ثانياً: البيضاوي:
يُعدُّ تفسير أنوار التنزيل للبيضاوي ثاني أهم المصادر التي اعتمد عليها الخطيب في استنباطاته، فقد استفاد الخطيب من هذا التفسير كثيراً (١)، وحافظ على عبارة البيضاوي في النقل عنه في غالب استنباطاته، وأحياناً يُصرِّح باسمه، وكثيراً لا يُصرِّح، بل يستقي عبارته ويستفيد منها بأسلوبٍ لطيف يوحي وكأنه من أسلوب الخطيب لتشابه وتقارب عبارتيهما، ويظهر أثر هذه الاستفادة ملحوظاً في النصف الأول من القرآن أكثر من غيره، كما سيتبين قريباً بمشيئة الله خلال الدراسة.
ثالثاً: الزمخشري:
استفاد الخطيب من تفسير الكشاف للزمخشري في كثير من الآيات، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والبلاغي في الاستنباط والتفسير، لما تميَّز به هذا التفسير ومُؤلِفه من تمكُّنٍ لغوي وبلاغي فاق به غيره، منبِّهاً على ما فيه من دسائس الاعتزال فيما يتعلَّق بجانب العقيدة من الآيات، مُعقباً عليه بالرد والاستدلال في مواضع ليست بالقليلة (٢).
стр. 107
رابعاً: القرطبي:
استفاد الخطيب من تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي في استنباط آيات الأحكام، فنقل عنه بعض الأحكام الفقهية، وبعض الفوائد. (١)
والقرطبي كما لا يخفى مفسر، فقيه مالكي، متمكن، له دقائق لطيفة في الاستنباط الفقهي تميز بها عن غيره، ولهذا كانت استفادة الخطيب منه أكثر من غيره من كتب تفاسير آيات الأحكام. (٢)
خامساً: البغوي:
اعتمد الخطيب على تفسير معالم التنزيل للبغوي كمصدر أوّلي فيما يتعلق بجانب التفسير بالمأثور (٣)، وظهرت عنايته الواضحة بهذا التفسير، وتمييزه له عن غيره، وإن كانت المواضع المستفادة منه ليست بالكثيرة مقارنة بغيره ممن سبق، إلا أنه في جانب التفسير بالمأثور يعد من أكبر المصادر المعتمدة عند الخطيب كما سيظهر ذلك خلال الدراسة.
стр. 108
المبحث الثاني:
المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلاً أو نادراً . (١)
أولا: الخازن (٢)
تأثر الخطيب بتفسير لباب التأويل للخازن، فنقل عنه بعض النقولات (٣)، والتي غالباً ما تكون نقلاً عن الرازي في تفسيره، لكنه يستفيد من الخازن في تلخيص كلام الرازي وتحريره، فينقل عن الخازن نصَّ كلامه، وإن كان الاستنباط في أصله للرازي.
ثانياً: أبو حيان (٤):
يعدُ تفسير البحر المحيط لأبي حيان أحد المصادرالفرعية المعتبرة عند الخطيب في استنباطاته، يستفيد منه بين الفينة والأخرى (٥)، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والنحوي في بعض الاستنباطات، ولا يخفى ما لأبي حيان من باع طويل في هذا الفن.
ثالثاً: ابن عادل الحنبلي (٦):
استفاد الخطيب من تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل في مواضع محدودة من استنباطاته، وأورد في ثنايا تفسيره استنباطات لطيفة دقيقة نقلها عنه (٧). خاصة ما يتصل بجانب اللغة ومرسوم الخط، لكنها تُعدُّ قليلة مقارنة بغيره من الكتب والتفاسير، مما يمكن تصنيفه كمرجع ثانوي غير أساسي من مصادر الاستنباط عند الخطيب.
стр. 109
رابعاً: البقاعي (١)
اعتمد الخطيب في استنباطاته على نظم الدرر في تناسب الآي والسور، واستفاد منه في بعض المواضع (٢)، خاصة فيما يتعلق بمناسبة الآيات والألفاظ، وأسرار التقديم والتأخير، وبعض الإشارات الدقيقة، واللطائف.
هذا والمتتبع لتفسير الخطيب- ﵀ واستنباطاته يقف على مصادر أخرى غيرها، ولا شك أن كثرة مصادر الخطيب في استنباطاته تبين مدى الجهد الذي بذله في جمع هذا التفسير وإخراجه، مما يدلُّ على سعة اطلاعه، واجتهاده ﵀.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس مجرد ناقل وملخص بل هو ناقد مدقق، وكان هذا واضحًا في موقفه من الأقوال والآراء التي أخذها عن مصادره المختلفة، حيث ظهرت براعته في عرض الآراء ونقدها، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة والأجر.
стр. 110
الباب الثاني:
جمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني
في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس .
стр. 111
سورة الفاتحة
تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر دون غيره لظهور ملكه وانقطاع أملاك الآخرين.
قال الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (ويوم الدين يوم الجزاء ومنه قولهم: كما تدين تدان، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر: لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تخصيص ملكه تعالى ليوم الدين دون سائر ملكه، مع عظمة أملاكه سبحانه وكثرتها؛ وذلك لأنه لا ملك ظاهر لأحد في ذلك اليوم إلا له سبحانه، إذ في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، فلذلك خصّه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام. (٢)
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: ابن جرير
الطبري، والزجاج، والسمرقندي (٣)، والواحدي (٤)،
стр. 112
والسمعاني (١)، وابن الجوزي (٢)، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، وإسماعيل حقي (٣)، وغيرهم. (٤)
قال البغوي مؤيداً هذا الاستنباط: (خصَّ يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها؛ لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له.) (٥)
стр. 113
وقال السمرقندي: (فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له). (١)
ويشهد لصحة هذا المعنى المستنبط آيات كثيرة منها: قوله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله تعالى ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].
وتؤيده قراءة من قرأ (ملك) بدون ألف (٢)، كما أشار إليه الطبري، وأبو السعود (٣). (٤)
وذكر بعض المفسرين أن فائدة تخصيص ملك يوم الدين هنا هو: تعظيم شأن ذلك اليوم فهو عظيم في جمعه وحوادثه، حكاه ابن عطية (٥)، وغيره. (٦)
стр. 114
وقال بعضهم خصَّه بالذكر لإثبات بعث العباد من قبورهم، وحشرهم، ومجازاتهم، أفاده أبو حيان. (١)
وهذه المعاني جميعاً متقاربة، ويمكن الجمع بينها بأن يقال في وجه تخصيص ملكه تعالى ليوم الدين على سائر أملاكه، حتى يظهر للخلق في ذلك اليوم كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، كما نصًّ عليه الخطيب، وكذلك لما فيه من إثبات البعث، ومجازاة عباده، وحسابهم، ولأنه يوم عظيم فيه أمور وأهوال عظام، وعليه فلا تعارض بين هذه المعاني المستنبطة.
وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وموافقته لجمهور المفسرين، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 115
مناسبة تكرار المفعول (إياك) للحصر.
قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: لم كرر ضمير إياك؟ أجيب: بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به لا غيره). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة تكرار لفظ (إياك) وهي إفادة الحصر، وذلك بحصر الاستعانة له سبحانه لا غير، لأنه لو اقتصر تعالى على ضمير واحد لأوهم ذلك أن العبادة له تعالى والاستعانة لغيره، والتكرار أسلوب من أساليب التفخيم المعروفة في كلام العرب. (٢)
قال القرطبي: (وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك). (٣)
وقال ابن كثير: (قدم المفعول وهو ﴿إِيَّاكَ﴾، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة). (٤)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية موافقاً الخطيب: السمعاني، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، وحقي، وغيرهم. (٥)
стр. 116
وقيل في وجه التكرار أيضاً؛ ليكون أدل على الإخلاص والاختصاص والتأكيد. (١)
وهو قريب من سابقه؛ إذ دلَّ تكرار المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ على اختصاصه سبحانه بالاستعانة وقصرها عليه وحده، وإخلاصها له تعالى، ولا يخفى ما في ذلك من التأكيد والتفخيم لذاته سبحانه.
وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب في وجه تكرار المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾، وهو الحصر كما عليه كثير من المفسرين، والله تعالى أعلم.
стр. 117
فائدة تقدّيم العبادة على الاستعانة.
قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة؟ أجيب: لتتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضاً لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحاً واعترافاً منه بما يصدر عنه، فعقّبه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أنّ العبادة أيضاً مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية سر تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية، وذلك لعدد من الفوائد:
أولاً: لموافقة رؤوس الآي، وهذه فائدة ظاهرة، وممن نَّص عليها من المفسرين: محمود النيسابوري (٢)، والبيضاوي، وحقي، والألوسي (٣)، وغيرهم. (٤)
стр. 118
ثانياً: ليعلم أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وذلك أن تقديم العبادة التي هي الوسيلة على طلب العون منه سبحانه أدعى لإجابته وقبوله، وتمكين عبده من طلبه الاستعانة، وهي فائدة حسنة.
قال ابن كثير: (وإنما قدم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يُقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم). (١)
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضاً: البيضاوي، وحقي، والشوكاني (٢)، وغيرهم. (٣)
والفائدة الثالثة وهي أظهرها: ليدل على أن العبادة مما لا تتم ولا تتيسر للعبد إلا بمعونة ربه وتوفيقه.
قال السعدي مؤيداً هذا الاستنباط: (ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.) (٤)
стр. 119
وممن وافق الخطيب أيضاً في استنباط هذه الدلالة من سياق الآية: البيضاوي، والخازن، والبقاعي، وحقي، وغيرهم. (١)
ويؤيد هذا المعنى قول ابن القيم: (ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمرَه أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فأمره بأن يعبده، وأن يستعين به.) (٢)
وقال البقاعي: (وأعقبه بقوله مكرراً للضمير حثاً على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته). (٣)
وقد ذكر الخازن، والألوسي وجوهاً أُخر في مناسبة هذا التقديم، بعضها لا يخلو من بُعد. (٤)
وبهذا يتبين صحة استنباط الخطيب، ودقة هذه الدلالات المستفادة من سياق الآية في التقديم والتأخير، والله تعالى أعلم.
стр. 120
العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب في قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تحسيناً للكلام وتنشيطاً للسامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام فتعدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط بلاغي وهو فائدة العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب في قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي: تحسين الكلام، وتنشيط السامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام، وهذا يسمى بالالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم (٢)، وذلك جارٍ على عادة العرب في افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أنشط للسامع، وأيقظ للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد. (٣)
قال أبو حيان: (﴿إِيَّاكَ﴾ التفات لأنه انتقال من الغيبة، إذ لو جرى على نسق واحد لكان (إياه). والانتقال من فنون البلاغة - إلى أن قال-: وفائدته في (إياك نعبد) أنه لما ذكر أن الحمد لله المتصف بالربوبية، والرحمة، والملك لليوم المذكور،
стр. 121
أقبل الحامد مخبراً بأثر ذكره الحمد المستقر له منه ومن غيره، أنه وغيره يعبده ويخضع له. وكذلك أتى بالنون التي تكون له ولغيره، فكما أن الحمد يستغرق الحامدين، كذلك العبادة تستغرق المتكلم وغيره. ونظير هذا أنك تذكر شخصاً متصفاً بأوصاف جليلة، مخبراً عنه إخبار الغائب، ويكون ذلك الشخص حاضراً معك، فتقول له: إياك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود ما لا يكون في لفظ إياه، ولأنه ذكر ذلك توطئة للدعاء في قوله «اهدنا».) (١)
وقد أشار إلى هذه الفائدة البلاغية كثير من المفسرين غير أبي حيان كالزمخشري، والسمين الحلبي (٢)، والنيسابوري (٣)، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، وغيرهم. (٤)
стр. 122
ويؤيد هذه الدلالة من الآية ماحكاه السيوطي (١) في الإتقان قال: (الالتفات نقل الكلام من أسلوب إلى آخر، .. وله فوائد: منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد وهذه فائدته العامة.
ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله -كما سنبين مثاله- من التكلم إلى الخطاب، ووجهه: حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عناية تخصيص بالمواجهة (٢)). (٣)
كما أن في هذا الالتفات فائدة أخرى وهي: الإشارة إلى أنّ العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار كأنه حاضر بين يديه تعالى ولذلك خاطبه بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
قال ابن كثير: (وتحولَ الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾). (٤)
وقد نصَّ على هذه الدلالة غيره من المفسرين كابن جزي (٥)، والرازي، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (٦)
стр. 123
وذكر بعضهم في الالتفات وجهاً ثالثاً وهو: أنه من أول السورة إلى قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاء، والدعاء في الحضور أولى، أفاده الرازي، والألوسي. (١)
ولعله مما يستأنس به في تأكيد هذا الوجه قول ابن كثير بعد أن ذكر وجه الالتفات في الآية قال: (وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك.)
ولا تعارض بين هذه الأوجه، إذ هي قريبة محتملة وإن كان الأول أظهرها، وبهذا يتبين صحة استنباط الخطيب لوجه الالتفات في الآية وقوته، وموافقته لكثير من المفسرين، والله تعالى أعلم.
سورة البقرة
تكذيب دعوى المرجئة والكرامية في مسألة الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]
стр. 124
قال الخطيب الشربيني ﵀: (الآية تدل على أنّ من ادّعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً؛ لأنّ من تفوّه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمناً) (١).
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على تكذيب دعوى المرجئة، والكرامية (٢)، وغيرهم من الطوائف في مسألة الإيمان؛ حيث ذكر تعالى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون بألسنتهم، ولم يكن لهم تصديق القلب، فأكذبهم الله ونفى عنهم الإيمان بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وهذا يدلّ على أن المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ليسوا بمؤمنين على الحقيقة، وإن كان الظاهر منهم هو صلاح الحال وإظهار الإيمان، وأن
стр. 125
القول بغير تصديق القلب لا يكون إيماناً؛ لأن الإيمان الحقيقي هو ما تواطأ عليه القلب واللسان وعمل الجوارح، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.
ففي هذه الآية دلالة واضحة على رد معتقد تلك الطوائف، الذين من جملة أصولهم الباطلة أن الإيمان إقرار باللسان فقط، ولا يلزم معه إيمان القلب والجوارح والأركان.
وممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا المعنى موافقاً الخطيب: الطبري، والسمرقندي، والسمعاني، وابن عطية، والرازي (١)، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسعدي، وغيرهم. (٢)
قال الطبري (في هذه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية (٣) من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره) (٤)
стр. 126
وقال أبو السعود: (ومدلول الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان واعتقاده بخلافه لا يكون مؤمنا، فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوه بكلمتي الشهادة فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمن). (١)
وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) هذا المعتقد الفاسد وردّ على هذه الفِرق بنصوص القرآن والسنة. (٣)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] فقصر الإيمان على من اتصف بتلك الصفات والأفعال الشاملة لأعمال القلب واللسان والجوارح، بمعنى أن من ترك أحدها فهو غير مؤمن، وغيرها من الآيات كثير.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق القلبي فقط، لكن دلالة هذه الآية موافقة لمذهب أهل السنة والأشاعرة معاً في الرد على من
стр. 127
خالفهم، وأن الإيمان بغير تصديق القلب لا يكون إيماناً، فلا عجب أن يستدل بها الخطيب لأنها موافقة لمذهبهم كذلك، إلا أن الصحيح في باب الإيمان - كما سيأتي بيانه قريباً في دلالة أخرى من سورة البقرة - أنه تصديق القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح.
وقد بوَّب البخاري (١)، ومسلم (٢) في صحيحيهما أبواباً كثيرة تثبت أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 128
تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢] ٠
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ، وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى.) (١)
وجه الاستنباط:
أن الرعد والبرق وإن كانا في الظاهر سببين لذهاب السمع والبصر إلا أن تأثير الأسباب في مسبباتها بمشية الله تعالى، فإن قصف الرعد، ولمعان البرق سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك. (٢) فدلَّ على أن وجود المسببات وهي ذهاب السمع والبصر مرتبط بأسبابها، لكن وقوعها بقدرته تعالى لا بالأسباب، لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات عند الخطيب بل بإرادته تعالى.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة الشرط في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وهي بيان المانع من ذهاب سمع المنافقين وأبصارهم مع وجود أسبابه من حصول الرعد والبرق، وهو أنه تعالى لم يشأ
стр. 129
ذلك، بل شاء سبحانه إمهال المنافقين ليتمادوا في غيّهم وفسادهم ليكون عذابهم أشدّ، وفيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم (١)، ولو أراد الله إذهاب قواهم أذهبها من غير سبب، فلا يغنيهم الاحتراز والخوف (٢)، وعلى هذا ففي الآية إشارة، وتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبِّباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى، فإن الرعد والبرق سببان لذهاب السمع والبصر، لكن تأثير الأسباب كلها في الحقيقة بمشية الله تعالى.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والمظهري (٣)، ومحمد رشيد رضا (٤)، وطنطاوي (٥) وغيرهم. (٦)
стр. 130
وتعليق السبب بمشيئة الله تعالى صحيح وهو ما عليه أهل السنة والجماعة،
إلا أن ربط الخطيب (١) المسبِّبات عند وجود الأسباب لا بها هو على طريقة
الأشاعرة (٢) - عفا الله عنا وعنهم- فهم يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات وينفون الاقتران الضروري بينهما، ويجعلون المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، وعلى قولهم فالنار مثلاً إذا لاقت شيئاً قابلاً للاحتراق فاحترق، فإن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئاً، وإنما المؤثر هو الله وحده! فالنار عند الأشاعرة لا تحرق، وهي أيضاً ليست سبباً في الإحراق، ولكن عند التقاء الخشب بالنار يخلق الله تعالى الاحتراق، فيقولون إن الخشب احترق عند النار لا بالنار! (٣)
стр. 131
والذي عليه أهل السنة أن النار تحرق، والسكين تقطع، والماء يروي، بما جعل الله فيها من الخصائص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وإن له قدرة حقيقة، واستطاعة حقيقة، ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية، بل يُقِرّون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، وينبت النبات بالماء، ولا يقولون أن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل يقرون بأن لها أثر لفظاً ومعنى، لكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها والله تعالى خالق السبب والمسبِّب، ومع أنه خالق السبب فلا بد للسبب من سبب آخر يشاركه، ولابد من معارض يمانعه، فلا يتم أثره إلا مع خلق الله له،
стр. 132
بأن يخلق الله السبب الآخر ويزيل الموانع، فالمسببات حينئذ يجب وجودها عند وجود أسبابها، بمعنى أن الله تعالى يحدثها حينئذ ويشاء وجودها (١)). (٢)
وقال الشيخ ابن عثيمين (٣): (الناس في الأسباب طرفان ووسط:
فالطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى في ربط المسببات بأسبابها.
стр. 133
والطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجداً مع الله تعالى وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكانت برداً وسلاماً عليه ولم يحترق بها.
وأما الوسط: فهم الذين هُدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيراً في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى فيها من القوى الموجبة.) (١)
فالله خالق هذا الكون ومدبره، وضعه على سنن ثابتة، وربط الأسباب بالمسببات، ولو شاء تعالى تغيير هذه السنن أو سلب هذه الأسباب تأثيرها لفعل، فهو سبحانه القادر على كل شيء، لا راد لقضائه ولا مُعقب لحكمه، ولكنه جعل لهذا الكون نظاماً، وللأسباب تأثيراً، لحكمة أرادها ، فلا تأثير لشيء في هذا الوجود إلا بأمره ولا يخرج شيء منه عن مشيئته وإرادته. (٢)
وبهذا يتبين عدم صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أجلّ وأعلم.
стр. 134
النار مخلوقة مُعدَّة لأصحابها الآن.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وجعلت عدّة لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن). (١)
وجه الاستنباط:
أن المعدوم لا يقال له أُعد فهو معد. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن النار مخلوقة موجودة الآن، لأنه تعالى قال: (أعدت) بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة.
قال ابن أبي العز الحنفي (٣): (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة، والقدرية، فأنكرت ذلك). (٤)
стр. 135
وقد استنبط كثير من المفسرين هذه الدلالة من الآية، منهم: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبوحيان، وابن كثير، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي. وغيرهم. (١)
قال ابن عطية: (وجمهور العلماء عل أنهما قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء (٢) وغيره مما يقتضي أن ثم جنة قد خلقت) (٣)
وخالفت المعتزلة في هذه المسألة، وقالوا أن الجنة والنار يخلقهما الله يوم القيامة!
стр. 136
وقد رد عليهم كثير من أئمة أهل السنة وبينوا جهلهم بالآثار والسنن. (١)
ومن الأدلة على خلقهما ووجودهما أنه تعالى قال عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران-١٣٣]، وقال عن النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران-١٣١]
قال ابن كثير: (وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى: أُعِدَّتْ، أي أرصدت وهيئت). (٢)
وقال الطوفي (ولأنه قد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء (٣)، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (٤)). (٥)
وثبت أنه ﷺ قال: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي (٦) يجر قصبه في النار) (٧) وغيرها من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذا المعنى. (٨)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية، وموافقة الخطيب لما عليه أهل السنة والجماعة (٩) في هذا الباب، وبطلان قول المعتزلة، والله تعالى أجلّ وأعلم.
стр. 137
الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (عطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما؛ إشعاراً بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين، والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أُس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأُس لا بناء عليه، ولذلك قلَّما ذُكرا مفردين، وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان؛ إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.) (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران أن الإيمان غير الأعمال، لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير (٢)، فدلّ على أن الإيمان غير الأعمال. (٣)
стр. 138
وهذا الاستنباط مبني على القاعدة اللغوية (العطف يقتضي التغاير)، وقد أشار إلى هذا المعنى وربطه بهذه القاعدة بعض المفسرين كالرازي، والقرطبي، وأبي السعود، والألوسي، وغيرهم. (١)
والحق أن هذا الاستنباط باطل غير صحيح، وهو على نهج الأشاعرة في باب الإيمان (٢)، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان، وأنه إقرار وتصديق وعمل، وأدلتهم في هذا الباب كثيرة وواضحة. (٣)
قال ابن أبي العز: (وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة فلا يكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقاً عن العمل وعن الإسلام، وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فالمطلق مستلزم للأعمال قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]
أما إذا عطف عليه العمل الصالح فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزءاً
стр. 139
منه، ولا بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وهذا هو الغالب.
ويليه: أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]
الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وفي مثل هذا وجهان: أحدهما أن يكون داخلاً في الأول فيكون مذكوراً مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلاً فيه هنا وإن كان داخلاً فيه منفرداً، كما قيل مثل ذلك في لفظ: الفقراء والمساكين ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران.
والرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه نظرنا في كلام الشارع كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أُطلق يراد به ما يراد بلفظ البر والتقوى والدين ودين الإسلام .. ) (١)
وبهذا يتبين عدم صحة هذه الدلالة، وأن الإيمان إقرار اللسان، وتصديق القلب، وعمل الجوارح، كما عليه أهل السنة. والله تعالى أعلم.
стр. 140
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٣٠]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول بأن بشَّر تعالى بوجوده سكان ملكوته، ولقَّبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه، وبيان أنّ الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير إلى غير ذلك). (١)
ذكر الخطيب في هذه الآية عدداً من الفوائد، والتي يمكن أن تُجمل في فائدتين:
الفائدة الأولى:
تعليم المشاورة:
وجه الاستنباط:
خطابه تعالى للملائكة عن جعله خليفة في الأرض قبل خلقه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قبل جعله خليفة في الأرض وهي: تعليمهم المشاورة، وذلك ليُعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يُقدموا عليها، وعرضِها على
стр. 141
ثقاتهم وأهل النصح فيهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته سبحانه غني عن المشاورة. (١)
وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية موافقاً الخطيب: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي (٢)، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (٣)، وغيرهم. (٤)
وقد يكون الغرض من إخبار الملائكة بذلك هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أُجيبوا به، فيعرفوا حكمته تعالى في استخلافهم قبل كونهم، حتى لايقع منهم الاعتراض في ذلك الوقت، أو ليستخرجَ ما عندهم ويُظهر مكنونات صدورهم وهو تعالى أعلم بذات الصدور، أفاده القاسمي. (٥)
قال الرازي: (فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مع أنه مُنزّه عن الحاجة إلى المشورة، والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى علِم أنهم إذا اطلَّعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال، فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرَّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا
стр. 142
ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب. الوجه الثاني: أنه تعالى علَّم عباده المشاورة). (١)
ودلالة هذه الآية على تعليم المشاورة هي دلالة قريبة محتملة لكنها ليست بالظاهرة، وقد يكون ذلك على سبيل الإخبار والإعلام للملائكة دون انتظار جوابٍ منهم، ولله تعالى في خطابه وجميعِ أمره من الحكم ما لا يعلمها إلا هو، وهو تعالى أجلّ وأعلم.
الفائدة الثانية:
تعظيم شأن آدم ﵇، وبيان فضله، وحكمةإيجاده.
وجه الاستنباط:
أن الله تعالى بشَّر بوجوده، ولقَّبه بالخليفة قبل خلقه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على عظم شأن آدم ﵇، وإظهار فضله؛ لأن الله تعالى بشَّر بوجوده ملائكته، ونوَّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقَّبه بالخليفة، وهو المراد بالخليفة هنا في قول جمهور المفسرين. (٢)
والله تعالى خلق ما خلق ولم يقل في شيء منها ما قال في حق آدم ﵇ فظاهر هذا الخطاب تنبيهٌ لشرف آدم وفضله؛ حيث خلق تعالى الجنان وما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل
стр. 143
سبحانه: إني خالق عرشاً أو جنةً أو ملَكاً، وإنما قال ذلك في حق آدم، تشريفاً وتخصيصاً له. (١)
وممن وافق الخطيب في النصَّ على هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (٢)
وأيضاً فإن في قوله تعالى عن الملائكة ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إظهار فضل استخلاف آدم في الأرض الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤال الملائكة وجوابه تعالى لهم، حيث قال ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم. (٣)
قال السعدي: (قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر، فلو لم يكن في ذلك إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمُن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما
стр. 144
كمُن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك). (١)
فالحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره؛ لأن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثيركما أفاده الخطيب، فالملائكة نظروا إلى جانب الشر وهو الإفساد والقتل، وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات (٢)، فأجابهم تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا جواب الحكيم سبحانه، وعليه فدلالة الآية على تشريف آدم وفضله دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجلُّ وأعلم.
стр. 145
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآيات وهي آية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ وآية ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وآية ﴿قَالَ يَاآدَمُ﴾ تدل على مزيَّة العلم وفضله على العبادة، وإلا لأظهر فضل آدم بها (١)، وأنّ اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ، فيكون من الله، وأنّ مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم، لتغاير المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وأنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة؛ لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة). (٢)