Полный текст (1 070 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أراد أحمر ثمود فلم يمكنه، وقال الآخر:
وكان أضر فيهم من سهيل ... إذا وآفى وأشأم من قدار
وقال أبو علي نازع القتال الكلابي رجلا من قومه، غلى آخر ما أورده وأنشده. ع قد تقدم ذكر القتال ونسبه والاختلاف في اسمه، وكان القتال قد زوج ابنته أم قيس من ابن عمه رداد بن الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد ابن أبي بكر ابن كلاب، فولدت له أولادا، ثم أغارها فشكته إلى أبيها فاستعدى عليه وقذفه بخادمتها، وجاء رداد بشهود على قذفه إياه بالأمة، فأقيم القتال ليحد، فلم ينتصر له عشيرته، لأنها كانت تبغضه لكثرة جناياته، وقامت عشيرة رداد، فاستوهبوا منه حده، فوهبه لهم، فذلك الذي عنى بقوله: لمالك أو لحسن أو لسيار هو مالك بن مطرف جد رداد، وحصن هو حصن بن حذيفة أبو عيينة، وسيار هو ابن منظور بن زبان بن سيار. وفي هذه القصة يقول القتال:
فلو كنت من قوم كرام أعزة ... يحامون عنى حين أحمى وأضرم
ولكنما قومى قماشة حاطب ... يجمعها بالكف والليل مظلم
وروى العباس بن الفرج الرياشى أن رجلا من الشعراء جفاه قومه فامتدح ثلاثة إخوة
стр. 842
من غنى وكانوا مقلين، فجعلوا له على أنفسهم في كل سنة ذوداً، فقال يمدحهم:
يا دار بين كليات وأظفار ... والحميتن سقاك الله من دار
وفيها جميع ما أنشده أبو على، فلجفاء قومه له على ما ذكره الرياشي رجع من الفخر بنسبه وقومه إلى تمنى العوض منهم بقوله:
يا ليتني والمنى ليست بنافعة ... لمالك أو لحصن أو لسيار!
وكذلك قوله بعده:
لا يتركون أخاهم في مودأة ... يسفى عليه دليك أي ذليل، ومثله:
ممغوثة أعراضهم ممرطله وفيه:
من آل سفيان أو ورقاء يمنعها ... تحت العجاجة ضرب غير عوار
العوار: الضعيف، وكذلك هو من الرجال قال الأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهي ... جا ولا عزل ولا أكفال
стр. 843
وأنشد أبو علي لكبشة أهت عمرو بن معدي كرب: أرسل عبد الله إذ حتان يومه وفيه:
فإن أنتم لم تتأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم
تريد غ، قبلتم الدية فكونوا صماً وامشوا بآذان النعام، فإن الناس لا بد لهم من الحديث بما فعلتم، والنعام لا يسمع يقال: صلخ كصلخ النعامة. وقال علقمة:
فوه كشق العصا ما إن تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
وما ههنا بمعنى الذي أي أسك الشيء الذي يسمع الأصوات. وقال قوم إنما أراد امشوا أذلاء كما يمشى من صلمت أذناه. ويقوى هذا المعنى قول أخت ابن مية التي قتل وجها في جوار الزبرقان:
أجيران ابن مية خبرونا ... أعين لابن مية أم ضمار
متى تردوا عكاظ توافقونا ... بآذان مسامعها قصار
ويروى: فمشوا أي امسحوا بآذانكم المصلمة وفيه:
ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهنن من الدم
يريد إذا فعلتم هذا فلا تأنفوا من شئ، واغشوا نساءكم وهن حيض. والفضول هنا: بقايا الحيض. وجعل الغشيان وردا مجازا، وقيل فضول ما اغتسلن به فيكون ورده حقيقة.
стр. 844
وذكر أبو علي حديث صعصة بن صوحان مع معاوية.
ع فيه وإذا لقة افترش، ومعناه توسع، والفرش الفضاء الواسع لا جبل فيه ولا شجري، قال عامر بن العجلان الهذلي:
أسر أباكم بأن السليم ... إذا عض في الفرش يم يرمض
ويروى اقترش: بالقاف وله معنيان أحدهما أن يكون يريد من قولهم: تقارشت الرماح في الحرب إذا تدانت، ودخل بعضها في بعض، والآخر أن يكون من قولهم تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور. وقول معاوية لقد يسوءني أن أراك خطيبا. ذلك لأنه من شيعة على، وهو الذي قال له على ما علمت يا أبا عبد الله: إنك لكثير المعونة، قليل المؤونة، فجزاك الله خيرا، فقال صعصعة: وأنت يا أمير المؤمنين! فجزاك الله أحسن ذلك، فإنك ما علمتن بالله عليم، وإن الله في عينك عظيم.
وذكر أبو علي قول معاوية لعقال بم سادكم الأحنف ؟
ع وهو عقال بن شبة بن عقال المجاشعي.
وأنشد أبو علي:
هو الخبيث عينه فراره ... ممشاه مشى الكلب وازدجاره
ع وبعدهما: في شدقة شفرته وناره يصف ذئباً يقول نظرك إليه يغنيك عن فره أن تخبره. وقوله في شدته شفرته وناره
стр. 845
يريد أنه لا يحتاج مع أنيابه إلى شفرة ولا إنضاج وأنشد أبو علي لكثير:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
ع قد روى هذا الشعر لمجنون بنى عامر، وبعد البيتين:
فما حب ليلى بالوشيك انقطاعه ... ولا بالمؤدى يوم رد المنائح
وأنشد أبو علي للجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلة
ع بعده:
فلم نوقف مشيلين الرماح ولم ... نوجد عواوير يوم الروع عزالا
قوله: يرفع الآلة كأنه ينزو في الآل فإذا نزا فكأنه رفع الآلي، وقد مضى القول في البيت الثاني.
وأنشد أبو علي لمالك بن خالد:
لما رأيت عدى القوم يسلبهم ... طلح الشواجن والطرفاء والسلم
ع بعده:
كفت ثوبى لا ألوى على أحد ... إني شنئت الفتى كالبكر يختطم
стр. 846
يقوله مالك في يوم شعب بني سليم، وكانوا أغاروا على بني سليم، وأخذ عليهم بنو سليم الشعب فحادت عنهم هذيل وفرت منهم، يقول: انهزم القوم فجعل الطلح يمشقهم وهم يعدون، وهذا كما قال الآخر:
وأحسب عرفط الزوراء يعدى ... على بوشك رجع واستلال
قال الأصمعي: هذا الشقي فرق، فحسب أن السيف يسل عليه.
وأنشد أبو علي بيتا لامرئ القيس قد تقدم ذكره.
وأنشد أبو علي لساعدة:
هجرت غضوب وحب من يتجنب ... وعدت عواد دون وليك تشغب
ع وبعده:
ومن العوادى ا، تقتك ببغضة ... وتقاذف منها وأنك ترقب
والرواية الأعراف وحب من يتحبب: أي حب بها متحببة. وكذلك تشعب: بالعين المهملة أن تفرق، ومن روى تشغب يريد تخالف قصدك. والولى: القرب والمداناة من ولى يلي. وبغضة: قيل بغض وقيل هو جمع بغيض مثل صبي وصبية.
وأنشد أبو علي لبشر ابن أبي خازم:
فأصبحت كالشقراء لم يعد شرها ... سنابك رجليها وعرضك أوفر
стр. 847
ع إنما هو: فتصبح، لا فأصبحت، وقبله:
فمن يك من جار ابن ضباء ساخرا ... فقد كان من جار ابن ضباء مسخر
أجار فلم يمنع من القوم جاره ... ولا هو إذ خاف الضياع مغير
فتصبح كالشقراء. أراد أن يقول الأشقر، وهو فرس لقيط بن زرارة يوم جبلة، وهو الذي يقول له: أشقر! إن تقدم تعقر وإن تأخر تنحر. يقول: لو سيرته فقتل في غير جوارك لم يلحقك لائمة، وهكذا صحة إنشاده فتصبح كالشقراء، لا كما أنشده أبو علي، لأن المعنى لم تغير إذ خفت الضياع فتصبح كالشقراء في الحال التي ذكر وعرضك وافر، ولم يخبر عن شئ وقع ولا مضى. وكان رجل من بنى أسد يقال له محزوم بن ضباء قتل في جوار رجل من بني عامر بن صعصة، فقال بشر شعرا منه هذه الأبيات.
وأنشد أبو علي لابن حبناء:
إذا أنت عاديت امرأ فاطفر له ... على عثرة إن أمنتك عواثره
стр. 848
ع بعده:
إذا المرء اولاك الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريبا أواصره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت أنك عاقره
هكذا اتصال الشعر. وقوله اطفر له: هو افتعل من الطفر وهو الوثب. قال أبو علي وفي هذه القصيدة يقول:
وقد ألبس المولى على ضعن صدره ... وأدرك بالوغم الذي لا احاضره
ع أكثر الناس يرويه أحاضره بحاء مهملة، وقد روى أحاذره بالذال معجمة من الحذر، وإنما صحته أخاضره بالخاء معجمة والضاد، من قولهم ذهب دم فلان خضراً مضراً وخضرا مضرا: أي باطلا، وقد فسره أبو على في باب الإتباع يقول: أدرك بالثأر الذي لا أبطله.
قال أبو علي إنما سمى الأخطل، لأن ابنى جمال تحاكما إليه أيهما أشعر؟ وذكر الخبر إلى آخر ما أورد فيه. ع ليس في الشعراء من يقال له ابن جعال، وإنما هو كعب بن جعيل وأخوه، واختلف في اسمه، فقال ابن قتيبة: اسمه عميره، وقال غيره عميرة بن جعل مكبرا، شاعر جاهلي من بني تغلب ليس بأخ لكعب وذكر
стр. 849
يعقوب أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب، فكان لا يأتي منهم قوماً إلا أكرموه وضربوا له قبة، فآتى بني مالك بن جشم رهط الأخطل، ففعلوا له ذلك وملأ وله حظيرة غنما، فجاء الأخطل وهو غلام فأخرجها وكعب ينظر، فقال إن غلامكم هذا لأخطل، فلحت عليه، وقال الأخطل فيه:
وسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
ويروى هذان البيتان لعتبة بن الوعل، وكان الأخطل يومئذ يقرزم، والقرزمة الابتداء بقول الشعر، فقال له أبوه: أبقرزمتك تريد أن تقاوم ابن جعيل؟ وضربه، وجاء ابن جعيل على تفيئة ذلك، فقال من صاحب الكلام؟ فقال أبوه لا تحفل به فإنه غلام أخطل، فقال له كعب: شاهد هذا الوجه غب الحمه فقال الأخطل: فتاك كعب بن جعيل أمه فقال له كعب: ما اسم أمك؟ قال ليلى، قال أردت أن تعيذها باسم أمي، قال: لا أعاذها الله إذن! وأما لأخطل ليلى امرأة من إياد، وقال الأخطل:
стр. 850
هجا الناس ليلى أم كعب فمزقت ... فلم يبق إلا نفنف أنا راقعة
وأنشد أبو علي في إستار الجرير:
إن الفرزدق والبعيث وأمه ... وأبا البعيث لشر ما إستار
ع وقبله:
أما البعيث فقد تبين أنه ... عبد فعلك في البعيث تمارى
واللؤم قد خطم البعيث وأرزمت ... أن الفرزدق عند شر حوار
إن الفرزدق والبعيث قوله أرزمت: يريد حنت، عند شر حوار: يريد انه شر مولود.
وأنشد أبو علي للعطوى شعراً، أوله:
جل رب الأعراض والأجسام ... عن صفات الأعراض والأجسام
ع قد تقدم ذكر العطوى وهو: محمد بن عبد الرحمن ابن أبي عطية، مولى بني ليث من كنانة يكنى أبا عبد الرحمن، بصرى المولد والمنشأ، وشاعر من شعراء الدولة الهاشمية، وكان معتزليا قوياً في مذهبه، متقدما في جدله، وبهذا المذهب اتصل بأحمد بن أبي دؤاد وتقرب إليه، وكان مختصاً به. وهشام الذي ذكره في شعره هو: هشام بن الحكم البغدادي، وكان من الحشوية المشبهة، وكان هو وأصحابه يقولون إن البارى تعالى في
стр. 851
أحسن الأقدار لا يزدون على ذلك، ويروون أحاديث في التشبيه كثيرة مستحيلة، وحجتهم أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض، فلما بطل وقوع الفعل الفعل من العرض وصح من الجسم، كان ذلك دليلا لهم على ما قالوا. وقياسهم أفسد، لأنه لا يقوم في المعقول جسم إلا مؤلف، فإن قالوا ذلك ولا بد لهم منه، فقد أقروا أن البارئ مخلوق تعالى الله علواً كبيرا. وقد ذهبت طائفة من الروافض إلى صورة الإنسان كقول اليهود لعنهم الله.
وأنشد أبو علي:
لا أترك ابن العم يمشى على شفاً ... وإنن بلغتني من أذاه الجنادع
ع هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله الأزدي هكذا نسبه أبو تمام، ويروى: وحسبك من لؤم وسوء صنيعة وقد رأيته منسوبا إلى مضرس بن ربعى الفقعسى. ويوصل به أبيات، منها:
وإن امرأ في الناس يعطى ظلامة ... ويمنع نصف الحق منه لواضع
أبا لموت يخشى أثكل الله أمه! ... أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع
والصحيح ما قاله أبو تمام.
وذكر أبو علي قول رؤبة لأبي النجم لما أنشده:
بين رماحي مالك ونهشل
стр. 852
ع يريد رؤبة نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة، وإنما أراد أبو النجم مالك بن ضبيعة بن قيس ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي، يريد بين بلاد بكر وبلاد بني تميم. وصلة الشطر:
الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخل
كوم الرى من خول المخول ... تبقلت من أول التبقل
يقول: رعت هذه المواضع لعزها كما قال امرؤ القيس:
تحاماه أطراف الرماح تحامياً ... وجاد عليه كل أسحم هطال
قال أبو عمرو الشيباني: قيل لأبي النجم هلا قلت: بين رماحي دارم ونهشل قال: لقد ضيقت عليها المرعى إذن.
وأنشد أبو علي للمخبل:
إذا أنت عاديت الرجال فلاقهم ... وعرضك عن غب الأمور سليم
ع المخبل لقب وهو ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف أحد بنى أنف الناقة، واسمه جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، هذا قول محمد بن حبيب. وقال ابن الكلبي: اسم المخبل الربيع بن ربيعة بن عوف، وقال ابن دأب: اسمه كعب بن ربيعة بن عوف، يكنى أبا يزيد، وهو شاعر مخضرم فحل، وهو الذي عنى الفرزدق بقوله:
وهب القصائد لي النوابغ كلهم ... وابو يزيد وذو القروح وجرول
وقوله: وعرضك عن غب الأعور سليم يعني عاقبة السوء وما يؤول مثلبة على صاحبه
стр. 853
وفي رواية غيره: وعرضك عن غث الأمور سليم غثها: ساقطها، يقال فلان غث الحديث.
وأنشد أبو علي لعروة بن الورد:
قلت لقوم في الكنيف تروحواعشية بتنا عند ماوان رزح
ع كان عروة قد أصابت قومه سنوات جهدتهم، وهو غائب فرجع مخفقاً، فوجد قومه قد عننوا عننا من البرد وشدة الزمان والجهد، فندب منهم رهطا وهطا، فخرجوا معه وقال هذا الشعر: وما وان: بين النقرة والربذة فأتى عروة وأصحابه أرض بنى القين، فأصابوا مائة إبل فاستاقوها.
وذكر أبو علي قال قيل للفرزدق: إن ههنا أعرابياً قربياً منك ينشد الشعر فقال إن هذا لقائف أو حائن، فأتاه فقال: ممن الرجل؟ قال: من فقعس، قال: كيف تركت القنان؟ قال يساير لصاف. قال أبو علي: فقلت ما أراد الفرزدق والفقعسى، قال: أراد الفرزدق قول الشاعر:
ضمن القنان لفقعس سوآتها ... إن القنان بفقعس لمعمر
وأراد الفقعسى قول الشاعر:
стр. 854
وإذا يسرك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبكم لسود خفية ... فغذا لصاف تبيض فيه الحمر
أكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيتيه العنبر
هذه رواية محالة عن وجهها في الخبر وفي بيت من الشعر ذكر المدائني وغيره قال مر الفرزدق بمضرس بن ربعي الأسدي وهو ينشد بالمربد قصيدته التي أولها:
تحمل من وادى عرارة حاضره
وقد اجتمع الناس حوله فقال: يا أخا بني فقعس كيف تركت القنان؟ قال تبيض فيه الحمر. قال أراد الفرزدق قول نهشل بن حرى:
ضمن القنان لفقعس سوآتها ... وأراد مضرس قول أبي المهوش الأسدي:
وإذا يسرك من تميم خصلة على ما أنشدها أبو علي إلا قوله: أكلت أسيد فإنه محال عن وجهه، والمحفوظ فيه غير هذا، وذلك:
стр. 855
عضت اسيد جذل أير أبيهم ... يوم النسار وخصيتيه العنبر
نسبهم إلى الجبن بقوله فإذا لصاف تبيض فيها الحمر ثم أعضهم بفرارهم يوم النسار وجبنهم، وبنو تميم لا تعير باكل جردان الحمار، إنما تعير بذلك بنو فزارة لحديث، وذلك أن رجلاً من بني فزارة كان في نفر سفر من العرب، فعدل الفزارى عن طريقه لبعض شأنه، وصاد أصحابه عيراً، فأكلوه وأبقوا جردانه للفزارى، فلما لحق بهم قالوا له: قد خبأنا لك من صيدنا خبيئاً وأقفيناك منه بقفى، ووضعوه بين يديه، فجعل يأكل ولا يكاد يسيغه ويقول: أكل لحم الحمار جوفان؟ فلما رأى تغامز القوم عليه، اخترط سيفه وقال: والله لتأكلنه أو لأقتلنكم، فأمسكوا عن أكله، فضرب رجلاً منهم اسمه مرقمة فأطن رأسه، فقال أحدهم طاح لعمري مرقمه فقال الفزاري: وأنت إن لم تلقمه فأكلوه، فعيرت فزارة أكل جردان الحمار، فقال الفرزدق:
جهز فإنك ممتار ومنتظر ... إلى فزارة عيراً تحمل الكمرا
إن الفزاري لو يعمى فيطعمه ... أير الحمار طبيب أبرأ البصرا
стр. 856
وقال آخر:
أتفخر يا فزار وأنت شيخ؟ ... إذا فوخرت تخطى في الفخار
أصيحانية أدمت بزبد ... أحب إليك أم أير الحما؟
بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحب إلى فزارة من فزار
وهكذا يصح جواب التعريض من قول الفقعسي لما قال له الفرزدق: كيف تركت الفنان؟ قال تبيض فيها الحمر، والتعريض الحسن هو الذي يتوجه على وجهين ويكون بمعنيين، لأن قول أبي على: تركته يساير لصاف من المحال الذي لا يجوز إلا إذا سيرت الجبال فكانت سرابا. ولصادف: ماء لبنى العنبر وقيل لبنى يربوع وهو من الشاجنة. وقنان: جبل في ديار بني فقعس. وفشيشة: التي ذكر في قوله ذهبت فشيشة بالأباعر نبز لبنى تميم مأخوذ من خروج الريح، يقال فش الوطب إذا أخرج منه الريح، ونسبهم إلى خرابة الإبل. وأبحر: الذي ذكره هو أبجر بن جابر العجلى أبو حجار بن أبحر، وقيل إن أبحر اسم من أسماء الدواهى وكذلك بحرى، أراد فصبنت عليهم داهية. وتمام الشعر:
منعت حنيفة واللهازم منكم ... قشر العراق وما يلذ الحنجر
قشر العراق: نبات العراق. ونحو هذا من التعريض ما روى ا، رجلا من بنى نمير كان يساير عمر بن هبيرة الفزارى على بغلة، فقال له عمر: غض من بغلتك. قال: أيها الأمير إنها مكتوبة، أراد عمر قول جرير:
стр. 857
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد النميري قول سالم بن دارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
ويروى أيضاً أن عمر بن هبيرة كان يجالس عرام بن سمرة الضبي، وفي يد ابن هبيرة خاتم بفص أزرق، فوضعه في يد الضبي فعقد فيه الضبى سيرا ورده إليه. أراد عمر قول الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كذا كل صبي من اللؤم أزرق
واراد الضبي قول سالم الذي أنشد ولم تزل فزارة تهجى بغشيان الإبل، قال راجز جاهلي:
إن بنى فزارة بن ذبيان ... قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشنإ أعجب بخلق الرحمن!
وقال الفرزدق:
أوليت العراق ورافديه ... فزارياً أحذ يد القميص؟
ولم يك قبلها راعى مخاض ... ليأمنه على وركى قلوص
ومن التعريض المجانس لهذا أن الشعراء اجتمعوا على باب أمير من أمراء العراق فيهم
стр. 858
ضروب من قبائل العرب، فمر عليهم رجل يحمل بازيا، فقال رجل من بني تميم لرجل من بني نمير: انظر ما أحسن هذا البازي! فقال له النميري: نعم وهو يصيد القطا، أراد التميمي قول جرير:
أنا البازى المطل على نمير ... أتيح من السماء له انصبابا
وأراد النميري قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت
وأحسن ما ورد في هذا قول معاوية للأحنف: ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال له الأحنف: الخسينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول أبي المهوش الأسدي:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وإنما هجيت تميم بحب الطعام لأن عمرو بن هند لما حرق بني تميم بأوارة، وكان نذر أن يحرق منهم مائة فحرق منهم تسعة وتسعين، فمر رجل من البراجم فاستنشى القتار فظن
стр. 859
أن الملك يصنع طعاما فعدل إليه، فقال له: ممن الرجل؟ قال: من البراجم، قال: إن الشقي وافد البراجم، فأرسلها مثلا، وأمر به فقذف في النار وتمم به نذره. والبراجم قيس وعمرو. والظليم بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، سموا بذلك لأن أباهم قال لهم: اجتمعوا فكونوا كبراجم يدى، وقيل إن غالبا وكلفة ابنى حنظلة منهم. وأراد الأحنف قول كعب بن مالك:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب!
وكانت قريش تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق، وكانوا يتخذونه عند غلاء السعر وعجف المال، قال النجاشي قبحه الله:
وإن قريشا والإمامة كالذي ... وفي طرفاه بعد ما كان أجدعا
وحق لمن كانت سخينة قومه ... إذا ذكر الآباء أن يتقنعا
وأنشد أبو علي:
إذا شئت آداني صروم مشيع ... معى وعقام تتقى الفحل مقلت
ع لم يبين أوب علي معنى البيت الآخر وقوله يطوف بها من جانبيها يعنى تحول الظل بزوال الشمس وبتنقلها هي من وجهة إلى أخرى، حتى إذا قام قائم الظهيرة وصارت الشمس غزاء سنامها، صار هو في أكارعها، أي لم يظهر، وهذا كما قال الآخر:
إذا زفا الحادى المطى اللفبا ... وانتعل الظل فصار جوربا
وقال آخر:
إذا المطى أتعبت سواقها ... وركبت أخفافها أعناقها
وقال الشماخ:
стр. 860
وقد أنعلتها الشمس ظلا كأنه ... قلوص نعام زفها قد تمورا
وذهب الحاتمي في قوله: حي في الأكارع ميت إلى أنه حي بحركاتها ميت عند سكونها لأنه لا يتحرك.
وأنشد أبو علي القصيدة المقصورة في صفة الفرس لأبي صفوان السدي ع أنسدها ابن أبي طاهر في كتاب المنظوم والمنثور له وعزاها إلى جهم بن خلف ابن أخت أبي عمرو ابن العلاء، وأنشد منها عمرو بن بحر أبياتاً في الحيوان وعزاها إلى جهم بن خلف أيضاً، قال ابن أبي طاهر وزعم قوم أنها لأبي البيداء، وأن ابن الأعرابي إنما أنشدها لأبي صفوان، كما نقل أبو على وهو شاعر إسلامي. وقد فسر أبو علي
стр. 861
جميع ما في القصيدة، من ذلك قوله: أكثر العرب يتبرك بالسانح.
ع من يتبرك به فإنما ذلك لأنه مر عن يمينه، ومن يتشاءم به فإنما ذلك لأنه ولاه مياسره. والذي يتشاءم به لا يسميه في تلك الحالة سانحا إنما هو عند بارح، لأن السنح عنده ما ولاه ميامنه، وإذا ولاه ميامنه إنما يمر عن يساره، وهذا مذهب رؤبة في السانح والبراح على ما ذكرناه أبو علي. وقال أو حنيفة: التشاؤم بالسانح والتيمن بالبارح مذهب أهل الحجاز، وأهل نجد على خلاف ذلك، قال أبو ذؤيب في التشاؤم بالسانح وهو حجازي:
زجرت لها طير الشمال فإن تصب ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
أي إن جاء هواك على هوى الطير كنت الفرقة، وقال الأعشى:
أجارهما بشر من الموت بعدما ... جرت لهما طير السنيح بأشأم
وأنشد أبو علي: وفاحما ومرسناً مسرجا ع قبله:
أزمان أبدت واضحاً مفلجا ... أغر براقا وطرفا أبرجا
ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسناً مسرجا
البرج: سعة العين. والمرجج: الطويل السابغ، ونعامة زجاء طويلة. والمرسن: الأنف كله، وأصل تسميته مرسنا لأنه موضع الرسن. وقال الأصمعي المسرج: المحسن.
وأنشد أبو علي لذي الرمة:
أضله راعيا كلبية صدرا ... عن مطلب وطلى الأعناق تضطرب
ع وقبله:
أو مقحم أضعف الابطان حادجه ... بالأمس فاستأخر العدلان والقتب
стр. 862
أضله راعيا كلبية شبه ظليماً تقدم ذكره بمقحم من الإبل وهو البكر يلقى سن إثناء وإرباع في سنة واحدة، ولا يكون ذلك إلا في ابن خرمين. والحادج: الي يشد عليه الحدج، وهو من مراكب النساء، ولما قلق البطان، اضطرب القتب واستأخر العدلان، شبه بهما جناحي الظليم. وقوله: راعيا كلبية: يعني نعما من نعم كلب، وخصها لأن إبلهم سود. وطلب: ماء معن بعيد، ويروى عن مطلب قارب وراده عصب.
وأنشد أبو علي:
متى تسق من أنيابها بعد هجعة ... من الليل شربا حين مالت طلاتها
ع البيت للأعشى، وبعده:
تخله فلسطياً إذا ذقت طعمه ... على نيرات الظلم حمش لثاتها
قوله نيرات: أي بيض براقة. والظلم: ماء الأسنان. وحمش: لطيفة لم يكثر لحمها.
وأنشد أبو علي للخنساء:
وكأنما أم الزما ... ن نحورنا بمدى الذبائح
ع وبعده:
فنساؤنا يندبن بحا ... بعد هادئة النوائح
يندبن فقد أخى الندى ... والخير والشيم الصوالح
والجود والأيدي الطوا ... ل المستقيضات السوامح
وأنشد أبو علي بعد هذا بيتين: أحدهما لذي الرمة، والثاني للناغبة قد تقدم ذكرهما.
стр. 863
وأنشد أبو علي للأخنس بن شهاب:
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب
ع بعده:
لكل أناس من معد عمارة ... عروض إليها يلجأون وجانب
ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلفى ومن هو غالب
الفحل: هنا فحل الإبل، والنوق كلها تتبع الفحل، وأولادها تتبعها، فحيثما ذهب ذهب جميعها. يقول نحن لعزنا يسرح مالنا أين شاء، فلا يخاف غارة ولا بادرة، وقوله لا حجاز بأرضنا: أي لا يحجزنا سور ولا جبل ثقة بمنعة جانبنا وعزة قومنا أينما كان الخصب كنا، وهذا كما قال حميد:
إذا لا حجاز لنا إلا مقومة ... زرق الأسنة والجرد المحاضير
وقوله ومن هو غالب: يريد ومن هو غالب كذلك يكون، وقيل إنما أقسم بالله الذي به الغلبة، وقيل إنه أراد لا نجتمع نخن ومن يغلب أبدا، أي من كان معنا فنحن له غالبون، وما على هذا القول نافية.
وأنشد أبو علي لجرير:
بلى فانهل دمعك غير نزر ... كما عينت بالسرب الطبابا
ع وقبله:
أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولى إن أصبت لقد أصابا
أجدك لا تذكر أهل نجد ... وحياً طالما انتظروا الإيابا
стр. 864
بلى فانهل دمعك
الطباب: رقاع تضرب على أفواه المزاد وتقوى بها، لأنها مواضع الخدمة.
وأنشد أبو علي لذي الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
ع وبعده:
وفراء غرفية أثأى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتب
أثأى: أي جمع الخرزتين فصارتا واحدة وهو الثأي. ومشلشل: متصل القطر، وهو نعت لسرب. والكتب: جمع كتبه وهي الخرزة.
وأنشد أبو علي:
ألآن لما ابيض مسربتي
ع هو للحارث بن وعلة، وقد تقدم ذكره.
وأنشد أبو علي:
يقاسون جيش الهرمزان كأنهم ... قوارب أحواض الكلاب تلوب
هو للمخبل السعدي، وبعده:
أشيبان إن تأت الجيوش تجدهم ... يعدون أياماً لهن خطوب
يذودون جند الهرمزان كأنما ... يذودون أوراد الكلاب تلوب
وأنشد أبو علي: ومنهل فيه الغراب ميت ع هو لأبي محمد الجرمي الفقعسي وقد مضى القول فيه.
стр. 865
فقلت لا أدري وقد دريت
وقد نسب هذا الرجز إلى العجاج، والصحيح ما قدمناه.
وأنشد أبو علي لذي الرمة:
كأنها دلو بئر جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب
ع قد تقدم إنشاد هذا البيت، ومضى القول فيه.
وأنشد أبو علي لنصيب
إليك أبا حفص! تعسفت الفلا ... برحلي فتلاء الذراعين جلعد
ع البيت لنصيب، وبعده:
تؤمك ترجو العرف منك وتجتدي ... نداك ونعم المجتدي المتعمد
على عادة كانت لنا منك إنماجرت للذي كانت عليكم تعود
يمدح عمر بن عبد العزيز ﵀.
وأنشد أبو علي لعمرو بن شأس:
وماء بموماة قليل أنيسه ... كأن به من لون عرمضه غسلا
ع وبعده:
حبست به خوضا أضر بنيها ... سرى الليل واستقبالها البلد المحلا
وأنشد أبو علي لعنترة:
هل غادر الشعراء من متردم
وأنشد أبو علي لعلقمة عبدة:
يوحى إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم
стр. 866
ع وبعده:
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم
يعني الظليم والنعامة. والصعل: الدقيق العنق الصغير الرأس، يعني بيتا من وبر أو شعر لم تحسن هذه الخرقاء عمله، فاسترخت عيدانه وأطنابه. ومهجوم: ساقط مهدوم.
وذكر أبو علي قول الأعرابي: والله ما أحسن الرطانة
هذا يقوله أبو الذيال شويش الأعرابي العدوي، قال أنا ابن التأريخ، أنا والله العربي المحض، لا أرقع الجربان، ولا ألبس التبان، ولا أحسن الرطانة، وإني لأرسب من رصاصة، وما قرقمني إلا الكرم. قوله أنا ابن التأريخ يعني أنه ولد عام الهجرة. وإني لأرسب من رصاصة: يريد أنه أعرابي بدوى من أهل الوبر لامن أهل المدر ولا ساكني الأمصار، التي لا تكون إلا على الأرياف والأنهار، والأعرابي إذا قال قدمت الريف فإنما يريد الحضر. قال الأصمعي قيل لذي الرمة: من أين عرفت الميم لولا صدق من نسبك إلى تعليم أولاد العرب في أكتاف الإبل، فقال والله ما عرفت الميم إلا أني قدمت من البادية إلى الريف؛ فرأيت الصبيان وهم يجوزون بالفجرم في الأوق، وساق الحديث على ما ذكره أبو علي قبل هذا. وقوله ما قرقمني إلا الكرم: يعني أن أباه طلب المناكح الكريمة، فلم يجدها إلا في أهله، فجاء ولده ضاويا، ومنه الحديث اغتربوا لا تضووا، وقال الشاعر:
فتى لم تلده بنت عم قريبة ... فيضوى وقد يضوى رديد القرائب
стр. 867
وقال الراجز:
إن بلالاً لم تشنه أمه ... لم يتناسب خاله عمه
وقال آخر:
قحمها للسير غطريف أشم ... يسوقها على الوجى سوق الهجم
شمردل ما بين سخنيه رحم ... كان أبوه غائبا حتى فطم
وقال آخر:
تنجبتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقا معمما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالماً ... لما وجدوا غير التكذب مشتما
وقال الأصمعي في قول كعب بن زهير:
حرف أخوها أبوها من مهجنةوعمها خالها، قوداء شمليل
هذه ناقة كريمة مداخلة النسب لشرفها، فهذا التفسير على معنى قول الأعرابي، وأنكره أبو المكارم فقال: ألم يعلم الأصمعي أن تداخل النسب ومقاربته مما يضعف الناقة وذكر كلاما طويلا.
стр. 868
وأنشد أبو علي:
أشكو إلى الله عيالاً دردقا ... مقرقمين وعجوزا شملقا
ع هكذا أنشده أبو علي شملقا بالشين المعجمة، كما أنشده أبو عبيد في الغريب المصنف وهو تصحيف، وإنما هو سملق بالسين المهملة، أي لا خير عندها أخذها من الأرض السملق وهي التي لا شيء بها، وقيل هي التي لا تلد مأخوذ من ذلك أيضا، وصلتهما:
لا ذنب لي كنت أمرأ مفنقا ... أغيد نوام الضحى غرونقا
أتبع ظلى حيثما تصفقا ... أشكو إلى الله عيالا دردقا
مقرقمين وعجوزا سملقا ... إذا رأتني أخذ ت لي مطرقا
تقول ضرب الشيخ أدنى للتقى
وأنشد أبو علي لطرفة:
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه
ع وقبله:
أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه
كسطور. وقوله دارس حممه: يريد لا حمم فيه، صار فحمه رماداً. وقوله رقشه بالضحى: يريد نهارا، فذلك أحكم لصنعة ترقيشه.
وأنشد أبو علي للمرقش الأكبر، وأسمه ربيعة:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم
ع اسم المرقش الأكبر عوف بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة،
стр. 869
سمى المرقش باسم عمه عوف أبي أسماء، وزعم قوم أنه كان يسمى قبل ذلك ربيعة بن سعد، وهو عم مرقش الأصغر، وأسمه عمرو بن حرملة بن سعد، والأصغر عم طرفة بن العبد. وقبل البيت وهو أول القصيدة:
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان ربع ناطق كلم!
الدار قفر.
وأنشد أبو علي:
يا لك من تمر ومن شيشاء ... ينشب في المسعل واللهاء
ع الشطران لأبي المقدام، وقبلهما:
قد علمت أم بني السعلاء ... وعلمت ذاك مع الجراء
أن نعم مأكولاً على الخواء ... يا لك من تمر.
مد اللهاء: ضرورة وهي مقصورة تكتب بالألف، لقولهم في الجمع لهوات. وكذلك السعلى: جمع سعلاة مده ضرورة. وقد تنشد هذه الأشطار بالقصر ويقصر ما فيها من ممدود
стр. 870
ضرورة. ويروى: واللهاء بكسر اللام جمع لهاً، كما يقال أضاة وأضاً، ويجمع الأضا إضاء، وقيل بل هو جمع أضاة، كما يقال أكمة وإكام، وقيل مثل ذلك في اللها.
وأنشد أبو علي:
وأجرد من فحول الخيل طرف ... كأن على شواكله دهانا
وأنشد أبو علي لامرىء القيس:
عليه كسيد الردهة المتأوب
ع وصدره:
إلى أن تروحنا بلا متعتب ... عليه كسيد الردهة المتأوب
وقد تقدم إنشاده بأتم من هذا.
وأنشد أبو علي لامرىء القيس:
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
ع وقبله:
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكل عبل الجزارة جوال
الهيكل: الفرس الطويل، شبهه ببيت النصارى. والجزارة: قوائم الفرس وعنقه، وأصله أن جازر البعير كان يأخذ ذلك من البعير، فهي جزارته.
وأنشد أبو علي للأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
ع وبعده:
هل تنتهون ولا ينهى ذوى شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
يشيط: من أشاط دمه عرضه للقتل.
وأنشد أبو علي للنابغة الجعدي:
стр. 871
على أن حاركه مشرف ... وظهر القطاة ولم يحدب
ع وقبله:
أمر ونحى من صلبه ... كتنحية القتب المجلب
كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول على مشرب
نحى: حرف، يقول في عظامه قنى: أي تحنيب، وهو يستحب في المحال والذراع أنشد الأصمعي:
أقنى المحال مجفر مجرى الضفر
وأنشد أبو علي:
يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام
قال ابن عبد ربه: هذا البيت لعدي بن الرقاع.
ع هذا من حسن التشبيه، وأول من سبق إليه عدي بن زيد في قوله:
له عنق مثل جذع السحو ... ق والأذن مصعنة كالقلم
وقال العماني:
تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا
وقال العتبي وصف أعرابي حربا فقال: لقيناهم فلقيتنا خيل خرجت من مستطير نقع كأن هواديها أعلام، وآذانها أقلام، وفرسانها أسود آجام. قال الخليل: يقال للأذن اللطيفة الدقيقة مصعنة: وأنشد بيت عدي بن زيد.
وأنشد أبو علي:
стр. 872
لها أذن حشرة مشرة ... كإعليط مرخ إذا ما صفر
ع هو لامرىء القيس. وكذلك الأبيات التي أنشد بعده من هذه القصيدة وقد تقدمت موصولة متسقة. منها:
وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوى السعر
الليان: قال أبو علي الليان: النخل، وهذا قول غير مخلص ولا مقنع، والليان يقع على النخل ما عدا العجوة، وقيل هو النخل لا يدري لونه. وقوله: أضرم فيها الغوي السعر يريد أنه احترق وتشذب، فهو أظهر لطوله وأحسن موقعاً في تشبيه العنق به لقصر شعرته، كما قال أيضا
ومستفلك الذفري كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب
وأنشد أبو علي لرؤبة:
وأوفقت للرمى حشرات الرشق
ع وصلته:
لما تسوى في خفي المندمق
وأوفقت. وقد تقدم بأتم من هذه الصلة حيث أنشد أبو علي:
فبات والنفس من الحرص الفشق
وقوله: المندمق: هو المدخل، يقال اندمق عليه واندقم أي دخل. وقوله: وأوفقت للرمى: هو من المقلوب، إنما هو أفيقت من قولهم: أفقت السهم، إذا ألقمت فوقه الوتر، فقدم العين على الفاء.
وأنشد أبو علي:
وتلقى لئيم القوم للناس محشرا
وأنشد أبو علي لامرىء القيس:
وبهو هواء تحت صلب كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوق ملعب
стр. 873
ع وقبله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة عير قائم فوق مرقب
له جؤجؤ حشر كأن لجامه ... يعالى به في رأس جذع مشذب
ومضى في صفته، ثم قال: وبهو هواء:
يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب
الأيطل والإطل والإطل: الخاصرة، شبه خاصرتيه بخاصرتي الظبي في وقتهما وأنه ليس بمنفضج، وشبه ساقيه بساقي النعامة في قصرهما، ويستحب ذلك مع طول الوظيف، وفي شدتهما، لأن ساق النعامة ظمياء ليست برهلة. والجؤجؤ: الصدر. والحشر: اللطيف، ويستحب ضيق الزور وتقارب المرفقين. قال الجعدي:
في مرفقيه تقارب وله ... بركه زور كجبأة الخزم
وبهو: أراد جوفه. والخلفاء: الملساء. والزحلوق: آثار تزلج الصبيان. والقطاة: مقعد الردف. والمحالة: البكرة العظيمة. والغبيط: قتب الهودج. هو مرتفع مشرف. ومذأب: له ذئب، أي فرج.
وأنشد أبو علي:
هريت قصير عذار اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن
ع أنشده أبو محمد ابن قتيبة في أبيات المعاني للأعشى، ولم يقع في القصيدة التي على هذا الروى والوزن، وقد وصف فيها الفرس فأحسن وهو إن شاء الله بعد قوله:
وكل كميت كجذع الطريق يزين الفناء إذا ما صفن
стр. 874
هريت قصير عذار اللجام
تراه إذا ما غدا صحبه ... به جانبيه كشاة الارن
ومضى في صفته. الطريق: الطويل من النخل، ويقال ما طرقته الأيدي أي نالته. والأرن: النشاط، شبه نشاطه بنشاط الثور.
وأنشد أبو علي لأبي دؤاد:
طويل طامح الطرف ... إلى مفزعة الكلب
حديد الطرف والمنكب والعرقوب والقلب
ع أبو دؤاد هو جارية بن الحجاج الإيادي، شاعر جاهلي، وهو أحد وصاف الخيل المحسنين. ومفزعة الكلب: أقصى موضع يسمع منه الكلب إيساد صاحبه، وإنما يريد أنه مدرب حاذق بالصيد، فإذا فزع الكلب إلى جهة طمح ببصره إليها. وبعد الأبيات:
له ساقا ظليم خا ... ضب فوجىء بالرعب
يخد الأرض خدا بصمل سلط وأب
صحيح النسر والأرسا ... غ مثل الغمر القعب
وهذا الشعر ليس لأبي دؤاد ولا وقع في ديوانه، والصحيح أنه لعقبة بن سابق الهزاني، كذلك قال ابن السكيت وغيره.
стр. 875
وأنشد أبو علي:
منتفج الجوف عظيم كلكله
ع هو لأبي النجم وقبله:
طار عن المهر نسيل ينسله ... عن مفرع الكتفين حلو عطله
منتفج الجوف عريض كلكله ... سوند في هاد كثيف خلله
عطله: عنقه، يقال فرس حسن العطل أي العنق، وقال خالد عطله: ضمره، يقول هو حلو في الضمر فكيف يكون في السمن. وكثيف: مكتنز. وخلله: ما بين فقر العنق وما بين الأضلاع.
وأنشد أبو علي لامرىء القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
ع وبعده:
ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
الضليع: القوى الشديد المنتفج الجنبين، وفي حديث عمر بن الخطاب إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضليعا، فإن أخطأك مخبر لم يخطئك منظر. وقد تقدم القول في الذنب، وما يحمد منه ويذم.
وأنشد أبو علي: له متن عير وساقا ظليم وأنشد أبو علي:
стр. 876
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فريا وأما أرضه فمحول
وأنشد أبو علي بعدها أبياتا قد تقدم ذكرها إلا قول طفيل منها:
وأذنابها وحف كأن ذيولها ... مجر أشاء من سميحة مرطب
ع وقبله:
جلبنا من الأعراف أعراف غمرة ... وأعراف لبنى الخيل يا بعد مجنب!
ومضى في صفتها، ثم قال:
تبارى مراخيها الزجاج كأنها ... ضراء أحست نبأة من مكلب
وأذنابها وحف.
قوله تبارى مراخيها الزجاج: يعني أن أعناقها تسامى الرماح من طولها، كما قال امرؤ القيس:
يبارى شباه الرمح خد مذلق ... كحد السنان الصلبي النحيض
وقال لبيد
يطرد الرمح يبارى ظله ... بأسيل كالسنان المنتخل
وأراد بالزجاج: الأسنة، قال المتنخل الهذلي:
أقول لما أتاني الناعيان به ... لا يبعد الرمح ذو النصلين والرجل!
стр. 877
ومراخيها: جمع مرخاء يقال للذكر والأنثى، وهي السهلة العدو دون الأجتهاد. وقالت الخنساء:
ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تبارى بالخدود شبا العوالي
وأنشد أبو علي:
قريح سلاح يكتف المشي فاتر
ع هو للبيد، وقبله:
وسقت ربيعا بالفناء كأنه ... قريع هجان يبتغي من يخاطر
فأفحمته حتى أستكان كأنه ... قريح سلاح يكتف المشي فاتر
يعني أنه أفحم الربيع بن زياد العبسي حين ناظره بحضرة النعمان بن المنذر، ورجز به، فمن ذلك قوله:
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه! ... إن أسته من برص ملمعه
وإنه يولج فيها إصبعه ... يولجها حتى يوارى أشجعه
فكان هذا الرجز سبب جفاء النعمان للربيع في خبر طويل.
وقال أبو علي قيل لرجل أسرع في سيره كيف كنت في سيرك؟ قال كنت آكل الوجبة، وذكر الحديث: ع قال إسحق: أخبرني مؤرج قال: ورد راكب اليمامة، فلقيه قدامة أبو حاجب بن قدامة فقال: من أين أقبل الراكب؟ قال: من المدينة، قال وكم عهدك بها؟ قال سبع ليال، قال أسرعت، وكيف كنت سرت؟ قال كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأحل إذا أسحرت، وأرتحل إذا أفجرت، واتجنب الوضع، وأسير الملع، فجئتكم لمسى سبع.
стр. 878
وأنشد أبو علي:
ونكل الناس عنا في مواطننا ... ضرب الرؤوس التي فيها العصافير
ع هو لحميد بن ثور، وقبله:
إذا لا حجاز لنا إلا مقومة ... زرق الأسنة والجرد المحاضير
يعشى الجبان شعاع في قوانسها ... إذا تجللها الشعث المغاوير
قد نكل الناس عنا.
وفسر أبو علي العصافير في هذا الشعر فقال: إنه جمع عصفور، وهو العظيم التي تنبت عليه الناصية وعلى ذلك استشهد به.
ع وقال غيره العصافير: كناية عن الكبر والخيلاء، وهو الصحيح والعرب تقول طارت عصافير رأسه إذا ذهب كبره، قال الشاعر:
ملىء لرأس أخي نخوة ... بضرب يطير عصافيره
ولو أراد العظام التي ذكر أبو علي لم يكن للكلام فائدة، لأن في كل رأس عصفوراً فكأنه قال: ضرب الرؤوس التي فيها الشعر، وإنما يريد الرؤوس التي فيها الزهو والطماح إلى ما لا تناله.
وأنشد أبو علي:
وقربوا كل جمالي عضه
ع وبعده:
قريبة ندوته من محمضه ... دانية سرته من مأبضه
стр. 879
المحمض: موضع إحماض الإبل أي إطعامها. والمأبض: الأبض وهو الرفع وأنشد أبو علي:
مفج الحوامي عن نسور كأنها ... نوى القسب ترت عن جريم ملجلج
ع البيت للشماخ، وبعده:
متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج
يصف حمار وحش يقول: إذا وقعت قوائمه على حجاره رضتها إلا أن تزول عن مواضعها فتتدحرج.
وأنشد أبو علي:
لها شعر داج وجيد مقلص ... وجسم خداري وضرع مجالح
ع هو لجبيهاء الأشجعي، وقد تقدم موصولاً وأنشد أبو علي للفرزدق:
مجاليح الشتاء خبعثنات ... إذا النكباء ناوحت الشمالا
ع قبله وهو أول الشعر يمدح به سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي:
وكوم تنعم الأضياف عينا ... وتصبح في مباركها ثقالا
حواسات العشاء خبعثنات.
هكذا رواه أبو عبيدة ومحمد بن حبيب. والحوس: أكل الليل، وقيل هو الأكل الشديد. وخبعثنات: غلاظ الأخفاف.
وأنشد أبو علي لعلقمة:
كتر كحافة كير القين ملموم
ع وقبله:
стр. 880
فالعين مني كأن غرب تحط به ... دهماء حاركها بالقتب محزوم
قد عريت حقبة حتى استطف لها ... كتر كحافة كير القين ملموم
تحط: تعتمد في أحد شقيها. دهماء: ناقة سريعة أو السوداء جلدها. واستطف: ارتفع وكتر: قال أبو عمرو كتر قين من قيون عاد. والكير والكور: موقد الحداد.
وأنشد أبو علي للأعشى:
من سراة الهجان صلبها العض ... ورعى الحمى وطول الحيال
ع وصلته:
وعسير أدماء حادرة العين خنوف عيرانة شملال
من سراة الهجان.
لم تعطف على حوار ولم يقطع عبيد عروقها من خمال
عسير: قضيب لم ترض. وحادرة العين: أي ضخمة العين ممتلئتها وليست بغائرة ورجل حادر: أي ممتلىء، وقيل حادرة العين وحدراء العين: أي حديدة النظر. وخنوف: سهلة السير. وشملال: خفيفة. والخمال: تشنج يكون في الرجل.
وأنشد أبو علي بعد هذا:
ونقفى وليد الحي إن جاء جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع
ع وقد تقدم منسوبا موصولا، وهو لأبي يزيد العقيلي وقبله:
أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى ... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
وأنشد أبو علي لأبي النجم
تعد عانات اللوى من مالها
ع وقبله:
следующие страницы →