← Адаб

Адаб · id 1593

عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري

النيسابوري، ابن حبيب

Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأراك نحوي غير ملتفٍ ... محرفاً عن غير منحرف يا من أطال بهجرة أسفي ... أسفي عليك أشد من تلفي قال: وقلت لغورك يوماً أخبرني باحسن ما قلت في الحب؟ قال: كتمت جنوني وهو في القلب كامنٌ ... فلما استوى والحب أغلبه الحبّ وقلبي والجسم الصحيح مذيبه ... فلما ذاب الجسم ذلّ له القلب فجسمي نحيل للجنون وللهوى ... فهذا له نهب وهذا له نهب قال جعفر بن إسماعيل: أُتى غورك بطبيب يعالجه، فقال الطبيب: لو تركتني لعالجتك وأصلحتك. فأنشأ غورك يقول: إعلم وأيقن أيها المتكلم ... ما بي اجلّ من الجنون وأعظم أنا عاشق فإن استطعت لعاشق ... برءاً مننت به فأنت محكم حسبي عذابي في الهوى حسبي به ... إذ من أهيم به يصدّ ويصرم هيهات! أنت بغير دائي عالم ... وسواك بالداء الذي بي أعلم دائي رسيس قد تضمنه الهوى ... تحت الجوانح ناره تتضرم وله أيضاً: هلموا انظروا ما أورث الحبّ انله ... أُحذركم شرّ الهوى وعواقبه وأغرى بنفسي الشوق والهم والاسى ... فأرقني بالليل أرعى كواكبه عباس المجنون قال محمد بن المبارك: صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبة من صوف مكتوب عليها: لا يباع ولا يوهب. قد ائتزر بمأزر الخشوع، وارتدى برداء

стр. 107

الورع، وتعمم بعمامة التوكل. فلما رآني استخفى وراء شجرة بلوط، فناشدته الله أن يظهر فظهر. فقلت كيف تصبر على الوحدة في هذه القفار؟ فضحك وأنشأ يقول: يا حبيب القلوب من لي سواكا ... إرحم اليوم مذنباً قد أتاكا أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا يا مرادي وسيدي واعتمادي ... طال شوقي متى يكون لقاكا ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير اني أريدها لأراكا ثم غاب، وعدت مراراً فلم أره. فسألت عنه فقيل لي إنه العباس المجنون له اكلتان في كل شهر من ثمر الشجر والعشب. مان الموسوس واسمه محمد بن القاسم قال بكار بن علي: عزم صاحب الشرطة علي فالتمس مني من يناديه فأشرت إليه بمان الموسوس فأُحضر، فأمر به فأُدخل الحمام، وأُلبس ثياباً ثم أُدخل عليه. فقال السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله. فقال وعليك السلام يا مان! قد آن لك أن تزورنا على شوقنا إليك. فقال أصلح الله الأمير الشوق شديد والمزار بعيد والود عنيد، والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا لأذن لسهلت علينا الزيارة. فقال محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب الشرطة للحسن بن طالوت: ما أحسن ما يلفظ في تسهيل الاذن! فأمره بالجلوس فجلس. ودعا محمد بجارية تسمي بنوسة جارية ابن المقري وكان يحب سماعها، وكان أول ما غنت به: ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الخدين من شدة الوجد وقولي وقد زالت بعيني حمولهم ... بواكر تحدي لا تكن آخر العهد فقال مان: أتأذن لي يا سيدي؟ قال في أي شيء يا مان؟ قال في استحسان ما

стр. 108

أسمع، فقال أذنت لك فقل ما أحببت، فقال أحسنت! بحق الأمير إلا زدت هذين البيتين: وكيف أُناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الصبر والجهد ولم يعدني هذا الأمير بعدله ... على ظالم قد لج في الهجر والصدّ فقال له محمد: ومن أي شيء استعديت يا مان؟ فاستحيا وقال: لا من ظلم أيها الأمير ولكن الطرب حرك شوقاً كامناً فظهر. وهل بعد الشيب من صبوة؟ ثم غنت بنوسة بشعر أبي العتاهية: حجبوها عن الرياح لأني ... قلت للريح بلغيها السلاما لو رضو بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما فقال مان ما كان على قائل هذا الشعر لو زاد فيه هذين البيتين: فتنفست ثم قلت لطيفي ... ويك لو زرت طيفها إلماما حبها بالسلام سرّاً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما قال محمد: أحسنت يا مان! ثم غنت بنوسة بشعر أبي نواس: يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما ما مررنا بقصر زينب إلا ... فضح الدمع سرّي المكتوما فقال مان: والله لولا رهبة الأمير، لأضفت إلى هذين البيتين بيتين، لا يردان على سمع ذي لب فيصدرا إلا عن استحسان منه لهما. فقال الأمير محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كل رهبة فقال ما بدا لك. فقال: ظبية كالهلال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً وإذا ما تبسمت خلت ما يب ... دو من الثغر لؤلؤاً منظوما قال محمد: أحسنت يا مان! فأجز هذين البيتين: لم تطب اللذات إلا بما ... دارت به ألفاظ بنّوسة

стр. 109

غنت غناءً عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت: طاووسة وجرت ان شبهتها بائةً ... في جنة الفردوس مغروسة وغير عدل ان عدلنا بها ... لؤلؤةً في البحر مغموسة جلّت عن الوصف فما فكرة ... تدركها بالنعت محسوسة فقالت بنوسة: قد وجب شكري يا مان! فاعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ولك من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا. ثم قال مان: مدمن الإغضاء موصول ... ومديم المتب مملول ليس لي خلّ فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل أنا موسول بنعمة من ... حبله بالحمد موسول أنا مشمول بمنة من ... منّه في الخلق مبذول أنا مغبوط بزورة من ... ربعه بالجود مأهول ثم أومأ إليه الحسن ان قم، فنهض وهو يقول: ملك عز النظير له ... زانه الغرّ البهاليل طاهري في مواكيه ... عرفة في الناس مبذول دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول فلما خرج قال محمد: ليست خساسة المرء باتضاع حاله، ولا ينبو العين عن ناظره، بل يهذبه جوهره الذي الأدب مركب فيه. وما أخطأ صالح ابن عبد

стр. 110

القدوس حيث يقول: لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول ولربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول وأنشد أبو محمد بن الحسين الوضاحي لمان: لما رأيت البدر في ... أُفق السماء قد استقلا ورأيت قرن الشمس في ... أُفق الغروب وقد تدلى شبهت ذاك وهذه ... فأرى شبيههما أجلا وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولى رزام المجنون قال علي بن عبد الملك: كان بطرسوس مجنون اسمه رزام. وكان إذا خرج المعسكر خرج مع الناس وأخذ سيفاً ودرقة، ولا يزال يلقي أعداء الدين، فإذا حصل في الحرب زال عنه جنونه، فإذا انقضى القتال، فعاد إلى البلد، رجع إلى جنونه.

стр. 111

مجانين الاعراب جساس الموسوس قال الأصمعي: قال عمي: دخلت بعض أحياء العرب فرأيت شيخاً موسوساً يهذي، وقد اجتمع إليه الناس. فقلت من هذا؟ فقالوا جساس الموسوس لا يزال ينام ليله ونهاره، وربما ينتبه فزعاً مرعوباً فيجلس ساعةً، ثم يصيح ويهيم على وجهه، ثم يعود إلى نومه. فبت ليلةً هناك، وهو على الحال الذي وصفوه، فلما أصبحنا أتيته. فقلت ما اسمك يا شيخ؟ أنت أنوم من فهد. مالك تنام دهرك؟ فقال النوم لا تبعة علي فيه، وفي مجالستك ومجالسة أضرابك تبعات. قلت وأي تبعة عليك في مجالستي؟ قال اشتغل بك عمن أنشأني، ثم أنشأ يقول: لقد أغنيت عن هذا السؤال ... وعما أنت فيه من المقال فإن كنت الغداة تريد قولاً ... فما فيه رضى مولى الموالي ثم عدا هائماً على وجهه في تلك الرمال قائلاً: ما أكثر فضول أهل الحضر!. أوفى البدوي قال المدايني: كان بمكة مجنون يقال له أوفى البدوي من مجانين الاعراب وكان يصلي الليل كله، فإذا أحس بالصبح رمى بطرفه إلى السماء وأنشأ يقول: ربّ مكحول بمحلول الأرق ... قلبه وقف بنيران الحرق فكره في الله في أوقاته ... وبه يفتح فاه ان نطق

стр. 112

مجنون من بني سعد قال الأصمعي: بينما أنا قاعد عند محمد بن سليمان الهاشمي والي البصرة إذ دخل عليه رجل فقال أصلح الله الأمير إن بالمربد أعرابي اً مجنوناً من بني سعد لا يتكلم إلا بالشعر، فقال علي به، فأُتي به، فلما نظر الأعرابي إليه أنشأ يقول: حياك ربّ الناس من أمير ... يا فاضل الأصل عظيم الخير فقال محمد: وأنت فحياك الله يا أخا بني سعد، فقال الأعرابي: إني أتاني الفارس الجلواز ... والقلب قد طار به اهتزاز فقال الأمير إنما بعثنا إليك لنشتري ناقتك، فقال الأعرابي: ما قال شيئاً في شراء الناقة ... وقد أتى بالجهل والحماقة قال الأمير وما الذي أتى؟ فقال: قد شق سربالي وشق بردتي ... وكان زيني في الملا ومجدتي فقال الأمير إذاً نخلع عليك، فقال الأعرابي: نعّمك الله وأرخى بالك ... وأكثر الله لنا أمثالك فقال الأمير بكم اشتريتها؟ فقال: شراؤها عشر ببطن مكة ... من الدنانير القيام السكة ولن أبيع الدهر أو أزاد ... إني لربح في الشرا معتاد قال الأمير فبكم آخذها؟ فقال: خذها بعشرٍ وبخمسٍ وازنه ... فإنها ناقة صدق مازنة

стр. 113

فقال الأمير بل تحط وتحسن فقال: سبحان ربي ذو الجلال العالي ... تسأل احساني وأنت الوالي قال الأمير فنأخذها منك ولا نعطيك شيئاً فقال: فأين ربي ذو الجلال الأفضل ... إن أنت لم تخش الآله فافعل فقال الأمير إني أسألك أن تحط. فقال الأعرابي: والله ما يجبرني ما تعطي ... لا يداني الفقر مني حطّي فأمر له بألف درهم وثياب من خاصة ملبسه. فقال الأعرابي. إني رمتني نحوك الفجاج ... أبو عيال معدم محتاج طاوي المطيّ مع ضيق العيش ... فأنبت الله لديك ريشي شرفتني منك بألفٍ حاضرة ... شرفك الله بها في الآخرة وكسوة طاهرة حسان ... كساك ربي حلل الجنان قال فضحك الأمير وقال من زعم إن هذا مجنون؟ وددت إني كنت مثله. أعرابي قال العباس بن علي الهاشمي كنت والياً بمكة فجلست ذات يوم في مسجد وعندي جماعة، فوقف بنا إعرابي وقال أيكم الأمير؟ فأُشير إلي. فقال: يا من ترفع بالإمارة طاغياً ... إخفض عليك فللأمور زوال فلئن أفادك ذا الزمان بصرفه ... فبصرفه تتقلب الأحوال أبو الشريك قال الأصمعي بينا أنا ذات يوم عند والي البصرة إذ قيل مجنون بالباب يتكلم بالشعر. فقال أدخلوه فدخل، فإذا هو رجل كأنه نخلة سحوق، نتن الأطراف

стр. 114

موسوس، فسلم على الأمير، فرد ﵇ وقال من أنت؟ فقال: إني أنا أبو الشريك الشاعر ... من سأل عني فأنا ابن الفاغر فقال الوالي ما أمدحك لنفسك! فقال: لأنني أرتجل ارتجالاً ... ما شئت يا من أُلبس الجمالا قال الأصمعي فقال لي الأمير ما هذا مجنون. فألق عليه ما عندك فقلت له ما الريم؟ فقال: الريم فضل اللحم للجزار ... ينحره للفتية الأيسار فقلت ما الحلوان؟ فقال. أليس ما يعطي على الكهانة ... والحر لا يقنع بالمهانة فقلت ما الدكاع؟ فقال: إن الدكاع هو سعال الماشية ... والله لا تخفي عليه خافية قلت فما التوله؟ فقال: عوذة عنق الطفل عندي توله ... وقد تسمى العنكبوت توله قلت فما الرفة؟ فقال. الرّفة التبن فسل ماشيتا ... لقد وجدت عالماً خرّيتا قال الأصمعي فاستحييت من كثرة ما سألته. فقال قل لي: ما الهلقس والسحساح ... والحمل الراوح لا يراح قلت الهلقس الطمع للحريص، والسحساح الذي لا يستقر في موضع والراوح المهزول فقال: ما أنت إلا حافظ للعلم ... أحسنت ما قلت بغير فهم

стр. 115

فقال الوالي فحبذا كل مجنون مثل هذا. ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قدم إليه المال قال. أكلّ هذا هو لي بمرّه ... تم سروري واعترتني مسره ثم أقبل على الأمير فقال. رشت جناحي يا أخا قريش ... أقررت عيني وأطبت عيشي هبنقة قال عبد العزيز بن سعيد السيرافي قال لي أبي قد أنشد رجل هبنقة: إهجر محل السوء لا تلمّ به ... وإذا نبابك منزل فتحول فقال هذا أحمق بيت قالته العرب، وكيف يطيق أهل السجن النقلة؟ هلا قال: إذا كنت في دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولاً بها فتحول جارية سوداء قال بلال بن جماعة فكرت ذات ليلة فقلت يا رب من زوجتي في الجنة؟ فأريت في منامي ثلاث ليال إنها جارية سوداء في أوطاس. فأتيت أوطاس فسألت عن الجارية فقال لي رجل يا هذا! تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قلت وكيف كان جنونها؟ قال كانت تصوم النهار، فأعطيناها فطورها فتصدقت به، وكانت لا تهدأ بالليل ولا تنام، فضجرنا منها. قلت فأين هي؟ قال ترعى غنماً للقوم في الصحراء، فإذا أنا بها قائمةً تصلي، فنظرت إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها! فلما فرغت من صلاتها، سلمت عليها فقالت يا بلال! أنت زوجي في الجنة. قلت قد رأيت ذلك في النوم. قالت وأنا بشرت بك. فقلت

стр. 116

ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ قالت نعم أصلحت شأني بيني وبينه، فأصلح بين الذئب والغنم! عوسجة قال محمد بن المبارك الصوري خرجت حاجاً، فإذا أنا بجارية سوداء يقال لها عوسجة بلا عطاء ولا وطاء. فسلمت عليها فردت السلام. ثم قالت أنت يا ابن المبارك على بطالتك بعد؟ قلت لها وكيف عرفتني؟ فقالت أضاءت مصابيح الآمال، في قلوب العمال. فتنورت جوارحي بنور الصفاء، فعرفتك بمعرفة من على العرش استوى. قلت وما الصفا؟ قالت ترك أخلاق الجفا. قلت لها من أين جئت قالت من عنده. قلت وإلى أين تريدين؟ قالت إليه. قلت بلا زاد ولا راحلة. قالت يا أعمى! أسألك عن مسألة، لو أتى أحدكم واستزار خاله إلى منزله أيجمل أن يحمل معه زاداً؟ ثم أنشأت: ارض بالله صاحباً ... وذر الناس جانبا صافه الودّ شاهداً ... كنت أو كنت غائبا لا تودّن غيره ... ذا رفيقاً مصاحبا قال صالح بن إسماعيل سمعت عوسجة وهي تطوف بالبيت الشريف تقول: سرائر كتمان يبوح بها الهوى ... واظهار وعد ما يراد سواه قال عبد الرحمن الواسطي سمعت عوسجة ذات ليلة تقول: جعل الظلام مطيةً لقيامه ... لينال وصلاً ما يريد سواه

стр. 117

ريحانة قال إبراهيم بن الأدهم ﵀ ذكرت لي ريحانة فخرجت إلى الأيلة، فإذا أنا بجارية سوداء قد أثر البكاء في خديها خطاً، فذاكرتها شيئاً من أمر الآخرة. فأنشأت تقول: من كان راكب يوم ليس يأمنه ... وليله تائهاً في عقب دنياه فكيف يلتذ عيشاً لا يطيب له ... وكيف تعرف عين الغمض عيناه وأنشدت أيضاً. صبرت عن اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت ولها أيضاً: وما عاشق الدنيا بناج من الردى ... ولا خارج منها بغير غليل فكم ملك قد صفّر الموت بيته ... وأخرج من ظلٍ عليه ظليل ولها أيضاً: حسب المحب من الحبيب بعلمه ... إن المحبّ ببابه مطروح والقلب فيه أن تنفس في الدجى ... بسهام لوعات الهوى مجروح وأنشدت أيضاً: بوجهك لا تعذبني فإني ... أؤمل أن أفوز بخير دار منجدة مزخرفة العلالي ... بها المأوى ونعم هي القرار وأنت مجاور الأبرار فيها ... ولولا أنت ما طاب المزار وأنشدت أيضاً: اجعل لنفسك في الليالي نبهة ... تنبهك من خلل المنام قيام

стр. 118

وأنس إلى طول القيام مخلدا ... واترك لذاذ النوم والأحلام وأيضاً: تعوّد سهر الليل ... فإن النوم خسران ولا تركن إلى الذنب ... فإن الذنب نيران فكن للوحي درّاساً ... وللقراء أخدان إذا ما الليل فاجاهم ... فهم في الليل رهبان يميلون كما مال ... من الأرياح أغصان وأيضاً: أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذاباً كلما كبرت لديه تهين المكرمات بها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما كنت محتاجاً إليه آسية قال إبراهيم ذكرت آسية لعبد الله بن طاهر، فدعى بها، فأُدخلت عليه، فلزمت الصمت خمسة أيام. فقال لها عبد الله أخرساء أنت، مالك لا تنطقين؟ قالت ولكني أقول: قالوا نراك طويل الصمت قلت لهم ... ما طول صمتي من عيٍّ ومن خرس الصمت أحمد في الحالين عاقبةً ... عندي وأحسن بي من منطق شكس قالوا وأنت مصيب لسلت ذا خطإ ... فقلت هاتوا أروني وجه معتبس أأنشر البر فيمن ليس يعرفه ... أم أنثر الدرّ بين العمى في الغلس

стр. 119

حيونة قال راشد بن علقمة الأهوازي كانت حيونة إذا جنها الليل تقول في دعائها: يا واحدي تمنعني بالليل التلاوة، ثم تقطعني عنك بك في ضياء النهار. إلهي! وددت أن النهار ليل حتى أتمتع بقربك. قال سلام الأسود طلعت عليها الشمس يوماً فآذتها فقالت: إن كنت تعلم أنني بك واله ... فاصرف سموم الشمس عني سيدي قال فغمت السماء في الوقت. قال سلام صامت حيونة حتى اسودت، فعوتبت في ذلك فرفعت طرفها إلى السماء وقالت قد لامني خلقك في خدمتك فوعزتك وجلالك لأخدمنك حتى لا يبقى لي عصب ولا قصب. ثم أنشأت تقول. يا ذا الذي وعد الرضى لحبيبه ... أنت الذي ما أن سواك أُريد قال سلام الأسود نظرت إليها في يوم شديد الحر، فقالت اسكت عند المبلغ تفرح الواردون، وعند العرض تنقطع الأسباب، وعند قوله خذوه تنشر أعلام العارفين. زارت رابعة حيونة فلما كان جوف الليل حمل النوم على رابعة. فقامت إليها حيونة فركلتها برجلها وهي تقول قومي قد جاء عرس المهتدين. يا من زين عرائس الليل بنور التهجد. قال سلام وقفت حيونة يوماً على عبد الواحد ثم نادت يا متكلم تكلم عن نفسك، والله لو مت ما تبعت جنازتك. قال ولم؟ قالت تتكلم على الخليفة وتتقرب لهم! ما شبهتك إلا بمعلم صبي علمه أن يحفظ بالعشي فإذا بكر من بيت أمه نسي.

стр. 120

فيحتاج المعلم إلى ضربه. إذهب يا عبد الواحد! إضرب نفسك بدرة الأدب، وتزود زاد القناعة، واجعل حظك مما أنت فيه الكلام على نفسك، ثم تكلم على الخليقة. قال سلام فلقد عرق عبد الواحد وأقام ما يتكلم على الناس سنة. وأنشدت. وليس للميت في قبره ... فطر ولا أضحى ولا عشر بان من الأهل على قربه ... كذلك من مسكنه القبر قال سلام سمعت حيونة تقول: من أحب الله أنس ومن أنس طرب. ومن طرب استاق. ومن اشتاق وله. ومن وله خدم. ومن خدم وصل. ومن وصل اتصل. ومن اتصل عرف. ومن عرف قرب. ومن قرب لم يرقد. وتسورت عليه بوارق الأحزان. وكانت تقول اللهم هب لي سكون قلبي بعقد الثقة بك. واجعل جميع خواطري واثقة برضاك. ولا تجعل حظي الحرمان منك. يا أمل الآملين! قال إبراهيم زارت ريحانة حيونة فلما جن الليل جاء المطر والريح الشديد، ففزعت ريحانة، فضحكت حيونة وقالت لها يا مدبرة العمل. لو علمت أن في قلبي محبة غيره أو خوف سواه لوجأته بالسكين. سلمونة قال سهل بن سعد: كانت عندنا بعبادان امرأة مجنونة اسمها سلمونة. وكانت تغيب شخصها بالنهار فلا ترى، فإذا كان الليل صعدت السطح وجعلت تنادي إلى الصباح سيدي ومولاي جنبتني عن عقلي، وأوحشتني عن خلقك وآنستني بذكرك، وقد نفيت عن خلقك، فوا أسفاه إن نفيت عنك. ميمونة قال إبراهيم بن الأدهم رأيت في المنام كأن قائلاً يقول: إن ميمونة السوداء زوجتك

стр. 121

في الجنة. قال فكنت أطلبها حتى وجدت أثرها بحمص. فطلبتها فقيل إنها مجنون ة لا تألف أحداً. قلت فأين هي؟ قيل دفعنا إليها أغناماً ترعاها في الجبانة. فخرجت إلى الجبانة فإذا هي قائمة تصلي، والشاة والذئب في مكان واحد فوقفت متعجباً، فلما قضت الصلاة قالت يا إبراهيم! الموعد في الجنة لا هنا. فعجبت من فطنتها فقلت يا سبحان الله! ألست مؤتمنة على هذه الأغنام؟ قالت بلى. قلت فلم عطلتيها حتى توسطتها الذئاب؟ قالت سلمتها إلى منشئها. ثم قالت: ارتفعت الحشمة بيني وبين من أنا قائمة بين يديه. فهو الذي رفع الوحشة بين الشاة والذئاب ثم ولت وأنشأت تقول: قلوب العارفين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا والسنة بسرّ قد تناجي ... تغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش ... إلى ملكوت رب العالمينا فتسقيها أشراب الصدق صرفاً ... وتشرب من كؤوس العارفينا بجة قال إسماعيل بن سملة بن كهل: كانت لي أخت أسن مني فذهب عقلها فكانت في غرفة في أقصى السطح. فمكثت بضع عشرة سنة وكانت مع ذلك تحرص على الطهور والصلاة وتتفقد الأوقات، وربما إذا غلبت على عقلها أياماً فتحفظ ذلك حتى تقضيه. فبينما أنا ذات ليلة إذا بباب بيتي يدق نصف الليل، فقلت من هذا؟ قالت بجة. فقلت أُختي، قالت أُختك. قلت لبيك وقمت وفتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت من أكثر من عشرين سنة، فقلت لها يا أُختاه خير. فقالت رأيت الليلة في منامي فقيل لي السلام عليك يا بجة فرددت فقيل لي إن الله قد غفر لجدك وحفظك بأبيك إسماعيل فإن شئت دعوت الله فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة. فإن أبا بكر وعمر قد شفعا لك إلى الله بحبك أبيك وجدك وحبكم إياهما. قالت فقلت إن كان لا بد من اختيار

стр. 122

أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه، والجنة. وإن الله تعالى لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء إن شاء جمعهما. قيل فقد جمعهما لك، رضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر ﵄ فقومي وانزلي. قال فأذهب الله ما كان بها وعادت إلى أحسن الحالات. وكانت إذا حضر إليها طبيب تقول: خلوا بيني وبين طبيبي أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي فلعله يكون عنده شفائي. مجنونة قال ذو النون: بينا أنا أسير في طريق إنطاكية إذا بجارية مجنونة عليها جبة صوف فقالت ألست ذا النون؟ قلت بلى، وكيف عرفتني؟ قالت فتق الحب بين قلبي وقلبك فعرفتك، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت تاق قلب أوليائه شوقاً إليه، فقلوبهم مربوطة بسلاسل الأنس ينظرون إليه بمعارف الألباب، ثم قالت: أسألك. قلت نعم. فقالت: أي شيء السخاء؟ قلت: البذل والعطاء. قالت هذا السخاء في الدنيا. فما السخاء في الدين؟ قلت المسارعة إلى طاعة الله. قالت: فإذا سارعت في طاعته ترجو منه شيئاً؟ قلت نعم، بالواحدة عشرة. قالت مه يا بطال! هذا في الدين قبيح وإنما المسارعة في الطاعة أن يطلع المولى على قلبك، وأنت لا تريد منه بديلاً، ثم قالت إني أُريد أن أُقسم عليه منذ عشرين سنة في طلب شهوة فاستحي منه مخافة أن أكون كأجير السوء يعمل للأجرة ولكنني أعمل تعظيماً لهيبته. مجنون قال إسحاق بن أحمد الخزاعي عن أبيه قال: قدم هارون الرشيد مدينة الرقة وبها دير يقال له دير. زكى فلما أقبلت المواكب أشرف أهل الدير ينظرون وفيهم مجنون مسلسل، فلما أقبل هارون رمى المجنون بنفسه فقال يا أمير المؤمنين قد قلت فيك ثلاثة أبيات فأُنشدك، قال نعم. فقال:

стр. 123

لحظات طرفك في العدى ... تغنيك عن سلّ السيوف وعزيم رأيك في النهى ... يكفيك عاقبة الصروف وسيول كفك في الندى ... بحر يفيض على الضعيف ثم قال يا أمير المؤمنين! هات ثلاثة آلاف دينار أشتري بها كساءً وتمراً فقال الرشيد تدفع إليه ثلاثة آلاف دينار، فحملت إلى أهله وأُخرج من الدير وكان من أهل الشرف. شيخ مجنون قال سوار بن عبد الله القاضي: دخلت بعض حمامات البصرة، فقلت لصاحب الحمام فيه أحد؟ قال لا، إلا شيخ موسوس. فدخلت فإذا شيخ فقلت يا شيخ! ما حرفتك! قال أنا أبيع الكعاب والدوامات من الصبيان فقلت في نفسي مع من وقعت. فقال لي الشيخ فما حرفتك؟ قلت لا أُخبرك قال والله ما أنصفتني سألتني عن حرفتي فأخبرتك، وسألتك عن حرفتك فلم تخبرني. فقلت أنا أنظر فيما بين الناس، وأمنع الظالم من المظلوم. قال الشيخ: ويقبلون منك، قلت من لم يقبل حبسته وأدبته، قال ومنك ذلك قلت نعم إن معي أعواناً من السلطان. قال الشيخ: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. قال سوار فتصاغرت إلي نفسي. مجنون قال محمد بن يعقوب الأزدي عن أبيه دخلت دير هرقل فوجدت فيه مجنوناً مكبلاً، فكلمته فوجدته أديباً. فقلت ما الذي غيرك إلى ما أرى؟ فقال: نظرت إليها فاستحلت بنظرة ... دمي ودمي غالٍ فارخصه الحب وغاليت في حبي لها ورأت دمي ... رخيصاً فمن هذين داخلها العجب قال بعضهم لقيت بعض المجانين، فقلت له يوم غيم قال:

стр. 124

أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمه ... وأقتامه فاليوم لا شكّ ماطر وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المحاجر مجنون قال الجاحظ: رأيت مجنوناً بالكوفة فقال لي من أنت؟ قلت عمرو بن بحر الجاحظ. قال يزعم أهل البصرة أنك أعلمهم. قلت إن ذلك لقال. قال من أشعر الناس؟ قلت امرئ القيس. قال حيث يقول ماذا؟ قلت: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والخشف البالي قال فأنا أشعر منه، قلت حيث تقول ماذا؟ قال حيث أقول: كأن وراء الستر فوق فراشها ... قناديل زيت من ورام قرام فأينا أشعر؟ قلت أنت. قال فأيهما أقوى الماء؟ قلت الريح. قال لم تصب. قلت وكيف؟ قال يقع الثوب في الماء فيبتل في طرفة عين، ويبسط في الريح فلا يجف إلا بعد ساعات، أصبت أم أخطأت؟ فقلت أصبت. مجنون أسود قال ذو النون: ركبت البحر ومعنا مجنون أسود ذاهب العقل فلما توسطنا البحر قال الملاح: زنوا الكراء، فوزنا حتى إذا بلغوا إليه فقالوا له زن فأنشأ يقول:

стр. 125

ليس القلوب تفوز أنس أنيسها ... فتحيرت بين المحبة والهوى قال الملاح: زن، قال بعثنا إلى الخازن ليزن لك، قال وأين الخازن؟ قال في البحر صيرفي خازن. قال ذو النون فبينا نحن في ذلك إذ هاج موج عظيم فخرجت منه سمكة فاغرة فاها مملوء فوها دنانير، فجاءت حتى وقفت بقرب الأسود. فقال الأسود يا ملاح! خذها إليك وإياك أن تسرق فأخذ منها ديناراً، فلما خرجنا سألت عنه فقيل هذا مجنون لم يفطر منذ خمسين سنة لا يطعم في الشهر إلا مرة. شاب مجنون قال المبرد: دخلت دار المرضى فإذا أنا بشاب مقيد إلى جدار. فقال لي من أنت وما حرفتك؟ فسكت. فنظر إلى المحبرة في يدي، فقال أمن أهل الحديث وحملة الآثار؟ أم أهل الأدب والنحو؟ قلت من أهل الأدب والنحو. قال من أصحاب من؟ قلت من أصحاب أبي عثمان المازني. قال فهل لك معرفة بصاحبه الذي قعد في مكانه؟ قلت إني به لعارف. قال ما سمعت في نسبه؟ قلت يقولون أنه من ثمالة الأزد. قال أنه مطعون فيه. قلت لا. قال قد قال عبد الصمد فيه: سألنا عن ثمالة كل حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: زدتنا بهم جهاله ولد مجنون قال معقل بن علي: كان عندنا بالمدينة رجل من ولد كثير بن الصلت حسن الوجه، نظيف الثياب، كثير المال، ملازماً لمسجد رسول الله ﷺ . فغلبت عليه المرة، فأحرقته فذهب عقله، فكان بعد ذلك يجلس في المزابل، فمررت به ذات يوم. فقلت له يا ابن كثير! عز علي ما أرى بك. فقال الحمد لله الذي لم يجعلني ساخطاً لقضائه وقدره، يا أخا الأنصار روى أهل العراق أن عطاءً الخراساني كان يغازيهم في سبيل الله، فيقوم الليل

стр. 126

حتى إذا انفجر الصبح نادى بأعلى صوته يا عبد الرحمن بن يزيد! ويا هشام بن الغار! قوما فصليا، فإن مكابدة هذا الليل الطويل، خير من مقطعات النيران والسلاسل والأغلال، النجاة النجاة يا أخا الأنصار! فلعل ما أنا فيه بدل من النار. مجنون قال أبو القاسم الصوفي: دخلت البيمارستان بالبصرة فرأيت في المجانين من تفرست فيه فسلمت فرد علي، فقلت ما هذا المكان؟ فقال رضي لي بهذا فلا يعارض فيما يريد، قلت: الذي يقول: تعرف في الفكر إذا ... رحّله الشوق رحل وحيث ما كان إذا ... أنزله الحب نزل وهكذا أهل الهوى ... يلقون في الحب الخبل مختبل معتبر ... يهيم في كل جبل لو خطر الوهم به ... على التجني لاعتدل فتى مجنون قال أحمد بن يحيى: كان ببغداد فتى يجن ستة أشهر ويفيق ستة أشهر كما كان، فاستقبلني يوماً في بعض السكك فقال ثعلب! قلت نعم، قال فأنشدته: وإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم هجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها ... حتى تكون أخا دمٍ وذبائح فتضاحك وسكت ساعة، ثم قال: ألا قال:

стр. 127

إذاهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى ترب قبره واعقراني وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان ثم إني بعد ذلك رأيته فتأملني، وقال ثعلب! قلت نعم. قال أنشدني فأنشدته: أعار الجود نائله ... إذا ما ماله نفدا وإن أسد شكا جبناً ... أعار فؤاده الأسدا ثم ضحك. ثم قال: ألا قال: علم الجود الندى حتى إذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد فله الجود مقرّ بالندى ... وله الليث مقرٌّ بالجلد رجل مجنون قال أبو إسحاق الرملي: كان رجل يشير إلى الحقائق، ويلحقه الوجد مع كل لحظة ولفظة. فغلب على عقله، فلقيته في المقابر وهو ينشد: قد ضل عقلي وذاب جسمي ... وصنت عهدي وخنت عهدك لو قلت للنار عذبيه ... إذا ابتلاني أخفرت وعدك لصرت في قعرها أُنادي ... إياك أبغي إياك وحدك فتى مجنون قال حيان بن علي التونسي: ركبت بحر الصين فوقعت في جزيرة فدخلت بعض سككها فقيل لي احذر، فإن هناك فتى مجنوناً، فبينما أنا واقف إذ خرج علي فتىً مدهوش،

стр. 128

مرتدياً بأشجانه، مؤتزراً بأحزانه، وهو يقول: لك هطلت الآماق، ولك بكت الأحداق، وذكرك مشهور في الآفاق، يا من ينعم بحبه لأهل الأشفاق، يا من يداوي جراحات أهل الوجد والاحتراق، فسلمت عليه فرد علي، ثم أنشأ يقول: وكن لربك ذا حب لتخدمه ... إن المحبين للأحباب خدّام قوم يبيتون من وجد ومن قلق ... ومن محبته في الليل قوّام قد قطّعوا الليل دهراً في محبته ... ما أن ترونهم بالليل نوّام مجنون قال ابن جبلة الساوي: رأيت بالكوفة مجنوناً قد تمنطق بمنطقة عريضة عليها مكتوب: حب ذي العرش سناء وشرف ... وهدايا وعطاء وتحف فتهجد في دجى الليل له ... لترى منه أعاجيب اللطف مجنون في دمشق قال الحسن بن علي بن جعفر الخياط بالكوفة سمعت أبي يقول: رأيت مجنوناً في سوق دمشق وهو يقول: يا غافلاً مقبلاً على أمله ... وجاهلاً والنساء في عمله كم نظرة لامرئٍ يسرّ بها ... لعلّها منه منتهى أجله شاب مجنون قال الحسن بن علي بن عبد الرحمن القناد قال: دخلت دار المرضى بالشام فرأيت شاباً مسلسلاً مغلولاً مستوقراً فقال يا شيخ إن رويتك أبياتاً تحفظها؟ قلت نعم. قال:

стр. 129

يا نفس قومي بي فقد نام الورى ... ان تفعلي خيراً فذو العرش يرى وأنت يا عين دعي عنك الكرى ... عند الصباح يحمد القوم السرى رجل مدهوش قال سهل بن علي الأنباري: اجتمع قوم إلى المنصور فقالوا له: يا أبا السري في جوارنا رجل مدهوش، ذاهب العقل، لا ترى له صورة. فقال منصور: أوقفوني عليه، فأتوا به بابه ليلاً فلما غارت النجوم وهدأت العيون سمعوه يقول: طال القيام لهجعة النوام ... وتراك مطلعاً لطول مقامي يا سيدي ومؤملي وموثقي ... من أجل حبك قد هجرت منامي فأجابه منصور: يا ذا الذي هجر الرقاد لربه ... إبشر بدار تحية وسلام يوم القدوم عليه في دار البقا ... يوم تزف إليه بالخدام شيخ قال محمد بن جعفر الطبيب الخاقاني الطبرستاني دخلت دار المرضى ببغداد فإذا شيخ مقيد يبكي وقد خنقته العبرة. فقلت له مالك؟ فأنشأ يقول: من كان أذنب ذنباً ... فليدن مني قليلاً لعلنا نتباكى ... على الذنوب طويلا مجنون قال مهلهل بن علي العنزي: كان عندنا في عنزة مجنون يرمي ويضرب، فقلت له الآن ترمي وتشد فأنشأ يقول:

стр. 130

ليس على قوتٍ فائتٍ أسف ... ولا تراني عليه اليوم ألتهف ما قدر الله لي فليس له ... عني إلى من سواي ينصرف ومانع ما لديه قلت له ... لا ضير، في الله منك لي خلف شيخ قال بعضهم: دخلت دار المجانين وعلي شارة حسنة، وثياب فاخرة، فإذا شيخ مقيد مغلول، فجعلت أنظر إليه، فقال مه! أتعجب مني؟ أتعجب مني في قيودي وأغلالي ... وأنت رضي البال في العز والمال فلا أنت تبقى بعد مالٍ كسبته ... ولا أنا أبقى في قيودي وأغلالي شاب قال أبو الحسن العنسي المؤدب: دخلت الموصل فبينا أنا ذات يوم في أزقتها إذا صياح وجلبة، وإذا هي دار المجانين، فدخلت إليها فإذا شاب حسن شحط في الدم، فسلمت عليه فرد وقال من أين جئت؟ قلت من بالس. قال وأين تريد؟ قلت العراق، قال لي: أتعرف بني فلان؟ وأشار إلى بيت قلت نعم. قال لا صنع الله لهم، فهم الذين أدهشوني وأحلوني هنا. قلت: وما فعلوا؟ قال: زمّوا المطايا واستقلوا صحىً ... ولم يبالوا قلب من تيموا ما ضرّهم والله يرعاهم ... لو ودّعوا بالظرف أو سلّموا ما زلت أذري الدمع في إثرهم ... حتى جرى من بعد دمعي دم ما أنصفوني يوم قاموا ضحى ... ولم يفوا عهدي ولم يرحموا

стр. 131

شخ مجنون قال محمد بن عماد البغدادي: كان بجوار جنيد قدس سره شيخ مجنون، فلما مات جنيد ﵀ وقف الشيخ المجنون على تل، ثم أنشأ يقول: واحسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون والمزن والمدن والرواسي ... والخير والأمن والسكون لم تتغيّر لنا الليالي ... حتى توفيهم المنون فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون شاب مجنون قال بعضهم: دخلت دار المجانين بالبصرة، فرأيت شاباً أحسن الناس وجهاً، وقد قيد وغل، وكنت رأيته في البزازين قبل ذلك صاحب نعمة. فقلت ما الذي دهاك؟ فأنشأ يقول: تمطّى عليّ الدهر في متن قوسه ... ففرقنا منه بسهم شتات فيا زمناً ولّى على رغم أهله ... ألا عد كما قد كنت مذ سنوات غلام مجنون قال الوليد بن عبد الرحمن السقاء برملة: بينا أنا ذات ليلة في منزلي، إذ طرق الباب طارق، فقلت من طرق الباب؟ فأنشأ يقول: أنا الذي ألبسني سيدي ... لما تعريت لباس الوداد فصرت لا آوي إلى مؤنس ... إلاّ إلى مالك رقّ العباد

стр. 132

فخرجت فإذا أنا بغلام ذاهب العقل، هائم مجنون مستوفز، فدخل الدار وقال: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، فعلمت أنه جائع، فقدمت إليه شيئاً فأكل وشرب، ثم وثب إلى الباب وأنشأ يقول: عليك اتكالي لا على الناس كلهم ... وأنت بحالي عالم لا تعلّم وأقسمت أني كلما جعت سيدي ... سنفتح ستفتح لي باباً فأُسقى وأُطعم قال الوليد السقاء: فقلت له توصيني بوصية فقال: الزم الخوف مع الحزن ... وتقوى الله فأربح وذر الدنيا مع الأخ ... رى فتقوى الله أرجح فاجتهد في ظلمة اللي ... ل إذا ما الليل أجنح واسأل الله ذنوبك ... فعللّ الله يصفح رجل قال مالك بن دينار: مررت ببعض سكك البصرة، فإذا الصبيان يرمون رجلاً بالحجارة ويقولون: هو يزعم إنه يرى ربه على الدوام. قال فزجرت عنه الصبيان، وقلت له: ما الذي يزعم هؤلاء؟ قال وما يزعمون؟ قلت يزعمون انك تزعم ترى ربك على الدوام، فبكى، وقال والله! ما فقدته لما أطعته. ثم أنشأ يقول: على بعدك لا يصبر ... من عادته القرب ولا يقوى على هجرك ... من تيمه الحب لئن لم ترك العين ... فقد أبصرك القلب ولبعض المجانين: احذروا الأقارب فإنهم العقارب، ثم قال: وأخبث العقارب، أقرب الأقارب. فربما لم يصدر عن العقلاء، ما صدر عن المجانين.

стр. 133

ولبعض المجانين: تلذ الناس إن عمروا وعاشوا ... ومالي لذة في طول عمري وما يغني الجمال وحسن ثوبي ... إذا ما كنت أصرع كل شهر بقيئي قد تلطخ حسن وجهي ... أبوك في الثياب ولست أدري فليت الله عاجلني بموت ... ليكثم سوء حالي تحت قبري لآخر، وقد بال في قميصه، والناس يبكون عليه ويقولون ما حالك؟ فقال: أبكي الناظرون لسوء حالي ... ولا يبكون عاقبة الليالي وكم وجهٍ جميلٍ صار مثلي ... ولم يك مثل ذلك في مثال إذا عوفيت يا هذا فشكراً ... وعد مما ترى من سوء حالي شيخ مجنون قال ذو النون المصري: رأيت شيخاً مجنوناً وعليه جبة صوف مكتوب عليها من ورائه: حتى متى يا شيخ ما تستحي ... يراك مولاك مع الغافلين ما تستحي منه وما ترعوي ... غطي خطاياك عن العالمين نشاك بين الخلق في منزه ... وأنت معكوف مع الفاسقين وعلى كمه الأيسر مكتوب مؤخراً: إن الله عباداً ... كشفوا فيه القناعا هل رأيتم خادماً عا ... مل مولاه فضاعا وعلى كمه الأيمن مكتوب مقدماً: عجبت لمن ينام وذو المعالي ... ينادي يا عباد أنا البذول وهل يجد الخلائق مثل ربي ... وكلّ فعاله حسن جميل تتمة الكم الأيسر: سوف أُرويكم حديثاً ... قد سمعناه سماعا

стр. 134

من دنى من ربه شب ... راً دنا منه ذراعا شاب مجنون قال عبد الله بن عبد العزيز السامري: مررت بدير هرقل أنا وصديق لي. فقال لي: أُدخل بنا لنرى من ملح المجانين، فقلت ذلك إليك. فدخلنا وإذا بشاب مليح الوجه، حسن الزي، قد أرجل شعره، وكحل عينيه، طراوة يعلوه حلاوة، مشدود إلى سلسلة بجانب حائط. فلما بصر بنا قال: مرحباً بالوفد قرب الله ما نأى منكما، بأبي أنتما. قلنا: وأنت فأمتع الله الخاصة والعامة بقربك وآنس جماعة ذوي المروءة بشخصك، وجعلنا وسائر من يحبك فداءك. فقال: أحسن الله عن جميل القول جزاءكما، وتولى عني مكافأتمكا. قلنا: فما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل؟ فقال: الله يعلم انني كمد ... لا أستطيع أبث ما أجد نفسان لي نفس تضمنها ... بلد وأُخرى حازها بلد أما المقيمة ليس بنفعها ... صبر وليس يقرها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي ... وكأنها تجد الذي أجد ثم التفت إلينا فقال: هل أحسنت؟ قلنا له نعم ما قصرت وولينا. فقال بأبي أنتما ما أسرع ذهابكما بالله اعيراني افهامكما واذهانكما قلنا هات فقال: لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم ... ورحلوها فسارت بالهوى الإبل وقلبت من خلال السجف ناظرها ... ترنوا إلي ودمع العين منهمل وودّعت ببنان عقده غم ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل

стр. 135

ويلي من البين ماذا حل بي وبها ... يا نازح الدار خلّ البين وارتحلوا يا راحل العيس عرّج كي اودعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم انقض مودتهم ... يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا فقلنا مجوناً منا ولم نعلم بحقيقة ما وصف ماتوا. قال أقسمت عليكم ماتوا؟ ثم قال إني والله ميت في أثرهم. ثم جذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه، وبرزت عيناه، وانبعثت شفتاه بالدماء، فتلبط ساعة، ثم مات. فلا ننسى ندامتنا على ما صنعنا به. أديب عاشق قال الريان بن علي الأديب: عشق فتى من أولاد بعض أصدقائي جارية لبعض الأشراف. فأنحله العشق وأضناه، وتيمه وأتلفه. فمررت به يوماً في بعض الخرابات، فقلت له كيف حالك؟ فقال أسوء حال. عقل هائم، وغم لازم، وفكر دائم. ثم أنشأ يقول: تيمني حبّها وأضناني ... وفي بحار الهموم ألقاني كيف احتيالي وليس لي جلد ... في دفع ما بي وكشف أحزاني يا رب فاعطف بقلبها فعسى ... ترحم ضعفي وطول أشجاني فتى مجنون قال سهلان القاضي: بينما أنا سائر في بعض الطرقات إذ مررت بفتىً مجنون وبين يديه خلقان فقال لي أين رأيت القافلة؟ قلت في موضع كذا. قال آه من البين، آه من دواعي الحين. فقلت وما دهاك؟ فقال:

стр. 136

شيعتهم من حيث لم يعلموا ... ورحت والقلب بهم مغرم سألتهم تسليمةً منهم ... عليّ إذ بانوا فما سلموا ساروا ولم يرنوا لمستهتر ... ولم يبالوا قلب من تيموا واستحسنوا ظلمي فمن أجلهم ... أحبّ قلبي كل من يظلم مجنون قال علي بن عبد الرحمن القناد: وصف لي مجنون بمصر ذو بديهة، فطلبته حتى ظفرت به، فكلمته فبكم ملياً، ولم يرد علي جواباً، ثم نظرت إلى فروته فإذا عليها مكتوب: عشرون ألف فتىً ما منهم رجلٍ ... إلا كألف فتىً مقدامةٍ بطل أضحت مزاودهم مملوءة أملاً ... ففرغوها وأوكوها على الأجل شيخ مجنون قال أبو الهذيل العلاف: رحلت من البصرة أريد العسكر فمررت بدير هرقل فقلت لأدخلن هذا الدير لأرى ما فيه، فإذا شيخ حسن اللحية في السلسلة فأدمت النظر إليه، فلما رآني لا أرد بصري عنه قال لي معتزلي أنت؟ قلت نعم. قال إمامي؟ قلت نعم. قال تقول القرآن مخلوق؟ قلت نعم. قال كن أبا الهذيل العلاف قلت أنا أبو الهذيل. قال أسألك؟ قلت: سل. قال أخبرني عن الرسول ﷺ أليس هو أمين في السماء وفي الأرض؟ قلت بلى. قال أخبرني عنه هل به خلة

стр. 137

ميل أو حيف أو هوى؟ قلت لا. قال فأخبرني عن رأيه أليس هو الذي لا يدخله زلل وشبهة، وهو المعصوم من الشبهة والريبة قلت بلى. قال فأخبرني عمن هو دونه من الخلق. أليس يدخلهم في رأيهم الفساد والغفلة والهوى وانهم أضداد في كل شيء وإن كانوا أخياراً. قلت بلى. قال فلأي علة لم يقم لهم علماً ينصبه بقوله هذا خليفتكم بعدي فلا تقتتلوا. لمن يفعل هذا الا لا يكون الاختلاف والفساد في أُمته؟ قلت معاذ الله أن يكون ذلك. قال فلم تركهم وألجأهم إلى رأي من دونه في الصفة، إذ لم يحب الاختلاف والتشتت؟ فسكت لم أدر ما أقول له. فقال مالك لا تجيب الا تحسن؟ ثم تركته وخرجت! فلما رآني مولياً ناداني الشيخ ارجع إلينا، فرجعت إليه. فقال أحسبك تريد الخليفة قلت نعم. قال الا أن تصير إلى الخليفة إقضي لي حاجتي. فقلت وما هي؟ قال تكلم هذه الفاعلة امرأة صاحب الدير تطلقني، فكلمتها فقالت عليه في هذا ضرر، فلما رآها غير مجيبة قال فسلها أن تستوطني، فسألتها فأجابت، فانصرفت عنه متعجباً. فلما صرت إلى سر من رأى ودخلت على الواثق قال لي ما كان حالك في سفرك؟ قلت أعجوبة يا أمير المؤمنين! لم أسمع بمثلها. فقال وما هي؟ فقصصت عليه حديث ال مجنون ، فقال يحضر المجنون، فأُحضر وأصلح من شأنه وأُدخل عليه، فلما رآني قال حاجتنا. قلت نعم. قال الواثق لمحمد بن مكحول كلمة. فقال المجنون يا أمير المؤمنين! هذا ليس يحسن شيئاً، فإن كان عندك من يحسن. قال الواثق فاسأل فإن المجلس مشترك، فمن كان يحسن أجابك. فسأل عن المسألة المذكورة فأحجم القوم عن الجواب، فالتفت إليه الواثق فقال ليس ههنا من يجب فأجب. فقال سخين العين أكون سائلاً، ومجيباً في وقت! فقال الواثق وما عليك أن تعلمنا. قال أما إذا كان كذا، فنعم ان الله سبحانه حكم فحكم في خلقه ولم يكن بد من تعبدهم وكان الاختلاف بينهم حكمة في خلقه، إذ قد كان حكم عليهم بذاك الاختلاف قبل خلقهم فأحجم، ثم قام الواثق ليدخل الدار. فقال المجنون: يا ابن الفاعلة أخذت منفوعنا وفررت! فأمر بالاحسان إليه.

стр. 138

قال الفضيل بن عياض ﵀: الدنيا دار المرضى، والناس فيها مرضى، وللمجانين في دار المرضى شيئان: غل وقيد. ولنا غل الهوى، وقيد المعصية. رجل قال الأصمعي: ركب جعفر بن سليمان أمير البصرة في زي عجيب من اللباس والغلمان والدواب والصقور والفهود، وكان عندنا رجل بالبصرة يتفقه، وكان في حداثة سنه يجالس العباد، فغلب على عقله، فخرج في طريق جعفر فلما أبصره وقف وقال يا جعفر بن سليمان! أنظر أي رجل تكون إذا خرجت من قبرك وحدك، وحملت على الصراط وحدك، وقدم إليك كتابك وحدك، ولم يغن عنك من الله شيئاً. يا جعفر إنك تموت وحدك. وتقف بين يدي الله وحدك، وتدخل قبرك وحدك، ويحاسبك الله وحدك، فانظر لنفسك، قد نصحت لك. فرجع جعفر من نزهة تلك، وسأل عن الرجل فقيل له مغلوب على أمره. معتوه قال ضمرة بن ربيعة: وقف علي معتوه فحنقني وقال تعلم. قلت خلص عن حلقي. فخلى ثم قال: الشر نذالة، والعفو كرم، والاستقصاء غم، وشفاء الغيظ بلية. مجنون قال محمد بن بيان: مررت وإذا جماعة على مجنون وقوف، فوقفت فهش إلي وقال: إسقني قبل تباريح العطش ... ان يومي يوم طس بعد رش حبّ من أشواهم أدهشني ... لا خلوت الدهر من ذاك الدهش

стр. 139

شاب مجنون قال ثمامة بن أشرس: دخلت دير هرقل فرأيت فيه شاباً مشدوداً إلى سارية. فقال لي ما اسمك؟ قلت ثمامة، قال المتكلم؟ قلت نعم. قال يا ثمامة! هل للنوم لذة؟ قلت نعم. قال متى يجدها صاحبها؟ إن قلت قبل النوم أجلت، وإن قلت مع النوم أخطأت، لأنه ذاهب العقل. وإن قلت بعد النوم أخطأت لأنه قد انقضى. قلت وما تقول أنت؟ قال إن النعاس داء يحل بالبدن ودواؤه النوم. شاب دخل الأمير سعيد مع وزيره دار المرضى فإذا شاب مسلسل، فلما رأى الأمير قال له أيها الأمير! هذا وزيرك؟ قال نعم. قال يزعم إنه أقل الناس فإن سألته مسألة. قال سله. قال ما أكثر الأشياء؟ قال ذوات الأربع قال ليس كذلك. قال فما هو؟ قال لا أقول حتى تقول بالعجز. قال قد أقررت. قال أكثر الأشياء الهموم. قال ملم؟ قال لأن نصيبي منها أوفر الأنصباء. قال الأمير سل حاجتك. قال مسكة عقل أعيش به وأنجو من هذا القيد. قال ليس ذلك إلي. قال فلا حاجة لي في سواه. شيخ قال جنيد البغدادي ﵀: دخلت دار المرضى بمصر فرأيت شيخاً فقال لي ما اسمك؟ قلت جنيد. قال عراقي. قلت نعم. قال ومن أهل المحبة؟ قلت نعم. قال فما الحب؟ قلت إيثار المحبوب على ما سواه. فقال الحب حبان حب لعلة، وحب لغير علة. فأما الذي لعلة فرؤية الاحسان. وأما الذي لغير علة فلأنه أهل لأن يحب. ثم أنشد: أُحبك حبين حبّ الهوى ... وحباً لأنك أهل لذاكا وأما الذي هو حب الهوى ... فحبّ شغلت به عن سواكا

стр. 140

فأما الذي أنت أهل له ... فلست أرى العيش حتى أراكا وما الذي فلا عيش لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا شيخ مجنون قال أبو غسان الاسماعيلي: دخلت البصرة فرأيت شيخاً مجنوناً قد غلت يداه، وأحدث به الناس، فرحمته وأزحت الناس عنه، فتنفس الصعداء واستعبر ثم قال: لقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا وفيك داريت أقواماً أُجاملهم ... ولولاك ما كنت أدري انهم خلقوا الحمد لله حمداً لا شريك له ... كأنني بدعةٌ من بين من عشقوا مجنون قال بعض السياح: دخلت مسجد البصرة فإذا فقير عليه أثر البؤس وهو يترنم في نفسه، فإذا هو مجنون، فلما دنوت منه سكت. فقلت له أعد ما كنت تقوله؟ فقال ارتجالاً: أشار قلبي إليك كيما ... يرى الذي لا تراه عيني وأنت تلقي على ضميري ... حلاوة الؤل والتمني تريد مني اختبار سري ... وقد علمت المراد مني وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني

стр. 141

روى أحمد بن عمران السوادي لبعض المجانين: ولست بقوّال لذي الزاد أبقه ... فإنك إن لم تبق زادك ينفد ولا ناظر في وجهه ثم قائل ... الا لا تصاحبنا إذا لم تزودّ رجل قال عمر بن عثمان الصوفي: دخلت جبال الشام وإذا أنا برجل في كوخ، فأقمت عليه يوماً وليلة لم أسمع كلاماً، فخرج من كوخه فرفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي! شهد قلبي لك في النوازل بسعة روح الفضل، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك أفأحسب أن يألف قلبي غيرك؟ هيهات! لقد خاب لديك المقصرون. ثم قال: إلهي ما أحلى ذكرك! ألست الذي قصدك المؤملون؟ فنالوا منك ما طلبوا. فقلت أصلحك الله إني منتظرك منذ يوم وليلة أُريد أن أسمع كلامك. قال قد رأيتك حين أقبلت ولم يذهب روعك من قلبي. قلت وما راعك مني؟ قال فراغك في يوم عملك، وبطالتك في يوم شغلك، وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على الظنون. فقلت إن الله سبحانه كريم، وما ظن به عبد شيئاً إلا أعطاه. قال نعم إذا وافقته السعادة والعمل الصالح. قلت أههنا فتية يستراح إليهم؟ قال نعم. قلت هل عندهم دواء يتعالجون به؟ قال إذا كلوا داووا الكلال بالكلال، وحثوا الحث بالأنخال، فتسكن العروق وتهدأ الآلام. مجنون قال عبد الله بن حسان المزني: مررت بمجنون مقيد، والصبيان يؤذونه، فقال أُطرد عني هؤلاء الأنذال. أفدك أبياتاً، تسر بها، فطردتهم عنه فقال أنا جائع فأتيته بشيء فأكله وقلت له هات فقال:

стр. 142

إصبر إذا عضك الزمان ومن ... أصبر عند الزمان من رجله ولا تهن للصديق تكرمه ... نفسك كي لا تعدّ من خوله يحمل أثقاله عليك كما ... يجمل أثقاله على جمله ولست مستبقياً أخاً لا ... تصفح عما يكون من زلله شاب قال زياد النميري: دخلت دار المجانين فإذا شاب حسن الوجه، في زاوية مشدود إلى جدار. فقال لي أنقرأ القرآن؟ قلت نعم. قال فاقرأ فقرأت: " اللَّهُ لطيفٌ بعباده يزرق من يشاء وهو القويُّ العزيز " فقال أخبرني ما معنى اللطيف؟ قلت البار الرفيق. قال هذا في وصف الناس. قلت فما اللطيف؟ قال الذي يعرف بلا كيف. مجنون قال سكين بن موسى: كنت مجاوراً بمكة وكان بها مجنون ينطق بالحكم. فقلت له أين تأوي بالليل؟ فقال دار الغرباء. فقلت ما أعرف بمكة داراً يقال لها دار الغرباء. قال يا مسكين! دار الغرباء المقابر. فقلت أما تستوحش في الليل وظلمته؟ قال إذا فكرت في القبر ووحشته هان علي الليل وظلمته. قيل لبعض المجانين: لم سميت مجنوناً؟ فقال أنا مجنون عن معصيته لا عن معرفته. وقيل لآخر: أنت مجنون؟ قال وأنت عاقل؟ كل الناس مجانين ولكن حظي صار أوفر. وقيل لآخر: لم أر مجنوناً أعقل منك. قال الجنون ما أنت فيه، تأكل رزق

стр. 143

الله، وتطيع عدوه. وقيل لآخر: أغربت أنت؟ فقال أما عن عقلي فنعم. وأما عن البلاد فلا. شاب قال بعضهم: دخلت دار المجانين بنيسابور، فإذا شاب حسن من أبناء ذوي النعم، مشدود وهو يصيح. فلما أبصرني قال أتروي من الشعر شيئاً؟ قلت نعم. من أي الشعر؟ قال من شعر البحتري. قلت من أي قصيدة أُرويها؟ قال: أي قصيدة كانت. قلت: ألمع برقٍ سرى أم ؤوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الصاحي فأنشدته القصيدة. قال وأنا أُنشدك قصيدة. قلت نعم. فأخذ حتى بلغ إلى قوله: إقصرا ليس شأني الإقصار ... وأفلا لا ينفع الإكثار إن جرى بيننا وبينك بعد ... أو تنآءت منا ومنك الديار فالعليل الذي عهدت مقيمٌ ... والدموع التي شهدت غزار فنفر وجعل يرقص في قنيده ويصيح إلى أن سقط مغشياً عليه! موسوس قال عبدان بن أحمد: كان بباب خراسان موسوس، وكان يجالس الحسين ابن منصور وكان يدور في المقابر ويأتي إلى الحسين بن منصور. فجاءه ذات يوم وعلى رأسه دوخلة والصبيان خلفه. فوقف وقال للحسين: متى أخرج من نفسي؟ متى آيس من نفسي؟ متى آنس بالأنس، واستأنس بالوحش، واستوحش

стр. 144

من جنسي. فقال الحسين: إذا وسوست في الوقت ... من المأتم والعرس شهدت النار والجن ... ة والأفلاك والكرسي أبو المبارك ميمون قال لما رمى الحجاج بيت الله بالعذرة وقتل ابن الزبير، أقبل رجل موسوس معتوه عليه عباءة قد شدها إلى عنقه، فطاف بالبيت سبعاً، ثم صعد إلى الحجر، فتكلم بصوت جهوري فأسمع الناس وقال أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني نبأته باسمي، أنا ميمون أبو المبارك المجنون فاسمعوا ما أقول لكم. فإني متكلم ناطق، غير هائب ولا خائف، بل أقول بلسان صواب، ولا أخاف العقاب، بل أرجو الثواب من رب الأرباب، ذي المن والإفضال. إياه قصدت، وما عنده طلبت. ثم حمد الله فأحسن، ومجد فأكثر. ثم دعى دعوات وأعرب. فقال: اللهم! لك سجدت الجباه ولك خضعت الأعناق، ولك ذلة الأرباب. وأنت خالق السموات والأرض بلا تعب ولا مشورة لذوي الألباب. لم يعجزك ما أردت ولا يفتك ما طلبت، ولم يخف عليك شيء لبعده، ولا زدت في معرفة شيء لقربه. تعلم خفيات الضمائر كما تعلم كل شيء بين. أما السموات فلك مذعنة، وأما الأرضون فلك مطيعة، وأما الأفلاك فلك مسبحة. وأما الملائكة ففي عبادتك مجتهدة، وأما النبيون فلرسالتك مبلغة، وأما السحاب فبرحمتك مهطلة. والنار من خوفك تزفر وتفرق، والجنة مزينة بالحور والقصور. فيا من العدل قضاؤه ويا من الشكر رضاؤه، ويا من يتحلى في الجنة لأوليائه قد تكلمت بلسان ينطق بحمدك، وبقلب يخشع لهيبتك، وجوارح أذعنت لعظمتك. فأسألك يا من قصده العباد من كل البلاد، رجاء الثواب وخوف العقاب. أسألك مسألة طالب قد رجا الإجابة، وأيقن بقضاء الحاجة. ان تهلك الحجاج المتوثب على بيتك برمي العذرة. والقاتل لأصحاب نبيك ﷺ المطهر من كل ريبة. اللهم! إذا ذكرت عبادك بالرحمة، فاذكره

стр. 145

بأشد غضب واكمل عطب، انك أنت المستجيب للدعاء. اللهم! هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا حجر إسماعيل نبيك. اللهم! أنت ذو الجلال والإكرام. ثم أتى منىً والناس أجمع ما كانوا. فصلى صلاة الفجر ثم قام قائماً على قدميه ثم قال: أيها الناس! أليس إلى الله قصدتم وما عنده طلبتم؟ فإذا سألتموه فابتهلوا. وإذا دعوتموه فاخضعوا. والحجاج فالعنوا فإنه نجس الولادة اللهم! فلا تنجه من سخطك واحرمه رحمتك التي وسعت كل شيء. إنك ذو الجلال والإكرام. قال فاجتمع الناس إليه وقالوا له: أيها الرجل: من أين أنت؟ قال من بلاد الله. قالوا فأين تأوي؟ قال إلى أرض الله. قالوا: فما قصتك وقصة الحجاج؟ أظلمك بشيء؟ قال نعم. قالوا ماذا؟ قال: قصد بيت ربي فنجسه، وقتل أصحاب محمد ﷺ وأهان. فوجبت اللعنة عليه، واستوجب منا العداوة. ولم أعرف موضعاً أجل من هذه الثنية. موضع ولد فيه محمد ﷺ وأصحابه. فأحببت أن أُتعب نفسي من أجله وبالدعاء عليه. ثم مر يسحب كساءه، وقد تبين فيه أثر الجوع، فاتبعه رجل من التجار فقال السلام عليك يا أبا المبارك! قال وعليك السلام يا وافد الله! قال لي إليك حاجة. قال وما هي؟ قال تأتي منزلي فتأكل كسرة خبز وتشرب شربة من سويق. قال على شرط. قال وما شرطك؟ قال ألا تكون ظالماً ولا عوناً لظالم. فما عملك؟ قال تاجر. قال أفما علمت أن رسول الله ﷺ قال: يحشر التجار فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق. قال فإني لا أمدح عند البيع ولا أذم عند الشرى. قال منك يا أخي طاب القرى. قال فأتى إلى رحله فأكل رغيفاً وملحاً ولم يزد عليه بشيء. ثم قال يا أخي! أوصني. قال خف الله خوف حذر، وارجه رجاء متملق، وعليك بأكل الحلال، وبذل النوال لأهل الأقلال، وادخل الجنة بسلام. قال فأعجبني ما سمعت من قوله. قال فلما انقضى الموسم أقبل أصحاب الحجاج إلى الحجاج وأخبروه بخبر ميمون وقالوا ما منعنا من أخذه إلا العامة وجلبتهم. والغوغاء وضجتهم. قال فدعا الحجاج بقائد من قواده من خاصة أصحابه. وقال سر في البلاد واطلب هذا الرجل، ولك الجباء والجائزة.
следующие страницы →