرسلوا داحساً فتمطّر في آثارها: أي أسرع وجعل يندرها فرساً فرساً حتى سبق إلى الغاية مصلّياً للغبراء، ولو تباعدت الغاية سبق الغبراء، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها وحلأوها عن البركة ثم لطموا داحساً وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فسمّي جاسئاً، وجفّت يده. وجاء قيس وحذيفة آخر الناس، وقد دفعت بنو فزارة عبساً عن سبقهم ولم تطقهم عبس، لأن من شهد منهم أبيات غير كثيرة.
стр. 581
فلما رأى ذلك قيس احتمل عنهم في من معه من بني عبس. ثم إن قيساً أغار فلقي عوف بن بدر أخا حذيفة لأبيه وأمّه فقتله وأخذ إبله، فهمّوا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد دية عوف مائة عشراء متلية واصطلح الناس. وكانت معاذة بنت بدر أخت حذيفة بن بدر وإخوته تحت الربيع. ثم إن مالك بن زهير أخا قيس تزوّج في بني فزارة، فدسّ عليه حذيفة قرواشاً في نفر من قومه فقتلوه وأخذوا سيفه ذا النون، فثارت الحرب بين عبس وذبيان، فقتل في أوّل يوم من حربهم حذيفة وحمل ابنا بدر في جفر الهباءة، قتل الحارث بن زهير حملاً وأخذ منه ذا النون سيف أخيه مالك، وشاركه في قتله عمرو بن الأسلع العبسيّ. وقال الحارث:
تركت على الهباءة غير فخر ... حذيفة حوله قصد العوالي
ويخبرهم مكان النون منّي ... وما أعطيته عرق الخلال
فركدت الحرب بينهم عشرين عاماً. وقول قيس:
وقد يستجهل الرجل الحليم
يعني يحمل على الجهل كما يقال: يستغضب إذا حمل على الغضب. وهذا كما قال البحتريّ:
إذا أحرجت ذا كرم تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللئام
وقال الطائي:
أخرجتموه بكره من سجيّته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم
وقال قيس أيضاً يرثي حذيفة وحملاً:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلاّ بناني
стр. 582
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٦٥، ٢٦١ " حديث الأصمعي مع الأعرابية التي نزل بها وقد مات ولدها، قال فأنشدتها أبيات نويرة بن حصين المازني يرثي ابنه:
إني أريىء الشامتين تجلّدي ... وإني لكالطاوي الجناح على كسر
جاء بقوله أريئ على الأصل راء الرجل الشيء، وأراءه غيره فهو يريئه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٦، ٢٦٢ " للحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي
وفيه:
أن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمى
ع الأبر: التلقيح ومعناه كقولهم: ربّ ساع لقاعد يقول: نغير عليك فنحربك ونقتلك، فنشفي أعداءك منك، حتى يبلغوا من ذلك ما لم يكونوا ليدركوه بجهدهم، فكأن سعينا كان لهم، ونكون في ذلك كأنا أصلحنا أمر غيرنا، وقيل المعنى غير هذا، وإنما أراد نقتلك ونملك أرضك ونأبر نخلك، والأول أجود، وليس كل من قتل واحداً ملك أرضه بل ذلك شيء لا يكاد يقع. وفيه:
وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم
قرع العصا: مثل في التنبيه، وكان أحد حكّام العرب قد أسنّ فكان يهم في حكمه، فإذا قرعت له العصا استيقظ وثاب حلمه، فذو الحلم الحكم. يقول: إن كنّا لا حلوم لنا ولا منّة
стр. 583
فينا فاقرع لنا العصا تنبّه حلومنا. وهذا هزء بالمخاطب لا استرشاد، وكذا قوله:
وتركتنا لحما على وضم
وأوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدوانيّ، وربيعة تقول هو قيس بن خالد ذي الجدّين، وتميم تقول هو ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيّد بن عمرو بن تميم، وأهل اليمن يقولون هو عمرو بن حممة الدوسيّ. وفيه:
ووطئتنا وطأ على حنق ... وطأ المقيّد نابت الهرم
الهرم: نبت من الحمض مثل الحيّهلة ممتلئ ماء فأيّ شيء يمسّه فيخضده، وخصّ النابت منه لأنّه أرقّ وأضعف. والشاعر هو الحارث بن وعلة بن عبد الله من بني جرم بن ربّان وهو علاف الذي تنسب إليه الرحال بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقال إسحاق بن إبراهيم: هو الحارث بن وعلة بن يثربيّ أحد بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل. والدليل على صحّة هذا النّسب أن أخاه المنذر بن وعلة قتلته بنو شيبان، فذلك قوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي
وهكذا ينسبه أكثر الناس الحارث بن وعلة الذهلي، وكذلك هو في الحماسة حيثما ذكر، ولعلّه كان مجاوراً في جرم، ويكنى الحارث أبا مجالد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٧، ٢٦٣ " لهشام أخي ذي الرمّة:
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع
стр. 584
ع اختلف في قائل هذا الشعر واختلف في إخوة ذي الرمّة، فنسب أكثر العلماء هذا الشعر إلى مسعود أخي ذي الرمّة يرثي به أوفى وغيلان أخويه. وقال إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مسلم أنهم كانوا أربعة إخوة لأمّ وأب غيلان ومسعود وهشام وأوفى، وكلّهم شعراء كان أحدهم يقول الأبيات فيزيد فيها ذو الرمّة ويغلب عليها. وقال علي بن الحسين عن ابن حبيب وابن الأعرابيّ إخوة ذي الرمّة مسعود وهشام وجرفاس، ولم يكن فيهم من اسمه أوفى، وإنّ مسعوداً منهم رثى بشعره هذا أخاه غيلان وأوفى بن دلهم ابن عمّهما، وما أخلق هذا القول بالصواب. وممن نسب هذا الشعر إلى هشام أبو تمّام وأبو العبّاس محمد بن يزيد، وأما الذي رثى به مسعود أخاه من غير اختلاف فقوله:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... وليلى كلانا موجع مات واحده
غصصت بريقي حين جاء نعيّه ... وبالماء حتى حرّ في الصدر بارده
قال أبو عمرو ابن العلاء أنشدنيه مسعود لنفسه، قلت له: ومن ليلى؟ قال بنت أخي غيلان.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٧، ٢٦٤ " لدكين:
كأنّ غرّ متنه إذ نجنبه
وصلته يليه:
من بعد يوم كامل نأوّبه ... سير صناع في خريز تكلبه
стр. 585
قاظ بظلّ وبمحض يحلبه ... في علف يأكله ويشربه
راكدة مخلاته ومحلبه
يصف رقّة جلد هذا الفرس ولين بشرته ولطف مكاسرها ورقّتها حتى كأنها سير خارزة من لطفها. وقوله: راكدة مخلاته ومحلبة يريد أن له من علفه مأكلاً ومنه مشرب. وراكدة: ثابتة دائمة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٧، ٢٦٤ " للهذليّ:
سديد العير لم يدحض عليه ال ... غرار فقدحه زعل دروج
ع وقبله:
دلفت لها بسهم غير وغل ... نحيض لم تخوّنه الشروج
سديد العير: دلفت لها: يعني الطريدة. والوغل: الضعيف. والنحيض: الذي أرقّت شفرتاه من السهام ولم تخنه الشروج: لم يأته خون من شروجه التي في القدح أي شقوقه. ويقال: خانته أمّه إذا أتاه من قبلها الفساد. والشعر للداخل وهو زهير بن حرام أحد بني مرّة بن سهم بن معاوية.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٨، ٢٦٤ " للشماخ بن ضرار:
ولما رأيت الأمر عرش هويّة
ع وصلته:
تذكّرت لّما أثقل الدين كاهلي ... وحاز يزيد ماله وتعذّرا
رجالاً مضوا عني فلست مقايضاً ... بهم أبداً من سائر الناس معشرا
ولّما رأيت الأمر عرش هويّة ... تسلّيت حاجات الفؤاد بشمّرا
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعها ... من الماسخيّات القسيّ الموترّا
стр. 586
يزيد هو أخوه مزرّد بن ضرار، يقول: هو ميّز ماله من مالي وتعذّر عليّ بما في يده. وقوله فلست مقايضاً: يقال قايض فلان فلاناً أي بادله قال أبو طالب:
إذا سفهت أحلام قوم تبدّلوا ... بني خلف قيضابنا والغياطل
أي بدلاً. والهويّة: البئر. وقال خالد: هويّة بالضمّ وأهويّة. وعرشها: خشبات تقام عليها للمستقي، يقول: لمّا رأيت الأمر أظلّني كما أظلّت هذه البئر تلك الخشبات: يعني علت عليها ركبت ناقتي وتسلّيت. وروى إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى:
ولّما رأيت الأمر عرّش هونه
وزعم قوم أن الأول تصحيف. وشمّر: اسم ناقته بنصب الشين عن الأصمعي وبكسرها عن أبي عمرو. والمبراة: الناقة التي جعلت لها برة، وشبّه ضلوعها في إجفارها وطولها وانحنائها بقسيّ من قسيّ ماسخة وهم حيّ من الأزد عرفوا بأمّهم بنت الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وتلّقب ماسخة.
وذكر أبو عليّ " ١ - ٢٦٨، ٢٦٥ " إيفاد المهلّب لكعب بن معدان علي الحجّاج.
ع هو كعب بن معدان الأشقريّ، والأشاقر قبيلة من الأزد. قال أبو البهاء الأزديّ:
стр. 587
قل للمهلّب إن نابتك نائبة ... فادع الأشاقر وانهض بالجراميز
وكعب فارس شاعر خطيب معدود في جلّة أصحاب المهلّب والمذكورين في حروب الأزارقة يكنى أبا مالك. وروى العتبي أنه لما وفد هذه الوفادة على الحجاج استفتح القول بإنشاده قصيدته التي أوّلها:
يا حفص إنّي عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فأردي عيني السهر
ومرّ في القصيدة يذكر وقائعهم مع المهلّب حتى انتهى إلى قوله:
خبوا كمينهم بالسفح إذ نزلوا ... بكازرون فما عزّوا ولا نصروا
باتت كتائبنا تردي مسلّمة ... حول المهلّب حتى نوّر القمر
هناك ولّوا خزايا بعدما هزموا ... وحال دونهم الأنهار والجدر
تأبى علينا حزازات النفوس فما ... نبقى عليهم ولا يبقون إن قدروا
قال فضحك الحجّاج له وقال: إنك لمنصف يا كعب، أخطيب أنت أم شاعر؟ قال شاعر خطيب، فسأله كيف كان محاربة المهلّب للقوم، وساق الحديث إلى آخره بمعناه. قال ثم قال: كيف كان بنو المهلّب؟ قال حماة الحريم نهاراً، وفرسان الليل تيقّظاً. قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال صفهم رجلاً رجلاً، قال: المغيرة فارسهم وسيّدهم نار ذاكية، وصعدة عالية. وكفى بيزيد فارساً شجاعاً ليث غاب، وبحر جمّ العباب. وجوادهم قبيصة ليث المغار، وحامي الذمار. ولا يستحي البطل أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر، وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع. وحبيب موت ذعاف إنما هو طود شامخ، وعزّ باذخ. وكفاك بالمفضّل نجدة ليث هرّار، وبحر موّار. ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيّهم أفضل؟ قال: هم كالحلقة المفرغة لا يعرف
стр. 588
طرفاها. قال: كيف جماعة الناس؟ قال: هم على أحسن حال أدركوا ما رجوا، وأمنوا ما خافوا، وأرضاهم العدل، وأغناهم النفل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٩، ٢٦٥ " شعر قطريّ بن الفجاءة:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها
ع اختلف في اسم الفجاءة فقيل اسمه جعونة، وقيل مازن بن يزيد بن زياد بن حنثر، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سميّ الفجاءة لأنه غاب دهراً باليمن ثم جاءهم فجاءة. وقطريّ شاعر فارس ورأس من رؤوس الخوارج، وممن سميّ فيهم بأمير المؤمنين.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٦٩، ٢٦٦ ":
وأشعث قد قدّ السفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج
ع الشعر للشمّاخ هكذا اتّفقت الرواية عن أبي علي يجرّ والجماعة تروي: وجرّ شواء نسقاً على قوله: قدّ السفار قال الأصمعي: كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه. كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعيّ وأبي عمرو الشيبانيّ، وأبو محمد عن خالد بن كلثوم، وإبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ، والعباس بن الفرج عن أبي تمّام. وقوله
стр. 589
غير منضج: أراد لسرعة السير وجدّه بهم وإعجاله لهم عن إنضاجه، كما قال امرؤ القيس:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
وهذا إنما يكون في حال السفار لا في غيره، ورواية أبي عليّ تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله، وهذا بالذّم أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة دلّ على الجشع وشدّة الحرص على الطعام. وروى أبو عبد الله بن أبي العباس: فتى يملأ الشيزي ويروى نديمه، وهي رواية أفادت معنى ثالثاً: يجانس ما قبله من إطعام وسقي، ومن روى: ويروى سنانه فذلك في معنى. ويضرب في رأس الكميّ المدجّج فلم يفد البيت أكثر من معنيين.
وقوله في البيت: وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٠، ٢٦٦ " لعبد الرحمن بن زيد:
يؤسى عن زيادة كلّ حيّ ... خليّ ما تأوّبه الهموم
ع وعبد الرحمن هو أخو زيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة أحد بني سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقد تقدم خبر هدبة بن خشرم ٦١ وقتله لزيادة بن زيد. فلما سجن هدبة في دم زيادة جعل القرشيّون يكلّمون عبد الرحمن أخاه في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشراً، منهم سعيد بن العاصي، وعبد الله بن عمر، والحسين بن عليّ، وعمرو بن عثمان بن عفّان، فلما أكثروا عليه أنشدهم
стр. 590
هذا الشعر. وفيه:
غشوم حين يبصر مستفاد
هكذا ثبتت الرواية عن أبي عليّ، ورواه أبو العباس الأحول:
غشوم حين يبصر مستفاداً
وهذا بيّن المعنى يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوّه فائدة غشم فانتهزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها. ورواه بعضهم:
حين يبصر مستقاداً
بالقاف يريد مستقاداً منه وممّن له عنده ثار، ويقوّي هذه الرواية عجز البيت:
وخير الطالبي الترة الغشوم
وهي رواية مقبولة حسنة. وقد روى:
غشوم حين ينصر مستقاد
ينصر بالنون، والمعنى أنه يطلب منه لعزّته نصره، وأن يقيد ممن يجب عليه القود، ويستعدي على من تعدّى. فلما أنشدها هدبة قال: إن فيه مطمعاً بعد فعاودوه. فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باست امرئ واست التي زحرت به ... إذا نال مالاً من أخ وهو ثائره
وإنّي وإن ظنّ الرجال ظنونهم ... على صبر أمر لم تشعّب مصادره
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه فوالله لا يقبل عقلاً أبداً جزيتم خيراً. فأقام هدبة في السجن ستّ سنين، حتى أدرك المسور بن زيادة، ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، وكان المسور هو الذي تولّى قتل هدبة، وقد تقدّم ذكر ذلك ٦١. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية، حتى قالت له أمّه والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحنّه، فيكون قد قتل أباك ثم ينكح أمّك فتسب بذلك يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتّئار من هدبة وقتله.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٠، ٢٦٧ " لأبي الهيذام في أخيه:
стр. 591
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإنّ بها ما يدرك الماجد الوترا
ع هو أبو الهيذام عامر بن عمارة بن خريم المرّيّ، وخريم هذا هو المعروف بخريم الناعم، وإليهم ينسب أبو يعقوب الخريمي الشاعر، وكان مولى لأخي أبي الهيذام عثمان بن عمارة، وأبو الهيذام شاميّ شاعر فحل وفارس مشهور، وكان عامل للرشيد بسحستان قتل أخا لأبي الهيذام فرثاه بهذا الشعر، وزاد فيه محمد بن داود بيتاً في آخره. وهو:
ولكنّني أشفى الفؤاد بغارة ... ألهّب في قطري جوانبها جمرا
فخرج أبو الهيذام وجمع جمعاً وغلظ أمره واشتدّت شوكته وأعي الحيل فيه، حتى احتيل له من قبل صديق له يقال له عامر، كتب إليه فأرغبه وضمن له ولاية البلد، فاستنام إليه فشدّ علي أبي الهيذام فقيّده، وحمل إلى الرشيد وهو بالرقّة، فقال لمّا دخل عليه:
أفي عامر لا قدّس الله عامراً ... تبيت تغنّيني السلاسل والكبل
فهل نحن إلاّ أهل سمع وطاعة ... وهل أنت إلاّ السيّد الحكم العدل
فأحسن أمير المؤمنين فإنّه ... أبى الله إلا أن يكون لك الفضل
فمنّ عليه الرشيد وأطلقه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٠، ٢٦٧ " لابن الروميّ في النرجس:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلاً تورّدها عليه شاهد
стр. 592
وفيها:
اطلب بعينك في الملاح سميّة
وروى غيره: اطلب بعفوك وهو أحسن لأن هذه الرواية تفيد معنى يريد أن ذلك كثير يجده بعفوه من غير جهد، وكثيراً ما يسمّون بنرجس. قال شاعرهم في جارية:
كنت أبغيك في البسا ... تين شوقاً لرؤيتك
فإذا نرجس ينا ... دي بلفظ كلفظتك
أنا أشبه لمن هوي ... ت فخذني لبغيتك
فجنيناك ناضراً ... وبعثنا إليك بك
وفيها:
فتأمّل الأخوين من أدناهما ... شبهاً بوالده فذاك الماجد
وروى غيره:
فانظر إلى الولدين من أدناهما
ع وقد ردّ عليه أحمد بن يونس الكاتب فقال:
يا من يشبّه نرجساً بنواظر ... دعج تنبّه إن فهمك راقد
إن القياس لمن يصحّ قياسه ... بين العيون وبينه متباعد
والورد أشبه بالخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهل ... بخلوده لو أنّ حيّاً خالد
إن قلت إن الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سميّ واحد
فالشمس تفرد في اسمها والمشتري ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد
زهر النجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع بعد ذا وعوائد
وخليفة إن غاب ناب بنفحه ... وبنفعه أبداً مقيم راكد
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعدما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لوناً منهما ... وافطن فما يصفرّ إلا الحاسد
هذا ما اخترت منها.
стр. 593
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧١، ٢٦٨ " للأخيطل:
سقياً لأرض إذا ما شئت نبّهني ... بعد الهدوء بها قرع النواقيس
ع هو محمد بن عبد الله يعرف بالأخيطل ويلّقب برقوقي، غلام من أهل الأهواز أديب جيّد الشعر يكنى أبا بكر، وكان مصيب التشبيه، ومما يستجاد له قوله في صفة مصلوب صلبه الحسن بن رجاء بالأهواز:
كأنّه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع محتمل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطّية من الكسل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٤٧٢، ٤٦٩ " للسموأل بن عادياء:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
ع اختلف الناس في هذه القصيدة، فمنهم من ينسبها إلى عبد الله بن عبد الرحمن، وقيل ابن عبد الرحيم الأزديّ شاعر شأميّ إسلاميّ، ومنهم من يعزوها إلى السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي. من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وبنو قريظة وبنو النضير هما المعروفان بالكاهنين، نسبوا إلى جدّهم الكاهن بن هارون بن عمران، كما قيل العمران والحسنان. وروى عن دارم بن عقال وهو من ولد السموأل أنه السموأل بن غريض
стр. 594
بن عادياء بن رفاعة بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء. وهذا محال لأن الأعشى أدرك شريح بن السموأل وأدرك الإسلام، وعمرو بن عامر قديم لا يجوز أن يكون بنيه وبين السموأل أربعة آباء ولا عشرة إلاّ أكثر والله أعلم. والأصحّ أن أمّ السموأل كانت من غسّان لا أبوه، والسموأل هو صاحب الحصن المعروف بتيماء، وبه يضرب المثل في الوفاء. وقد ذكر ذلك وخبره الأعشى في شعره بأحسن اقتصاص، وبيت السموأل بيت الشعر في يهود، فإنه شاعر وأبوه شاعر وأخوه سعية بن غريض شاعر متقدّم مجيد. قوله:
فكل رداء يرتديه جميل
يريد لا يضرّه إخلاق الثياب، إذا كان عرضه سليماً من العاب. وبعده بيت لم يروه أبو عليّ وهو:
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وفيه:
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يريد بني عامر بن صعصعة، وبنو سلول هم بنو مرّة بن صعصعة أخي عامر، غلبت عليهم أمّهم سلول بنت ذهل بن شيبان. وهذا من أحسن ما ورد في الاستطراد من مدح إلى ذمّ، وقول بكر بن النطّاح يمدح مالك بن طوق:
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
وفيه:
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
стр. 595
وأوّل من نطق بهذا اللفظ مات فلان حتف أنفه رسول الله ﷺ ، فدلّ أن الشعر إسلاميّ، وقد رواه قوم:
وما مات منّا سيّد في فراشه.
وفيه:
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّنا ... إناث أطالت حملنا وفحول
يعني أصلنا، يقال إن فلاناً ليضرب في سرّ: أي في أصل جيّد، ومنه سرارة الوادي: أي أكرمه وقيل أوسطه. وفيه:
فإنّ بني الدّيّان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
يريد أنهم أهل حضر وقصور وجنّات، وأنهم لا يظعنون في طلب نجعة كما تفعل الأعراب، ومثله قول حسّان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقال آخر:
لله درّ ثقيف أيّ منزلة ... حلّوا بها بين سهل الأرض والجبل
قوم تخيّر طيب العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن كانت الترحال همّته ... أخبث بعيش على حلّ ومرتحل!
وقد تقدمّ إنشاده ٤٢، وقال رجل من بني تميم:
لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فرّ من بلد الضباب
فأنزل نسله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو أبيه بها ملوكاً ... وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدي تميم ... فقد أزرى بنا في كلّ باب
стр. 596
والعربي يأنف أن يقال له يا أعرابيّ لجفاء العرب وعنجهيّتهم، قال الشاعر:
يسمّوننا الأعراب والعرب اسمنا ... وأسماؤهم فينا رقاب المزاود
رقاب المزاود إشارة إلى أنهم موال وهم الحمر، ولم يبعث الله نبيّنا إلاّ من أهل القرى والمدر لا من أهل البدو والوبر، قال الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى "، ولذلك قال خليد عينين العبدي الهجريّ منتصراً للصلتان العبديّ، وكان الصلتان قد فضّل في قصيدته التي تقدّم إنشاد أبي عليّ لها " ٢ - ١٤٣، ١٤١ " الفرزدق في الحسب وجريراً في الشعر، فقال جرير:
أقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه خليد:
وأيّ نبيّ كان من غير قومه ... وهل كان حكم الله إلاّ مع الرسل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٣، ٢٧٠ " للفرزدق:
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم
ع أنكر أبو علي تذكير الهام، وزعم أنه لم يؤثر عن العرب فيه تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلّقته وهو يرويه في شعر عنترة ويروّي:
والهام يندر في الصعيد كأنّما ... يلقى السيوف به رؤوس الحنظل
стр. 597
وقال طفيل وهو يرويه أيضاً:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وينقع من هام الرجال بمشرب
وقال النابغة ولا تكاد تجد أحداً إلاّ وهو يحفظه ويرويه:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
ولو أنكر المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا، ثم قوله:
بأسيافنا تناقض.
وقبل بيت الفرزدق:
فدى لسيوف من تميم وفي بها ... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم
شفين حرارات النفوس ولم تدع ... علينا مقالاً في وفاء للائم
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا.
الأهاتم آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر. ويروى حزازات النفوس. يقول هذا في قتل وكيع قتيبة بن مسلم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٤، ٢٧١ " لمطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
стр. 598
وينادونه وقد صمّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب
ع وهو مطيع بن إياس ابن أبي قزعة سلم بن نوفل من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، والدؤل وليث أخوان لأب وأمّ، أمّهما أمّ خارجة عمرة بنت سعد بن عبد الله أنماريّة، وهو أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وبعض ولد أنمار هم بجيلة، غلبت عليهم أمّهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وأم خارجة منهم، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أسرع من نكاح أم خارجة، وكان الرجل يقول لها: خطب، فتقول: نكح، وقد ولدت في عدّة بطون من العرب، حتى لو قال قائل إنّه لا يكاد يتخلّص من ولادتها كبير أحد لكان مقارباً، وروى أن بعض أزواجها طلّقها فدخل بها ابن لها عن حيّة إلى حيّها فرفع لها راكب، فلما تبيّنته قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكّ فيه، أفتراه يعجلني أن أحلّ، ماله ألّ وغلّ. وكانت حسناء مقبولة، فالرجال يحبّونها ولا يصبرون على ما تطلبهم من الباءة، فيطلّقونها. وسلم بن نوفل جدّ مطيع هو الذي يقول فيه الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيّد المعروف سلم بن نوفل
وهذا البيت لرجل من قومه جنى عليه جناية تستجهل الحليم فسيق إليه مصفوداً، فقال له ما آمنك من انتقامي؟ قال له الجاني: أصلحك الله إنما سودّناك لتغفر ذنوبنا، وتعفو عن جهّالنا. فقال: قد غفرت ذنبك وعفوت عنك واحتملت جهلك. فولىّ الجاني وهو يقول:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة
ويكنى مطيع أبا سلم أدرك الدولتين، وكان شاعراً
стр. 599
ظريفاً حلو العشرة مليح النادرة، وكان متّهماً بالزندقة، وكان يحيى بن زياد هذا الحارثيّ وحمّاد الرّاوية وحمّاد عجرد وابن المقفّع ووالبة بن الحباب كذا، وكانوا جميعاً يتنادمون لا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على الآخر بمال ولا ملك شيء قلّ أو كثر، وكانوا جميعاً يرهّقون في دينهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٤، ٢٧١ " لأبي خراش:
حمدت إلاهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أحسن من بعض
ع عروة أخوه أصيب، وخراش ابنه نجا، وفيه:
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
هكذا يرويه أبو عليّ قوسي بفتح القاف، وغيره يأبى إلاّ ضمّها. وقال في هذا البيت:
لا أنسى قتيلاً رزئته
وقال في الذي يليه:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
رجع من قوله الأوّل إلى ما هو أصحّ، قال الأصمعي: هذا بيت حكمة يقول إنما نذكر الحديث من المصيبة وإن جلّ الذي قبله فقد نسيناه، وضدّ هذا قول أخي ذي الرمّة:
ولم تنسني أوفي المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وفيه:
ولم أدر من ألقي عليه رداءه ... خلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
قيل في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إنّ عروة لمّا قتل ألقي عليه رداءه رجل من القوم فكفّنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقي عليه الرجل رداءه خراش، وذلك أن رجلاً من
стр. 600
ثمالة ألقي عليه رداءه ليشكل عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة وقال له: كيف دلالتك قال: قطاة، قال: انج، وعطف القوم عليه فلم يروه، وقيل بل ألقي عليه رداءه إجارة له. وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول البريق يذكر رجلاً منّ عليه.
ولمّا رأيت أنّه متعبّط ... دعوت بني بدر ولحّفته بردي
وقال أبو عبيدة: لا أعرف شاعراً مدح من لا يعرف إلاّ أبا خراش بهذا البيت.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٥، ٢٧١ " لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
ع كان أبو جعفر المنصور قتل يزيد غدراً بعد أن كتب إليه أماناً، فلما حمل رأسه إليه قال بعضهم للحرسيّ: أترى طينة رأسه ما أعظمها؟ فقال له: طينة أمانه كانت أعظم. وأبو عطاء هو أفلح بن يسار مولى لبني أسد، وكان يسار سنديّاً أعجمياً لا يفصح، وأبو عطاء ابنه عبد أسود، منشؤه الكوفة لا يكاد يفصح أيضاً بين لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة وأشدّهم عارضة وتقدّماً، شاعر فحل في طبقته أدرك الدولتين، وكان من شعراء بني أميّة وشيعتهم، وهجا بني هاشم ومات عقب أيام المنصور. ودخل يوماً على
следующие страницы →