Полный текст (291 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
باب ما يجري عليه العدد في تذكيره وتأنيثه
قال أبو محمد " وتقول سار فلان خمس عشرة من بين يوم وليلة " وأنشد للنابغة الجعدي يصف بقرة أخذ الذئب ولدها فطلبته:
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا
يريد فطافت هذه البقرة ثلاثة أيام جؤدرها حين أخذه الذئب ولم يكن عندها من الإنكار إلا أن تشفق وتصيح والإضافة الشفقة أضاف إضافة والجؤار الصوت مع خضوع ويروى أقامت.
باب ما لا ينصرف
أعلم أن أصل الأسماء أن تكون منصرفة وما لا ينصرف منها مشبه بالفعل من وجهين لأن الفعل فرع على الاسم من وجهين فلا يدخله جر ولا تنوين لأنهما لا يدخلان الفعل ويكون جره كنصبه والأسباب التي تمنع الصرف تسعة كلها فروع وثوان لا وائل وهي وزن الفعل والتعريف والانيث اللازم والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث والوصف والعدل والجمع والعجمة والتركيب فكل اسم اجتمع فيه اثنان من هذه أو واحد يقوم مقام اثنين امتنع من الصرف بأن لا يدخله جر ولا تنوين أن تدخله الألف واللام أو الإضافة فإنه حينئذ ينصرف لأنهما من خواص الأسماء فبطل بها شبه الفعل وعاد الاسم بهما إلى أصله ومنهم من يقول انجر ولا يقول انصرف ويقول المقصود بمنع الصرف التنوين لأنه علامة للأخف والجر تابع للتنوين فإذا أمن دخول التنوين دخله الجر فإن احتج على من قال انصرف بحروف الجر أنها تختص بالاسم ولا توجب له الصرف فإن الألف واللام والإضافة أشد اختصاصا بالاسم من حروف الجر من حيث أن المضاف والمضاف إليه كالاسم الواحد ألا ترى أنه يكتسي من المضاف إليه التعريف والتنكير والاستفهام والشرط وأما حرف التعريف فإنه جعل كبعض حروفه بدليل أنه جعل أولا لئلا يتطرق عليه
стр. 177
الحذف وايضا فإنه جعل حرفاً واحداً لئلا يقوم بنفسه وجعل ساكنا ليكون أشد اتصالا بالاسم واجتلبت همزة الوصل لسكونه ويفارق حروف الجر من حيث أنه لا يتعلق بفعل كما تتعلق حروف الجر بالأفعال.
قال أبو محمد " وما كان منها على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن فمنهم من يصرفه ومنهم من لا يصرفه " وأنشد:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغد دعد في العلب
ويروى ولم تسق دعد جمع في هذا البيت بين اللغتين. التلفع أن يشمل الإنسان بالثوب حتى يجلل به جسده وهو استمال الصماء عند العرب والتلفع بالثوب مثله قال:
وهبت الشمال البليل وإذ ... بات كميع الفتاة ملتفعا
والعلبة إناء من جلد بعير كالعس يحتلب فيه والجمع علاب وعلب يقول إنها صغيرة ليست بعد ممن يلتحف ولا يحتاج أن يشرب بالعلب لأنه يرويها الغمر أو نحوه.
" وفي باب ما يكون للذكور والإناث وفيه علم التأنيث " أنشد بيت الأعشى: فلما أضاء الصبح قام مبادرا وقد مر تفسيره.
باب أوصاف المؤنث بغير هاء
أنشد أبو محمد على ملحفة جديد في تأويل مجدودة قول الشاعر:
أبى حبّي سليمي أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقاً جديدا
يبيد يهلك ويفنى وحبلها وصلها وخلقاً بالياً وجديد ههنا بمعنى مجدود أي مقطوع مبتوت.
قال أبو محمد فإذا أرادوا الفعل قالوا طالقة يريد إذا جروه على الفعل ألحقوه علامة التأنيث كما ألحقوها الفعل نحو طلقت فهي طالقة كما تقول
стр. 178
امرأة حامل فإذا أجريته على حملت قلت حاملة قال:
تمخضت المنون له بيوت ... أنى ولكل حاملة تمام
وأنشد الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه
كان الأعشى تزوج امرأة فرغب بها عنه فأتاه قومها يتهددونه بالضرب أو يطلقها فقال أيا جاريتا بيني البيت فقالوا ثنة فقال:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وألا تزال فوق رأسي بارقه
قالوا ثلث فقال:
وبيني حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة فينا كما كنت وامقه
الجارة ههنا المرأة وقوله بيني أي فارقي وقوله غاد وطارقه ذكر غاد على إرادة الجمع وأنت طارقة على إرادة الجماعة يقول كذاك أمور الناس منها ما يغدو أي يأتي غدوة ومنها ما يطرق أي يأتي ليلا والحصان العفيفة وغير ذميمة أي غير مذمومة وموموقة محبوبة وفي لا تزال ضمير العصا وبارقة لائحة وهي خبر لا تزال.
باب الأسماء التي تتفق ألفاظها وتختلف معانيها
قال أبو محمد " والفتاء من السن ممدود " وأنشد للربيع بن ضبع الفزاري:
إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
أخبرنا الشيخ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الجوهري قال حدثنا الحسن بن عليل الغنزي قال حدثنا علي بن الصباح بن الفران الكاتب قال أخبرنا أبو المنذر هشام بن محمد الشائب الكلبي قال سمعت اسحق بن الجصاص وشرقيا وغير واحد يقولون عاش ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك ومالك هو حممة بن سعد بن عدي بن فزارة مائتي سنة فقال:
ألا أبلغ بنيّ ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء
стр. 179
بأني قد كبرت ورق عظمي ... فلا تشغلكم عني النساء
وإن كنايني لنساء صدق ... وما آلى بنيّ ولا أساؤا
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّ ... فسربال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب البشابة والفتاء
ألا لافتتاح الكلام وقوله فأشرار البنين لكم فداء وصفهم بالبر وقوله فلا تشغلكم عني النساء يقول لا يشغلكم عن تفقد أموري وإصلاحها نساؤكم والكنائن جمع كنة وهي امرأة الابن أو الأخ وقوله نساء صدق أي هن نعم النساء وقوله وما آلى بني أي ما أبطؤا ولا قصروا وهو من ألوت يقول ما أبطأ بني عن فعل المكارم وما يجب عليهم من القيام بأمري وإصلاح شأني وقوله إذا كان الشتاء كان ههنا تامة لا اسم لها ولا خبر أي إذا جاء الشتاء فألبسوني ما يدفع عني البرد فالشيخ يؤذيه البرد ويضعفه ويقل حركته والسربال القميص يقول فإذا ذهب البرد وجاء الحر فاكسوني قميصا رقيقا ورداءً وأو هنا بمعنى الواو والبشاشة الهشاشة ويروى اللذاذة والفتاء مصدر لفتى يقال فتى بيّن الفتاء وقوله مائتين عاما كان الوجه أن يقول مائتي عام ولكنه اضطر فأثبت النون ونصب على التمييز.
ومن باب ما يمد ويقصر قال أبو محمد والبكاء يمد ويقصر
وأنشد:
بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
قوله وحقّ لها بكاها أي وجب لها البكاء وهذا عذر لعينه في البكاء ثم رجع على نفسه يلومها فقال وأي شيء يجدي عليها البكاء كما قال الهذلي: ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما وكما قال الأحوص:
فإن يكن البكاء يرد شيئاً ... فقد أعولت لو نفع العويل
стр. 180
كتاب تقوم اللسان
باب الحرفين اللذين يتقاربان في اللفظ والمعنى ويلتبسان
فربما وضع الناس أحدهما موضع الآخر قال أبو محمد " وكبر الشيء معظمه " قال: وقال الله " والذي تولى كبره منهم " وقال قيس بن الخطيم:
كأن لبّاتها تبدّدها ... هزلى جراد أجوافه جلف
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويداً تكاد تنغرف
جمع اللّبة بما حولها وشبّه ما نظم في عقدها بالجراد لأنه يصاغ على صيغة الجراد وتنغرف وتنقصف بمعنى واحد يصف امرأة بالنعمة والرفاهية وقلة العمل وهذا يحسنها وينعم بدنها وقال تنام عن معظم شأنها لأنها كفية تخدم ورويداً معناه برفق ودعةٍ وتنغرف أي تنقطع من نعمتها.
قال أبو محمد " والحرق النار نفسها يقال في حرق الله " قال رؤبة:
تكاد أيدين تهوى في الزهق ... شداً سريعاً مثل أضرم الحرق
يصف الحمر تهوي أي تسقط هوّة والزهق مجاوزة القدر في كل شيء يريد أنهن يمددن أيديهن فوق القدر يقال للفرس إذا جرى مع خيل فتقدمها وسبقها قد انزهق منها والشد العدو الشديد والأضرم الأشعال شبه عدوهن باشتعال النار.
قال أبو محمد " والعرّ قروح تخرج في مشافر الإبل وقوائمها قال النابغة ":
أتوعد عبداً لم يخنك أمانة ... وتترك عبداً ظالما وهو ضالع
وحملتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
يخاطب النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما وشت به بنو قريع وقوله أتوعد أي أتهدد وقوله وتترك عبدا ظالما أي ظالما ربّه في خيانته وتركه لقضاء حقه والضالع الجائر ويروى طالع بالطاء أي معوج عن الحق أخذ من طلع البعير والعر قروح تخرج في مشافر الإبل وأعناقها مثل القوباء وكان أهل الجاهلية
стр. 181
بجهلهم يعترضون بعيرا من الإبل الصحيحة فيكوون مشفره وفخذه وعضده يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب القرح من إبلهم يقول فأنا بريء وغيري السقيم المذنب فحملتني ذنبه وأعفيته ضربه مثلا.
قال أبو محمد " الطعم الطعام والطعم الشهوه " وأنشد لأبي خراش:
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأتنهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يخاطب امرأته أم الأديبر شجاع البطن حية تكون فيه والطعم ما أكل وشجاع البطن في الحقيقة إنما هو لذع الجوع وليس هناك حية وإنما هذا شيء كان يعتقده أهل الجاهلية ويسمونه الصفر وقد أبطله النبي ﷺ في قوله " لا عدوى ولا طيرة ولا صفر " والماء القراح الخالص يقال لكل خالص من ماء أو غيره مما يؤكل ويشرب قراح والمزلج المدفع ويقال لكل ما لا يبالغ فيه مزلج وذا طعم طيبا في فيه وقوله فأنتهي أي أكف نفسي عن الطعام إذا شربت الماء القراح وإذا كان الزاد طيبا في المزلج فأنا أشرب الماء القراح وأوثر أضيافي باللبن. ومثله بيت عروة بن الورد: أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد ويقال زاد ذو طعم إذا كان طيباً.
قال أبو محمد " والحور النقصان " وأنشد لسبيع بن الخطيم التيمي:
لولا الآله ولولا مجد طالبها ... للهو جوها كما نالوا من العير
واستعجلوا عن حثيث المضغ فازدردوا والذم يبقى وزاد القوم في حور أغار بنو صبح على إبل سبيع فاستغاث بزيد الفوارس الضبي عليهم فانتزعها منهم فمدحه يقول لولا الآلة ولولا شرف زيد وكرمه لأخذ هؤلاء القوم إبلي والهوجة ألا يبالغ في انضاج اللحم يريد أكلوا لحمها غير نضيج وابتلعوه من غير مضغ جيد والازدراد الابتلاع يريد الذم يبقى على الأيام والأكل يذهب.
стр. 182
قال أبو محمد " والمروحة الأرض التي تخترق فيها الريح " وأنشد: كأن راكبها غصن بمروحةٍ إذا تدلت به أو شارب ثمل شبه راكب هذه الناقة في تحريكه لسرعتها بغصن شجرة والشجرة في مكان كثير الريح فالغصن لا يستقر يذهب يمينا وشمالا أو برجل سكران يتمايل من السكر وقوله إذا تدلت به يريد إذا هبطت به الناقة من نشاز إلى مطمئن من الأرض وهذا البيت تمثل به عمر بن الخطاب ﵁ وذلك أنه كان في بعض أسفاره على ناقة صعبة قد أتعبته إذ جاءه رجل بناقة قد ريضت وذللت فركبها فمشت به مشياً حسنا فأنشد هذا البيت ثم قال أستغفر الله. قال الأصمعي فلا أدري أتمثل به أم قاله.
باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها
قال أبو محمد " والوكف العيب " قال الشاعر يقال أنه عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
نحن المكيثون حين نحمد بال مكث ونحن المصالت الأنف
الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم وكف
والله لا تزدهي كتيبتنا ... أسد غريف مقيلها الغرف
" ٢ " يحفظون العشيرة أن يصيبهم ما يعابون به ولا يضيعون ما استحفظوا فيلحق العشيرة عيب بذلك والمكيثون المقيمون والمصالت جمع مصلات أراد المصاليت ويقال هو جمع مصلت وهو الماضي المنجرد والأنف جمع آنف وهو الذي يغضب ويأبى أن يضام وتزده تستخف والكتيبة من الجيوش ما جمع فلم ينتشر والغرفجمع غريف والغريف الأجمة يقول لا تستخف كتيبتنا فرسان كأنهم أسد غريف.
باب اختلاف الأبنية في الحرف الواحد لاختلاف المعنى
قال أبو محمد " ورجل طهرٌ إذا اشتكى ظهره مثل فقر إذا اشتكى فقاره " وأنشد لطرفة:
وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون فقر
стр. 183
قوله تلسنني أي تأخذني بلسانها والموهون الضعيف من الكبر وقيل في الفقرانه من قولهم أفقرك الصيد فارمه وفقر إذا تمكن منه الرامي وصف امرأة وقال لا أصبرعلى ما يسوؤني من كلامها لأني شاب كريم يرغب فيه وليس في عيب احتملها لأجله وقد عابوا عليه ذلك وقالوا مخاصم وليس بمحب لأن المحب من شأنه الخضوع لحبيبه أبدا.
قال أبو محمد " فإذا أطعمه الناس فهو تامرٌ قال الحطيئة ":
هلا غضبت لرحل جا رك إذ تنبّده حضاجر
أغررتني وزعمت أن ك لابنٌ بالصيف تامر
يخاطب الزبرقان بن بدر وكان الزبرقان ضمن له أن يحسن جواره فجفته امرأة الزبرقان في غيبته فتحول عنه إلى بني أنف الناقة بن قريع وهجا الزبرقان وهلا تخضيض وحضاجر اسم من أسماء الضبع وهذا بناء غريب جاء على أبنية الجمع وهو للواحد وهذا مثل ضربه لامرأة الزبرقان أي هي في الحمق وتضييعها امره بمنزلة الضبع ويقال إن الضبع احمق الدواب وتنبذه تلقيه وتفرقه ويريد بقوله اغررتني بأنك توسع عليّ التمر واللبن وان عندك منهما ما فيه كفايتي فلم اجد ذلك كما وصفت.
باب المصادر المختلفة عن الصدر الواحد
قال ابو محمد " وأبلاه الله يبليه ابلاء حسنا قال زهير ":
فرحت بما حدثّت عن سيديكم ... كانا امرأين كل شأنهما يعلو
جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ويروى كل امرهما أي فرحت بالحمالة التي حملاها وروى الاصمعي رأى الله بالاحسان أي رأى فعلهما حسنا فأبلاهما أي صنع الله اليهما خير الصنيع الذي يبتلى به عباده والانسان يبلى بالخير والشر فيقول ابلاهما خير ما يبلو به. وقوله " حفيت الدابة حفى إذا رق حافرها وحفى يحفى فهو حافٍ والأول حف " إذا مشى الرجل بلا نعل فهو حافٍ وإذا رقت قدمه فهو حفٍ قال يونس ويتداخلون فيوضع احدهما موضع الآخر قال الرجز: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
стр. 184
باب الافعال
قال أبو محمد " وبدّن الرجل إذا أسنّ وهو رجل بدن " قال الأسود ابن يعفر:
هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الاشيب
هذا استفهام على سبيل التفجع والتوجع لفقد الشباب يقول هل لما مضى مرّد وقوله من مطلب أي من وجه يطلب فيه ثم رجع على نفسه يوبخها ويعاتبها فقال أم ما بكاء البدن الاشيب أي لايحسن بالكبير أن يبكي تحسرا على فقد الشباب.
وقال أبو محمد " زغت الناقة عطفتها قال ذو الرمة ":
كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم
وخافق الرأس فوق الرحل قلت له ... زغ بالزمام وجوز الليل مركوم
قوله كأن رجليه أي رجلا الجندب الذي ذكره في قوله يضحي بها الارفش وهو الجراد رجلا مقطف أي رجلا صاحب بعير قطوفٍ او برذونٍ أو حمار شبه ضرب رجليه على الارض بضرب رجل المقطف بعيره وهو عجل وأراد ببرديه جناحيه وترنيم صوت وخافق الرأس يريد وربّ رجل يخفق رأسه من النعاس وشدة السير ويروى مثل السيف وشبهه بالسيف في مضائه وزغ أي اعطف ويروى زع أي كف وجوز الليل معظمه ووسطه والمركوم الذي تراكمت ظلمته بعضها على بعض يخاطب رفيقه بذلك.
قال أبو محمد " فان قتله عشق النساء أو الجن فليس يقال فيه الا اقتتل قال ذو الرمة ":
اذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسّمن عن نور الاقاحي في الثرى ... وفترن من أبصار مضروجة نجل
حاولن اجتهدن في قتله يعني النساء والاحنة الحقد والذحل الوتر والطائلة وتبسمن جواب إذا والتبسم أول الضحك والنور من الزهر الابيض والاقحوان البابونج ونوره يشبه به الثغر شبه ثغورهن بنوره وفترن أي ضعفن ومضروجة واسعة الضرج أي واسعة شق العين ونجل واسعات العيون ويروى كحل.
قال أبو محمد " تأيّبت بالتشديد والقصر تحسبت " وأنشد للكميت:
قف بالديار وقوف زائر ... وتأيّ انك غير صاغر
стр. 185
يقول صاحبه تلبّث بالوقوف على الديار فلست صاغرا في فعلك ذلك والصاغر الذليل يقال صغر الرجل يصغر صغراً وصغاراً فهو صاغر إذا رضى بالضيم فأقربه. قال أبو محمد " وثغر الرجل فهو مثغور إذا كسر ثغره قال جرير " يهجو عبيد الله بن غاضرة لأنه فضل الفرزدق:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا
مثغور هو عبيد الله بن غاضرة بن عمرو بن قرط العنبري ويروى وقد رأى ثميلة وثميلة عنبري قال السكري وكان من قصة مثغور أن عثمان بن عفان ﵀ استعمل سمرة بن عمر بن قرط على هوافي النعم والهوافي الضوال تهفو تذهب فتقع في إبل الناس وكان لا يخبر في نعم قوم بضالة إلا أخذها فعرّفها فكان من ذهب له بعير أتاه فطلبه عنده فبلغه أن ناقة ضالة في نعم سحيل بن وثيل الرباحي فأتى الإبل وفيها غلمة لسحيم وأم سحيم وسحيم غائب ومعه أعبد له فقال أعرضوا على إبلكم فأبت أم سحيم وهي ليلى بنت شداد أحد بني ثعلبة بن يربوع فقال لها سمرة مري غلمانك يعرضوا على الإبل فأبت عليه فوقع بينها وبينه كلام فأهوى إليها فقالت فمى فمى فأراد العبيد عرضها فأهوت لبعضهم وهي عجوز كبيرة فدفعها فنادت فمى وزعموا أن ثنيتها سقطتا قبل ذلك بزمان فكانتا مصرورتين في خمارها فلما رأى ذلك سمرة انصرف ولم يكن سحيم شاهداً فلما أتاه الخبر أتى على عبيد بن غاضرة ابن سمرة فانتزع تثنيته فكان يدعى مثغوراً فاستعدى سمرة عثمان فرفع سحيم إلى المدينة وحبست إبله حتى ضاعت فشكا ذلك إلى عثمان فقال أبعدك الله ما حملك على ما صنعت قال كسر فم أمي قال فهلا استعديت؟ فحسبه ثم إن بني العنبر اصطلحوا على أن يعقلوا فم صاحبهم وبنو يربوع على أن يعقلوا فم صاحبهم ففعلوا وخلى سبيل سحيم.
وقال أبو محمد " أدين بالفتح آخذ بالدين " وأنشد لسويد بن الصامت الأنصاريّ:
أدين وماديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشم الجلاد القرواح
المغرم الغرم والشم الطوال والجلاد اللواتي تصبر على الجدب والعطش وغيرهما والقراوح جمع قرواح وهي التي انجرد كربها وطالت وجمعها قراويح
стр. 186
بالياء وحذفها ضرورة يخاطب قومه يقول آخذ بالدين ويقضيه عني ثمر نخلى ولا أكلفهم قضاءه.
قال أبو محمد " وأدين بالضم أعطى الدين " قال أبو ذؤيب:
أدان وأنبأه الأولون ... بأن المدان مليّ وفي
أدان إذا باع بيعاً إلى أجل فصار له على الناس دين وأبنأه الأولون أي الناس الأولون يعني المشايخ أن الذي بايعته مليّ وفي فكتب عليه كتاب شبه آثار الدار وقد درست بكتابه هذا الكتاب في قوله عرفت الديار كرقم الدواة. قال أبو محمد " فإذا جاؤا بالباء قالوا أوعدته بالشر " قال العديل بن الفرخ العجلي وكان الحجاج طلبه فهرب منه وهجاه:
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي ورجلي شئنة المناسم
الأداهم القيود الواحد أدهم وشثنة غليظة وأراد بالمناسم هنا باطن رجليه واصابعهما على طريق الاستعارة وإنما المنسم للبعير خاصة بمنزلة الظفر من الإنسان وهذا كما استعار الآخر الحافي للقدم فقال: على البكر يمريه بساق وحافر ورجلي في موضع نصب عظف على ضمير المفعول في أوعدني تقديره وأوعد رجلي بالأداهم فعطف على عاملين كما قال أبو النجم:
أوصيت من برّة قلباً حرا ... بالكلب خيراً والحماة شرّا
ولا يحسن أن يجعل رجلي بدلا من الضمير المنصوب في أوعدني فيكون التقدير أوعد رجلي بالسجن وبالأدهم لأنه لايقال سجن رجله وإنما يقال سجنه وقيد رجله بالسجن للشخص والقيد للرجل والعطف على عاملين قد جاء في القرآن وهو في الشعر كثير.
قال أبو محمد " لاح النجم إذا بدا وألاح إذا تلألأ " قال المتلمس: هجعوا ناموا والهجوع النوم وسهيل هذا الكوكب الذي يراه الناس بالعراق أربعين يوما ومسيره من اليمن ويدوم طلوعه بها ولا يراه أهل الشام ولا خراسان
стр. 187
والضرم دق الحطب الذي يسرع اشتعاله الواحدة ضرمة ومقبوس مشعل والقبس النار.
قال أبو محمد " جزت الموضع وأجزته قطعته وخلفته قال امرؤ القيس ":
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفافعقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
الساحة والباحة والفجوة والعروة كلها عرصة الدار ورحبتها وانتحى اعترض والخبت بطن من الأرض ويروى بطن حقف وهو ما اعوج من الرمل وانثنى وجمعه أحقاف والعقنقل المتعقد الداخل بعضه في بعض وجواب لما هصرت بفودي رأسها وقال بعضهم الجواب قوله وانتحى بنا والواو مقحمة ويجوز أن تكون الواو غير مقحمة ويكون الجواب محذوفا يكون التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أمنا ويكون رواية البيت الذي بعده على هذا:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت وهصرت جذبت وثنيت والفودان جانبا الرأس والكشح ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك والمخلخل موضع الخلخال يصف دقة خصرها وعبالة ساقيها وهضيم الكشح منصوب على الحال وكذلك ريّا المخلخل ومن روى إذا قلت هاتي نوليني فمعنى التنويل التقبيل ويكون إذا ظرف تمايلت وهو الجواب وهضيم عند الكوفيين بمعنى مهضمومة فلذلك كان بلا هاء وعند سيبويه على النسب وريّا فعلى من الري وهو انتهاء شرب العطشان ومعنى البيت أنه إذا قال لها نوليني تمايلت عليه ملتزمة له.
قال أبو محمد " أشررت الشيء أظهرته " قال كعب بن جعل في يوم صفين:
وقد صبرت حول ابن عم محمد ... لدى الموت شهباء المناكب شارف
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم ... وحتى أشرّت بالأكف المصاحف
يمدح عليّاً ﵇ لأن عامتهم كانوا ربيعة وكعب تغلبي وتغلب من ربيعة وليس مدحاً لأهل الشام ولدى بمعنى عند وشهباء كتيبة الشهبة بياض يصدعه
стр. 188
سواد وجعلها شهباء لما فيها من بياض السلاح في حال السواد والمنكب من كل شيء مجمع عظم العضد والكتف وحبل العاتق من الإنسان والطائر وكل شيء وأراد بالمناكب النواحي والشارف الناقة المسنة واستعاره للكتيبة. ما برحوا يعني أصحاب علي وصبروا حتى رأى الله صبرهم وحتى أظهر أهل الشام المصاحف ودعوا إلى التحكيم والقصة معروفة. قال أبو محمد " بعضهم يجيز نصف النهار ينصف إذا انتصف " وأنشد للمسيب بن علسٍ:
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدي
أراد انتصف النهار والماء غامره لم يخرج منه ذكر غائصا أنه غاص وانتصف النهار ولم يخرج من الماء وشريك الغواص ما يدري ما يلقى الغواص من الشدة والجهد في طلب الدرة التي غاص من أجلها والماء مبتدأ وغامره خبره والجملة في موضع الحال وإذا كانت الجملة حالا كان فيها عائد إلى ذي الحال فإن لم يكن فيها عائد لم يكن من الواو بدّ لتسد مسد العائد.
قال أبو محمد " أجمع فلان أمره فهو مجمع إذا عزم عليه " قال الشاعر:
نهلّ ونسعى بالمصابيح وسطها ... لها أمر حزم لا يفرّق مجمع
المصابيح هنا جمع مصباح وهو إناء يسقى فيه الصبوح شرب الغداة يقول نسعى على الضيفان بهذه الآنية نسقيهم فيها اللبن وقوله لها أمر حزم يعني للمرأة التي هي أمّ مثواهم أي لها جودة رأي غير منتشر ولا متفرق لأنها أشارت بمذق اللبن لقصوره عن كفاية الضيفان لأنه يقول في البيت الذي بعده:
نمدّ لهم الماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما ضاق شيء يوسع
باب ما يكون مهموزاً بمعنى وغير مهموز بمعنى آخر
قال أبو محمد " ونكيت في العدو أنكى نكايةً قال أبو النجم ".
ننكي العدى ونكرم الأضيافا.
ننكي العدى أي نوقع بهم ونبالغ في عقوبتهم والأضياف جمع ضيف وفعلٌ لا يجمع في القلة على أفعال إلا إذا كانت عينه معتلة فلذلك جمع على أفعال وسمي النازل على القوم ضيفا لأنه مال إلى من نزل عليه والإضافة الإمالة.
стр. 189
باب ما يهمز من الأسماء والأفعال والعوام تبدل الهمزة فيه أو تسقطها
قال أبو محمد " وهي الكمألأة بالهمز والواحدة كمء " هذه الكلمة جاءت شاذة لأن القياس أن يكون الواحد بالهاء واسم الجنس بغير هاء كتمرة وتمر وحبة وحب وشعيرة وشعير فجاءت هذه الكلمة مخالفة للقياس قال يونس هذا كمء لواحد الكمأة مذكر فإذا أرادوا جمعه قالوا هذه كمأة قال أبو زيد قال منتجع بن نبهان كمء واحدو كمأة الجمع وقال أبو خيرة كمأة للواحد وكمء للجمع وهذا القول على القياس إلا أن الأكثر بخلافة قال رؤبة كمء وكمأة كما قال منتجع.
قال أبو محمد " أزللت إليه زلة ولا يقال زللت " قال كثير:
وإني وإن صدّت لمثنٍ وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلت
يقول أنا معترف بما أحسنت إلي واصطنعته عندي من الجميل لا أكفره وإن أعرضت عني وهجرتني وقد اعترض الشرط بين اسم أن وخبرها فسد خبرها مسد الجواب.
باب ما لا يهمز والعوام تهمزه
قال أبو محمد " هزلت الدابة وعلفتها " وأنشد:
إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب
هذا الشعر لمالك أو الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دوران بن أسد بن خزيمة وقبل هذا البيت:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
تبدلت من دوران قسراً وأرضها ... فما ظفرت كفّي ولا طاب مشربي
إذا كنت البيت. واسم دوران سالم ولقب دوران لأنه كان يقول لقومه كل يوم قد آن حلول الديدان في الأبدان فاتركوا اللهو والزموا الجد فقد أبادت الدنيا الأمم والآباء وستفنى الباقين والأنباء. كان هذا الشاعر فارق قومه وتحول إلى قشرٍ وقشر من قبائل اليمن فلم يحمد جوارهم وظلموه فأوصى ابنه وقال له إذا كنت في قوم
стр. 190
غرباء لست منهم فاحتمل منهم المكروه فإنك إن حاولت أن تنتصف منهم لم تجد معينا وقوله لرهط المرء خير بقية يقول إن ظلموه فظلمهم دون ظلم غيرهم والمجرب الذي قد خبر الأمور وعرفها. قال أبو محمد " زكنت الأمر ازكنه أي علمته وأزكنت فلانا أي أعلمته وليس هو في معنى الظن " وأنشد للغطفاني.
زكنت منهم على مثل الذي زكنوا.
وقد مضى تفسيره. قال أبو محمد " ما نجع فيه القول قال الأعشى " يمدح هوذة بن علي الحنفي:
سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلّهم ضرعا
وسط المشقر في عشواء مظلمة ... لا يستطيعون بعد الضر منتفعا
لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا
الصفق والصفقة في البيع والبيعة ضرب اليد على اليد للأيجاب وضرع إذا ذلّ وخشع هنأ ومرأ والسلوى طير بيض مثل السمانى الواحدة سلواة والمنّ الترنجبين يقول لو أطعموا في مكانهم من المشقر المن والسلوى ما نفعهم ولا كان هبيئاً ولا مريئاً وذلك أن بني تميم أغاروا على لطيمة كسرى فوجه إلى عامله المكعبر بهجر أن يكفيه إياهم فأمهل حتى أدرك النخل وحضر بنو تميم للشراء والميرة فقسم فيهم صعاما وقال إن الملك أمرني أنأقسم فيمن كان ههنا من بني تميم فأدخلوا فجعل يدخلهم الصفا والمشقر رجلا رجلاً فيأخذ سلاحه ثم يقتله وكان هوذة بن علي يوم الصفقة بهجر وكانت الملوك تدنيه وتوجهه فشفع لسرى بني تميم فأطلق له عن مائة منهم وكان نصرانياً فأطعمهم السوبق والبسر في الجفان حتى إذا كان يوم الفصح كساهم ثوبين ثم أطلقهم فمدحه الأعشى بهذا الشعر. قال أبو محمد " ورعد لي بالقول وبرق قال ابن أحمر ":
قالت له يوماً ببطن سبوحة ... في موكب زجل الهواجر مبرد
يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وارعد
بطن سبوحة من وراء بستان ابن معمر من وراء جبل يقول كانت تواصله وهي مجاورته فلما أبردوا بالرواح قالت له يا هذا جل ما بعدت بلادنا عليك أي عظم بعد بلادنا عليك فليكن مقامك وخيرك وشرك ببلادك ولا تأتنا وقوله زجل الهواجر أراد غناء حداتهم في ذلك الوقت أن الحداة كفوهم وأنزلوهم حتى أبردوا وارتحلوا
стр. 191
فزجلهم صياح حداتهم في أنزالهم. قال أبو محمد " وبعضهم يجيز أرعد وأبرق ببيت الكميت ":
أرعد وأبرق يا يزي د فما وعيدك لي بضائر
عنى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري وكان خالد حبس الكميت وكتب في أمره إلى هشام بن عبد الملك وذكر أنه هجا بني أمية فكتب هشام إلى خالد أن اقطع يده ورجليه وأصلبه فلمابلغ الكميت ذلك هرب من السجن في زي امرأة ومدح مسلمة بن عبد الملك واستجار به وهجا خالدا ويزيد ابنه.
باب ما يشدد والعوام تخفقه
قال أبو محمد " الفلّو مشدد الواو قال دكين " ابن رجاء الفقيمي:
كأنه لما تدانى مقربه ... وانقطعت أو ذامه وكربه
وجاءت الخيل جميعا تذنبه ... شيطان جن في هواء يوقبه
أذنب فانقض عليه كوكبه ... كان لنا وهو فلوّ نرببه
المقرب سير القارب وهو طالب الماء والوذم سير يشد به عروة الدلو والكرب ان يعقد الحبل على العراقي ثم يثني ثم يثلث شبهه في سرعته بدلو انقطعت من رشائها فسقطت كما قال زهير.
هويّ الدلو يسلمها الرشاء وقوله تذنبه تتلوه وتتبعه يقال ذنبت الشيء أي تلوته. ويوقبه يدخله وأذنب أجرم وانقض النجم هوى وشبه سرعة مرّة بسرعة انقضاض النجم كما قال ذو الرمة.
كأنه كوكب في أثر عفرية والفلّو المهر وقد فلوناه فطمناه ونربيه أي نربيه ونصلحه.
قال أبو محمد " وهي الأترّجة والأترّج أبو زيد يحكي ترنجة وترنج " وأنشد لعلقمة بن عبدة بيتا قبله:
رد القيان جمال الحي فاحتملوا فكلها بالتزيديات معكوم
стр. 192
عقلا ورقما تظلّ الطير تخطفه ... كأنه من دم الأجواف مدموم
يحملن أترّجة نضج العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
خص الجمال لأنهن كانوا يحملون النساء عليها لشدتها وذلها والتزيديات ضرب من البرود فيها خطوط حمرٌ نسبت إلى قبيلة يقال لها تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة كانوا حاكة نسبت البرود إليها قاله أبو عمرو ويقال تزيد بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقيل التزيديات الهوادج يجاء بها من شقّ بلاد قضاعة وقوله عقلا ورقما أي عكمت بالعقل والرقم وهما ضربان من الوشي فيهما حمرة وقال الأصمعي العقل خيط يعقل بخيط آخر يدخل فيه من تحته ثم يرفع على خيط وانتصب عقلا على أنه مفعول معكوم على حذف حرف الجر وإنما قال تظل الطير تتبعه يريد انه يخيّل إليها أنه لحم كما قال طفيل.
تظل الطير تتبع زهوه.
والمدموم المطلى بالدم وقوله تخطفه أي تسلبه تحسبه لحما من حمرته وقوله يحملن أترجّةً كنى بالأترجة عن المرأة وشبه طيبها بها والتطيات مصدر كالترماء والتّصعاق والتقدير كأن طيبها في الأنف عبير شموم أو مسك مشموم والعبير أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران.
قال أبو محمد " والقبّرة والقبّر " وأنشد لكليب بن ربيعة التغلبي:
يا لك من قبرّةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري خرج كليب يدور في حماه فإذا هو بحمرة على بيض لها فلما نظرت إليه صرصرت وخفقت بجناحيها فقال أمن روعك أنت وبيضك في ذمتي ثم دخلت ناقة البسوس الحمى فكسرت البيض فرماها كليب في ضرعها فكان هذا سبب الحرب بين بكر وتغلب ولها حديث يطول ذكره والمعمر المنزل الذي تعمره ويقال كنت بمعمر صدق أي بمنزل صدق ويقال أول من قال ذلك طرفة بن العبد وهو يومئذ صبي وذلك أن عمرا قفل من أرضه إلى سواها وحمل الغلام معه فلما نزلوا
стр. 193
ذهب طرفة بفخ له ونصبه للقنابر وقعد عليها عامة يومه فجعلن يحدن عن الفخ وينقرن ما حوله ثم انتزع فخه من التراب ورجع إلى عمر وأصحابه فلما تحملوا وركبوا جعلت القنابر يلتقطن ذلك الحب الذي ألقاه لهن فرآهن فقال عند ذلك هذه الأبيات وبعدها.
لا بد من أخذك يوماً فاصبري.
قال أبو محمد " وهي القوصرة " وأنشد:
أفلح من كانت له قوصرّة ... يأكل منها كل يوم مرة
معنى قوله أفلح أي فاز بالعيش والنعمة وأصل الفلح والفلاح البقاء ويقال لكل من أصاب خيرا مفلح والقوصرّة وعاء من قصب يكنز فيه النمر وربما خففت وهو ههنا كناية عن المرأة كما يكنى عنها بالقارورة ومثله: أفلح من كانت له مزّخه.
وهي مفعلة من الزخ وهو النكاح.
وقول الأصمعي عنست المرأة إذا كبرت ولم تزوج فهي معنّسة ولا يقال عنست قال يوسف بن أبي سعيد هذا على أنهما قد رواهما في قول الهذلي.
حتى أتت أشمط عانس.
وفي قول الآخر: والعانسون ومنا المراد والشيب.
وفي قول الأعشى.
والبيض قد عنست.
ومن باب ما جاء خفيفا والعامة تشدده
قال أبو محمد عنبٌ ملاحيّ مخففة اللام من الملحة وهو البياض وأنشد الأصمعي.
ومن تعاجب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحيّ وغربيب
стр. 194
التعاجيب لا واحد لها من لفظها إنما هي أعجوبة وأعاجيب وغاطية عالية والملاحي الأبيض والغربيب الأسود يصف كرمة.
باب ما جاء محركا والعامة تسكنه
قال أبو محمد وطلعت الزّهرة للنجم قال الشاعر أنشده أبو زيد في نوادره:
قد وكلتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهرة
قال أبو زيد زعموا أن امرأة أمرت زوجها بالسمسرة فقال لها ويلك إني أخاف أن أوضع ثم ذهب إلى السوق فخسر عشرة فقال:
قد أمرتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهرة
فكان ما ربحت وسط الغيثرة ... وفي الرخام أن وضعت عشره
طلة الرجل امرأته وكذلك عرسه وحليلته وحنته وزوجه وزوجته وجارته والسمسار القيم بالأمر الحافظ له والمصدر السمسرة وفي الحديث كنا نسمى السماسرة بالمدينة فسمانا رسول الله ﷺ التجار وقال الأعشى:
فأصبحت لا أستطيع الكلام ... سوى أن أكلم سمسارها
والغثيرة الجماعات من الناس المختلطون.
قال أبو محمد " وهو سلف الرجل قال أوس ":
والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لأبيه ضيزن سلف
يهجو بني مالك بن ضبيعة والفارسية عنى بها الملة الفارسية أي المجوسية والضيزن الذي يزاحم أباه في امرأته وقوله سلف يقول الرجل منهم يأتي أمه وخالته فهو ضيزن لأبيه بالأم وسلف له بالخالة ويروى والفارسية فيكم غير منكرة يخاطبهم بذلك والسلف زوج أخت امرأة الرجل يقال هو سلفه وظأمه وظأبه.
стр. 195
باب ما جاء بالصاد وهم يقولونه بالسين
قال أبو محمد " فأما السفح الذي ذكره الأعشى في قوله ":
حل أهلي بطن الغميس فبادو ... لى وحلت علوية بالسخال
ترتعي السفح والكثيب فذاقا ... وفروض القطا فذات الرئال
يقول حل قومي يقول فارقت جبيرة فحللت مع قومي ببطن الغميس وهو قريب من الكوفة وبادو لي بسواد العراق وحلت علوية أي حلت جبيرة وأهلها بالعالية والعالية ما جاوز الرمة إلى مكة وقال ابن الأعرابي علوية مرتفعة والعالية مكة والمدينة وألواذها وما قرب منها والسخال من أرض العالية وهي هضاب صغار متقارب بعضها من بعض في أرض مستوية إذا نظر إليها الناظر ظنها سبخا لا ترعى حتى يقرب منها فحيئذ يعلم أنها هضاب صغار وقوله ترتعي لا يريد جبيرة وإنما يريد القبيلة أي ترعى إبلهم السفح سفح الجبل وهو خضيضه من أصله حيث يسفح الماء من الجبل عليه إذا كثرت الأمطار والسفح ههنا موضع معروف والكثيبما علا من الرمل وارتفع وهو هنا موضع بعينه وذوقار موضع كانت فيه حروب بين الفرس وبكر بن وائل وروض القطا رياض يتصل بعضها ببعض والقطا يبيض فيها ويأويها فلذلك نسبت إليه وذات الرئال مفاوز متصل بعضها ببعض يكون فيها النعام لقلة مائها والنعام لا يريد الماء والرئال فراخ النعام يقال رالٌ وأرآلٌ وأرالٌ فإذا كثرت فهي الرئال.
باب ما جاء مكسور والعامة تفتحه
السرادب والدهليز أعجميان معربان وليس في الكلام فعلال إلا في المضاعف نحو القلقال والزلزال. والأنفخة فيها ثلاث لغات إنفخة بالتخفيف وإنفحّة بالتشديد ومنفخة بكسر الميم وتخفيف الحاء وفتح الميم خطأ والإطربة عجين يرقق ويقطع صغاراً ويطبخ بلحم وقال الليث هو طعام يتخذه أهل الشام.
قال أبو محمد " طعام مدود وتمر مسوس " قال:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مدّوداً مسوسا حجريّا
стр. 196
هو زرارة بن صعب بن دهر وذلك أن امرأة عامرية خرجت في سفرٍ يمتارون من اليمامة فلما امتاروا وصدروا جعل زرارة يأخذه بطنه فيتخلف خلف القوم فقالت العامرية:
لقد رأيت رجلا دهريا ... يمشي وراء القوم سيتهيا
كأنه مضطغنٌ صبيا دهري منسوب إلى بني دهر بطن من بني كلاب ومضطغن طبيا أي كأن على بطنه صبيا من عظمه فأجابها زرارة:
قد أطمعتني دقلا حوليا ... نفاية مسوسا حجريا
قد كنت تفرين به الفريا الدقل أردأ التمر وما لم يكن من التمر ألوانا فهو دقلٌ والحولي الذي أتى عليه حول وقوله: تفرين به الفريا أي كنت تكثرين فيه القول وتعظيمه والفري العجب.
وقوله " ثوب مزابر ودرهم مزابق " كان الوجه أن يقال مزابر ومزابق بفتح الباء لأنه في معنى المفعول ولكنه جاء على لفظ الفاعل لأن ذلك قد ظهر فيه. والسمك القريب القريب العهد بالتلميح. والنرسيان ضرب من التمر جيد والعرب تضرب الزبد بالنرسيان مثلا فيما يستطاب وهذه الكلمة غير عربية ولا تجتمع النون والراء والسين في كلمة عربية.
باب ما جاء مفتوحا والعامة تضمه
أنشد أبو محمد على التخوم لأبي قيس صرمة بن أبي أنس ﵀:
يا بني الأرحام لا تقطعوها ... وصلوها قصيرة من طوال
يا بني التخوم لا تظلموها ... إن ظلم التخوم ذو عقال
كان أبو قيس من بني النجار وكان قد ترهب ولبس المسوح وفارق الأوثان وهمّ بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا فاتخذه مسجدا لا يدخله طامث ولا جنب وقال اعبد رب إبراهيم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم
стр. 197
وحسن إسلامه والعقال داء لا دواء له والنجوم تروى بضم التاء وفتحها فمن رواها مضمومة فهو جمع تخم مثل فلس وفلوس ومن فتح التاء جعله واحداً وجمعه على جمع النعت مثل غفور وغفر وصبور وصبر يقول لبنيه يا بني لا تتعدوا حدودكم فتأخذوا من الأرض ما ليس لكم فإن عقوبة ذلك تتعلق بكم فلا تفارقكم وهذا على طريق المثل. والروشم سكة الدراهم والدنانير والذي يرشم به الطعام وغيره يقال بالشين والسين قال: دنانير شيفت من هرقل بروسم وقال الأعشى: وصلى على دنها وارتشم قال وهو النشوط والشبوط فالنشوط كلام عراقي وهو سمك يمقر في ماء وملح وانتشطت السمكة إذا قشرتها. والشبّوط ضرب من السمك دقيق الذنب عريض الوسط لين الممس صغير الرأس وفيه لغة أخرى شبوط بضم الشين ورأيت في كتاب أبي حاتم هو السبوط والشبوط. ودوارة الرأس الشعر المستدير في وسطه ومنه قولهم فلان لا تقشعر دوائره. مزربان الزأرة المزربان الرئيس والزأرة اسم موضع.
وفي باب ما جاء مكسورا والعامة تضمه قال أبو محمد " يقال دابة قماص ولا يقال قماص " سيبويه يقول قماص والعيوب تأتي كثيرا على فعال بكسر الفاء نحو النفار والشماس والضراج والأدواء تأتي على فعال بضم الفاء مثل القلاب والخمال والنحاز والدكاع.
باب ما جاء على يفعل مما يغير
قال أبو محمد " هررت الحرب أهرها قال عنترة ":
حلفت لهم والخيل تردى بنامعا ... نزايلكم حتى تهرّوا العواليا
الرديان ضرب من السير أي تعدو بنا وبهم جميعا وقوله نزاولكم أي لا نزايلكم فحذف لا للعلم بها قال الله " تالله تفتؤ تذكر يوسف " أي لا تفتأ
стр. 198
والعوالي الرماح وتهرّوا تكرهوا أي نزاولكم حتى تكرهوا الحرب وتسأموها. وفي باب ما جاء على يفعل مما يغير قال أبو محمد " وقصت عنقه توقص " هذا قد رد عليه والصواب وقص على ما لم يسم فاعله ووقصت عنقه ولكنه قد جاء وقصت عنقه ووقصت ورجل او قص قال ابن مقبل: فبعثتها تقص المقاصر
باب ما جاء على لفظ ما لم يسم فاعله
قال أبو محمد " وعنيت فأنا أعنى به ولا يقال عنيت قال الحارث بن حلزة ":
وأتانا عن الأراقم أنبأء وخطبٌ نعني به ونساء
إن أخواننا الأراقم يغلو ن علينا في قيلهم أحفاء
الأراقم أحياء من بني تغلب وبكر بم وائل وأنباء جمع نبأ وهو الخبر والخطب الأمر العظيم وقوله نعنى به فيه قولان أحدهما نتهم ونظنّ به أي يعنوننا به والآخر أن يكون من العناية أي نهتم به كما يقال عنيت بحاجتك أعني بها. ونساء فيه قولان أيضا يساء بنافيه الظّن والآخر نساء نحن له أنفسنا لاهتمامنا بهذا الخطب. وقوله إن اخواننا يروى بفتح أن وكسرها فمن فتح فموضعها رفع على البدل من قوله أنباء ومن كسرها ابتدأها ويغلون يرتفعون في القول علينا ويظلموننا ويحملوننا ذنب غيرنا وأصل الغلو في اللغة الزيادة والارتفاع وأحفاء يحتمل وجهين إحداهما أن يكون معناه الاستقصاء من قولك أحفيت شعري إذا استقصيت أخذه كأنهم استقصوا علينا ونقضوا العهد والآخر أن يكون من أحفيت الدابة إذا كلفتها ما لا تطيق حتى تحفى فيكون معناه ألزمونا ما لا نطيق. قال أبو محمد " نتجت الناقة ولا يقال نتجت ولكن يقال نتجت ناقتي " قال الكميت:
إذا طرّق الأمر بالمفلفات ... يتناً وضاق به المهبل
وقال المذمر للنتاجين ... متى ذمرت قبلي الأرجل
طرّق ضاق يقال طرّقت القطاة إذا عسر عليها خروج بيضها وكذلك الناقة إذا
стр. 199
عسر عليها خروج ولدها فضربه مثلا للأمر الذي يضيق بالناس فلا يجدون منه مخرجا والمفلفات الدواهي والفلق الداهية واليتن أن تخرج رجلا المولود قبل يديه يضرب مثلا لانقلاب الأمر والمهبل أقصى الرحم وقيل موضع الولد من الرحم قال الهذلي.
خطّ له ذلك في المهبل.
وقيل هو البهو بين الوركين حيث يجثم الولد وقبل ما بين الغلقين أحدهما فم الرحم والآخر موضع العذرة والمذمر الذي يدخل يده في حياء الناقة لينظر أذكر جنينها أم أنثى وهو أن يلمس مذمرة فإن كان غليظا علم أنه ذكر وإن لم يكن غليظا علم أنه أنثى والمذّمر العنق والكاهلوما حوله إلى الذفري وهو العظم الناشز وراء الأذن هذا مثل ضربه لانقلاب الأمر وجواب إذا في قوله بعد فنفسي فداؤهم في الحروب.
باب ما ينقص منه ويزاد فيه ويبدل بعض حروفه بغيره
قال أبو محمد " شتان ما هما بنصب النون ولا يقال ما بينهما قال الأعشى ":
وقد أسلّي الهمّ حين اعترى ... بجسرة دوسرة عاقر
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
الجسرة العظيمة من النوق والدوسرة مثلها والعاقر التي لم تحمل وذلك أصلب لها يقول أسلى الهمّ بركوب ناقة هذه صفتها ثم قال شتان ما يومي على كورها والكور الرجل بأداته وحيان رجل من بني حنفيه كان ينادم الأعشى وله أخ يقال له جابر يقول أن يومي في الرحيل والركوب على كور هذه الناقة ليس مثل يومي مع حيان وشربنا وتنعيمنا أي هذا مفترق وحيّان كان خليلا للأعشى ولم يكن جابر مثله فغضب لما ضمه الأعشى إليه ولم ينادمه فاعتذر إليه بالقافية.
قال أبو محمد " وليس قول من قال لشتان ما بين اليزيدين بحجة " وأنشد لربيعة الرقي ويكنى أبا أسامة.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
стр. 200
اليزيدان يزيد بن حاتم المهبلي وهو الممدوح ويزيد بن أسيد وكان المنصور قد عقد ليزيد بن أسيد على ديار مضروعقد ليزيد بن حاتم على ديار إفريقية وسارا معا فكان يزيد بن حاتم يمون الكتيبتين جميعا أصحابه وأصحاب يزيد بن أسيد وقال ربيعة أيضا فيهما:
يزيد الخير أن يزيد قومي ... سميك لا يجود كما تجود
يقود كتيبة وتقود أخرى ... فترزق من تقود ومن يقود
وقال يزيد قومي لأنه كان مولى بني سليم ويزيد بن أسيد سلمى وربيعة الرقي لا يستشهد بشعره وكان ربيعة مدح يزيد بن حاتم فأنح له ولم يكفه فكتب إليه.
أراني ولا كفر إن الله راجعا ... بخفّي حنين من يزيد بن حاتم
فدعاه وحشا خفيه دنانير وأمر له بغلمان وجوار وكسى فقال لشتان ما بين البيتين. وشتان مصروفة عن شتت والفتحة في النون هي الفتحة في التاء والفتحة تدل على أنه مصروف عن الفعل الماضي وقيل هـ يكسبحان من التسبيح اسم المصدر. قال ابو محمد " ويقال سمكٌ مليحٌ ولا يقال مالحٌ وقد قال غدافر وليس بحجة " وعذافر فقيميٌّ.
لو شاء ربي لم أكن كريا ... ولم أسق بشعفر المطيا
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
وجيد البرّ لها مقليّا ... حتى نتت سرتها نتيّا
وفعلت ثنتها فريّا عذافر هذا من بني فقيم وكان يكري إبله إلى مكة وأكرى معه رجل من بني حنفة من أهل البصرة بعيراً يركبه هو وزوجته وكان اسمها شعفر وكان الحنفي وزوجته سمينين فنزل الفقيميّ يزجر بهما فقال هذه الأبيات والمطي جمع مطية وهي الناقة وقد مضى اشتقاقها والمقلي المشوي على المقلى ونتت أصله نتأت وأبدل الهمزة ألفا وحذفها رلتقاء الساكنين ونتياً أراد نتوءاً فقلب الهمزة ياء وقبلها واو ساكنة فقلبت واو ساكنة فقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء والثنة ما بين السّرّة والعانة
стр. 201
وهي مراق البطن والفريّ العجب. وقد جاء المالح في شعر من قوله حجة وهو جرير قال يهجو آل المهلب:
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا مالحا من كنعد جدفوا
الصير الصحناة والكنعد ضرب من السمك يريد كانوا ملاحين.
وقال أبو محمد " يقال فاظ الميت يفيظ فيظاً ويفوظ فوظاً كذاروه الأصمعي وأنشد لرؤبة ".
والأسد أمسى شلوهم لفاظا ... لا يدفنون منهم من فاظا
يمدح بني تميم ويهجو ربيعة والأسد وكانا متخالفين على مضر ويذكر من قتلت مضر من ربيعة والأسد في الحروب التي كانت بينهم في المربد وهي واقعة مشهورة والأسد لغة في الأزد والشلو الجسد واللفاظ الملفوظ يقول لا يدفنون قتلاهم لكثرتهم.
قال أبو محمد " ولا يقال فاظت نفسه ولا فاضت إنما يفيض الماء وأنشد الأصمعي ":
كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ربطةٍ وبرود
كاد من أفعال المقاربة وهي تستعمل بغير أن يقال كاد فلان يفعل معناه قارب الفعل ولم يفعل لأن مقاربة الفعل تمنع من ذخول أن من حيث أن أن للاستقبال ولكن كاد تشبّه بعسى كما تشبه عسى بكاد وثوى أقام والريطة الملاءة والبرود جمع بردٍ.
قال أبو محمد " قولهم ياما صّان خطأ إنما هو يامصّان ويامصّانة " وأنشد بيتا لزياد الأعجم يهجو خالد بن عتاب بن ورقاء وقبله:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... أبظراء أم مخنونة أم خالد
فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما ختنت إلا ومصّان قاعد
يقول أنا في شك أمختونة هي أم لا ثم قال وإن كنت أعلم أنها كذلك فإن
стр. 202
كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعني بمصان ابنها ويروى ختنت وخفضت ووضعت وبضعت وهي بمعنى واحد. ويقال رجل مصّانٌ وماص ولا يقال ماصان.
قال أبو محمج " هو أخوه بلبان أمه ولا يقال بلبن أمه " قوله ولا يقال بلبن أمه قد يقال في الناس لبن ولبان ولا يقال لبان في غير الناس والأكثر في الناس اللبان وجاء في الحديث في لبن الفحل أنه يحرّم ولم يرو لبان الفحل وهو أن يكون للرجل امرأة ترضع فكل من أرضعته بلبنه فهم ولد زوجها محرمون عليه وعلى ولده من ولد تلك المرأة ومن ولد غيرها لأنه ابوهم جميعا وفي حديث آخر أن خديجة بكت فقال لها النبي ﷺ " ما يبكيك " فقالت درت لبنة القاسم. وأنشد أبو محمد للأعشى يمدح المحلق من بني بكر بن كلاب واسمه عبد العزيز وإنما سمّي المحلق لأن فرسه كدمه فصار اثر ذلك كالحلقة.
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلّق
رضيعي لبان ثدي أن تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
لعمري أقسم ببقائه ولاحت نظرت واليفاع المشرف وقوله وبات على النار يقول بات على هذه النار الجود والمحلق لأن الجود ضجيع المحلق لا يفارقه وقوله رضيعي لبانٍ يريد أنهما أخوان وأمهما واحدة وهذا على طريق المثل وقوله تقاسما يريد تحالفا ألا يفارق أحدهما صاحبه وقوله بأسحم داج قيل هو الرماد يقول تحالفاعند الرماد وهو صنيع الفرس وإلا سحم الأسود الداجي الشديد السواد وقيل بأسحم داج يعني الليل أي تحالفا بالليل وقيل هو الرحم وذلك أن الندى حالف المحلق في الرحم قبل ولادته وقيل هو الدم وذلك أن العرب إذا تحالفت غمست أيديها في الدم وعوض من أسماء الدهر وهو مبني على الضم والفتح والكسر يقول لا نتفرق ابدا. وأنشد ابو محمد لأبي الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنيا لمكانها
فالا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
يخاطب مولى له كان يحمل تجارة إلى الأهواز وكان إذا مضى إليها يتناول شيئاً من الشراب فاضطرب أمر البضاعة فقال أبو الأسود هذه الأبيات ينهاه عن
стр. 203
شرب الخمر ويقول إنّ الزبيب يقوم مقامها فإن لم تكن الخمر نفسها من الزبيب فهي أخته اغتديا من شجرة واحدة وقيل أنه عني بقوله أخوها الطلاء.
قال أبو محمد " ويقال جاء بالضج والريح أي جاء بما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح ولا يقال الضيح " وأنشد لذي الرمة بيتا قبله:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى ينتصر
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضج واستقباله الشمس أخضر
قوله يظل بها أي يقيم بالصحاري نهاره والحرباء دويبة على خلقة العظاءة أكبر منها شيئا يستقبل الشمس في الظهائر ويدور معها والماثل المنتصب والجذل أصل الشجرة وأراد الشجرة هنا ولم يرد أصلها أي كأنه يصلّي إلا أنه لا يكبر وقوله إذا حول الظل يقول إذا زالت الشمس استقبل قبلة المشرق والحنيف المسلم وربما قال حنيفا لأنه تلك الساعة بالعشية مستقبل القبلة وهو في حد الضحى أي في وقت الضحى مخالف للقبلة فإنما ينتصر من ذا يدور مع عين الشمس كيف ما دارت وقرن الضحى حاجبها وناحيتها وقوله أكهب الأعلى الكهبة غبرة إلى السواد ويروى أصفر الأعلى وهو هكذا يصفر على الشمس ويخضر والضح الشمس قال أبو محمد " قال أبو زيد هما خصيان إذا ثنيا فإذا أفردت الواحدة قلت هذه خصية وهما أليان فإذا أفردت قلت ألية " وأنشد:
قد حلفت بالله لا أحبه ... إن طال خصياه وقصر زّبه
يقول أقسمت امرأة هذا الرجل بالله أنها لا تحبه لكبره ومن عادة الكبير إن يسترخي صفنه فتطول خصياه ويتشنج ذكره فيقصر وقصّر تخفيف قصر وكل ما كان على فعل أو فعل يجوز تخفيفه.
وأنشد أبو محمد ايضاً بيتاً قبله:
كأنما عطية بن كعب ... ظعينة زاقفة في ركب
ترتج ألياه ارتجاج الوطب الظعينة المرأة شبه عجزه بعجز المرأة والركب أصحاب الإبل والارتجاج
стр. 204
الاضطراب والوطب سقاء اللبن. قال أبو محمد " يقال هو مني مدى البصر ولا يقال مد البصر " قال القحيف:
بنات بنات أعوج ملجمات ... مدى الأبصار عليتها الفحال
أعوج فرس كان لغني بن أعصر وهو أعوج الأكبر وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلا ولا الشعراء والفرسان أكثر له ذكرا به وافتخارا من أعوج ومدى البصر متناه وقد يقال مد البصر ومدى أجود وأكثر قال الأصمعي وأول ماروي من عدو أعوج أنه أغير على الناس في يوم النسار وصاحب أعوج الأكبر موثقه بثمامة فلما أغارت الخيل في وجه الصبح جال في متنه ثم صاح به ونسى الوثاق فاقتلع الثمامة وخرج يخف به كأنه حذر وفٌ فسار مسيرة أربع ليال.
قال أبو محمد " وأما المستأهل فهو الذي يأخذ الإهالة " وأنشد لعمرو بن أسوى ابن عبد القيس:
لا بل كلي ياميّ واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه
استأهلي أي إهالة وهوالشحم المذاب وياميّ نداء مرخم يريد ياميّة ويجوز في الياء الضم والفتح. وأنشد أبو محمد في الحافرة:
أحافرةً على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وعار
انتصب حافرة لأنه في معنى المصدر أقيم مقامه تقدير الكلام أرجوعاً إلى أول أمري وقد صلعت وشبت يريد أرجع رجوعاً ثم حذف الفعل واكتفى بالمصدر ثم جعل الاسم في موضع المصدر وقد أقاموا الصفات والأسماء مقام المصدر وحذفوا الفعل معها كقولهم هنيئاً مريئاً في الصفات وترباً وجندلا في الأسماء وذلك محمول على باب سقياً ورعياً.
قال أبو محمد " عدس زجر البغل والعوام تقول عد " وأنشد:
إذا حملت بزتي على عدس ... فما أبالي من غزا ومن جلس
يريد ببزته سلاحه يقول إذا فعلت ذلك فما أبالي من غزا ومن تخلف عن الغزو. قال أبو محمد " وقال ابن مفرّع الحميري ":
عدس مالعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
стр. 205
كان سعيد بن عثمان بن عفان استصحب يزيد بن مفرغ حين ولي خراسان فلم يصحبه وصحب عباد بن زياد بن أبي سفيان فلم يحمده فهجاه فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه فلما طال حبسه بعث رجلاً وحمله أبياتاً وأمره أن ينشدها على طريق دمشق إذا انصرف الناس من الجمعة على باب معاوية:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبة ... عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسي دعيّ زياد فقع قرقرة ... يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن
فلما سمع أشراف اليمن هذا الشعر دخلوا على معاوية فكلموه فوجه رجلا يقال له جهنّام من بني راسب وكتب له عهداً وأنفذه على البريد وأمره أن يبدأ بالحسن فيخرج منه يزيد بن مفرغ قبل أن يعلم عباد ففعل جهنام ذلك فلما أخرجه من الحبس قرب إليه دابة من البريد ليركبها فلما استوى عليها قال عدس ما لعباد البيت يقول لا سلطان لعباد عليك والطليق المطلق وهذا مبتدأ وطليق خبره وتحملين جملة في موضع الحال والتقدير وهذا طليق في حال حملك له ويقال أن هذا في معنى الذي وقد حكاه جماعة وتحملين صلته وهو في موضع رفع بالابتداء وطليق خبره وتقديره والذي تحملينه طليق ويجوز حذف العائد من الصلة إذا كان متصلا للصوق الاسم بالصلة. وأخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد أنه قال كان الخليل يزعم أن عدسا كان عنيفا بالبغال أيام سليمان بن داود فالبغال إذا قيل لها عدس انزعجت.
قال أبو محمد " وهو الدرياق ولا يقال الترياق قال الشاعر " هو تميم بن أبي بن مقبل وقبل البيت الذي أنشده:
ليالي ليلى على عانطٍ ... وليلى هوى النفس ما لم تبن
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلن عظامي تلن
عانط بلد ويروى ناعط وقوله ما لم تبن أي ما لم تفارق يريد كانت النفس تهواها مدة اجتماعنا وتجاورنا وبعد ما فارقت وقوله سقتني بصهباء أي سقتني صهباء يعني خمرا فزاد الباء كما قال الله : عينا يشرب بها عباد الله " أي يشربها وسميت الخمر صهباء للونها والصهبة في الألوان الحمرة والدرياقة من أسماء الخمر ايضا. قال أبو محمد " وهو الحندقوق نبطيّ معرب قال ولا يقال حندوقي " في هذه الكلمة أربع لغات يقال حندقوق وحندقوق وحندقوقي وحندقوقي
стр. 206
أخبرني بذلك أبو زكرياء.
باب ما يعدى بحرف صفة أو بغيره والعامة
لا تعديه أولا يعدى والعامة تعديه " قوله " إياك وإن تفعل كذا ولا تقول إياك أم تفعل بلا واو ألا ترى إنك تقول إياك وكذا ولا يقال غياك كذا " العلة في ذلك أن لكل واحد من الاسمين فعلا ينصبه مقدرا غير فعل صاحبه وهو معطوف عليه بالواو فإذا قال إياك والشر فالتقدير احفظ نفسك واتق الشر قال الشاعر:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
وكذلك المثل فإياه وإيا الشوابّ. قال " وقد جاء في الشعر وهو قليل " وأنشد عجز بيت وأوله: إلا أبلغ أبا عمر رسولا وإياك المحاين أن تحينا الرسول هنا الرسالة قال الشاعر:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة والمحاين المهالك وتحين تهلك يريد أحذرك المهالك أن تقع فيها فتهلك. قال أبو محمد " وتقول كاد فلان يفعل كذا ولا يقال كاد أن يفعل " إنما لم يستعمل كاد بأن لأن كان لمقاربة الفعل ومشارفته وأن للاستقبال والتراخي وقرب وقوع الفعل خلاف بعده لكن كاد شبهت بعسى فاستعملت بغير أن كما شبهت عسى بكاد فاستعملت بغير أن في نحو قوله.
عسى الهمّ الذي أمسيت فيه.
وأنشد.
قد كاد من طول البلى أن يمصحا.
يمصح يذهب ومعنى البيت أن ما أتى عليه من الدهر قد قارب دروسه.
стр. 207
قال أبو محمد " وتقول عيرتني كذا ولا يقال عيرتني بكذا " قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان رهبته ... وهل عليّ بأن أخشاك من عار
ويروى خشيته قال أبو عبيدة أحمى النعمان أحمى النعمان بن الحارث الأصغر بن الحارث الأوسط وهو الأعرج بن الحارث بن أبي شمر الغساني وهو الأكبر ذا أقر قال وهو واد نخل أي واسع وهو مملوء حمضاً ومياها ويقال له أيضا سبطر أي كثير البنات فاحتماه الناس فتربعه بنو ذبيان فنهاهم النابغة وخوفهم أغارة الملك فعيروه خوفه النعمان وأبوا فتربعوه وكان النابغة منقطعاً إليه فلما مات وكان يكنى أبا حجر رثاه النابغة بقوله: دعاك الهوى واستجهلتك المنازل قال أبو عبيدة وقيل بل أغار حصن بن حذيفة في بني اسد وغطفان على بعض نواحي الشام فنزلوا ذا أقر فنهاهم النابغة عن ذلك وحذرهم إغارة الملك فعصوه فبعث إليهم النعمان بن الحارث الغساني جيشاً عليهم ابن الجلاح الكلبي فأغار عليهم بذي اقر فقال النابغة في ذلك قصيدة اولها:
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار
يقول وعيرتني بنو ذبيان البيت أقر جبل وذو أقر واد وتربعهم إقامتهم في الربيع وقال في كل أصفار لأن الربيع وافق صفرا في ذلك الوقت وقال أبو عبيدة في كل إصفار حين يتصفر الماء ويتزيل الشجر ويبرد الليل وذلك في آخر الصيف. وأنشد أبو محمد للمتلمس:
تعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
كان المتلمس في أخواله بني يشكر يقال أنه ولد فيهم ومكث عندهم حتى كادوا يغلبون على نسبه فسأل الملك عمرو بن هند مضرط الحجارة الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فوقع فيه الحارث فقال الملك أواناً يزعم أنه من بني يشكر واوانا يزعم أنه من بني ضبيعة أضجم فقال عمرو بن هند ما هو إلا كالساقط بين فراشين يقول أنه لغير رشدة لا يعرف أبوه فبلغ ذلك المتلمس فقال الأبيات أي لن ترى أنسانا له كرم وحسبٌ إلا يتكرم عن الشيء الذي يبلغه ويعفو
стр. 208
يقول فأنا اتركم واغفر ولا أكون مثل الحارث بل أعفوا وأصفح وأنشد أبو محمد لليلى الإخيليه:
أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي حصان لا يقال لها هلا
تهجو النابغة الجعدي وترد عليه قوله.
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا قالت تعيرني داء بأمك مثله فغلبته. هلا زجر تزجر به الفرس الأنثى إذا نزا عليها الفحل لتقر وتسكن وهذا مثل ضربه يقول وأي أنثى ليست كذلك. وقد نهى ابن قتيبة عن تعدية عيرت بالباء واستعمله هو في قوله أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة وكذلك عامة العلماء ينهون عن الباء في عيرته بكذا ويستعملونه في كلامهم.
باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما
قال أبو محمد " يقولون نصحتك وشكرتك والأجود نصحت لك وشكرت لك " ثم أنشد للنابغة الذبياني:
نصحت بني عوف فلم يتقلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي
يعني بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وكان حذرهم أن يغزوهم عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ويروى رسائلي ووسائلي أي رسالتي والوسائل جمع وسيلة وهو ما يتوصل به إلى الإنسان. قال أبو محمد ويقولون للمرأة هذه زوجة الرجل والأجود زوج وزوجة قليل قال الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
قال ذلك حين وقع بينه وبين النوار بنت أعين زوجته شر فخرجت من أجل ذلك مستعدية إلى عبد الله بن الزبير ولها حديث يقول من سعى في فساد امرأتي كمن سعى إلى الأسد ليأخذ بولها في يده يريد أن من يتعرض لي كمن يتعرض
стр. 209
للأسد والشرى موضع تكثر فيه الأسد.
قال أبو محمد " ويقال هو ابن عمه دنية ودنياً أجود ويقال دنيا أيضا " قال النابغة:
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزا ... بغسان غسان الملوك الأشايب
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
الأشايب جمع أشيب وأشايب ويروى إذ قيل قد غزت قبائل من غسان غير أشايب أي غير أخلاط أي هم صميم كلهم وهو جمع أشابة وقوله بني عمه دنيا أي غزا بني عمه لحا وقوله بأسهم غير كاذب أي هم صادقوا البأس لا يضعفون في القتال.
باب ما يّغير من أسماء الناس
أنشد أبو محمد على أن السدوس الطيالسة بيتا ليزيد بن حذاق قبله:
ألا هل أتاها أن شكة حازم ... لدي وأني قد صنعت شموسا
وداويتها حتى شتت حبشية ... كأن عليها سندساً وسدوسا
الشكة السلاح والحازم الجيد الرأي والشموس اسم فرسه وصنعتها حسن قيامه عليها وداويتها أي سقيتها اللبن بالصيف حتى شتت أي حين جاء الشتاء وهي قوية وقوله حبشية أي اخضرت من العشب ذهبت شعرتها الأولى وسمنت والأخضر عندهم أسود قال الله تعالى " مدهامتان " أي سوداواد من شدة الخضرة والسدوس الطيالسة الخضر شبه لونها وهذا الاستفهام خارج على وجه التمني كأنه يودّ أن يتأدى إلى المرأة أنه مترشح لملاقاة الأعداء.
قال أبو محمد " قال الأصمعي سألت ابن أبي طرفة عن المسدفي شعر الهذلي ".
ألفيت أغلب من أسد المسد حدي د الناب أخذته عفر فتطريح
стр. 210
الشعر لأبي ذؤيب وألفيت وجدت والأغلب الغليظ العنق أخذته عفر يعني المرثي شبهه في شدته وشجاعته بالأسد وعفر أي يعفّره في التراب فيطرحه ويقال عفر جذب وتطريح يطرحه.
" وفي باب ما يغير من أسماء البلاد "
قال أبو محمد هي البصرة مسكّنة الصاد وكسرها خطأ قال الفرزدق:
لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا
السّيلحون قرية بقرب الكوفة قال الشاعر:
وتجبى إليه السيلحون ودونها ... صريفون في أنهارها والخورنق
" كتاب الأبنية "
باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى
قال أبو محمد " أضاء القمر وضاء " وأنشد للعباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﷺ :
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشرٌ ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وأنت لما ظهرت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الأفق
قوله في الظلال جمع ظل يعني ظلال الجنة أراد أنه كان طيّباً في صلب آدم ﵇ وآدم في الجنة قبل أن يهبط من الجنة إلى الأرض وقوله حيث يخصف الورق حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة أي ضمّا بعضاً إلى بعض وقوله ثم هبطت البلاد يعني لما هبط آدم ﵇ إلى الأرض لأن النبي ﷺ كان في صلبه ولم يكن إذ ذاك بشراً ولا مضغة ولا علقة بل نطفة يريد بل كنت نطفة وقوله تركب السفين يريد ركوب نوح السفينة وقت الطوفان وكنت في
стр. 211
صلبه والسفين جمع سفينة وهذا الجمع غريب في المصنوعات ولا يكون إلا في المخلوقات نحو شعيرة وشعير وتمرة وتمر ولا يقال قصعة وقصعٌ وقوله ألجم نسراً نسرٌ صنمٌ وألجمهم منعهم من الكلام وقوله تنقل من صالب أي من صلب إلى رحم يقال صلبٌ وصلبٌ وصالبٌ وقوله إذا مضى عالمٌ أي مضى قرن بدا قرن وقيل للقرن طبق لأنهم طبق للأرض يقال هذا مطر طبق الأرض وقوله لما ظهرت أي ولدت وأشرقت أضاءت وأنّث الأفق على معنى الناحية. قال أبو محمد " سلكته وأسلكته قال الله ما سلككم في سقر " وقال عبد مناف بن ريع الهذلي:
كأنهم تحت صيفي له نحم ... مصرح طحرت أسناؤه القردا
حتى إذا أسلكوهم في قتائده ... شلاّ كما تطرد الجمالة الشردا
صيفي سحاب له نحم صوت رعد ينحم مثل نحيم الدابة مصرح صرح بالماء صبه وانكشف فصار غيما خالصاً ونفى عنه القرد والقرد من السحاب الصغار المتلبد المتراكب بعضه على بعض وطحرت دفعت والأسناء جمع سناً وهو الضوء ويقال مطر مطحرٌ إذا كان شديد الدفعة بعيد المذهب يقول كأنهم تحت مطر صيفي مما يقع بهم من الضرب وقتائدة مكان والشلّ الطرد والجمالة أصحاب الجمال وقال الأصمعي ليس لإذا جواب قال ويقال إن قوله شلاّ هو الجواب كأنه قال حتى إذا اسلكوهم في هذا الموضع شلّوهم شلاّ.
قال أبو محمد " هلكت الشيء وأهلكته قال العجاج ":
ومهمةٍ هالك من تعرجا ... هائلة أهواله من أدلجا
المهمة القفر من الأرض وهالك من وصف المهمة ومن تعرّج في معنى الذين تعرّجوا فيه والألف واللام في معنى الذي فيصير المعنى هالك المتعرجين فيه ويجوز أن يكون هالك من فعل المتعرجين والضمير العائد إلى المهمة محذوف تقديره ومهمةٍ هالك متعرجوه كما تقول ومكان مهتد سالكوه فإذا نقلت الضمير وأدخلت الألف واللام قلت ومكان مهتد السالكين بنصب السالكسن وتنوين مهتد ويجوز الإضافة فتقول مهتدي السالكين وهذا التفسير على غير الوجه الذي ذكره ابن قتيبة بمعنى أهلكت ويقول هلكت لا يتعدى وتقدير يبث العجاج مستقيم على أن هالكاً لا يتعدى والذين جعلوا هلكت بمعنى أهلكت في التعدي استشهدوا بهذا البيت وجعلوا الفعل للمهمة وهائلة من وصف المهمة وأهواله فاعلة ومن أدلج
стр. 212
مفعول يعني أن أهواله تهول من أدلج فيه.
قال أبو محمد " جلا القوم عن الموضع وأجلوا تنحوا عنه وأجليتهم وجلوتهم " قال أبو ذؤيب:
تدلى عليها بين سبّ وخيطة ... بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
فلما جلاها بالأيام تحيزت ... ثبات عليها ذلّها واكتئابها
يصف مشتار العسل وإنه يتدلى لأخذه من الجبل لأن النحل تعسل في الجبال والجرداء ها هنا الصخرة الملساء شبه الصخرة في أملاسها بالنطع والوكف النطع والكبوّ العثار والسبّ الحبل بلغة هذيل والخيطة الوتد وقيل أن الخيطة درّاعة يلبسها المشتار وجلاها طردها والأيام الدخان وتحيزت تفرقت وتميزت في كل وجه ويقال اجتمع بعضها إلى بعض ويروى تحيرت أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب والذي يأخذ العسل لا يصعد إلا ومعه شيء يدخن به عليهن لئلا يلسعنه يقال منه آمها يؤومها أوماً والثبات جمع ثبةٍ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء والاكتئاب الحزن.
قال أبو محمد " وهنه الله فأوهنه قال طرفة ":
وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون فقر
وقد تقدم تفسيره. وأنشد.
أقتلت سادتنا بغير دم ... إلا لتوهن آمن العظم
هذا الاستفهام على سبيل الإنكار والمعنى ما قتلت به سادتنا بغير دم أراقوه إلا لتذلنا فنكون بمنزلة العظم الصحيح الآمن من الوهن حتى لحقه كسرٌ فأوهنه وأضعفه وإذا قتل سادة القوم فقد ذهب عزهم وذلوا. قال أبو محمد " خطئت وأخطأت قال الله تعالى " لا يأكله إلا الخاطئون " وأنشد بيتا لأمية بن أبي الصلت:
عبادك يخطئون وأنت ربٌّ ... بكفّيك المنايا لا تموت
هكذا أنشده لا تموت والقصيدة ميمة وأولها:
سلامك ربنا في كل فجر ... بريئاً ما تغنثك الذموم
عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم
стр. 213
من الآفات لست لها بأهل ... ولكن المسيء هو الظلوم
قوله سلامك ربّنا أي سلمنا يا رّبنا وقوله ما تغتثك أي ما تلزمك ويروى ما تليق بك الدموم وهي جمع ذم وبريئا نصب على الحال وهذه الحال موكدة ويروى بريءٌ بالرفع وهو خبر مبتدأ تقديره أنت بريء. يقال خطئت خطأ إذا أثمت قال الله تعالى " إنه كان خطئاً كبيرا " وأخطأت في غيره يقال لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطأ في الدين وأبو عبيدة يقول هما لغتان والحتوم جمع حتم وهو القضاء وقوله من الآفات من تتعلق بقوله بريئاً من الآفات والمليم الذي يأتي بما يلام عليه.
باب فعلت الشيء عرضته للفعل
قال أبو محمد " أبعت الشيء عرضته للبيع " قال الأجدع بن مالك الهمداني:
فرضيت آلاء الكميت فمن يبع ... فرسا فليس جوادنا بمباع
آلاء الكميت خصاله ويقال نعمه جعل نجاته به من المهالك نعماً ويروى أفلاء الكميت وهو جمع فلو كعدو وأعداء ويقال في جمعه فلاء وفليّ وفلي يقول لرغبتنا في جوادنا وخبرنا بعتقه وكرمه لا نعرضه للبيع إذا عرض الناس خيلهم للبيع ويروى فمن يبع بفتح الياء ويبع بضمها.
باب فعلت الشيء وجدته كذلك
قال أبو محمد " وأقهرت الرجل وجدته مقهورا " وأنشد بيتا للمخبل السعدي قبله:
ألم تعلمي يا أم عمرة أنني ... تخاطأني ريب الزمان لأكبرا
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سبّ الزبرقان المزعفرا
تمنى حصين أن يسود جذاعه ... فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
يهجو الزبرقان قوله تخاطأني بمعنى تخطاني أي تجاوزني ريب الزمان وريبه
стр. 214
صروفه وحوادثه وقوله وأشهد بالنصب عطف على لأكبرا وأشد من عوف وعوف هذا هو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم والحلول الجماعة الواحد حال أي نازل ويحجون يقصدون والسّبّ العمامة ها هنا وحصين اسم الزبرقان ورهطه يقال لهم الجذاع ويقال لأخوتهم الأحمال قال جرير:
أم من يقوم لشدة الأحمال
وقوله قد أذل وأقهر أي وجد ذليلا مقهورا ويروى قد أذل وأقهر أي صار إلى الذل والقهر. وأنشد للأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
ويروى أثوى على طريق الاستفهام يقال ثوى وأثوى لغتان وزودت الرجل الزاد فتزوده ومن الزاد اشتقاق المزود وفي مضت ضمير يعود إلى الليلة والتقدير فمضت الليلة ويروى فمضى أي مضى الرجل لأجل وعدها ويجوز أن يكون الضمير في مضت لقتيلة وهو اسم امرأة وأضمره على شريطة التفسير يريد أنه حبس نفسه عليها لتزوّده فلم تفعل.
قال أبو محمد " وأهيجتها أي وجدتها هائجة النبات " وأنشد لرؤبة: حتى إذا ما اصفر حجران الذرق وأهيج الخلصاء من ذات البرق
أي اصفر عشب الحجران وهو جمع حاجر وهو الأرض ترتفع على ما حولها وينخفض وسطها فيجتمع في ذلك الانخفاض ماء السماء ويمنعه الحاجر أن يفيض ومنه قيل لمنزل بطريق مكة حاجر ويروى حيران الذرق وهي جمع حائر وهو الموضع الذي يجتمع فيه الماء والذرق الحندقوق يصف هيج الأرض وفي أهيج ضمير فاعل يعود إلأى حمار وحش وقد تقدم ذكره والخلصاء مكان بعينه والبرق جمع برقاء وهي أرض ذات رمل وطين أو حجارة وطين.
أفعل الشيء أتى بذلك واتخذ ذلك
قال أبو محمد " ألام الرجل أتى بما يلام عليه " وأنشد.
ومن يخذل أخاه فقد ألاما.
стр. 215
قال أبو عبيدة كان رجل من بني نفيل بن عمرو بن كلاب أتى عمير بن سلميّ فأجاره وكتب له على سهم عمير أجار فلانا وعمير هذا هو أحد الأوفياء الثلاثة في الجاهلية وهم السموءل ابن عادياء والحارث بن ظالم وعمير بن سلميّ وكان لعمير أخوان وهما مرارة وقرين ابنا سلمي وكان مع الكلابي أخ له صبيح الوجه فقال قرين أخو عمير للكلابي ذات يوم لا تقربن أبيات نسائنا بأخيك هذا فوجده يوما يتحدث إلى بنت امرأة فرماه بسهم فقتله وكان عمير المجير غائباً فلما رأى ذلك الكلابي أتى سلمىّ فعاذ به وقال:
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنك لو شهدت فوارسي ... بعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
فلما عاد عمير أخذ أخاه وبلغ ذلك وجوه بني حنيفة فأتوه وكلموه فقال لا والله إلا أن يعفو عنه جاري فأتوا أخا المقتول فأضعفوه له الدية فأبى وكلمت عميرا أمه وهي أم قرين فأبى ثم أخرج أخاه حتى قطع وادي اليمامة فربطه إلى نخلة وقال أما إذا أبيت أن تعفو وتأخذ الدية فأمهل حتى أقطع الوادي راجعاً وشأنك ولا أرينك تقتله فقالت أمهما:
يعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يخذل أخاه فقد ألاما
وعمايتان وضلفع موضعان يقول لو رأيت فوارسي في هذا الموضع لهبتهم وامتنعت عن قتل أخي والمغل الخائن والمعاذر جمع معذرة وهي مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست ويقال بل معناه قطع ما في القلب.
" أفعلت الشيء جعلت له ذلك " قال أبو محمد أرعى الله الماشية جعل لها ما ترعاه قال وأنشد أبو زيد:
كأنها ظبية تعطو إلى فنن ... تأكل من طيب والله يرعيها
تعطو تتناول والفنن الغصن وقوله من طيب أي من عشب طيب يصف امرأة
следующие страницы →