ثقاتهم وأهل النصح فيهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته سبحانه غني عن المشاورة. (١)
وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية موافقاً الخطيب: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي (٢)، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (٣)، وغيرهم. (٤)
وقد يكون الغرض من إخبار الملائكة بذلك هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أُجيبوا به، فيعرفوا حكمته تعالى في استخلافهم قبل كونهم، حتى لايقع منهم الاعتراض في ذلك الوقت، أو ليستخرجَ ما عندهم ويُظهر مكنونات صدورهم وهو تعالى أعلم بذات الصدور، أفاده القاسمي. (٥)
قال الرازي: (فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مع أنه مُنزّه عن الحاجة إلى المشورة، والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى علِم أنهم إذا اطلَّعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال، فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرَّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا
стр. 142
ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب. الوجه الثاني: أنه تعالى علَّم عباده المشاورة). (١)
ودلالة هذه الآية على تعليم المشاورة هي دلالة قريبة محتملة لكنها ليست بالظاهرة، وقد يكون ذلك على سبيل الإخبار والإعلام للملائكة دون انتظار جوابٍ منهم، ولله تعالى في خطابه وجميعِ أمره من الحكم ما لا يعلمها إلا هو، وهو تعالى أجلّ وأعلم.
الفائدة الثانية:
تعظيم شأن آدم ﵇، وبيان فضله، وحكمةإيجاده.
وجه الاستنباط:
أن الله تعالى بشَّر بوجوده، ولقَّبه بالخليفة قبل خلقه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على عظم شأن آدم ﵇، وإظهار فضله؛ لأن الله تعالى بشَّر بوجوده ملائكته، ونوَّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقَّبه بالخليفة، وهو المراد بالخليفة هنا في قول جمهور المفسرين. (٢)
والله تعالى خلق ما خلق ولم يقل في شيء منها ما قال في حق آدم ﵇ فظاهر هذا الخطاب تنبيهٌ لشرف آدم وفضله؛ حيث خلق تعالى الجنان وما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل
стр. 143
سبحانه: إني خالق عرشاً أو جنةً أو ملَكاً، وإنما قال ذلك في حق آدم، تشريفاً وتخصيصاً له. (١)
وممن وافق الخطيب في النصَّ على هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (٢)
وأيضاً فإن في قوله تعالى عن الملائكة ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إظهار فضل استخلاف آدم في الأرض الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤال الملائكة وجوابه تعالى لهم، حيث قال ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم. (٣)
قال السعدي: (قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر، فلو لم يكن في ذلك إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمُن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما
стр. 144
كمُن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك). (١)
فالحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره؛ لأن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثيركما أفاده الخطيب، فالملائكة نظروا إلى جانب الشر وهو الإفساد والقتل، وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات (٢)، فأجابهم تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا جواب الحكيم سبحانه، وعليه فدلالة الآية على تشريف آدم وفضله دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجلُّ وأعلم.
стр. 145
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآيات وهي آية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ وآية ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وآية ﴿قَالَ يَاآدَمُ﴾ تدل على مزيَّة العلم وفضله على العبادة، وإلا لأظهر فضل آدم بها (١)، وأنّ اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ، فيكون من الله، وأنّ مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم، لتغاير المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وأنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة؛ لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة). (٢)
стр. 146
هذه الآيات جمع فيها الخطيب أكثر من دلالة:
الدلالة الأولى:
مزية العلم وفضله على العبادة.
وجه الاستنباط:
أن الملائكة كانت أكثر عبادة من آدم ﵇ ومع ذلك لم تستحق الخلافة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على شرف العلم وفضله على العبادة؛ لأن الملائكة كانت أكثر عبادة من آدم ﵇ ومع ذلك لم تستحق الخلافة كما استحقها آدم، فالذي ظهرت به المزيَّة والفضيلة لآدم هو العلم، فلما أراد الله تعالى إظهار فضله لم يُظهره إلا بالعلم، ولو كان شيء أفضل من العلم لكان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم. (١)
قال تعالى لآدم: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فأمره أن يُعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة، ليعلموا أنه أعلم منهم بما سألهم عنه، وذلك تنبيه على فضله وعلو شأنه، حيث قدَّمه عليهم، وخصَّه بالعلم، وأمرهم بالسجود له، لأجل فضلية العلم، فدلَّ على فضل العلم وأهله.
стр. 147
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: أبو بكر الجصاص (١)، والقرطبي، والبيضاوي، وحقي، والسيوطي، وأبو السعود، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
ويشهد لصحة هذه الدلالة قوله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». (٣)
وقوله ﵊: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (٤)
وهذه الدلالة من الآية حسنة ظاهرة، وقد اتفق العلماء على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم، والصلاة، والتسبيح، ونحو ذلك من نوافل العبادات كما أفاده النووي وغيره، قال: ( .. ومن دلائله أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل مختصة به، ولأن العلم مُصحح فغيره من العبادات
стр. 148
مفتقر إليه، ولاينعكس، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، ولا يوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم مُقتدٍ به مُقلدٌ له في عبادته وغيرها، واجب عليه طاعته، ولا ينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية، فكان أفضل من النافلة). (١)
وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط وقوته، والله تعالى أعلم.
стр. 149
الدلالة الثانية:
أنّ اللغات توقيفية.
وجه الاستنباط:
أنه تعالى أخبر أنه علَّم آدم الأسماء باللام المستغرقة، وأكَّدها بلفظ «كل» وذلك يقتضي أنه وقَفَه عليها، ثم توارثت ذلك ذريته من بعده بالتلقِّي عنه، فلم يحتاجوا إلى اصطلاح آخر. (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن اللغات توقيفية، وضعها الله بالوحي وعلَّمها آدم ﵇؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ والأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها كما هو ظاهر الآية، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ فيكون من الله تعالى. (٢)
قال ابن خويز منداد (٣): (في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفاً، وأن الله تعالى علمها آدم ﵇ جملة وتفصيلاً.) (٤)
стр. 150
وكذلك قال ابن عباس: «علمه أسماء كل شي حتى القصعة، والمغرفة». (١)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القرطبي، والسيوطي، وابن كثير، وحقي، والقاسمي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٢)
ويدل له قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ووجهه: أنه تعالى ذمَّهم على تسمية بعض الأشياء بما سمَّوها به، ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف، لما صح هذا الذم، لكون الكل اصطلاح منهم. (٣)
وفي الصحيح في حديث الشفاعة: «فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس ... وعلمك أسماء كل شيء .. الحديث» (٤)
فدلَّ هذا على أنه تعالى علَّمه أسماء جميع المخلوقات؛ وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، فهذا كله يؤيد القول بأنها توقيفية.
وخالف في هذا ابن عاشور فقال: (وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية - أي لقَّنها الله تعالى البشر على لسان آدم- ولا على عدمه؛ لأن طريقة التعليم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ مجملة، محتملة لكيفيات -كما
стр. 151
قدمناه- والناس متفقون على أن القدرة عليها إلهام من الله، وذلك تعليم منه سواء لقَّن آدم لغة واحدة أو جميع لغات البشر، وأسماء كل شيء، أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة) (١).
والظاهر خلاف قوله، وأنها تدل على توقيف اللغات – كما سيأتي بيانه –
وحاصل الخلاف في هذه المسألة (٢) على أقوال:
الأول: أن اللغات توقيفية والواضع لها هو الله سبحانه. (٣)
والثاني: أنها اصطلاحية من وضع البشر. (٤)
والثالث: أن ابتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه، والباقي بالاصطلاح.
والرابع: أن ابتداء اللغة وقع بالاصطلاح والباقي توقيف. (٥)
стр. 152
والخامس: أنه يجوز كل واحد من هذه الأقوال، من غير جزم بأحدها، أي التوقف في القطع بأحدها. (١)
واحتج أهل القول الخامس على ما ذهبوا إليه من الوقف: بأن هذه الأدلة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع، بل لم ينهض شيء منها لمطلق الدلالة، فوجب عند ذلك الوقف؛ لأن ما عداه هو من التقول على الله بما لم يقل، وأنه باطل.
قال الشوكاني: (وهذا هو الحق). (٢) ووافقه الرازي وغيره. (٣)
стр. 153
وهذه المسألة قيل عنها: أنه لا ينبني على الخلاف فيها حكم، وأن ذِكرها في الأصول فضول، وأن الخلاف فيها طويل الذيل قليل النيل. (١)
والذي يظهر - والله تعالى أعلم – وقال به جماعة من الصحابة والتابعين (٢)، وجمع من أهل العلم أن اللغات مبدؤها توقيفي وباقيها مما اصطلح عليه الناس. (٣)
قال ابن عثيمين في معرض ذكره لفوائد هذه الآية:
(ومنها: أن اللغات توقيفية وليست تجريبية؛ «توقيفية» بمعنى أن الله هو الذي علَّم الناس إياها، ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها، وقيل: إنها «تجريبية» بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولاً أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتاً تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛
стр. 154
ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء). (١)
وقال ابن كثير: (والصحيح أنه علَّمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس). (٢)
ويردُّ قول من قال: علَّمه بعضها، أو اصطلاحًا سابقًا، أو علَّمه حقيقه الشيء وصفته: بأن الأصل اتحاد العلم، وعدم اصطلاح سابق، وأنَّه تعالى علَّمه حقيقة اللفظ، وقد أكده بقوله: «كلها». (٣)
وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم. (٤)
الدلالة الثالثة:
أفضلية آدم ﵇ – على الملائكة
وجه الاستنباط:
أنه تعالى فضَّله عليهم بالعلم، وأسجدهم له، وأمرهم بأن يتعلموا منه.
стр. 155
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ آدم أفضل من الملائكة، لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ولأمر الله تعالى للملائكة بالسجود له ﵇، والمسجود له أفضل من الساجد، فدلَّ على أفضليته عليهم، وهذا يدلُّ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة. (١)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: السمعاني، والبغوي، والخازن، والسيوطي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (٢)
قال البغوي: (أظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم، وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة). (٣)
واستدلَّ من فضَّلهم على الملائكة بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥ - ٨٦] لأن العالَم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل فيه الملَك، فيقتضي أن الأنبياء أفضل من الملائكة.
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] بالهمز، من برأ الله الخلق. وقوله ﵊: (وإن الملائكة لتضع
стр. 156
أجنحتها رضىً لطالب العلم) (١)، وما جاء في الأحاديث في هذا المعنى ومنها: أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة (٢)، ولا يباهي إلا بالأفضل، وغير ذلك مما يطول ذكره.
وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة (٣)، وقال البعض بتفضيل بني آدم، وتوقف فيها البعض (٤) ولكل قولٍ أدلته (٥)، ومذهب أهل السنة وهو الراجح: أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة (٦) بدلالة هذه الآية وغيرها.
قال شيخ الإسلام: (وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خُلقت منه فقط، بل قد يخلق المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن .. وآدم خلَقه الله من طين فلما سوَّاه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وفضَّله عليهم
стр. 157
بتعليمه أسماء كل شيء، وبأنه خلقه بيده، وبغير ذلك، فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء مخلوقين من نور). (١)
وقال ابن القيم: (فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها، وهذا من كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل من الملائكة، ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة). (٢)
وعلَّل ذلك في موضع آخرفقال: (صالح البشر أفضل من الملائكة، لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات البشرية، فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، وهي كالنفَس للحي. وأما عبادات البشر فمع منازعات النفوس، وقمع الشهوات ومخالفة دواعي الطبع فكانت أكمل، ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره). (٣)
وفصَّل بعضهم في المسألة (٤)، كالشيخ ابن عثيمين وغيره، فقد نصَّ على أن المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من البشر محل خلاف بين أهل العلم، ثم قال: (والقول الراجح فيها أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية، فإن الله يؤدي لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم- أي: في مقر الصالحين، وهو الجنة - يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].
стр. 158
أما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل؛ لأنهم خُلقوا من نور، وجُبلوا على طاعة الله والقوة عليها، كما قال الله تعالى في الملائكة ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٢٨]، وقال : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] هذا هو القول الفصل في هذه المسألة. وبعدُ: فإن الخوض فيها، وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة، من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به). (١)
وهذا التفصيل قال به شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. (٢)
قال ابن القيم: (وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه). (٣) والقول به أسلم، والله تعالى أعلم.
стр. 159
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (الآية تدل على أنّ آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له (١)، وأنّ إبليس كان من الملائكة، وإلا لم يتناوله أمرهم، ولم يصح استثناؤه منهم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لجواز أن يقال: كان من الجنّ فعلاً ومن الملائكة نوعاً). (٢)
هذه الآية جمع فيها الخطيب عدداً من الدلالات:
الدلالة الأولى:
كون إبليس من الملائكة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن إبليس كان من الملائكة بدليل أن الخطاب كان له مع الملائكة فهو داخل فيهم، ثم استثناه تعالى منهم (٣)، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود، ولم يؤاخذ بالعصيان. والأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [
стр. 160
الأعراف: ١٢]، وهو استثناء متصل (١)؛ لتوجه الأمر له مع الملائكة، فلو لم يكن منهم لما توجه الأمر إليه، ولم يقع عليه ذم لتركه فِعل ما لم يؤمر به. (٢)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية ورجَّح كونه من الملائكة: الطبري، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبوحيان، وابن عادل، وأبو السعود، والشوكاني، وغيرهم. (٣)
وقيل الاستثناء منقطع (٤) لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن، وهو قول الحسن البصري، وقتادة، ورواية عن ابن عباس (٥) وقال به جمع من أهل العلم - كما سيأتي- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] قالوا: وهذا نص صريح أنه كان من الجن، ولأنه خُلِق من نار والملائكة خلقوا من النور، وهذا يدل على اختلاف خلق الملائكة عن خلق إبليس، ولأنه أبى وعصى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما
стр. 161
يؤمرون، فلو كان إبليس ملَكاً ما عصى الله، ولأنه قال ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] والملائكة لاذرية لهم. (١)
قال الطبري: (وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها.) وردَّ هذه الحجج مرجِّحاً كونه من الملائكة. (٢)
قال البغوي: (قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان إبليس من الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله: كان من الجن، أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة). (٣)
والذي عليه جماعة من المحققين من أهل العلم، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والزمخشري، وابن كثير، والسيوطي، والشنقيطي (٤)، وابن عثيمين، وغيرهم (٥) أنه من الجن؛ لأن قوله تعالى ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:
стр. 162
٥٠] نص صريح في محل النزاع، ولأن الملائكة رسُل الله سبحانه كما أخبر عنهم ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ولا يجوز عليهم الكفر، وإبليس قد كفر.
والذي يظهر - والله تعالى أعلم - هو التفصيل في هذه المسألة: وأن القولين في الحقيقة قول واحد؛ فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. (١)
قال ابن تيمية: (والتحقيق: أنه كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله.) (٢)، وذلك أن إبليس كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم وتعبَّد وتنسَّك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة. (٣)
وقال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: إن ظاهر القرآن أن إبليس كان من الملائكة؟ فالجواب: لا، ليس ظاهر القرآن؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ثم ذكر أنه ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، نعم القرآن يدل على أن الأمر توجه إلى إبليس كما قد توجه إلى الملائكة، ولكن لماذا؟
قال العلماء إنه كان - أي: إبليس - يأتي إلى الملائكة ويجتمع إليهم فوجَّه الخطاب إلى هذا المجتمع من الملائكة الذين خُلقوا من النور ومن الشيطان الذي
стр. 163
خُلق من النار، فرجع الملائكة إلى أصلهم والشيطان إلى أصله، وهو الاستكبار والإباء والمجادلة بالباطل لأنه أبى واستكبر وجادل). (١)
وعلى هذا التوجيه يظهر صحة دلالة الآية على كون إبليس من الملائكة باعتبار صورته دون أصله، والله تعالى أعلم.
стр. 164
الدلالة الثانية من الآية:
قبح الاستكبار:
قال الخطيب الشربيني ﵀: (من فوائد الآية استقباح الاستكبار (١) وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة؛ إذ العبرة بالخواتيم، وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً). (٢)
وجه الاستنباط:
قوله تعالى عن إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فبيَّن علة عدم سجوده، وما أودى به استعظامه لنفسه من الكفر.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة النص من الآية (مفهوم الموافقة) ذم الكبر وقبحه، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر؛ لأنه تعالى قال عن إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فبيَّن علة عدم سجوده، وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل بل إباءً واستكباراً، فامتنع عما أُمر به واستكبر أن يُعظّم آدم ﵇ فكرِه السجود في حقه واستعظمه في حق
стр. 165
آدم، وقد صرَّح - عياذاً بالله منه - بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الاسراء: ٦١]، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فكان ترك السجود منه تسفيهاً لأمر الله وحكمته، فكفَّره الله تعالى بذلك، وكل من سفَّه شيئاً من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ فحكمُه كحكمِه، وهذا يدل على قبح الكِبر وعِظم جُرمه. (١)
قال الرازي: (اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن يُظن أنه كان معذوراً في ترك السجود، فبيَّن تعالى أنه لم يسجد مع القدرة وزوال العذر بقوله: ﴿أَبَى﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار (٢)، أما من لم يكن قادراً على الفعل لا يقال له إنه ﴿أَبَى﴾، ثم قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكِبر، فبيَّن تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر، فبيَّن تعالى أنه كفَر بقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾). (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وحقي، وغيرهما. (٤)
ويؤيد هذه الدلالة ماجاء في الكتاب والسنة من ذم الكِبر وأهله كما أخبر تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ
стр. 166
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] حتى أن الله تعالى يختم على قلبه كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]
والمتكبر محروم من دُخُول الجنة؛ كماجاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بطر الحق (١) وغمط الناس (٢)». (٣) بل إن الله تعالى يعامل المتكبر في الآخرة بنقيض قصده؛ قال ﷺ : «يُساقون إلى سِجن في جهنم .. الحديث» (٤) فدلَّ على عظم خطيئة الكبر، وأنها تودي بصاحبها إلى ترك الحق، وتفضي به إلى الكفر، وهو استنباط حسن قوي الظهور، والله تعالى أعلم.
стр. 167
الدلالة الثالثة:
الكافر حقيقة هو الذي علم الله أنه يتوفى على الكفر.
وجه الاستنباط:
قوله ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، حيث (كان) فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ أي: كان في سابق علم الله كافراً.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن العبرة بالخواتيم، وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر حقاً؛ لأن الله تعالى أخبر عن إبليس أنه كان ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ والمضي يدل على شيء سابق، أي كان في سابق علم الله تعالى أنه سيكفر كما عليه جمهور المفسرين (١) والمراد كفره في ذلك الوقت، وإن لم يكن قبله كافراً، وعطفُ (كان) على (واستكبر) يقويه؛ لأن الاستكبار عن السجود إنما حصل له وقت الأمر، فدلَّ على أن العبرة بالخواتيم وأنه وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته. (٢)
وللمفسرين في معنى ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قولان: أحدهما: أن (كان) بمعنى صار (٣)، كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، والثاني: أنها بمعنى الماضي، أي: كان في سابق علم الله كافراً. (٤)
стр. 168
قال القرطبي: (قال ابن فورك (١) «كان» هنا بمعنى: صار، خطأ ترده الأصول. (٢) وقال جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا صحيح، لقوله ﷺ في صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (٣)). (٤)
وممن نصَّ على دلالة (كان) على هذا المعنى: الواحدي، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، والخازن وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (٥)
وهذا هو الظاهر أن (كان) على بابها في الدلالة على الماضي، والعبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه ربه في آخر حياته وأول منازل آخرته.
قال ابن أبي العز: (الإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي
стр. 169
يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافراً ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب). (١)
ولبعض المفسرين وأهل العلم توجيه آخر للآية، فقال ابن عثمين: (زعم بعض العلماء أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن (كان) فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ لكن هناك تخريجاً أحسن من هذا: أن نقول: إن «كان» تأتي أحياناً مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وما أشبهها، هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى بل لا يزال؛ فتكون (كان) هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة؛ وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره). (٢)
وقال ابن عاشور: (والذي أراه أحسن الوجوه في معنى ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أن مقتضى الظاهر أن يقول (وكفر) كما قال: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فعدل عن مقتضى الظاهر إلى و ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لدلالة (كان) في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها، والمعنى أبى واستكبر وكفر كفراً عميقاً في نفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]، وكقوله تعالى: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١] دون أن يقول أم لا تهتدي؛ لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت راسخة في الاتصاف بعدم
стр. 170
الاهتداء، وأما الإتيان بخبر كان ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ دون أن يقول (وكان كافراً) فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحداً من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له الوصف وحده. (١)
وعلى هذا التخريج، فلا دلالة في الآية على مسألة الموافاة، وهو تخريج حسن، يتضمن قول من قال أنها بمعنى (صار)، لكن القول إن كان بمعنى (صار) تقريب للمعنى، وهذا يفيد قوة الاتصاف بالصفة، وكأنها قديمة راسخة وليست مجرد تحول جديد بل هو تحول تام كأنه من قديم، فهي تدل على أن إبليس بإبائه واستكباره صار من الكافرين مع الدلالة على رسوخ الصفة وكونه كفراً شديداً قوياً في بابه، ويضاف إلى هذا أنه قال ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل (كان كافراً)، والأول أبلغ وأدل على أنه من جملة المعروفين المتصفين بهذه الصفة. (٢)
وإن كان قول الجمهور أن (كان) على بابها من المضي كما قال به الخطيب، لا يخلو من وجاهة وقوة، والله تعالى أعلم.
стр. 171
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٥ - ٣٩]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾). (١)
في هذه الآيات جمع الشربيني عدداً من الاستنباطات (٢)، أولها:
الجنة مخلوقة.
وجه الاستنباط:
حيث أمر الله تعالى آدم وزوجه بسكنى الجنة والأكل منها، ولولا أنها كانت موجودة إذ ذاك لما أمرهم بسكناها.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجنة مخلوقة، لأنه تعالى قال لآدم ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ ولولا أنها كانت موجودة لما أمرهم بسكناها والأكل منها، وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة من خلق
стр. 172
الجنة والنار كذلك. (١)
قال ابن أبي العز: (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك) (٢)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والسيوطي، وغيرهما. (٣)
قال السيوطي: (قوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر القصة فيها دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن). (٤)
وجمهور العلماء على أنهما قد خُلقتا وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وغيرها من الآيات (٥) وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء وغيره. (٦)
قال الطوفي: (لأنه قد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أُخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة) (٧). (٨)
стр. 173
وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة في استنباط خلق النار (١)، والرد على المعتزلة المخالفين في هذا الباب، وبيان الأدلة عليه بما يغني عن إعادته، والله أعلم.
стр. 174
الدلالة الثانية:
الجنة في جهة عالية:
وجه الاستنباط:
أن الله تعالى قال: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، والهبوط هو النزول من علو إلى سُفل.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجنة في جهة عالية بدلالة لفظ: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، والهبوط هو النزول من علو إلى سُفل.
فدلَّ بهذا اللفظ على علو الجنة، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن، كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥]، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (١)، فثبت بهذا الحديث أن الجنة تحت عرش الرحمن.
وفي قصة الإسراء في صحيح مسلم من رواية أنس عن النبي ﷺ جاء فيها: « .. في السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى .. الحديث» (٢)
стр. 175
فثبت بهذا الحديث أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وعليه فالجنة - والله تعالى أعلم - فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن كما دل عليه هذين الحديثين.
وفي صحيح مسلم أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. (١)
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
قال ابن عباس: «الجنة، وقيل: عليون في السماء السابعة تحت العرش». (٢)
وروي عن ابن مسعود أنه قال: «الجنة في السماء السابعة العليا». (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والقرطبي، وابن القيم، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٤)
قال القرطبي: (فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، كما دل عليه حديث الإسراء). (٥)
стр. 176
وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والعلم عند الله تعالى.
стр. 177
الدلالة الثالثة:
دوام عذاب النار، وخلود الكافر فيها.
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة، وأنها في جهة عالية، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة: ١٧]). (١)
وجه الاستنباط:
في قوله تعالى ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يفيد الحصر (٢)، فدلَّ بمفهومه على خلود الكافرين في النار. (٣)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن عذاب النار دائم، لأنه تعالى قال ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها ملازمة الصاحب للصاحب والغريم لغريمه. (٤)
قال الشيخ ابن عثيمين: (﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي «أصحاب النار» إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحَبُ لابد أن يلازَم من صاحبه؛ وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون، والمراد بذلك المكث الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ
стр. 178
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]
ثم قال: (ومن فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً - كما سبق- فإن اتصفوا بأحدهما فقد دلَّ الدليل على أن المكذب خالد في النار، وأما الكافر فمن كان كُفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار.) (١)
فالآيةأفادت أيضاً أن الكافر مخلد في النار، وغيره غير مخلد، بدلالة مفهوم المخالفة في قوله تعالى ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ حيث حصرالخلود في النار لأولئك الكفار المكذبين، فدلَّ على أن غيرهم من العصاة لا يخلدون فيها، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة. (٢)
قال الطحاوي (٣): (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته
стр. 179
وحكمه، إن شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته، وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته.) (١)
وقال ابن القيم في فصل الخلاف في أبدية النار وعذابها: (سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضاً كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازماً كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وإنها غير قابلة للإيمان أصلاً، .. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره.) (٢)
وهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها من المفسرين: البيضاوي، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣)
وهي فائدة حسنة، فالخلود في النار سببه الكفر، والحُكم يَدور مع سببه وعِلَّته وجودًا وعَدمًا، فالكفار مخلدون لأنَّ صفة الكفر ملازمة لهم؛ فبِدَيمومة السبب الذي هو الكفر؛ دام المسبب الذي هو العذاب. (٤)
стр. 180
والأدلة من الكتاب والسنة على أن النار لا تفنى، وعلى تخليد الكافرين فيها، وأنهم لا يخرجون منها كثيرة، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح. . . إلى أن قال: فيُؤمر به فيُذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت. . . الحديث» (١)
فخلود الجنة والنار وأبديتهما، وخلود المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار ثابت في الكتاب والسنة، بما لا يدع مجالا للشك في حقيقته، ولا لتأويل النصوص الصريحة فيه. (٢) وهو من عدل الله تعالى؛ إذ الكفر اعتداءٌ على حقِّ الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والله تعالى أعلم.