← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والعلم عند الله تعالى.

стр. 177

الدلالة الثالثة: دوام عذاب النار، وخلود الكافر فيها. قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة، وأنها في جهة عالية، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة: ١٧]). (١) وجه الاستنباط: في قوله تعالى ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يفيد الحصر (٢)، فدلَّ بمفهومه على خلود الكافرين في النار. (٣) الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن عذاب النار دائم، لأنه تعالى قال ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها ملازمة الصاحب للصاحب والغريم لغريمه. (٤) قال الشيخ ابن عثيمين: (﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي «أصحاب النار» إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحَبُ لابد أن يلازَم من صاحبه؛ وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون، والمراد بذلك المكث الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ

стр. 178

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ثم قال: (ومن فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً - كما سبق- فإن اتصفوا بأحدهما فقد دلَّ الدليل على أن المكذب خالد في النار، وأما الكافر فمن كان كُفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار.) (١) فالآيةأفادت أيضاً أن الكافر مخلد في النار، وغيره غير مخلد، بدلالة مفهوم المخالفة في قوله تعالى ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ حيث حصرالخلود في النار لأولئك الكفار المكذبين، فدلَّ على أن غيرهم من العصاة لا يخلدون فيها، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة. (٢) قال الطحاوي (٣): (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته

стр. 179

وحكمه، إن شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته، وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته.) (١) وقال ابن القيم في فصل الخلاف في أبدية النار وعذابها: (سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضاً كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازماً كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وإنها غير قابلة للإيمان أصلاً، .. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره.) (٢) وهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها من المفسرين: البيضاوي، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣) وهي فائدة حسنة، فالخلود في النار سببه الكفر، والحُكم يَدور مع سببه وعِلَّته وجودًا وعَدمًا، فالكفار مخلدون لأنَّ صفة الكفر ملازمة لهم؛ فبِدَيمومة السبب الذي هو الكفر؛ دام المسبب الذي هو العذاب. (٤)

стр. 180

والأدلة من الكتاب والسنة على أن النار لا تفنى، وعلى تخليد الكافرين فيها، وأنهم لا يخرجون منها كثيرة، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح. . . إلى أن قال: فيُؤمر به فيُذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت. . . الحديث» (١) فخلود الجنة والنار وأبديتهما، وخلود المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار ثابت في الكتاب والسنة، بما لا يدع مجالا للشك في حقيقته، ولا لتأويل النصوص الصريحة فيه. (٢) وهو من عدل الله تعالى؛ إذ الكفر اعتداءٌ على حقِّ الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والله تعالى أعلم.

стр. 181

التعريض بأن اتباع الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه. ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي ذلك تنبيه على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه، ولذلك عرّض بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: بالقرآن بل يجب أن تكونوا أوّل مؤمن به؛ لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه). (١) وجه الاستنباط: أنه لما كان أهل الكتاب أعلم الناس بكتابهم وأعرفهم بحكمه وأحكامه، نهاهم أن يكونوا أول كافر بالقرآن؛ لعلمهم بما في كتابهم مما يبشر به ويصدقه. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن اتّباع الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يوهم أن أهل الكتاب هم أول من كفر بالقرآن، وقَدْ سبقهم إلى الكفر به مشركوا العرب، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد ﷺ .

стр. 182

وممن أشار إلى هذا التنبيه من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن عادل، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (١) قال أبو السعود في معنى هذه الآية: (أي لاتسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به، لما أنكم تعرفون شأنه، وحقِّيته، بطريق التلقي مما معكم من الكتب الإلهية كما تعرِفون أبناءكم، وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون بزمانه .. فلا تضعوا موضع ما يُتوقع منكم ويجب عليكم مالا يتوهم صدوره عنكم من كونكم أول كافر به.) (٢) وقال القاسمي: (﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه، فالأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته). (٣) فلما بُعث كان أمرهم على العكس، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩]، وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم.

стр. 183

الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرَهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله، وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون بها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، بدليل خطاب اليهود في هذه الآية، وأمرِهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، بعد أمرِهم بالإيمان والتصديق، ونهيهم عن سائر المذكورات في الآيات المتقدمة، فدلَّ على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة كماهم مخاطبون بأصولها. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: ابن الجوزي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عادل، والنيسابوري، والبقاعي، وغيرهم. (٢) قال أبو حيان: (هو خطاب لليهود، فدلّ ذلك على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.) (٣)

стр. 184

وخطاب الكفار بفروع الإسلام مختلف فيه (١)، والصواب أنهم مكلفون بالفروع؛ لدلالة النصوص على ذلك، ومن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]. ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، ونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢] ثم بيّن السبب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] الآية. (٢) والحاصل أن خطاب الكفار بفروع الشريعة كخطابهم بالأصول، وهي دلالة صحيحة كما نصّ عليها الخطيب وغيره، والله تعالى أعلم.

стр. 185

الابتلاء والاختبار بما يصيب العبد من خير أو شرّ. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة بلاء، وفي الآية تنبيه على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ اختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر عند مسارّه، ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين). (١) وجه الاستنباط: حيث البلاء يأتي بمعنى الاختبار بالخير والشر. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ اختبار من الله تعالى للعبد، عليه أن يعرف حقه فيه؛ لأنه تعالى قال مخاطباً بتي إسرائيل ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ والبلاء: المحنة، أي: في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء: النعمة، أي: في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة (٢)، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، والله تعالى يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر (٣)، فجاء تنبيه الآية على هذا المعنى، كما قال

стр. 186

تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال : ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].

стр. 187

قال الطبري: (وأصل «البلاء» في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر؛ لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثم تسمي العرب الخير «بلاء» والشر «بلاء»، غير أن الأكثر في الشر أن يقال: «بلوته أبلوه بلاء»، وفي الخير: «أبليته أبليه إبلاء وبلاء» (١)، ومن ذلك قول أحدهم: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢) فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده). (٣) وفي مرجع الإشارة في قوله ﴿ذَلِكُمْ﴾ خلاف، فرجَّح الجمهور: عود الإشارة إلى صنع فرعون (٤)، ورجَّح بعض المفسرين عوده إلى النعمة. (٥)

стр. 188

قال ابن عثيمين: (قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله عظيم. أي اختبار عظيم؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر). (١) وقال أبو السعود: (﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لبلاء وتنكيرهما للتفخيم، وفي الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار، والصبر على المضار). (٢) وممن أشار إلى هذا التنبيه من الآية: البغوي، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والألوسي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣) وهي إشارة حسنة وتنبيه لطيف، فالله يبلو عباده بالنعم ليمتحن شكرهم ويبلوهم بالمصائب ليمتحن صبرهم، ولاشك أن نزول البلاء بالمؤمن كله له خير، وبه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته (٤) كما أخبر ﷺ «عجباً لأمر المؤمن، إن

стр. 189

أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له» (١) وكل خير يتفضل به الله على عبد من عباده هو اختبار له ليظهر شكره، ورعايته للنعم فيما يرضيه سبحانه، فإن شَكر فاز وأفلح واستحق المزيد. فكانت دلالة هذه الآية تنبيه للمسلم أن يحذر ويستشعر هذا الابتلاء والاختبار في سرائه وضرائه، والله تعالى أعلم. الخلف في خبر الله تعالى محال. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال). (٢) وجه الاستنباط: أن قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ يدل على أنه منزه عن الكذب، وعده ووعيده؛ لأن الكذب صفة نقص، والنقص على الله محال. (٣)

стр. 190

الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على أن الخلف في خبر الله تعالى محال؛ إذ العهد في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمي خبره سبحانه عهدًا؛ لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة، أفاده الرازي، ونقله عنه الشوكاني. (١) وممن استنبط هذا الدلالة من الآية على هذا المعنى: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وغيرهم. (٢) ويشهد لهذه الدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. فالله يحقّق وعده لأنه لا أصدق من الله، وقد يتخلف وعيده سبحانه ولا يحقّقه في الآخرة، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فإن أهل السنة يقولون إن إخلاف الوعد صفة ذم، والله يتنزه عنها، بخلاف الوعيد فإنه يعتبر من باب التفضل والتكرم وإسقاط حقه تعالى، فإخلافه عفو وهبة، وإسقاط ذلك كرم منه وجود وإحسان، كما يفعل أهل الشرف بعبيدهم حين يتوعدونهم، ثم يعفون عنهم ويخلفون ما توعدوهم به من العقاب؛ فإخلاف الوعيد كرم ويمدح به بخلاف الوعد. (٣)

стр. 191

وذهب المعتزلة إلى منع إخلاف الوعيد وزعموا أنه من الكذب، وهذا تحكم على الله وسوء ظن به سبحانه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، وقد قام الدليل على ذكر الموانع من إنفاذ الوعيد، بعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانعة بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة، والحسنات العظيمة الماحية، والمصائب المكفرة، وإقامة الحدود في الدنيا كلها مانعة بالنص، فلا تعطل هذه النصوص. (١) وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحظَّ عليه ومدح فاعله. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وأخبر عن نفسه بالعفو فقال ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] ولا يمكن تقبيح العفو من أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، عن أحد من الموحدين. (٢) وعلى هذا فيجوز على الله تعالى إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد، لأن الوعيد حقه، والوعد أوجبه تعالى على نفسه بوعده، والله تعالى منزه عن الكذب، والله لا يخلف الميعاد، وبهذا يظهر صحة استحالة الخلف في خبر الله تعالى كما أفاده الخطيب وأنها مقيدة بالوعد دون الوعيد كما عليه أهل السنة، والله تعالى أجل وأعلم.

стр. 192

جواز النسخ قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في التكليف والثواب والمنفعة، وتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النسخ (١)، والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير، والآية دلَّت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة، وذلك لأنّ الأحكام شُرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم، فضلاً من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في غيره) (٢). الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على جواز النسخ خلافاً لمن أنكره (٣)، لأنه تعالى قال ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ

стр. 193

مِثْلِهَا﴾ فدلَّ على وقوع النسخ في كتاب الله، والوقوع دليل الجواز. (١) وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه (٢) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير منه، فبيَّن تعالى في هذه الآية جواز النسخ، رداً على اليهود. (٣) قال ابن جزي: (قوله تعالى ﴿قَدِيرٌ﴾ استدلال على جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافاً لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوه على الله، وهو جائز عقلاً، وواقع شرعاً فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها). (٤) ونصَّ على هذه الدلالة غير ابن جزي: الرازي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، وابن عاشور، وابن عثيمين، وغيرهم. (٥)

стр. 194

أما جواز النسخ عقلاً: فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا يبعُد أن الله تعالى يعلم مصلحة عباده في أمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا بسبب العزم عليه عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم. (١) وأما دليله شرعًا: فهذه الآية – محل الدراسة كما تقدم – وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قال ابن عباس وغيره: معناه يمحو ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه ببدل أو بغير بدل، ويثبت ما يشاء فلا يمحوه ولا ينسخه، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: معناه عنده ما ينسخ ويبدل من الآية والأحكام، وعنده ما لا ينسخ ولا يبدل، كلٌ في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ. (٢) فهذا يدل على جواز النسخ بنص القرآن، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وهذا نص قاطع على جواز النسخ، ويدل على جوازه أيضاً قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٢] ومعلوم أن شريعة كل نبي قد نسخت شريعة من قبله.

стр. 195

واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه بأن الدلائل قد دلت على نبوة محمد ﷺ ، ونبوته لا تصح إلا مع القول بالنسخ، وهو نسخ شرع من قبله فوجب القطع بالنسخ. (١) ويدلُّ له أيضا الواقع: كتحويل القبلة، وتغيير مدة العدة وغيرهما مما ثبت شرعاً، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وأن القول بعدم وجود النسخ باطل (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 196

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما قال هؤلاء: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم (مثل قولهم) من التعنت وطلب الآيات فقالوا: أرنا الله جهرة، وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ ، ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الحقائق، ولا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد يقين وإنما قالوه عتوّاً وعناداً). (١) هذه الآية فيها دلالتان: الدلالة الأولى: تسلية النبيّ ﷺ بقوله ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وجه الاستنباط: أن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهي تسلية النبي ﷺ بأنه كما

стр. 197

تعنت عليه قومه تعنت من قبله كذلك، فهذا ديدن كل كافر برسل الله منذ قديم الزمان، ولهذا قال سبحانه: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: في مثل هذا القول تشابهت قلوبهم فكانت مخاطبتهم للرسل مخاطبة واحدة، وهي إنكارهم على الرسل اختصاصهم بالوحي والرسالة دونهم، فطلبوا منهم تلك الآيات بقصد التعنت والإلجاء؛ لأن الطغيان قد ساوى بينهم، حتى كأنهم تواصوا فيما يقولون، قال سبحانه عنهم ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، فالكفر ملة واحدة، والتشابه كله في مكابرة الحق. (١) وممن استنبط هذه الفائدة من الآية: السيوطي، والقاسمي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٢) قال ابن عثيمين: (ومنها - أي من فوائد الآية - تسلية الرسول ﷺ ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ فالله تعالى يسلي رسوله ﷺ بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله). (٣) وهي فائدة لطيفة، تكرر مثلها كثيراً في سياق القصص القرآني، بغرض تثبيت قلبه، ومواساته ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 198

الدلالة الثانية: عتوّ الكفرة وعنادهم. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على عتوّ الكفرة وعنادهم بقوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، حيث قالوا ذلك لا لخفاء الآيات، أو طلب مزيد يقين، وإنما قالوه عتوّاً وعناداً؛ فاقتراح آية مع تقدم مجيء آيات واضحات إنما هو على سبيل التعنت، وهذا مع كونها آيات مبينات لا لبس فيها ولا شبهة، لكن لا يظهر كونها آيات إلا لمن كان موقناً، أما من ارتاب، أو شك أو تغافل أو جهل فلا ينفع فيه الآيات ولو كانت في غاية الوضوح. (١) ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فكل موقن قد عرف من آيات الله وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب. (٢) وممن نصَّ على هذه الإشارة من الآية: أبوحيان، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (٣) ويدل له أنه ما من نبي من الأنبياء إلا وقد جاء بآية أو آيات، وكان قومه مع هذا يصفونه بالسحر أو الجنون، ثم يقترحون عليه آيات سواها، فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل قد جاءوا من الآيات بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا ختم سبحانه حكاية

стр. 199

هؤلاء الذين لا يعلمون والذين من قبلهم تشابهت قلوبهم بقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فليسوا أهلا للجواب لأنهم ليسوا بقوم يوقنون بل ديدنهم المكابرة (١)، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 200

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: أولادي اجعل أئمة يقتدى بهم في الخير ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب ﴿عَهْدِي﴾ بالإمامة ﴿الظَّالِمِينَ﴾ منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة، لأنها إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة والأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة، وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدّم للصلاة؟). (١) هذه الآية فيها أكثر من دلالة: الدلالة الأولى: التنبيه من الله تعالى لإبراهيم ﵇ أنه سيكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه سيكون من ذرية إبراهيم ﵇ ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة، بدلالة هذه الآية فهي- وإن كانت ظاهرة في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالماً. إلا أن فيها التنبيه لإبراهيم

стр. 201

عليه السلام أن من ولده من يشرك به ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباد الله، وأنهم لا ينالهم عهد الله ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم. (١) وممن أشار إلى هذا التنبيه من الآية: الطبري، والسمرقندي، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، والشنقيطي، وغيرهم. (٢) قال الشنقيطي: (يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين، وقد صرّح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالماً وغير ظالم كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]). (٣) وهي دلالة صحيحة، وإشارة لطيفة المأخذ، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 202

الدلالة الثانية: عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة (مفهوم الصفة) عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر قبل النبوّة، وذلك أنه لما أخبر سبحانه أنه لا ينال عهده الظالمين، دل بمفهومه على أنه ينال عهده من ليس بظالم، فكان ذلك دليلاً لمن يقول بعصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة (١). وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم (٢) قال أبو السعود: (فيه دليل على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر على الإطلاق (٣)، وعدم صلاحية الظالم للإمامة). (٤) وقد اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون فيما يخبرون به عن الله من تبليغ الرسالة (٥)، وأنهم معصومون من الكبائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف ... وهو أيضاً قول أكثر

стр. 203

أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول (١)). (٢) وثبتت عصمتهم قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار بتبرئتهم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، وأنهم نشأوا على التوحيد والإيمان. (٣) وذهبت المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم وآمن بعد كفره؛ وذهب الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة ; لأن ذلك مما يوجب احتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل. (٤) والذي يظهر ضعف دلالة هذه الآية على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة مع أنها دلالة في نفسها صحيحة؛ إذ دلالتها بمفهوم المخالفة على أنه ينال عهده تعالى من ليس بظالم، لا يلزم منها ضرورةً عصمة الأنبياء، كما أن تأويل

стр. 204

العهد هنا بالإمامة في قول كثير من المفسرين (١) كما هو ظاهرالسياق، يُبعد تعلقها بالنبوة، والله تعالى أعلم.

стр. 205

الدلالة الثالثة: عدم صلاحية الفاسق للإمامة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وإنما ينالها البر التقي وذلك أنه تعالى أخبر أنه لا ينال عهده الظالمين ولو كان الظالم والفاسق أهلاً لها لما نفى تعالى عنهم ذلك. فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، التي طلب فيها إبراهيم الإمامة التي ذكرها الله تعالى بقوله ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وعلى هذا فالمراد بالعهد هو الإمامة (١)، والمعنى: لا ينال الإمامة الظالمين، فدلّت الآية على أن من ذريته ظلمة، وأنهم لا يصلحون للإمامة، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه. (٢) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عادل، وأبو السعود، والشهاب الخفاجي (٣)، والشوكاني، وغيرهم. (٤)

стр. 206

قال الطبري في معنى هذه الآية: (هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماماً يقتدي به أهل الخير. وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة مثله. فأخبر أنه فاعل ذلك، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم، فإنه غير مُصيّره كذلك، ولا جاعله في محل أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة، لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به.) (١) وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً. (٢) قال الرازي: (واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول: ما بينا أن قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، - إلى أن

стр. 207

قال-: الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ [يس: ٦٠] يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: ١٨٣] يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم، إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق). (١) وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة، وأطال الزمخشري في إثبات ذلك وأكثر من الشواهد في تقريره، وأجازوا الخروج على الإمام تبعاً لذلك. (٢) والصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه الآية تصلح دليلاً لمنع عقد الإمامة للفاسق، أما إذا طرأ عليه الفسق حال إمامته فالذي عليه أكثر العلماء (٣) أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه. (٤)

стр. 208

قال ابن خويز منداد: (وكل من كان ظالما لم يكن نبياً ولا خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام). (١) والظاهر في هذه المسألة هو ما عليه الجمهور (٢)، كما هو ظاهرهذه الآية واستنبطه الخطيب، أن العدالة شرط لصحة الإمامة، فلا تجوز إمامة الفاسق إلا عند فقد العدل. أما على تفسير الظلم في الآية بالشرك كما رواه ابن كثير وغيره (٣)، فلا دلالة في الآية على معنى عدم صلاحية الفاسق للإمامة، والله تعالى أعلم.

стр. 209

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة، وتدل على امتناع أخذ الأجرة على ذلك). (١) هذه الآية فيها دلالتان، الأولى: وجوب إظهار علوم الدين. (٢) وجه الاستنباط: ترتيب اللعن على كتمان البينات والهدى. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس، لأن الله تعالى أخبر أن الذي يكتم ما أنزل سبحانه من البينات والهدى ملعون، فدلَّ على عظم كتم العلم، وأنه من كبائر الذنوب؛ ومنه يلزم وجوب إظهار العلم وتبيينه وتحريم كتمانه. قال الرازي: (هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يُكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿

стр. 210

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقريب منهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، فهذه الآيات كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهاً للناس وزاجرة عن كتمانها). (١) وممن قال بهذا الاستنباط موافقاً الخطيب: الجصاص، والكيا الهراسي (٢)، وابن العربي، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنيسابوري، والسيوطي، والألوسي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣) قال الكيا الهراسي: (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ مع أمثاله في القرآن: يدل على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس، وعمَّ ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع.) (٤) وقال ابن عثيمين: (من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.) (٥)

стр. 211

وهذ فائدة جليلة من الآية حسُن التنبيه عليها، والتحقيق: أن العالِم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سُئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية (١)، ولما ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه، ألجمه يوم القيامة بلجام من نار». (٢) ويُحْمَل العلم في هذا الحديث على علوم الشريعة. (٣) قال الألوسي: (استُدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرمة كتمانه). (٤) وقد روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ ﷺ وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً، وتلا

стр. 212

: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ (١)، وبهذا يتبين صحة هذا الاستنباط وقوّته، والله تعالى أعلم.

стр. 213

الدلالة الثانية: امتناع أخذ الأجرة على العلم. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على امتناع أخذ الأجرة على العلم، حيث أفادت لزوم إظهار العلم وترك كتمانه؛ فلما دلَّت على وجوب ذلك التعليم، كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب، وهو غير جائز، كما أنه لا يصح استحقاق الأجر على الصلاة والحج وغيرها مما يجب على العبد فعله. (١) ويدل على ذلك من جهة أخرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، فظاهر ذلك المنع من أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعاً؛ لأن قوله تعالى ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يمنع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه. (٢) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الجصاص، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنيسابوري، والسيوطي، وغيرهم. (٣) قال النيسابوري: (واستُدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب). (٤)

стр. 214

وهذا الحكم محل خلاف بين الفقهاء، فذهب أبو حنيفة (١)، وأحمد بن حنبل (٢) إلى عدم جواز أخذ الأجرة على القربات والعبادات، لأن الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، ولا يستحق الأجرة على فعلها. (٣) وذهب مالك (٤)، والشافعي (٥) إلى جواز أخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه استئجار لعمل معلوم ببذل معلوم، ولأن رسول الله ﷺ زوَّج رجلاً بما معه من القرآن، وجعل ذلك يقوم مقام المهر، فجاز جعل القرآن عوضاً. (٦)

стр. 215

وقد سئل شيخ الإسلام عن جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم النافع؟ فأجاب: (الحمد لله، أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، .. والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه إنما كانوا يُعلمون بغير أجرة. ولم يكن فيهم من يُعلم بأجرة أصلاً - إلى أن قال-: وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنه عمل صالح فضلاً عن أن يكون جائزاً؛ بل هو من فروض الكفاية، وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. إحداهما - وهو مذهب أبي حنيفة وغيره - أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك، والثانية - وهو قول الشافعي - أنه يجوز الاستئجار، وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة؛ دون الغنى (١).). (٢)
следующие страницы →