← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1591

تصحيفات المحدثين - باشنفر

سعيد باشنفر

Полный текст (695 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المثال الخامس: جاء في حديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير). ورواه قوام السُّنَّة إسماعيل بن محمد الأصبهاني من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن الإمام البخاري به، ولفظه (الحرير) بدلًا من (الحبير)، وهو الصواب لوروده من طرق أخرى عند البخاري وغيره بلفظ (الحرير)، وقد ذكر القاضي عياض اختلاف النُّساخ في هذه اللفظة ورجح لفظة (الحبير)، ورجح ابن حجر (الحرير)، وهو الصواب، والله أعلم (١). المثال السادس: روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله قال: (كنا مع رسول الله ﷺ بمُرِّ الظهران نجني الكباث) فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أيطب. ورواه البغوي من طريق محمد بن يوسف عن البخاري نفسه بلفظ (أطيب)، وهو الصَّحيح، وذكر ابن الملقِّن أنه كذلك في بعض نسخ البخاري، وهذه قرينة أخرى على التَّصحيف (٢). القرينة الرابعة: أن يُروى الحديث من طريق شيخ المصنف بخلاف لفظ المصنف، وهذا قريب من القرينة الثانية، ويخالفه أنه يروى من طريق شيخ المصنف لا المصنف، ومن أمثلته:

стр. 37

المثال الأول: روى البخاري عن الحسن بن عبد العزيز حديثًا في الفتنة وفيه (وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه وهذه ابنته، أو بنته حيث ترون). قوله: (بنته) تصحيف، والصَّحيح (بيته)، فقد رواه البيهقي من طريق الإسماعيلي، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي - شيخ البخاري فيه - به، وفيه: (هذا بيته)، فدل هذا أن ما في رواية البخاري تصحيف من النُّساخ، ويُؤيِّده أن البخاري رواه من طريق آخر، فقال: (بيته) (١). المثال الثاني: في حديث رواه أبو داود عن محمد بن المثنى جاء فيه أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة أطعمينا» فجاءت بحشيشة فأكلنا … (بالحاء)، ورواه النسائي أيضًا عن ابن المثنى - شيخ أبي داود فيه - فقال: «جشيشة» بالجيم، وهو الصَّحيح (٢). المثال الثالث: روى أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حُمَيد عن يزيد بن هارون حديثًا ذكر فيه: «أربع من سنن المرسلين»، وفيه «الحناء». ورواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون بلفظ «الحياء»، وهو الصَّحيح. وكذلك رواه جماعة عن شيخ يزيد بن هارون فقالوا: «الحياء» (٣).

стр. 38

المثال الرابع: روى مسلم عن محمد بن المثنى من حديث أنس جاء فيه (فغدوت فإذا هو في الحائط وعليه خميصة حويتية)، وجاء في رواية البخاري عن محمد بن المثنى بنفس الإسناد (حُريثية) بالراء، وهو الصَّحيح (١). المثال الخامس: روى البخاري عن يحيى بن بكير حديثًا فيه أن رسول الله ﷺ كان يُؤتَى بالرجل المتوفى عليه الدَّين فيسأل: «هل ترك لدَينه فضلًا … ». ورواه البيهقي من طريق يحيى بن بكير به وقال «قضاءً» بدلًا من «فضلًا»، وكذلك رواه مسلم وغيره وصححه عياض وابن حجر، وكذلك جاء عند بعض رواة البخاري على الصَّحيح. قال عياض: «فضلًا» كذا للأصيلي ولغيره «قضاء» وهو أبين» (٢). المثال السادس: روى أبو داود عن عبد الله بن معاذ حديثًا فيه: «ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق». ورواه مسلم وغيره عن عبد الله بن معاذ بهذا السند وفيه «ثور الشفق»، صحف أبو داود «ثور الشفق» إلى «فور الشفق» (٣).

стр. 39

المثال السابع: روى أبو داود عن سليمان بن داود المهري من حديث عروة بن الزبير أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلًا وهو على حمص يشمس ناسًا من القبط في أداء الجزية. ورواه النسائي عن سليمان بن داود فقال: (من النبط)، وهو الصَّحيح فإن النبط في الشام وحمص، والقبط في مصر، وصحف أبو داود (النبط) إلى (القبط) (١). المثال الثامن: روى أبو داود عن سليمان بن حرب حديثًا فيه (فكان إذا سجد كبَّر، وإذا ركع كبَّر)، ورواه البخاري وأحمد وغيرهم عن سليمان بن حرب (وإذا رفع كبَّر) (٢)، وظاهره أنه تصحيف من أبي داود، ولكن رواه البيهقي من طريق أبي داود على الصَّحيح فقال (إذا رفع)، فيشبه أن يكون التصحيف فيه ممن هو دون أبي داود. المثال التاسع: جاء في مطبوع البخاري عن قتيبة بن سعيد حديث في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب (فوالله ما رأينا الشمس ستًّا)، أي ستة أيام. ورواه مسلم وغيره عن قتيبة (سبتًا) أي أسبوع كقولهم (جمعة)، وكذا رواه أكثر رواة البخاري كما قال الحافظ، وهذا يدل أن قوله: (ستًّا) تصحيف ممن هو دون البخاري (٣).

стр. 40

المثال العاشر: روى أبو داود عن مسدد في حديث الَّلديغ (فشفوا له بكل شيء لا ينفعه) أي: طلبوا الشِّفاء. ورواه البيهقي من طريق مسدد (فسعوا له) من السعي، وكذلك جاء في البخاري من طريق أخرى عن شيخ مسدد (١). القرينة الخامسة: أن يأتي في الحديث ما يخالف تبويب المصنف. إذا أتى لفظ في الحديث يخالف ما عقد عليه المصنف الباب دلَّ على تصحيف من دون المصنف. المثال الأول: عقد البخاري على حديث أسامة بن زيد (باب عيادة الصبي)، وورد في سياق الحديث (إن ابنتي) (٢)، فدل هذا أن البخاري إنما يرويه بلفظ (إن ابني). المثال الثاني: جاء في رواية للبخاري من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له جارية فعالها فأحسن إليها، ثم أعتقها وتزوجها؛ كان له أجران». قوله «فعالها» تصحيف، والصَّحيح «فعلمها» كما عقد عليه البخاري الباب (باب فضل من أدَّب جاريته وعلمها)، وكذا في مواضع أخرى للبخاري، لكن هكذا جاء في المطبوع من صحيح البخاري في هذا الباب. قال القسطلاني: «وهو المناسب للترجمة» (٣).

стр. 41

القرينة السادسة: أن يروي المحدثُ الحديثَ في أكثر من موضع بنفس الإسناد، ويكون في أحد المواضع بلفظ مختلف، وذلك يدل أن في اللفظ المختلف تصحيفًا. المثال الأول: جاء في رواية البخاري في قصة سحر النبي ﷺ وفيه «في مشط ومشاقة»، ورواه بنفس الإسناد بلفظ «مشط ومشاطة»، وهو الصَّحيح (١). المثال الثاني: جاء في حديث عند البخاري عن ورقة بن نوفل (فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء)، وجاء عنده في موضع آخر بنفس الإسناد (بالعربية) بدلًا من العبرانية، وهو عند مسلم أيضًا بنفس الإسناد، وهو الصَّحيح (٢). المثال الثالث: جاء في رواية النسائي في «المجتبى» (فلما بقي ثلث من الشهر)، وفي «الكبرى» (ثلاث من الشهر) وهو الصَّحيح، ويدل عليه سياق الحديث فدل أن ما في «المجتبى» تصحيف (٣). المثال الرابع: جاء في حديث عند الطبراني في «الأوسط» (وزوجة لا تبغيه خوفًا)، وفي «الكبير» بنفس الإسناد (خونًا) بالنون وهو الصَّحيح (٤).

стр. 42

المثال الخامس: جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أوصاه بثلاث، فذكر منها في رواية عند النسائي في «المجتبى» (وركعتي الفجر)، وفي «الكبرى» (ركعتي الضحى)، وهو الصَّحيح (١). المثال السادس: جاء عند البخاري «ثم أُدخِلتُ الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ»، وفي رواية أخرى عنده «جنابذ»، وهو الصَّحيح الموافق لرواية مسلم (٢). القرينة السابعة: اضطراب المعنى وعدم استقامته، كأن يُروَى الحديث بمعنى فيه إشكال. المثال الأول: روى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتِيَ بطعام أكل منه، وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلة لم يأكل منها لأن فيها ثومًا … )، الحديث. قوله: (بفضلة) تصحيف، والصَّحيح (بقصعة) وبه يستقيم المعنى لأنه قال (لم يأكل منها)، كما رواه أحمد وغيره، وكذا جاء في رواية السجزي من بين كافة رواة مسلم (٣).

стр. 43

المثال الثاني: جاء في حديث جابر ﵁ عند البخاري (فقام في الرطاب في النخل الثانية). قوله: (في الرطاب) ليس له معنى، لكن هكذا جاء في المطبوع على رواية أكثر الرواة، ورواه ابن السكن (فقام فطاف) وهو الصَّحيح، وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه على البخاري» (١). المثال الثالث: حديث أن النبي ﷺ قال: «كلوا من الأضاحي ثلاثًا»، وكان عبد الله بن عمر يأكل بالزيت حين ينفر من منى من أجل لحوم الهدي. صحف بعضهم (حين) إلى (حتى) فقال (حتى ينفر من منى). قال الحافظ: «وهو تصحيف يفسد المعنى فإن المراد أن ابن عمر كان لا يأكل من لحم الأضحية بعد ثلاث، فكان إذا انقضت ثلاث منى ائتدم بالزيت، ولا يأكل اللحم تمسُّكًا بالأمر المذكور» (٢). القرينة الثامنة: إنكار أهل اللغة للفظ المصحَّف، كأن يكون في الحديث لفظ ينكره أهل اللغة، أو غير معروف من كلام العرب، ولم يأت من طرق أخرى تشدُّه. مثاله ما جاء في حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب للناس فقال: «أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش في النار». قوله: «تتابعوا» بالباء تصحيف، والصَّحيح بالياء «تتايعوا كما يتتايع».

стр. 44

قال أبو عبيد: «التتايع: التهافت في الشيء والمتابعة عليه، يقال للقوم: قد تتايعوا في الشر إذا تهافتوا وسارعوا إليه». وقال ابن الأثير: «التتايع الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية، والمتابعة عليه، ولا يكون في الخير» (١). المثال الثاني: جاء عند التِّرمذي من حديث ابن عباس ﵁: «اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد». قوله: (ذا الحبل) قال أهل اللغة: تصحيف، والصَّحيح (الحيل) بالياء أي: ذي القوة. قالوا: والحبل لا معنى له هنا (٢). على أنه ينبغي أن يُعلم أنه لا يُحكم لما حكم به أهل اللغة على ما صح به الخبر، خاصة إذا ورد في الصَّحيحين، كحديث عبد الرحمن بن عوف في قصة الغلامين من الأنصار وحرصهما على قتل أبي جهل قال له: (لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا). قال القاضي عياض: «كذا الرواية، وقال بعض الناس صوابه (الأعجز)، وهذا جهل فيه بالكلمة .. ». وقال ابن حجر: «وقيل: إن لفظ (الأعجل) تحريف، وإنما هو (الأعجز)، وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرًا، والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه» (٣).

стр. 45

المبحث السادس: الفرق بين التَّصحيف والتَّحريف. كان المتقدمون من علماء الحديث واللغة لا يُفرِّقون بين المصحَّف والمُحرَّف، ويعتبرونهما شيئًا واحدًا، وذكرنا أمثلة كثيرة لما أطلقوا عليه التَّصحيف (١). وأول من فرَّق بين التَّصحيف والتَّحريف أبو أحمد العسكري فقال ما نصه: «وهذا من التَّحريف لا من التَّصحيف» (٢). وقال في موضع: «وهذا من التبديل لا من التَّصحيف». وقال في موضع آخر: «وهذا من أوهام التغيير لا من التَّصحيف». ولم يشتهر هذا التفريق إلا بعد ما ذكره وقرَّره الحافظ ابن حجر وتبعه السيوطي وغيره في ذلك. قال ابن حجر: «إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرَّف» (٣). ومع ذلك لم يلتزم ابن حجر بمقتضى هذا التعريف، كما سترى في تعليله أحاديث كثيرة بالتَّصحيف دون تفريق، وسأذكر لك موجزًا بعض الأمثلة من قول الحافظ ابن حجر: قال ﵀: «صحَّف بعضهم فقال: كان أُبيّ، والصَّحيح أبو ذر» (٤).

стр. 46

وقال في تصحيف لفظ (أشرافهم): «سواهم تصحيف» (١). وقال: «صحف بعضهم (فنعست في صلاتي حتى استثقلت) فقال (حتى استيقظت)، والظاهر أن رواية (حتى استيقظت) تصحيف» (٢). وقال: «(إيها) كذا للأكثر، ولبعضهم (ابنها)، وهو تصحيف» (٣). وقال في حديث: «إن أمي افتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت تصدقت»: «(إنها) تصحيف». يعني الصَّحيح (أراها) (٤). وقال في حديث أن رسول الله ﷺ دعا بوضوء فجيء بقدح فيه ماء أحسبه قال: قدح زجاج: «وصرح جمع من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحفها»، وذلك لأن الصَّحيح (رحراح) وليس (زجاج) (٥). وقال في تصحيف ابن قانع (نبيشة الخير) إلى (سحر الخير): «قد صحَّفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا» (٦). وقال في حديث كعب بن الأشرف (عندي أعطر سيد العرب): «كأن (سيد) تصحيف من (نساء)» (٧). وقال في حديث (اليد العليا المنفقة): «من رواه بلفظ (المتعففة) فقد صحَّف» (٨).

стр. 47

وقال في أثر مجاهد: «إذا اختلطوا قيامًا»: «تصحيف من قوله: (قائمًا) (١). وقال في تصحيف بعضهم (ابن غنام) إلى (ابن عباس): «قد صحَّفه بعضهم فقال ابن عباس» (٢). وجريتُ أنا في كتابي هذا على ما جرى عليه أكثر أهل العلم من عدم التفريق بين التَّصحيف والتَّحريف، ومع هذا وضعت في آخر الكتاب فهرست الكلمات المحرفة بتغيير النقاط مما حررتُه في هذا الكتاب، وبلغ عددها مئة حديث (٣)، ولن تجد هذا العدد مجموعًا في كتاب آخر.

стр. 48

المبحث السابع: أقسام التَّصحيف: ينقسم التَّصحيف في الحديث من حيث الإجمال إلى قسمين رئيسين: الأول: تصحيف الإسناد. والثاني: تصحيف المتن. وقسمه أهل العلم إلى قسمين آخرين: أحدهما: تصحيف البصر وهو الأكثر، وتصحيف السمع نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال (واصل الأحدب)، فذكر الدارقطني وتبعه جماعة أنه من تصحيف السمع لا تصحيف البصر. قال ابن الصلاح: «كأنه ذهب والله أعلم إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة دائمًا، أخطأ فيه سمع من رواه» (١). قالوا: وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، وهو الأكثر، وإلى تصحيف يتعلَّق بالمعنى دون اللفظ. قلت: تصحيف اللفظ هو تصحيف المتن، فالمتن إنما هو ألفاظ وجُمَل، وتصحيف المعنى قليل وهو مشهور في قصة محمد بن المثنى، وهو ما ذكره الدارقطني أن محمد بن المثنى العَنَزي قال يومًا: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة قد صلى النبي ﷺ إلينا. يريد حديث أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة أي: حربة أو عصا، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم (٢).

стр. 49

وهذه القصة على شهرتها موضع تأمُّل ونظر من وجوه: الأول: أنها معلقة لم تُسنَد، وأرفع من ذكرها الدارقطني ولم يذكر لها إسنادًا (١)، ولم يذكر أحد من تلامذة ابن المثنى أو معاصريه القصة مع توافر الدواعي لنقل مثلها عنه، ولعل هذا أحد أسباب ذكر بعضهم القصة بصيغة التمريض، أو تعبيرهم بما يشعر أنه معلقة، كما قال الذهبي: «يُروى» (٢)، وقال بعضهم: «ذكره الدارقطني» (٣). الثاني: أن تلامذة ابن المثنى كالإمام مسلم والنسائي وغيرهم رووا هذا الحديث بعينه من طريق محمد بن المثنى (٤)، ولم يذكر أحد منهم هذه القصة التي ذكرها الإمام الدارقطني عنه. الثالث: استغراب العلماء واستبعادهم وقوع ذلك من ابن المثنى لجلالة قدره، وعلو منزلته، وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة الذين رووا له في كتبهم، ومثله لا يخفى عليه مثل هذا، وقد خرجها بعضهم على أنها خرجت منه مخرج المزاح، لا التصحيف. قال النووي رحمه الله تعالى: «هذا تصحيف عجيب» (٥).

стр. 50

قلت: لا سيما أن البزار (١) روى الحديث من طريق ابن المثنى نفسه وورد في روايته بلفظ «الحربة» لا «العنزة». وقال الذهبي: «ويروي - يعني الخطيب - أن أبا موسى مزح مرة، فقال: نحن قوم لنا شرف، صلى إلينا النبي ﷺ » (٢). وقال في موضع آخر: «فما أدري هل فهم معكوسًا، أو أنه قال ذلك مُزاحًا» (٣). وقال الشيخ عبد الكريم الخضير: «إن مثل هذا يكون من باب التنكيت؛ لأنه عُرِفَ بهذا، أما إمام من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهم يقول: صلى إلينا رسول الله ﷺ ما يمشي هذا إطلاقًا» (٤). وهذا التوجيه أولى حمل القصة على التصحيف الذي لا يقع إلا ممن فيه غفلة شديدة (٥)، وابن المثنى يجل عن ذلك إن شاء الله تعالى. ومن التصحيف الذي ذكره العلماء في كلمة (عَنَزة) ما ذكره أبو عبد الله الحاكم عن أعرابي زعم أن النبي ﷺ كان إذا صلى نُصِبَت بين يديه شاة. صحف عَنَزَة - وهي بفتح النون - إلى عَنْزَة - بإسكان النون -، ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ في ذلك من وجهين (٦).

стр. 51

وذكر الحاكم عن الفقيه أبي منصور قال: كنت بعدن أبين يوم عيد فشُدَّت عَنْزة يعني شاة بقرب المحراب، فلما اجتمع الناس سألتهم بعد الفراغ من الخطبة والصلاة: ما خبر العَنْزة المشدودة بالمحراب؟، قالوا: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم العيد إلى عَنْزة. قلت: يا هؤلاء صحفتم، ما فعل رسول الله ﷺ هذا، إنما كان يصلي إلى العنزة الحربة. ومن أمثلة تصحيف المعنى، ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال: «ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فهم منه تحليق الرؤوس، وإنما المراد تحليق الناس حِلَقًا قبل صلاة الجمعة. وأضف إلى ما ذكروه حديث: «أصل كل داء البَرْد». أورده بعض أهل العلم في الطب النَّبوي في (باب في البرد والحر)، والصَّحيح البرَدة. قال العسكري: «هكذا رواه (البرْد) ساكنة الراء، والصَّحيح (البرَدة) بفتح الراء وزيادة هاء، والبرَدة التُّخمة» (١). وقوله ﷺ : «إني قد بدَّنت فلا تبادروني بالركوع والسجود». رواه بعض أهل الحديث (بدُنْت) من البدانة، وليست هذه صفته ﷺ ، والصحيح (بدَّنت) بالتشديد، والمراد به كبر السن كما قال الخطابي (٢).

стр. 52

وذكروا من أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطيب أنه قيل لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم عن بشر بن يحيى بن حسان قال: خراساني من أصحاب الرأي، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا فكتبنا عنه، وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاوس فقال: بالفارسية: يحتجون علينا بالطيور» (١). نعود إلى القسمين الرئيسين: الأول: تصحيف الإسناد: لم أتتبعه في كتابي هذا، ومع ذلك أوردت فيه بعض الأحاديث التي وقع في إسنادها تصحيف، وهي كما يلي: الأول: جاء في بعض روايات «الموطأ» من حديث مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أنه قال سمعت أبي … قوله: (سمعت أبي) تصحيف، والصَّحيح سمعت أنَّه (٢). الثاني: ورد في حديث عن الزهري، عن أنس قال: كان أبي يحدث أن النبي ﷺ قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة … ». قوله: (أبي) تصحيف، والصَّحيح (أبو ذر). قال ابن حجر: «وهم نشأ عن تصحيف» (٣).

стр. 53

الثالث: ورد في حديث عن أبي قلابة عن رجاء بن عامر أنه سمع أبا ذر يقول: قال رسول الله ﷺ : «الصعيد الطيب … ». قال الخطيب: «يُرَى أن قوله رجاء بن عامر تصحيف، وصوابه رجل من بني عامر» (١). الرابع: ورد في حديث عن عبد الله بن عنبسة، عن ابن عباس، والصَّحيح عن ابن غنام. قال أبو نعيم والمزي: «من قال ابن عباس فقد صحَّف» (٢). الخامس: ورد في حديث عامر بن سعد أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوي. قال عياض: «ليس بعدوي إنما هو عامري، فلعله تصحَّف العامري بالعدوي» (٣). السادس: ورد في حديث عن جذامة بنت وهب، والصَّحيح جدامة بالدال. قال الدارقطني: «من قاله بالمعجمة فقد صحَّف» (٤). السابع: ورد في حديث أن عمر الجُمَحي حدث أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله». قال ابن ناصر الدين الدمشقي: «كذا صحفه بعضهم، وإنما ذا عمرو بن الحمق» (٥).

стр. 54

الثامن: ورد في حديث (دخل علينا رجل من هذيل يقال له سحر الخير). هكذا قال، والصَّحيح (نبيشة الخير). قال ابن حجر: «قد صحفه ابن قانع تصحيفًا شنيعًا» (١). التاسع: ورد في حديث عن عبد الرحمن بن طارق عن عمه أن النبي ﷺ إذا جاء مكانًا من دار يصلي استقبل القبلة ودعا. والصَّحيح عن أمه، وليس عن عمه فراوي الحديث أمه وليس عمه. الثاني: تصحيف المتن: وهو بقية أحاديث الكتاب التي بلغ إجمالي عددها مئتين وستة وثمانين حديثًا بفضل الله ومنِّه وكرمه. وهنا أحب أن أنوه إلى أن بعض ما ذكرناه في كتابنا هذا من التصحيف قد يكون وهمًا أو خطأً من بعض الرواة وليس تصحيفًا، كما أن بعض أهل العلم والمعرفة أطلقوا على بعض الوهم تصحيفًا ولم أذكره هنا لأنه ليس تصحيفًا، وإنما هو من باب الوهم والخطأ، ومثال ذلك: حديث الإمام مالك عن الزهري، عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» (٢). والصَّحيح من ذلك عمرو بن عثمان كما في الصَّحيحين وغيرهما من حديث جماعة عن الزهري، وليس عمر بن عثمان.

стр. 55

قال ابن أبي حاتم: قال المزني: سمعت الشافعي يقول: صحَّف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان … قال فذكرت ذلك لأبي فقال: «صدق الشافعي» (١). قلت: لم يصحف مالك، إنما هو وهم منه، والدليل أن مالكًا روجع فيه فقال: نحن أعلم به، وهذه داره. وقال لعبد الرحمن بن مهدي: أتراني لا أعرف عمر بن عمرو، هذه دار عمر وهذه دار عمرو (٢). وهذا بعيد عن التَّصحيف، ويحتمل الوهم والخطأ لا التَّصحيف. وروى سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه». وخالفه جماعة ولم يذكروا الوجه قالوا: «ولا تخمروا رأسه» (٣). قال الحاكم: «ذكر الوجه تصحيف لإجماع الثقات الأثبات وأصحاب عمرو على رواية وجهه، وهو المحفوظ». قلت: لا وجود للتصحيف هنا؛ إذ ذكر سفيان الرأس والوجه، بل ذكر الرأس زيادة شاذة هنا ووهم، ولم يبدل سفيان كلمة بكلمة حتى يكون تصحيفًا، لذا أعرضنا عنه ولم نذكره (٤).

стр. 56

قال ابن الصلاح: «وكثير من التَّصحيف المنقول عن الأكابر الجِلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه». روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: «لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر». قال أبو نعيم: شهدت وكيعًا مرة فقال: يشققون الحطب تشقيق الشعر (١). قال: قلت بالخاء (٢). قلت: عند وكيع في الزهد، ورواه أحمد عن وكيع بلفظ (يشققون الكلام) ولم يذكر أحد غير أبي نعيم عن وكيع هذا ولعله شُبِّه عليه (٣). ومما ينبغي أن يشار إليه أيضًا أن اختلاف اللغات لا يعد تصحيفًا، وهذا نوع يجب معرفته والإلمام به، وبه يندفع ادعاء التَّصحيف على بعض ما ادُّعِيَ فيه التَّصحيف. قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، أيظحى بضبي؟ قال عمر: وما عليك لو قلت أيضحى بظبي. قال: إنها لغة. قال: انقطع العتاب، ولا يضحي بشيء من الوحش (٤). قال ابن منظور: «إذا روى الثقات للحديث تفسيرًا له مخرج لم يجُز أن يرد عليهم، ولكن نطلب له المخارج من كلام العرب … فإياك والإسراع إلى

стр. 57

تخطئة الرؤساء ونسبتهم إلى التَّصحيف، وتأنَّ في مثل هذا غاية التأني، فإني عثرت على حروف كثيرة رواها الثقات فغيَّرها من لا علم له بها، وهي صحيحة» (١). وعقد السيوطي بابًا في معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التَّصحيف. قال: «كالذي ورد بالياء والتاء، أو بالباء والثاء، أو بالتاء والثاء … وذكر الحروف المماثلة كالميم والحاء والخاء، والسين والشين (٢). قال أبو عمرو: «يقال ما ذاق عذوفًا وما ذاق عدوفًا، قال أبو عمرو: أنشدت يزيد بن مزيد عدوفًا وقال: صحفت يا أبا عمرو. فقلت: لم أصحف. لغتكم عذوفًا، ولغة غيركم عدوفًا» (٣).

стр. 58

المبحث الثامن: أثر التَّصحيف في المتن: التَّصحيفات التي لحقت بالمتون قد كان لبعضها أثر في أخذ بعض أهل العلم بالحكم المترتِّب على اللفظ المصحَّف، والتَّكلُّف في تأويله بما لا طائل تحته، وإليك بعض الأمثلة من الأحاديث التي أوردناها بإسنادها في هذا السِّفر المبارك. المثال الأول: في حديث أسماء بنت عميس ﵂، قالت: لما أُصِيب جعفر بن أبي طالب أمرني رسول الله ﷺ فقال: «تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي بعد ما شئت». تصحف عند ابن حبان (تسلبي) أي: البسي ثوب الحداد إلى (تسلمي)، وجاز هذا التَّصحيف عليه فأورد الحديث في (باب ذكر الزجر عن نياحة النساء على موتاهن)، وقال عقب الحديث: قوله ﷺ (تسلمي ثلاثًا) لفظة أمر قُرِنَت بعدد موصوف، قُصِدَ به الحسْمُ عما لا يحل استعمال في ذلك العدد. وقوله ﷺ (اصنعي بعد ما شئت) لفظة أمر قُصِدَ به الإباحة في ظاهر الخطاب، مرادها الزجر عن استعمال ما أُمِرَ به، يريد النبي ﷺ بقوله ما وصفت التسليم لأمر الله جل وعلا في الأيام الثلاث وقبلها وبعدها». قال الحافظ ابن حجر: «وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ (تسلمي) بالميم بدل الموحدة، وفسَّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحَّف الكلمة، وتكلَّف لتأويلها، وقد وقع في رواية البيهقي وغيره: (فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلَّب ثلاثًا). فتبين خطؤه، والله أعلم».

стр. 59

وتصحف عند الطحاوي (تسلبي) إلى (تسْكُني)، وأورد الحديث في ما باب (المتوفى عنها زوجها هل لها أن تسافر في عدتها)، فأورد الحديث مصحفًا، وبوب له بما يناسب التَّصحيف (١). المثال الثاني: في حديث أبي عامر أو أبي مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحِرَ والحرير». تصحف عند أبي داود (٢) (الحِرَ) إلى (الخز) بالخاء، فأورد الحديث في (باب ما جاء في الخز) ثم قال عقب الحديث: «عشرون نفسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أقل أو أكثر لبسوا الخز». والحِرُ بتخفيف الراء الفرج (٣). المثال الثالث: في حديث عائشة ﵂ في صفة قيام ليله ﷺ (ثم يسلم تسليمًا يسمعنا)، صحَّفه بعض الرواة فقال: (ثم يسلم تسليمة يسمعنا)، فصار معناه تسليمة واحدة، واحتج به بعض أهل العلم على التسليمة الواحدة. قال ابن رجب: «وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء. قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم. وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري عن النبي ﷺ » (٤).

стр. 60

المثال الرابع: حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجُمُعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن في الغافلين». صحَّف أحد الرواة (الجُمُعات) إلى (الجماعات)، وجاز هذا التَّصحيف على ابن ماجه فأورده مصحفًا في باب (التغليظ في التخلُّف عن الجماعة). وكذلك أورده الذهبي في «كتاب الكبائر» فقال: «الكبيرة الخامسة والستون: تارك الجماعة فيصلي وحده من غير عذر» (١). المثال الخامس: حديث جابر ﵁ قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : «أصليت ركعتين قبل أن تجلس؟» قال: لا، قال: «فصل ركعتين وتجوَّز فيهما». صحف بعض الرواة (تجلس) فقال: أصليت قبل أن تجيء، فجاز على بعضهم فاستدل به على أنها سنة الجمعة. قال ابن حجر: «قال المجد ابن تيمية في «المنتقى»: قوله: (قبل أن تجيء) دليل على أنها سنة الجمعة التي قبلها لا تحية المسجد، وتعقبه المزي بأن الصواب: (أصليت ركعتين قبل أن تجلس)، فصحفه بعض الرواة» (٢).

стр. 61

المثال السادس: حديث أم حبيبة ﵂، وفيه أنها قالت: لقد أُخبرت أنك تخطب زينب بنت أم سلمة فقال رسول الله ﷺ : «إن زينب تحرم علي، وإنها في حجري، وأرضعتني وأباها ثويبة .. )، أي: أن أباها أبا سلمة أخ للنبي ﷺ من الرضاعة (١). فصحف أحد الرواة (أباها) إلى (إياها) بالياء فقال: (أرضعتني وإياها ثويبة) أي: أنها أخته من الرضاعة، وليست ابنة أخيه كما في الحديث، وجاز هذا التَّصحيف على ابن حبان ﵀ فأورده في باب (ذكر الأخبار عن نفي جواز تزويج المرء أخته من الرضاع) (٢). المثال السابع: حديث أم سلمة ﵂ قالت: (إن كانت إحدانا لتَبقي ضُفرتها حين تغتسل). صحف أحد الرواة (ضفرتها) بالضاد إلى (صفرتها) بالصاد. وراج هذا التَّصحيف على البيهقي ﵀ فأورد الحديث في باب (ما رُوي في الصفرة إذا رُئِيت في غير أيام العادة) (٣). المثال الثامن: حديث ابن مسعود ﵁ قال: جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد صلاة العشاء (٤).

стр. 62

صحفه أحد الرواة فقال: (حبب إلينا)، أورده الطحاوي، وأورد فيه حديثًا في النهي عن السمر بعد العشاء، ثم حاول أن يجمع بين الحديثين فقال: (ففي هذا الحديث أن رسول الله ﷺ حبَّبَ لهم السمر بعد العشاء الأخيرة، وفي الحديث الأول أنه كان يكره ذلك، فوجهه عندنا والله أعلم أنه كره لهم من السمر ما ليس بقربة، وحبَّبَ لهم ما هو قربة .. ) (١). قلت: لا حاجة للتكلف في الجمع بين الحديثين؛ إذ ليس بينهما تعارض، إنما هو تصحيف جاز عليه فذهب إلى تأويله، والله تعالى أعلم. المثال التاسع: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والحياء»، وصحَّف بعضهم (الحياء) إلى (الحناء). قال ابن حجر الهيتمي: «وروي (الحناء) بالنون وهو وإن وقع في التِّرمذي تصحيف كما بينته في «شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحناء وعواره»، فإن جمعًا يمنيين زعموا حِلَّ الحِناء للرجال وصنفوا فيه وقل أدبهم على بقية علماء المذهب، وخضب اللحية سنة لم تعرف لغير نبينا فلا يصح حمل تلك الرواية المصحَّفة عليه» (٢). المثال العاشر: قال أبو الدرداء ﵁: ليس على سارق الحمَّام قطع. أورده ابن أبي شيبة في باب الرجل يدخل الحمَّام فيسرِق ثيابًا.

стр. 63

وتصحف (الحمَّام) وهو بتشديد الميم إلى (الحمَام) عند البيهقي فقال مُعقِّبًا: «وهذا إنما أراد في الطير والحمام المرسلة من غير حرز» (١). المثال الحادي عشر: عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «مقام الرجل في الصف أفضل من عبادة ستين سنة». صحَّف أحد الرواة (في الصف) إلى (الصمت) فقال: «مقام الرجل للصمت أفضل من عبادة ستين سنة». وجاز هذا التَّصحيف على البيهقي فأورده في باب (فضل السكوت عن كل ما لا يعنيه وترك الخوض فيه) (٢). وقال علي القاري مفسرًا الحديث: «(مقام الرجل للصمت) أي ثباته بمداومة سكوته عن الشر، قال: وقال الطيبي: أي منزلته عند الله أفضل من عبادة ستين سنة مع كثرة الكلام وعدم التثبت في المقام؛ لأن في العبادة آفات يسلم عنها بالصمت» (٣). المثال الثاني عشر: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نؤديه - يعني صدقة الفطر - على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من شعير. صحف قبيصة كلمة (نؤديه) إلى (نورثه)، ثم روى الحديث بالمعنى المترتِّب على التَّصحيف فقال: (الجد).

стр. 64

واغتر بهذا التَّصحيف ابن أبي شيبة فأورده في «مصنفه» في (باب في الجد ما له وما جاء فيه عن النبي ﷺ ، وذكره الهيثمي في «المجمع» في (باب ما جاء في الجد) (١). وهناك أمثلة أخرى نشير إليها باختصار. - في حديث أن النبي ﷺ أسهم للفرس سهمين وللراجل سهمًا. صحف بعض الرواة (الفرس) إلى (الفارس) فقالوا: أسهم للفارس سهمين (٢). - وفي حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث: الكِبر والغلول والدين دخل الجنة» (٣). صحف أحد الرواة (الكبر) إلى (الكنز). قال الحافظ العراقي: «لذا ذكره ابن مردويه في تفسير الذين يكنزون الذهب والفضة». - وفي حديث ابن عباس يمسح اليتيم هكذا، ووصف صالح: من وسط رأسه إلى جبهته (أي يمسح رأس اليتيم). تصحف عند عبد الحق الإشبيلي (اليتيم) إلى (التيمم) فأورده في باب التيمم، وأنكره عليه ابن القطان (٤). - وفي حديث أبي بكر ﵁ قال لرسول الله ﷺ : (علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا … » إلخ.

стр. 65

صحفه أحد الرواة إلى (كبيرًا)، والمحفوظ (كثيرًا) كما رواه جمع من الرواة بنفس الإسناد بلغ عددهم سبعة عشر نفسًا. واستحب الإمام النووي لذلك أن يجمع بينهما فيقول: ظلمًا كثيرًا كبيرًا. واعترض ابن جماعة على هذا بقوله: «ليس فيما ذكره إتيان بالسُّنَّة؛ لأن النبي ﷺ لم ينطق بهما، وإنما الذي ينبغي أن يدعو مرة (كثيرًا)، ومرة (كبيرًا) لنطقه حينئذ بالوارد يقينًا». قلت: لا حاجة للنطق بلفظ (كبيرًا)؛ لأنه تصحيف (١). - ومن تلك التَّصحيفات التي جازت على بعض أهل العلم ما عند مسلم من حديث أنس ﵁ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين. والصَّحيح (فرقتين) وليس (مرتين) كما أورده البخاري ومسلم من طرق عن أنس. وأورده الحافظ زين الدين العراقي في ألفيته في السيرة النَّبوية فقال: وإذ بَغَتْ منه قريشٌ أن يُري … آيًا أراهم انشقاقَ القمرِ فصار فِرقتينِ فِرقةٌ عَلَتْ … وفِرقةٌ للطَّودِ منه نزلتْ وذاك مَرتينِ بالإجماعِ … والنَّصِّ والتَّواترِ السَّماعي (٢) - وفي حديث ابن المسيب لما سئل عن غسل المستحاضة فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر (أي من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر) صحفه بعضهم: (من طهر إلى طهر).

стр. 66

- وفي حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقصر في الصلاة وتتم) (١). صحفه بعض الرواة (تتم) أي عائشة إلى (يتم)، فصار المعنى أن النبي ﷺ كان يقصر ويتم. وأورده المجد ابن تيمية في باب (اختيار القصر وجواز الإتمام)، مع أنه لم يثبت أن النبي ﷺ أتم في سفر قط (٢). - وحديث أصل كل داء البَردَة (أي التُّخمة)، وهو إدخال الطعام على الطعام، تصحف عند أبي نعيم في الطب النَّبوي إلى (البرد) فأورده في (باب توقِّي البرد والحر) (٣). - وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أشرافهم». صحفه أحد الرواة من (أشرافهم) إلى (أسواقهم) (٤). - وفي حديث «النار جبار» ذكر أكثر أهل العلم أنه تصحيف، أورده أبو داود في (باب النار تعدي)، وتعقب ابن عبد البر ابن معين في قوله: (تصحيف)، وقال: «ولا يسلم له حتى يتضح» (٥).

стр. 67

وهناك تصحيفات كان لها أثر فقهي ولم نوردها في كتابنا هذا لأنها لم تأت في أحاديث مسندة، وإنما تصحفت عند بعض المصنفين المتأخرين، ومن هذه الأحاديث: ١. حديث المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن، فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد (١). تصحف عند الحنفية (سبعه) أي سبعة أشواط إلى (سعيه) فلذلك استحبوا صلاة ركعتين بعد الفراغ من السعي. وتعقبهم ابن حجر (٢) في شرح «منسك النووي» (٣) فإنه راج في كتب الحنفية التَّصحيف، والصواب إذا فرغ من (سبعه) بالموحدة، ويؤيده تبويب ابن ماجه أنه ترجم عليه باب الركعتين بعد الطواف. ٢. وناظر بشر بن يحيى بن حسان - وهو خراساني من أهل الري - إسحاق بن راهويه في القرعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصِّحاح فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه فوجد في كتبه حديث النبي ﷺ أنه ينهى عن القرع، فقال لأصحابه: قد أصبت حديثًا أكسر به ظهره، فأتى إسحاق فأخبره فقال له إسحاق: إنما هذا القزع، أن يُحلق رأس الصبي ويُترك بعض (٤).

стр. 68

٣. حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا نُورثُ ما تركنا صدقة» (١). قال النووي: «هو برفع صدقة، و (ما) بمعنى الذي، أي: الذي تركناه فهو صدقة، وقد ذكر مسلم بعد حديث يحيى بن يحيى عن مالك من حديث عائشة، وفيه: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة»، وإنما نبهت على هذا لأن بعض جهلة الشيعة يصحفه» (٢). ونحو ذلك قال ابن حجر، قال: «وفي هذه القصة رد على من قرأ قوله «يورث» أو «صدقة»، بالنصب على الحال، وهي دعوى من بعض الرافضة، والذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث «لا نورث» بالنون، و «صدقة» بالرفع وأن الكلام جملتان، و «ما تركنا» في موضع الرفع بالابتداء و «صدقة» خبره، ويؤيده وروده في بعض طرق الصَّحيح «ما تركنا فهو صدقة»». ٤. حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (٣). رواه أحمد وابن خزيمة بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه بلفظ: (نهى أن يُحلق في المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة) (٤).

стр. 69

ورواه أبو داود والتِّرمذي بلفظ (ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة). وعقد عليه ابن ماجه (باب ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة). قال الخطابي: «وكان بعض مشايخنا يرونه أنه نهى عن الحلْق بسكون اللام، وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة. فقلت له: إنما هو الحلق جمع الحلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر. فقال: قد فرجتَ عني وجزاني خيرًا، وكان من الصالحين ﵀» (١).

стр. 70

آثار أخرى للتصحيف: ومن آثار التَّصحيف أن يُستشكَل اللفظُ المصحَّفُ، أو يُتكلَّف في تأويله، أو يكون لا معنى له، ويُعطى معنى آخر غير المراد، ومن أمثلة ذلك: المثال الأول: جاء في حديث رواه البخاري رحمه الله تعالى: «إن آل أبي - قال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض - ليسوا بأوليائي، ولكن لهم رحم أبُلها ببلاها». قال البخاري: «كذا وقع، و «ببلالها» أجود وأصح، و «ببلاها» لا أعرف له وجهًا» (١). المثال الثاني: جاء في حديث أبي هريرة ﵁: (فقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تلغثونها أو ترغثونها). قال ابن بطال: «أما اللغث فلم أجده فيما تصفحت من اللغة» (٢). المثال الثالث: جاء في حديث قول عمرو بن العاص لمعاوية لما تقابل مع جيش الحسن بن علي ﵁: أرى كتيبة لا تولي حتى تُدبر أخراها. قال القاضي عياض: «كذا هنا ولا معنى له، وفيه تغييرٌ، وصوابه ما جاء في كتاب الصلح تقتل أقرانها» (٣).

стр. 71

المثال الرابع: جاء في حديث زيد بن ثابت: (كان ناس يتبايعون الثمر قبل أن يبدو صلاحها، فإذا حضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدمار). قال عياض: «وقد روى ابن داسة هذا الحرف عن أبي داود الدمار، لا معنى له عندهم، وهو تصحيف، ذلك أنه في رواية أبي داود (الدُّمان)» (١). المثال الخامس: جاء في حديث يُذكَر عن ابن عباس: الوسواس: إذا ولد خنسه الشيطان، فإذا ذكر الله ذهب. قال عياض: «في هذا الكلام اختلاف لا شك، ولا معنى له، وهو تصحيف وتغيير، فإما أن يكون صوابه نخسه الشيطان كما جاء في غير هذا الباب … » (٢). المثال السادس: جاء في حديث أسماء بنت عميس أنها قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب أمرني رسول الله ﷺ فقال: (تسلبي ثلاثًا)، وصحفه ابن حبان إلى (تسلمي). قال ابن حجر: «وأغرب ابن حبان فساق الحديث بلفظ (تسلمي)، وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، فصحَّف الكلمة، وتكلَّف لتأويلها» (٣).

стр. 72

المثال السابع: وفي حديث حفصة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، وبدأ الصبح صلى ركعتين خفيفتين). قال ابن حجر: «وفيه نظر، وقد استشكله كثير من العلماء ووجهه بعضهم، والحديث في «الموطأ» عند جميع رواته كان إذا سكت المؤذن … » (١). المثال الثامن: حديث قتادة قال: (ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أغر يوم القيامة من الأنصار) (٢). قوله: (أغر) تصحيف ولا معنى له، والصَّحيح كما في البخاري (أعز) بالزاي، وقد فسر بعضهم (أغر) كأنه من الغرة (٣). المثال التاسع: جاء في حديث (لا إغرار في صلاة، ولا تسليم). كذا جاء، وهو تصحيف، والصَّحيح (لا غرار). قال أبو عبيد: «روى بعض المحدثين هذا الحديث (لا إغرار)، ولا أعرف هذا في العلم، وليس له عندي وجه» (٤).

стр. 73

المثال العاشر: جاء في حديث في صفة الدجال (غلام أعور أضرس) أي: عظيم الضرس، أو الذي يولد وضرسه معه. وهذا تصحيف، والصَّحيح (أضر شيء) كما في بقية الروايات الصحيحة (١). فهذه الروايات أعطت الدجال وصفًا لم يرد في غيره. المثال الحادي عشر: جاء في حديث رواه قبيصة من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ . قال الإمام مسلم: «هذا خبر صحَّف فيه قبيصة، إنما كان الحديث بهذا الإسناد: (كنا نُؤدِّيه على عهد رسول الله ﷺ يعني من الطعام وغيره في زكاة الفطر، فلم يُقِم قراءته فقلب قوله إلى: (مال نورثه)، ثم قلب له معنى، فقال: يعني الجد» (٢). ومعنى كلامه أن قبيصة صحف الكلمة، ثم روى الحديث بالمعنى المترتب على التَّصحيف. المثال الثاني عشر: جاء في حديث: (خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر).

стр. 74

قال الحافظ: «قوله: (فرفعه إلى يديه) مشكل؛ لأن الرفع إنما يكون باليد … ولعل الكلمة تصحفت» (١). المثال الثالث عشر: جاء في حديث عند أبي داود يحث على الرفق بالمملوك: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم … فإن كلفه ما يغلبه فليبعه» (٢). قوله: «فليبعه» لا معنى له هنا، وإنما تصحفت من «فليعنه» من الإعانة، وهذا الموافق لسياق الحديث.

стр. 75

التَّصحيفات المضحكة (١): - صحف بعضهم حديث نهى رسول الله ﷺ عن (الخبر) إلى (الخبز) (٢). - وصحف بعضهم حديثًا عن شعبة عن سفيان فصحف الاسمين فقال: حدثكم سبعة وسبعين (٣). - وصحف بعضهم حديث «يُكفَّن الصبي في ثوب» فقال: «يُكفَّن الظبي في ثوب» (٤). - وصحف بعضهم حديث «الذي يشرب في آنية الفضة» فقال: «الذي نشرت في أبيه القصة» (٥). - وصحف بعضهم حديث «يوشك أن تسير الضعينة بلا خفير» إلى «بلا خفين» (٦). - وصحف بعضهم حديث كعب بن مالك قال: كنت أول من عرف وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، رأيت عينيه تزهران تحت المغفر. فقال: رأيت عتيبة بن هزان تحت المغفر (٧). - وصحف بعضهم أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره إلى (آجُرَّه) بضم الجيم وتشديد الراء (٨).
следующие страницы →