Полный текст (1 070 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والعربي يأنف أن يقال له يا أعرابيّ لجفاء العرب وعنجهيّتهم، قال الشاعر:
يسمّوننا الأعراب والعرب اسمنا ... وأسماؤهم فينا رقاب المزاود
رقاب المزاود إشارة إلى أنهم موال وهم الحمر، ولم يبعث الله نبيّنا إلاّ من أهل القرى والمدر لا من أهل البدو والوبر، قال الله تعالى: " وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى "، ولذلك قال خليد عينين العبدي الهجريّ منتصراً للصلتان العبديّ، وكان الصلتان قد فضّل في قصيدته التي تقدّم إنشاد أبي عليّ لها " ٢ - ١٤٣، ١٤١ " الفرزدق في الحسب وجريراً في الشعر، فقال جرير:
أقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه خليد:
وأيّ نبيّ كان من غير قومه ... وهل كان حكم الله إلاّ مع الرسل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٣، ٢٧٠ " للفرزدق:
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم
ع أنكر أبو علي تذكير الهام، وزعم أنه لم يؤثر عن العرب فيه تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلّقته وهو يرويه في شعر عنترة ويروّي:
والهام يندر في الصعيد كأنّما ... يلقى السيوف به رؤوس الحنظل
стр. 597
وقال طفيل وهو يرويه أيضاً:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وينقع من هام الرجال بمشرب
وقال النابغة ولا تكاد تجد أحداً إلاّ وهو يحفظه ويرويه:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإيزاع المخاض الضوارب
ولو أنكر المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا، ثم قوله:
بأسيافنا تناقض.
وقبل بيت الفرزدق:
فدى لسيوف من تميم وفي بها ... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم
شفين حرارات النفوس ولم تدع ... علينا مقالاً في وفاء للائم
يفلّقن هاماً لم تنله سيوفنا.
الأهاتم آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر. ويروى حزازات النفوس. يقول هذا في قتل وكيع قتيبة بن مسلم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٤، ٢٧١ " لمطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
стр. 598
وينادونه وقد صمّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب
ع وهو مطيع بن إياس ابن أبي قزعة سلم بن نوفل من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، والدؤل وليث أخوان لأب وأمّ، أمّهما أمّ خارجة عمرة بنت سعد بن عبد الله أنماريّة، وهو أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وبعض ولد أنمار هم بجيلة، غلبت عليهم أمّهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، وأم خارجة منهم، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: أسرع من نكاح أم خارجة، وكان الرجل يقول لها: خطب، فتقول: نكح، وقد ولدت في عدّة بطون من العرب، حتى لو قال قائل إنّه لا يكاد يتخلّص من ولادتها كبير أحد لكان مقارباً، وروى أن بعض أزواجها طلّقها فدخل بها ابن لها عن حيّة إلى حيّها فرفع لها راكب، فلما تبيّنته قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكّ فيه، أفتراه يعجلني أن أحلّ، ماله ألّ وغلّ. وكانت حسناء مقبولة، فالرجال يحبّونها ولا يصبرون على ما تطلبهم من الباءة، فيطلّقونها. وسلم بن نوفل جدّ مطيع هو الذي يقول فيه الشاعر:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة ... بل السيّد المعروف سلم بن نوفل
وهذا البيت لرجل من قومه جنى عليه جناية تستجهل الحليم فسيق إليه مصفوداً، فقال له ما آمنك من انتقامي؟ قال له الجاني: أصلحك الله إنما سودّناك لتغفر ذنوبنا، وتعفو عن جهّالنا. فقال: قد غفرت ذنبك وعفوت عنك واحتملت جهلك. فولىّ الجاني وهو يقول:
يسوّد أقوام وليسوا بسادة
ويكنى مطيع أبا سلم أدرك الدولتين، وكان شاعراً
стр. 599
ظريفاً حلو العشرة مليح النادرة، وكان متّهماً بالزندقة، وكان يحيى بن زياد هذا الحارثيّ وحمّاد الرّاوية وحمّاد عجرد وابن المقفّع ووالبة بن الحباب كذا، وكانوا جميعاً يتنادمون لا يفترقون، ولا يستأثر أحدهم على الآخر بمال ولا ملك شيء قلّ أو كثر، وكانوا جميعاً يرهّقون في دينهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٤، ٢٧١ " لأبي خراش:
حمدت إلاهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أحسن من بعض
ع عروة أخوه أصيب، وخراش ابنه نجا، وفيه:
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
هكذا يرويه أبو عليّ قوسي بفتح القاف، وغيره يأبى إلاّ ضمّها. وقال في هذا البيت:
لا أنسى قتيلاً رزئته
وقال في الذي يليه:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
رجع من قوله الأوّل إلى ما هو أصحّ، قال الأصمعي: هذا بيت حكمة يقول إنما نذكر الحديث من المصيبة وإن جلّ الذي قبله فقد نسيناه، وضدّ هذا قول أخي ذي الرمّة:
ولم تنسني أوفي المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وفيه:
ولم أدر من ألقي عليه رداءه ... خلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
قيل في هذا البيت ثلاثة أقوال، قال قوم: إنّ عروة لمّا قتل ألقي عليه رداءه رجل من القوم فكفّنه به، وقال آخرون: بل الذي ألقي عليه الرجل رداءه خراش، وذلك أن رجلاً من
стр. 600
ثمالة ألقي عليه رداءه ليشكل عليهم، وقد شغل القوم بقتل عروة وقال له: كيف دلالتك قال: قطاة، قال: انج، وعطف القوم عليه فلم يروه، وقيل بل ألقي عليه رداءه إجارة له. وكذلك كانوا يفعلون، وهذا مثل قول البريق يذكر رجلاً منّ عليه.
ولمّا رأيت أنّه متعبّط ... دعوت بني بدر ولحّفته بردي
وقال أبو عبيدة: لا أعرف شاعراً مدح من لا يعرف إلاّ أبا خراش بهذا البيت.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٥، ٢٧١ " لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
ع كان أبو جعفر المنصور قتل يزيد غدراً بعد أن كتب إليه أماناً، فلما حمل رأسه إليه قال بعضهم للحرسيّ: أترى طينة رأسه ما أعظمها؟ فقال له: طينة أمانه كانت أعظم. وأبو عطاء هو أفلح بن يسار مولى لبني أسد، وكان يسار سنديّاً أعجمياً لا يفصح، وأبو عطاء ابنه عبد أسود، منشؤه الكوفة لا يكاد يفصح أيضاً بين لثغة ولكنة، وهو مع ذلك من أحسن الناس بديهة وأشدّهم عارضة وتقدّماً، شاعر فحل في طبقته أدرك الدولتين، وكان من شعراء بني أميّة وشيعتهم، وهجا بني هاشم ومات عقب أيام المنصور. ودخل يوماً على
стр. 601
المنصور وهو يسحب الوشى والخزّ. فقال له المنصور: أنّي لك هذا يا أبا عطاء؟ فقال: كنت ألبس هذا في الزمن الصالح، فلم تنكره في الزمن الطالخ، ثم ولّى ذاهباً فاستخفى فما ظهر حتى مات المنصور، فمما قال في بني هاشم:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد قام سعر التمر صاع بدرهم
فإن قلتم رهط النبيّ صدقتم ... فهذي النصارى رهط عيسى بن مريم
وأنشد أبو عليّ لأعرابيّة:
لعمرك ما الرزيّة فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزيّة فقد قرم ... يموت لموته بشر كثير
موت البشر هنا العيلة واليأس من النوال وانقطاع الرجاء من الرفد بموت ذلك الكريم القرم، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرخاء
وقال الآخر:
ماذا أجال وثيرة بن سماك ... من دمع باكية عليه وباك
ذهب الذي كانت معلّقة به ... حدق العفاة وأنفس الهلاّك
يعني الهلاّك جهداً وضياعاً، وكالبيت الأول من هذين البيتين قول الأسود بن زمعة في ابنه
стр. 602
زمعة، وكان قتل يوم بدر وحرّمت قريش البكاء على قتلى بدر لئلا يشمت بها، فسمع الأسود بكاء في جوف الليل، فقال: انظروا هل أحلّت قريش البكاء حتى أبكي سجلاً أو سجلين على زمعة، فقالوا: لا إنما هي امرأة أضلّت بعيراً فهي تبكي، فقال:
أتبكي أن يضلّ لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود
ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا أهل بدر لم يسودوا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٦، ٢٧٣ " لابن الروميّ:
ما يبالي أصمّمت شفرتاه ... في محزّ أم جارتا عن محزّ
ع أخذه من قول أبي الهول:
ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين
نعم مخراق ذي الحفيظة في الهي ... جاء يعصي به ونعم القرين
وفيه:
مثله أحوج الشجاع إلى الدر ... ع فغالي بها على كلّ بزّ
وكرّر هذا المعنى فقال:
يقول القائلون إذا رأوه ... لأمر ما تغوليت الدروع
وقال البحتري في صفة سيف فأجاد:
стр. 603
ماض وإن لم تمضه يد ضارب ... بطل ومصقول وإن لم يصقل
يغشى الوغى والترس ليس بجنّة ... من حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
متوقّد يبري بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو أنّها في يذبل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل
وأنشد " ١ - ٢٧٧، ٢٧٣ " لعبدة بن الطبيب:
أوردته القوم قد ران النعاس بهم
ع وصلته:
ومنهل آجن في جمّة بعر ... مما تسوق إليه الريح مجلول
كأنّه في دلاء القوم إذ نهزوا ... حمّ على ودك في القدر مجمول
أوردته القوم قد ران النعاس بهم ... فقلت إذا نهلوا من جمّة قيلوا
قال أبو علي ران: غلب. ع قوله مجلول: أي ملفوظ عنه الجلّة وهي البعر. والحمّ: ما بقي من الشحم إذا أذيب، شبّه الماء عند اغترافه القوم بالشحم المجمول وهو المذاب.
وذكر أبو علي " ١ - ٢٧٧، ٢٧٤ "
خبر عرابة مع معاوية
وإنشاده شعر حاتم، وفيه:
وإنّي مذموم إذا قيل حاتم ... نبا نبوة إن الكريم يعنّف
ع يريد أن الكريم يعنّف واللئيم لا يعنّف، وهذا مثل قولهم: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة وقال الشاعر:
стр. 604
وإذا عتبت على اللئيم ولمته ... في بعض ما يأتي فأنت ملوم
وإذا جريت مع السفينة كما جرى ... فكلا كما في جريه مذموم
وقال عبد الصمد بن المعذّل في نحوه:
عذرك عندي بك مبسوط ... والذنب عن مثلك محطوط
ليس بمسخوط فعال امرئ ... كل الذي يأتيه مسخوط
وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج، أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طئ، يكنى أبا سفّانة وأبا عديّ، فارس شاعر جاهليّ، وأحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهرهم، وهم ثلاثة: حاتم بن عبد الله، وكعب بن مامة، وهرم بن سنان، وهم أرماق المقوين، وكان حاتم ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وذكر أنه لا يعرف ميّت قرى أضيافه سواه، وذلك: أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبريّ، فجعل يقول: أبا سفّانة! ألا تقري أضيافك، أبا سفّانة! إنّ أضيافك جياع مقوون، يعيدها ليلته، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: واراحلتاه! عقرت والله ناقتي! فقال له أصحابه وكيف؟ قال: رأيت أبا سفّانة قد انشقّ عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبريّ وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوّامها
وماذا تريد إلى رمّة ... بدوّيّة صخب هامها
تبغّي أذاها وإعسارها ... وحولك عوف وأنعامها
ثم عمد إلى سيفه وانتضاه من غمده، فعقر به ناقتي وقال دونكم: فما أيقظني إلاّ رغاؤها،
стр. 605
وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث ولا بها حراك، فقالوا: قد والله قراك حاتم، فنحروها وأكلوا وتزوّدوا، واقتسم القول متاع أبي خيبري على إبلهم واستمرّوا لوجهتهم، فلما صاروا في الظهيرة، وضح لهم راكب يجنب بعيراً يؤمّ سمتهم حتى التقوا، فقال لهم: أفيكم أبو خيبري، قالوا: نعم، قال: فإنّ عديّ بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول له: إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته، فعوّضه منها وزده بكراً يحمل عليه متاعه، وهذه الناقة! وهذا البكر! فارتحل أبو خيبريّ الناقة، وتخفّف هو وأصحابه من أزوادهم وأمتعتهم على البكر، ومضوا بأتمّ قرى. وأدرك عديّ بن حاتم النبيّ ﷺ وحسن إسلامه، وروى عنه وكان يحدّث بهذا الخبر بعد إسلامه. وقد روى أنّ هذه الأبيات إنما كان ينشدها حاتم ابنه عديّاً حين أمره أن يعوّض أبا خيبريّ بناقته وأمره أن ينشده إياها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٨، ٢٧٤ " للشمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
ع معنى باليمين هنا: بالقوّة، وقيل معناها بالحقّ، أي لأنه أحقّ بها، وبكلى القولين فسّرت الآية أعني قوله تعالى: " لأخذنا منه باليمين " قيل بالقوّة وقيل بالحقّ، وأما قوله تعالى: " فراغ عليهم ضرباً باليمين " ففيه ثلاثة أقوال: القولان المذكوران، والثالث أنه أراد باليمين التي أقسم بها ليكيدنّها، وذلك قوله تعالى حكاية عنه " وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين " فأما قوله تعالى: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " فقيل معنى اليمين هنا القوّة، ويؤيّد هذا التأويل قوله تعالى: " وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين " أي ليس كما قلتم إنا أكرهناكم وقوينا عليكم. وفيه قول ثان وهو أنه أراد بقوله: عن اليمين من جهة الدين، لأن إبليس قال: " لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قال المفسّرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين
стр. 606
فلبس عليه الحقّ وشكّكه في اليقين، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، وزيّن له إتيان السيئات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة والمآب، والثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوّفه الفقر على نفسه وعلى من تخلّف من بعده، فلم يصل رحماً ولم يؤدّ زكاة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٨، ٢٧٥ " للعجير السلوليّ:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصّبا ... بمرّ ومردى كلّ خصم يجادله
ع يرثي العجير بهذا الشعر رجلاً من قومه يقال له سليمان بن خالد بن كعب، هلك بمرّ الظهران وهو صادر إلى المدينة. وبيتان من هذا الشعر قد اختلف في قائلهما أشدّ اختلاف. وهما قوله:
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ... ولا رهن لبّاته وبآدله
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماً ... وكلّ الذي حمّلته فهو حامله
فقال السكّري: إنهما لثور بن الطثريّة يرثي أخاه يزيد، وأنشدهما في أبيات أوّلها:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيماً وقد غالت يزيد غوائله
وأنشد أبو تمام هذه الأبيات لزينب بنت الطثريّة ترثي أخاها، وقيل إنّها لأمّ يزيد ترثي ابنها، وقيل إن البيتين للأبيرد اليربوعي. وقوله:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب
قد مضت أمثلته والقول في معناه ٥٩. وقوله:
يسرّك مظلوماً ويرضيك ظالماً
стр. 607
يريد إن ظلمت أدرك بثأرك ونصرك، وإن ظلمت أذمّ لك وخفرك وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٥ " للحسين بن مطير:
ألمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثمّ مربعا
ع يرثي معن بن زائدة. ومن مختاره قوله يخاطب ابنه ولم ينشده أبو عليّ:
تعزّ أبا العبّاس عنه! ولا يكن ... عزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وفيما أنشده:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
يريد أن عطاءه كان جزيلاً وافراً وسابغاً فاضلاً، فلما مات بقي في أيدي الناس منه ما عاشوا به، ويحتمل أن يريد أنّه أوصى للناس بالمال، وشبّه عيشهم في معروفه بعد موته بمجرى السيل بعد انقضائه يكون مرعى ومتبقّلاً، ومثله:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما رعيت بعد الربيع مسائله
يهمز ولا يهمز.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ " للبيد:
يحيلون السجال على السجال
стр. 608
ع وقبله:
كأنّ دموعه غرباً سناة ... يحيلون السجال على السجال
إذا أرووا بها زرعاً وقضباً ... أمالوها على خور طوال
القضب: الفصفصة، يقول: إذا أرووا بها زرعاً وقضباً أمالوها على النخل. والخور: الغزار الكثيرة الحمل كالناقة الخوّارة، وهي الصفيّ الغزيرة اللبن.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ " لمسلم بن الوليد:
قبر بحلوان استسرّ ضريحه ... خطراً تقاصر دونه الأخطار
يرثي به يزيد بن مزيد الشيبانيّ. وتمام الشعر:
أبقى الزمان على معدّ بعده ... حزناً كعمر الدهر ليس يغار
قال أبو علي " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ ": أنشدنا ابن در ستويه قال أنشدني عبد الله بن جوان صاحب الزياديّ: ع كان ثابت بن محمد الجرجانيّ يقول: جوان اسم فارسي ومعناه: صغير السنّ أي فتى، وكان من أعلم الناس بالفارسيّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٧ " لرجل من بني شيبان:
وما أنا من ريب الزمان بجبّإ ... ولا أنا من سيب الإله بيائس
ع وقبله:
أبكي على الدعاء في كلّ شتوة ... ولهفي على بشر سمام الفوارس
والشعر لمفروق بن عمرو الشيبانيّ، وكان قيس والدعّاء وبشر إخوته، هلكوا في غزوة بارق
стр. 609
بشطّ الفرات في طاعون شيرويه، فبكاهم مفروق. وقوله: في كل شتوة يريد أن الدعاء كان جوادا مطعاماً في الشتاء عند انقطاع الألبان وقلة الزاد.
وقوله:
وما أنا من ريب المنون بجبّإ
يعني أن ما أصابه من المصائب قد هوّن عليه أمر النون، وهو مع ذلك غير يائس من فضل الله .
وأنشد أبو عليّ لحميد بن ثور:
ليست إذا سمنت بجايئة ... عنها العيون كريهة المسّ
ع وغيره يرويه إذا رمقت وهو أحسن لأن العين إنما تجبأ عن المرأة العجفاء لا عن السمينة، وكذلك كراهية المسّ. وقد وصف حميد من ضخم صاحبته التي ينسب بها ما لم يصفه شاعر ولا ذكره ذاكر فقال: وبعده:
وكأنّما كسيت قلائدها ... وحشيّة نظرت إلى الإنس
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٨ " لبعض البصريّين:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العافون في ذمّته
ع ومن جيّد ما ورد في الحجاب والحاجب قول أبي هفّان:
الله يعلم أنني لك شاكر ... والحرّ للفعل الكريم شكور
لكن رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن فعالكم تكدير
стр. 610
وقال العطوي أو غيره:
يا أبا موسى وأنت فتى ... ماجد محض ضرائبه
كن على منهاج معرفة ... إنّ وجه المرء حاجبه
وبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وأرى بالباب معترضاً ... حاجباً يزورّ جانبه
ليس إنساناً فأعذره ... إنما الإنسان صاحبه
وقال أبو تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... كعهدي به حتى يلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلّما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
وقال آخر:
وإن كان لابدّ من حجبة ... ومن حاجب فاجعلوه رفيقا
стр. 611
يقابل من جاءكم بالجميل ... فيأتي صديقاً ويمضي صديقا
ومن حسن ما خاطب مجوب محتجباً قول العطويّ:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقاً فلم أر حاجباً ... ولا ناظراً إلاّ بوجه غضوب
كأنّي غريم مقتض أو كأنّني ... طلوع رقيب أو صدود حبيب
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي ... إلى شكر سبط الراحتين أريب
عليّ له الإخلاص ما ردع الهوى ... أصالة رأي أو وقار مشيب
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٨ " لرجل كوفيّ يجهو المغيرة بن شعبة:
إذا راح في قبطيّة متأزّراً ... فقل جعل يستنّ في لبن محض
إذا نسب الناس إلى القبط قلت: قبطيّ بكسر القاف، وتنسب إليهم الثياب فتقول: قبطيّ بضم القاف للفرق. ومن مختار ما ورد في القصر والهجو به قول الحزين الكناني: وقد جمعه مجلس مع كثيّر، وكان كثيّر قصيراً لا يبلغ ضروع الإبل، وكان إذا دخل على عبد الملك قال له: تطأطأ لا يصب رأسك السقف. ولذلك قال له لما رآه: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه لقماءته. فقال كثيّر للحزين: إنّك لا تحسن أن تهجو. فقال له الحزين: إن أبحت لي أن أقول قلت. قال: وما عسى أن تقول. فقال:
لقد علقت زبّ الذباب كثيّراً ... أساود لا يطنينه وأراقم
стр. 612
قصير الثياب فاحش عند بيته ... يعضّ القراد باسنه وهو قائم
ويروى:
يكاد كثير من تقارب شخصه ... يعضّ
وكان كثيّر يلّقب زبّ الذباب لقصره. وقال آخر يهجوه:
لعمرك ما زبّ الذباب كثيّر ... بفحل ولا آباؤه بفحول
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٢، ٢٧٨ " للفرزدق يهجو إبراهيم بن عربيّ:
ترى منبر العبد اللئيم كأنّما ... ثلاثة غربان عليه وقوع
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٢، ٢٧٩ " لعبد الصمد بن المعذّل في ابن أخيه:
لو كان يعطي المنى الأعمام في ابن أخ ... أصبحت في جوف قرقور إلى الصين
وتمامها:
لا يحمدونك في خلق ولا خلق ... إذا رأوك ولا دنيا ولا دين
ع ومثله في المعنى قول ابن الروميّ في ابن لصديق له:
الله يعلم أن لو كنت لي ولداً ... لما حبستك إلا في المطامير
يا من إذا ما رأته عين والده ... وسط الرجال تقاهم بالمعاذير
ومثل قول عبد الصمد:
وكان أحظى له لو كان متّزراً ... في السالفات على غرمول عنّين
стр. 613
قول الحسن وفيه بعض الغلوّ:
فرحمة الله على آدم ... رحمة من عمّ ومن خصّصا
لو كان يدري أنّه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى
ومثل قوله:
إن القلوب لتطوي منك يا ابن أخي ... إذا رأتك على مثل السكاكين
قول ... في القلب وخز مثل وخز السنان
وقال ابن بسّام أو غيره:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألمّ
لنظرته وخزة في الحشى ... كوخز المحاجم في الملتزم
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٤، ٢٨٠ " للمقنّع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا
ع وهو محمد بن عميرة ويقال ابن عمير ابن أبي شمر ابن فرعان، كنديّ شاعر إسلاميّ، قال الهيثم بن عديّ كان المقنّع أحسن الناس وجهاً فإذا سفر لقع، أي أصابته العين فيمرض ويلحقه عنت، فكن لا يمشي إلاّ مقنّعاً. وأنشد يعقوب بن السكّيت هذا الشعر لحاتم، وزاد في أوله:
стр. 614
أصارمتي أني وصلت حبالها ... وصرّمت من بعد التصافي لها هندا
وسلمى وليلى والنوار وزينبا ... وجملاً وظبياً واجتنبت لها دعدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وفي روايته تقديم وتأخير، وبعد هذا البيت الأول في رواية أبي عليّ بيتان، لم يروهما أبو علي ولا يعقوب فيما رواه لحاتم، وهما:
ألم ير قومي كيف أوسر مرّة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الإقتار منهم تقرّبا ... وما زادني فضل الغني منهم بعدا
وهذا من قول الأبيرد اليربوعيّ:
فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
ولله درّ إبراهيم بن العبّاس في قوله:
أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا ... مقيماً وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلاّ البدر إن قلّ ضوءه ... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما
وكرّر هذا المعنى فقال:
أسد ضار على أعدائه ... وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وفي شعر المقنّع:
وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا
стр. 615
لم يرد بقوله: جعلته حجاباً لبيتي أني أحجب به بيتي من ناظر، وإنما يريد أنه نصب عينيه وأكبر همّه، كما قال الآخر:
يسدّون أبواب البيوت بضمّر ... إلى عنن مستوثقات الأواصر
العنّة: الحظيرة، وقريب منه قول الآخر:
يزين البيت مشدوداً ... ويشفي قرم الركب
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٤، ٢٨١ " لجحدر اللصّ قصيدة، منها:
أليس الليل يجمع أمّ عمرو ... وإيّانا فذاك بنا تدان
نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
ع هذا من أيسر ما يقنع به المشوق ويتعلّق به المتتوّق. ومثله قول رجل من بني تميم:
كلانا يرى الجوزاء يا علو إن بدت ... ونجم الثريّا والمزار بعيد
وكيف بكم يا علو أهلاً ودونكم ... لجاج يغمّصن السفين وبيد
وقال رجل من بني رياح:
стр. 616
كفى حزناً أن لا يزال يعودني ... على النأي طيف من خيالك يا نعم
وأنت مكان النجم منّا وهل لنا ... من النجم إلاّ أن يقابلنا النجم
وأنشدهما أبو علي بعد " ٢ - ٢٩، ٢٦ " لمحرز العكليّ. وقال قيس بن ذريح:
أليست لبيني تحت سقف يكنّها ... وإيّاي هذا إذ نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا ... ونبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
وقال آخر:
لقد زاد الهلال إليّ حبّاً ... عيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شفاً صغير ... نظرن إليه من خلل الحجال
وقال جميل:
أقلّب طرفي في السماء لعلّها ... يوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقال المعلوط فأخنى:
وما نلت منها محرماً غير أنّني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
وفيه:
أحاذر صولة الحجّاج ظلماً ... وما الحجّاج ظلاّم لجان
يريد أنه يوقع الحدود مواقعها، ولا يتجاوز بها مواضعها، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يعني أن جنايته لا توجب عليه ما يحذره من وقع مصقول يمان. وأنشد صاعد بن الحسن لسوّار بن المضرّب الكلابي جاهليّ هكذا قال، وإنما هو سعديّ من سعد بني تميم قصيدة طويلة أوّلها:
стр. 617
أليس الله يعلم أن قلبي ... يحبّك أيّها البرق اليماني
وفي تضاعيفها جميع هذا الشعر الذي نسبه أبو علي إلى جحدر، إلاّ سبعة أبيات من آخرها، وذلك قوله:
فما بين التفرّق غير سبع
إلى آخر الشعر. ثم إن الحجاج أرسل على جحدر أسداً قد جوّعه له ثلاثاً، فبطش جحدر بالأسد فقتله، فعفا عنه الحجّاج ووصله وجعله في صحابته لما رأى من جرأته وشدّته.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٨٥، ٢٨٢ " لأبي العتاهية:
لا تفخرنّ بلحية ... كثرت منابتها طويلة
ع من جيّد ما ورد في الهجاء بطول اللحية قول ابن الروميّ:
ولحية يحملها مائق ... مثل الشراعين إذا أشرعا
تقوده الريح بها صاغراً ... قوداً حثيثاً يتعب الأخدعا
لو غاض في البحر بها غوصة ... صاد بها حيتانه أجمعا
وقال الناجم:
لابن شاهين لحية ... طوله شطر طولها
فهو الدهر كلّه ... عاثر في فضولها
وذكر أبو علي " ١ - ٢٨٦، ٢٨٣ " خطبة ابن الزبير التي أنشد فيها:
стр. 618
قد جرّبوني ثم جرّبوني
ع هذا الرجل لجميل. وأوّله:
أنا جميل فتعرّفوني ... تالله ما جئت لتنكروني
ولا تغيّبت فتسألوني ... بحر يدقّ رجح السفين
تنحلّ أحقاد الرجال دوني ... قد جرّبوني ثم جرّبوني
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٦، ٢٨٣ ":
نهار شراحيل بن طود يريبني ... وليل أبي ليلى أمرّ وأعلق
ع هو للأعشى وبعده:
وما كنت شاجرداً ولكن حسبتني ... إذا مسحل سدّى لي القول أنطق
شريكان فيما بيننا من هوادة ... صفيّان جنّيّ وإنس موفّق
وروى أبي عبيدة شاقرداً: وهو المتعلّم. ومسحل: شيطانه، وحسبتني: هنا في معنى اليقين.
وروى أبو عبيدة:
إنسيّ وجنّ موفّق
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٧، ٢٨٣ " لأعرابيّ:
خطبت فقالوا هات عشرين بكرة ... ودرعاً وجلباباً فهذا هو المهر
ع رواه غيره:
ودرعاً وجلباباً فذا أيسر المهر
فيكون أبلغ في المعنى، ويسلم الشعر من الإقواء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٧، ٢٨٤ ":
وشعثاء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
стр. 619
ع وهما لرجل من بني سعد. ومثل هذا في الإلغاز، وتشبيه المرأة الحسناء بالنار قول الآخر.
ومشوبة لا يقبس الجار ربّها ... ولا طارق الظلماء منها يؤنّس
متى ما يزرها زائر يلق عندها ... عقيلة داريّ من العجم تفرس
يعني امرأة شبّهها بنار مشبوبة من حسنها كما قال العجّاج:
ومن قريش كل مشبوب أغرّ
ثم ألغز فقال:
لا يقبس الجار ربّها
يعني زوجها، أي لا يبديها حتى يراها الجار فيقبس من حسنها. والعقيلة: الخيار من كل شيء أراد مسكاً أو طيباً نسبه إلى دارين. وتفرس: تشقّ فتفوح، أي لا تعدو أن يكون عندها طيب.
تم هنا شرح الجزء الأوّل من الأماليّ
стр. 620
//بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني
شرح الجزء الثاني من الأمالي
أنشد أبو علي لمتتم بن نويرة شعرا، منه:
فقلت له إن إن الشجي يبعث الشجي ... فدعني فهذا كله قبر مالك
ع قد مضى ذكر متمم، ويروى: إن الأسى والأسى الحزن، وكلا المعنيين واحد، يقول: إذا رأيت محزونا أذكرني حزني، أو قبرا أذكرني قبر أخي، وهذا قريب من قولهم: العاشية تهيج الآيية ويروى: إن الأسى - بضم الهمزة - يبعث الأسى بفتحها، وهذه رواية أبي تمام، ولها وجهان، أحدهما: أن يكون الأسى جمع أسوة وهي التعزية، يقول: تعزيتكم تبعث حزني، ويجوز أن يكون قيل له لك اسوة في فلان وقد قتل أخوه، وفي فلان وقد قتل حميمه، فعرف فضل أخيه على المفقودين فبعث ذلك حزنه.
ويقوي هذه الرواية قوله في البيت الأول:
لقد لامني عند القبور على البكا
ويروي:
لقبر ثوى بين اللوى فالدوانك
وهذه مواضع في ديار بني أسد، وكذلك الملا المذكور في أول الحديث، قال متمم أيضاً:
قاظت أثال إلى الملا وتربعت ... بالحزن عازبة تسن وتودع
стр. 621
وأنشد أبو علي لفاطمة بنت الأحجم:
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله
ع قال السكري هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق، ترثي ابنها قيس بن زياد ابن أبي سفيان ابن عوف بن كعب، وقال الأخفش: إنه لامرأة من كندة. وأوله في رواية من رواه لفاطمة كما قال أبو علي:
يا عين جودي عند كل صباح ... جودي بأربعة على الجراح
والجراح: زوجها.
وفيه:
وإذا دعت قمرية شجناً لها
أخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري أنه كان يرد هذه الرواية ويقول: إنها تصحيف وينشده:
وإذا دعت قمرية شجباً لها
يعني فرخها الهالك وهو الهديل، والشجب: الهلاك، والشجب: الهالك. وهذه رواية حسنة مقبولة، والحق أحق أن يتبع. وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب. ويقال الأجحم بتقديم الجيم، قال ابن دريد جحم إذا فتح عينيه كالشاخص، وبذلك سمى الرجل أجحم، وقال الخليل الأجحم: الشديد حمرة العين مع
стр. 622
سعة وكان الأجحم قد تزوج خالدة بنت هاشم بن عبد المطلب، وهي أم فاطمه هذه.
وأنشد أبو علي للنابغة الجعدي:
ألم تعلمي أني رزئت محارباً
قد مضى ذكر الجعدي. وتمام الشعر وهو كله مختار:
يقول لمن يلحاه في بذل ماله ... أأنفق أيامي وأترك ماليا
يدر العروق بالسنان ويشتري ... من الحمد ما يبقى وإن كان غاليا
وحوح: هو وحوح بن عبد الله أخو النابغة لأمه. ومحارب: هو محارب بن قيس بن عدس من أشراف قومه. وهي كلمة.
وأنشد أبو علي:
أبا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
ع هو لعبد الله بن أراكة الثقفي يرثي أخاه عمرو بن أراكة، وكان ابن عباس قد استخلفه على اليمن، وشخص إلى علي رضوان الله عليه، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بشر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فقتل عمرا، فجزع عليه أخوه ورثاه بشعر منه هذان البيتان، وفيلهما مما ينتظم به المعنى:
لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... من الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهن من ثبج البحر
стр. 623
أيا عمرو ولم أصبر وأنشد أبو علي لكعب بن زهير:
لقد ولى أليته جوى ... معاشر غير مطلول أخوها
ع قد مضى ذكر زهير ابن أبي سلمى. ويكنى ابنه كعب أبا المضرب، وهو شاعر مخضرم أدرك النبي ﷺ ، ومدحه بقصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
وبعد قوله: فإن تهلك حوى:
وما ساءت ظنونك يوم تولى ... بأرماح وفي لك مشرعوها
وآخر الشعر:
فما عتر الظباء بحي كعب ... ولا الخمسون قصر طالبوها
وكان حوى هذا قال لقاتليه وقد أسروه: والله إن قتلتموني ليقتلن منكم خمسون رجلا، فبلغ ذلك قومه فبروا يمينه وصدقوا قوله. وأما قوله: فما عتر الظباء فإن العتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها لأصنامهم من الغنم، وربما ضنوا بالغنم، فصادوا مكانها ظباء اتخذوها عتائر، يقول: أرقنا دماء قاتليه، ولم يفادوا بالظباء ولا وفوا بها كما كانت العرب تفعل في نذورها وعتائرها بالغنم تفديها بالظباء. وقال يعقوب كان من خبر هذا الشعر: أن الأوس من الأنصار كانوا حلفاء مزينة، فمر رجل من مزينة يقال له حوى ويقال جوى بالجيم على الأوس والخزرج، وهم يقتتلون في حرب بعاث، فدخل مع حلفائه فأصيب، فمر ثابت أبو حسان الشاعر فقال: يا أخا مزينة ما طرحك هذا المطرح؟ إنك لمن قوم ما يحمدونك. فقال حوى وهو يجود بنفسه: أعطى الله عهدا أن يقتل بي منكم خمسون ليس فيهم أعور ولا
стр. 624
أعرج، فسارت كلمته حتى أتت عمق، وهي أرض مزينة، فثاروا، فبلغ ثابتا أن مزينة قد أتتهم تطلب بدم حوى، فقال ثابت:
جاءت مزينة من عمق لتقرعنا ... فرى مزين وفي أستاهك الفتل
فتلقتهم مزينة ورئيسهم مقرن بن عائذ أبو النعمان بن مقرن فاقتتلوا، فقتل من الأنصار عشرة، وأسر ثابت، فآلى مقرن أن لا يفديه إلا بتبيس أجم أسود، فغضبت الأنصار من ذلك وأبوه، فلما رأوا أنه ليس من ذلك بد أتوا ثابتا، فقالوا ما ترى؟ فقال ادفعوا إليهم أخاهم يعني التيس، وخذوا أخاكم يعني نفسه. وقال في ذلك مقرن أبياتا منها:
وعن اعتناقي ثابتا في مشهد ... متنافس فيه الشجاعة للفتى
فشريته بأجم أسود حالك ... وكذاك كان فداؤه فيما مضى
وقال الحسن بن علي النمري
حي كعب قبيلة لحوى.
وأنشد أبو علي:
رأيت رباطا حين تم شبابه ... وولى شبابي ليس في بره عتب
ع قال الرياشي هذا الشعر لأبي الشغب، واسمه عكرشة العبسي. وقوله:
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
الحزازة: الغيظ. ورواه الترمذي: إذا كان أولاد الرجال حرارة برائين مهملتين، ورواه السكري مرارة؛ وهو أحسن في صناعة الشعر لقوله: فأنت الحلال الحلو. وقد مضى القول في معنى الحلال حيث أنشد أبو علي: ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل.
стр. 625
وفيه:
كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
البارح: الريح الحارة، وإنما أراد الشاعر أن الغصن في ذلك الزمان ألين منه في الشتاء.
وأنشد أبو علي لأطارة بن سهية يهجو شبيب بن البرصاء:
من مبلغ فتيان مرة أنه ... هجاني ابن برصاء العجان شبيب
فلو كنت مرياً عميت فأسهلت ... كداك ولكن المريب مريب
قال أبو علي: سألت ابن دريد عن هذا البيت، فقال: كان أبوه أعمى وجده أعمى وجد أبيه أعمى، يقول فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك.
ع لأبي على سهوان فيما رواه أحدهما: إنشاده
فلو كنت مريا
وإنما هو: فلو كنت عوفيا لأن أرطاة وشبيبا مريان على ما نورده، والعمى إنما هو فاش في بني عوف من بني مرة إذا أسن الرجل منهم عمي وقل من يفلت فيهم من ذلك، ولو قال: فلو كنت مريا لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مرى ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني: فإنشاده الأربعة الأبيات لأرطاة، وإنما الآخران لشبيب، يرد على أرطاة، وهو الأصح، لأن شبيبا كان أفضل من أرطاة بيتا، وكان أرطاة أفضل منه نفسا، فعمى شبيب بعد موت أرطاة، فكان يقول: ليت ابن سهية كان حياً فيعلم أني عوفي. وهذان شاعران مقدمان إسلاميان من بني مرة غلبت عليهما أمهاتهما، وهو أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك، وأمه سهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل، فجاءت بأرطاة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة، ويقال جبرة، وأمه قرصافة
стр. 626
بنت الحارث بن عوف ابن أبي حارثة، وهو ابن خالة عقيل بن علفة، أم عقيل عمرة بنت الحارث، لقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص، ولذلك قال شبيب:
أنا ابن برصاء بها أجيب ... ما في هجان اللون ما تعيب
وقيل إنما سميت بذلك لبرص حدث بها، وذلك أن النبي ﷺ خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحاً، فأصابها ذلك ولم يكن بها.
وذكر أبو علي خبر سالم بن قحفان العنبري، وقوله لامرأته: هاتي حبلا، فقالت: ما عندي حبل.
ع قال غير أبي علي: فأعطته خمارها، فأنشأ سالم يقول:
لقد بكرت أم الوليد تلومني ... ولم أجترم جرما فقلت لها مهلا
ولا تعذليني في العطاء ويسري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا
وذكر باقي الشعر. قال فأجابته امرأته:
وتقسم ليلى يا ابن قحفان بالذي ... تكفل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال حبال مبرومات أعدها ... لها ما مشي يوما على خفه جمل
فأعط ولا تبخل لمن جاء طالبا ... فعندي لها خطم وقد زاحت العلل
وفي شعر سالم:
فإني لا تبكي على إفالها
هذا من قول ضمرة بن ضمرة، وهو:
أرأيت إن صرخت بليل هامتي ... وخرجت منها بالباً أثوابي
هل تخمشن إبلي على وجوهها ... أو تعصبن رؤسها بسلاب
والسلاب: عصائب سود، يقال امرأة مسلبة: إذا لبست السواد محدا، وفيه: أصاخت فلم تأخذ سلاحا ولا نبلا يقول لم تمتنع من نحري لها وإعطائي إياها لحسنها
стр. 627
وسمنها، ولا رغبني ذلك فيها فيكفني عن بذلها، وهذا كما قال الفرزدق:
فمكنت سيفي من ذوات رماحها ... غشاشاً ولم أحفل بكاء رعائيا
قالوا رماحها: سمنها الذي تتقي به النحر، لأن صاحبها إذا رآها نفيسة ضن بها، وقال النمربن تولب:
أيام لم تأخذ إلى سلاحها ... إبلى بجلتها ولا أبكارها
جلتها: سمانها. وأبكارها: التي لم تحمل، وقيل التي حملت بطنا، وقال آخر:
إذا سمعت إبلي خواتة سائل ... أصاخت فلم تأخذ سلاحا ولا نبلا
من أبيات المعاني
عاذت ولما تعذ منه براكبهاحتى اتقاها بنكل غير مسمور
أي عاذت منه بسنامها، وهو راكبها، كأنها اتقته به فلم يعذها منه. والنكل: القيد. يقول: ضرب قوائمها بالسيف، فصار كأنه قيد لها غير مسمور عليها.
وذكر أبو علي خبر ذي الرمة، وأنه قيل له من حيث عرفت الميم.
ع الشعر الذي شبه فيه ذو الرمة عين ناقته بالميم قوله:
стр. 628
مهرية بازل سير المطي بها ... عشية الخمس بالموماة مزموم
كأنما عينها منها وقد ضمرتواحتثها السير في بعض الأضا ميم
قوله: سير المطى بها يقول كأن سيرهن يوصل بسيرها لفضل نشاطها. يقال هو يزم الألف أي يسبق الألف. وقال بعضهم: أراد كأنها زمام لهن تقتادهن كما يقتاد البعير بالزمام. والموماة: البرية. والخمس: أن تقيم ثلاثا في المرعي، وترد في الرابع فذلك الخمس. والأضا: الغدران واحدتها أضاة مثل قطاة وقطا، ويقال إضاء بالمد مثل أكمه وإكام.
وأنشد أبو علي:
لها حافر مثل قعب الوليد ركب فيه وظيف عجر
ع الشعر لامرىء القيس وبعده:
لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر
لها عجز كصفاة المسيل أبرز عنها جحاف مضر
لها ذنب مثل ذيل العرو ... س تسد به فرجها من دبر
وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوى السعر
لها جبهة كسراة المجن حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر
يستحب في الحافر أن يكون مقبعا، قال عوف بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا
ويقال: سيل جحاف وجراف إذا اجتحف كل شيء، وبذلك سميت الجحفة لأن سيلا
стр. 629
اجتحفها في الجاهلية. وعيب على امرىء القيس قوله:
لها ذنب مثل ذيل العروس
وإنما المحمود منه؟ أن لا يمس الأرض، كما قال في أخرى:
ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
والكلام في باقي الأبيات يأتي في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى أنشد أبو علي لعمرو بن كلثوم:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا
ع هذا أول الشعر، وبعده:
ولا تبقن خمر الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
تجور بذي اللبانة عن هواه ... إذا ما ذاقها حتى يلينا
ترى اللحز الشحيح إذا أمرت ... عليه لما له فيها مهينا
الأندرين: مكان بالشأم خمره أجود الخمور، وقال أبو علي: الأندرون جمع أندري، وهم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى. ومشعشعة: منصوب بقوله أصبحينا أي ممزوجة، يقال شعشع خمرك: أي رققها. والحص: الورس. وقوله سخينا: قال أبو عمرو هو من السخن يريد ماء حاراً، ويقال سخينا: جدنا بأموالنا كما قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
وقال طرفة:
وإذا ما شربوا ثم أنتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر
وهذا كله مذهب غير محمود، وإنما المحمود أن يوصف الممدوح بالجود والحباء في كلتى حاليه من الصحو والأنتشاء، كما قال امرؤ القيس:
стр. 630
وتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
وكما قال عنترة:
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وقال البحتري فأحسن:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما أسطعن أن يحدثن فيك تكرما
وقال أبو الطيب فأربي عليه:
لا تجد الكأس في مكارمه ... إذا انتشى خلة تلافاها
تصاحب الراح أريحيته ... فتسقط الراح دون أدناها
وقال:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن مني على رغم
وجاد فلولا جوده غير شارب ... لقيل كريم هيجته ابنة الكرم
وقال ابن الرومي:
صاحبي الطباع إذا سايلت هاجسه ... وإن سألت نداه فهو نشوان
وقال البحتري:
صحا واهتز للمعرو ... ف حتى قيل نشوان
رجع: وهو عمر بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي فارس شاعر جاهلي، وهو أحد
стр. 631
فتاك العرب، وهو الذي فتك بعمرو بن هند، وكنيته أبو الأسود. وأخوه مرة بن كلثوم هو الذي قتل المنذر بن النعمان، وأمه أسماء بنت مهلهل بن ربيعة، ولما تزوج مهلهل هند بنت نعج بن عتبة ولدت له جارية، فقال لأمها: اقتليها فغيبتها، فلما نام هتف به هاتف:
كم من فتى مؤمل ... وسيد شمردل
وعدد لا يجهل ... في بطن بنت مهلهل
فاستيقظ وقال أين ابنتي؟ فقالت قتلتها. قال: لا وإله ربيعة، وكان أول من حلف بها، ثم رباها وسماها أسماء وقيل ليلى، وتزوجها كلثوم بن مالك، فلما حملت بعمرو أتاها آت في المنام فقال:
يالك ليلى من ولد ... يقدم إقدام الأسد
من جشم فيه العدد ... أقول قولا لا فند
فلما ولدت عمرا أتاها ذلك الآتي فقال:
إني زعيم لك أم عمرو ... بماجد الجد كريم النجر
أشجع من ذي لبد هزبر ... وقاص أقران شديد الأسر
يسودهم في خمسة وعشر
وكان كما قال ساد وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأنشد أبو علي:
إذا انبطحت جافي عن الأرض بطنها ... وخوأها راب كهامة جنبل
ع هذا الشعر للأعشى. وبعد البيت:
إذا ما علاها فارس متبذل ... فنعم فراش الفارس المتبذل
стр. 632
وقوله: وخوأها مما همز ولا أصل له في الهمز، وغير أبي على يرويه: وخوى بها راب وهو أصح، لأنه مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء يقال: خوى البعير تخوية إذا برك، ثم مكن لثفناته في الأرض، ولا يقال خويته أنا إنما يقال خوى به كذا كما تقول: ذهب به، وذهب لا يتعدى. يقول: إن كعثبها لضخمه يخوى بها إذا انبطحت فيتجافى عن الأرض بطنها، والعرب تشبه الركب الضخم بالقعب المكفوء، فلذلك قال كهامة جنبل. وقوله:
إذا ما علاها فارس متبذل
هو كقول الفرزدق:
ما مركب وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال
ألذ للفارس المجري إذا انبهرت ... أنفاس أمثالها من تحت أمثالي
ويروي: ما إن أرى وركوب الخيل.
وأنشد أبو علي للأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال
ع وبعد البيت:
وشيوخ حربي بشطي أريك ... ونساء كأنهن السعالي
وشريكين في كثير من الما ... ل وكانا محالفي إقلال
هذا اليوم الذي ذكر أغار فيه الأسود بن المنذر أخو النعمان على الطف، فأصاب نعما وأسرى من بني سعد بن ضبيعة رهط الأعشى، وذلك منصرفه من غزو الحليفين أسد وذبيان. وكان الأعشى غائبا فلما قدم وجد الحي مباحا فأتاه، فأنشده هذه القصيدة وسأله أن يهب له الأسرى ففعل. قوله: رب رفد هرقته يقول: رب رجل كانت له
стр. 633
إبل يحلبها فاستقتها فذهب ما كان يحلبه في الرفد. ومثله قول أبي قردودة يرثى ابن عمار قتيل النعمان، وكان نهاه عن منادمته فخالفه:
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقاً مثل وشى اليمنة الحبره
يقول: قتلوه فكأنهم ذهبوا بقراه الذي كان يقرى، وكفأوا جفنته التي كان يطعم فيها. وقال الأصمعي أقتال: أشباه، وغيره يقول أعداء. وحربي: جمع حريب أي مسلوب، وروى أبو عبيدة صرعي.
أنشد أبو علي للحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها
ع هو الحارث بن حلزة بن مكرزة بن بديد أحد بني يشكر بن علي بن بكر بن وائل يكنى ... شاعر جاهلي قال:
قلت لعمرو حين أرسلته ... وقد حبا من دونها عالج
стр. 634
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج؟
وأصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
قوله حبا: أي أشرف وعرض. من دونها: يعني الإبل. وعالج: رمل معروف. والكسع: أن ينضح الماء البارد على ضرع الناقة ليرتفع لبنها، وذلك أقوى لها. يقول: لا تفعل ذلك فإنك لا تدري من ينتجها، لعلك تموت عنها أو يغار عليها فيذهب بها. ويروي أن عمر بن الخطاب كان يجبي السواد مالا عظيما، ثم لم يزل ينقص إلى أن عاد خراجه زمان بني مروان نصف ما كان خلافة عمر. فلما ولى عمر بن عبد العزيز سأل أهل السواد ما العلة في ذلك؟ فقال له رجل من أنباطه: العلة في ذلك أن العمال امتثلوا فينا بيتين لشاعر من شعرائكم، وهما: لا تكسع الشول بأغبارها وأنشده البيتين فأمر عمر بن عبد العزيز أن لا يلزموا إلا ما كان يلزمهم عمر بن الخطاب، ولا يؤخذ منهم إلا ما كان يأخذ، فعاد خراج السواد في أقل مدة إلى ما كان عليه ذلك الزمان.
وأنشد أبو علي:
وللأرض كم من صالح قد تلمأت ... عليه فوارته بلماعة قفر
ع الشعر لهدبة بن خشرم بن كرز بن حجير ابن أبي حية الكاهن، صاحب العزى وسادنها أحد بني سعد هذيم من قضاعة. وهدبة شاعر إسلامي يكنى أبا عمير قال:
ألا يا لقوم للنوائب والدهر ... وللمرء يأتي حتفه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمأت ... عليه فوارته بلماعه قفر
فلا ذا جلال هبنه لجلالهولاذا ضياع هن يتركن للفقر
стр. 635
يقال تلمأت وتودأت: بمعنى أي أنضمت عليه ووارته، ويروى تأكمت: أي صارت عليه كالأكمة.
وأنشد أبو علي:
كأن مواقع الظلفات منه ... مواقع مضرحيات بقار
وأنشد أبو علي:
فما برحت سجواء حتى كأنما ... بأشراف مقراها مواقع طائر
ع الشعر لجبيهاء الأشجعي، وجبيهاء: لقب وأسمه يزيد بن خيثمة بن عبيد، شاعر بدوي إسلامي. وبعده:
وحتى سمعنا خشف بيضاء جعدة ... على قدمي مستهدف متقاصر
وحتى تناهي الحالبان وخففا ... من القبض عن خثم رحاب المناخر
الخشف: الصوت الضعيف. والبيضاء: اللبنة. والجعدة: يعني الرغوة، وقال أبو عمرو: يعني اللبنة المتكسرة في العلبة. والمستهدف المتقاصر: يعني الحالب يقوم قائما فيستهدف، ثم يضع العلبة على فخذيه، ويستقصر ساقيه أي ينقصهما من الأنتصاب. وهذا كما قال ابن عناب:
فما برحت سجواء حتى كأنما ... تساقط بالزيزاء برساً مقطعاً
следующие страницы →