وهذ فائدة جليلة من الآية حسُن التنبيه عليها، والتحقيق: أن العالِم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سُئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية (١)، ولما ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه، ألجمه يوم القيامة بلجام من نار». (٢)
ويُحْمَل العلم في هذا الحديث على علوم الشريعة. (٣)
قال الألوسي: (استُدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرمة كتمانه). (٤)
وقد روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ ﷺ وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً، وتلا
стр. 212
: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ (١)، وبهذا يتبين صحة هذا الاستنباط وقوّته، والله تعالى أعلم.
стр. 213
الدلالة الثانية:
امتناع أخذ الأجرة على العلم.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على امتناع أخذ الأجرة على العلم، حيث أفادت لزوم إظهار العلم وترك كتمانه؛ فلما دلَّت على وجوب ذلك التعليم، كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب، وهو غير جائز، كما أنه لا يصح استحقاق الأجر على الصلاة والحج وغيرها مما يجب على العبد فعله. (١)
ويدل على ذلك من جهة أخرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، فظاهر ذلك المنع من أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعاً؛ لأن قوله تعالى ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يمنع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه. (٢)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الجصاص، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنيسابوري، والسيوطي، وغيرهم. (٣)
قال النيسابوري: (واستُدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب). (٤)
стр. 214
وهذا الحكم محل خلاف بين الفقهاء، فذهب أبو حنيفة (١)، وأحمد بن
حنبل (٢) إلى عدم جواز أخذ الأجرة على القربات والعبادات، لأن الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، ولا يستحق الأجرة على فعلها. (٣)
وذهب مالك (٤)، والشافعي (٥) إلى جواز أخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه استئجار لعمل معلوم ببذل معلوم، ولأن رسول الله ﷺ زوَّج رجلاً بما معه من القرآن، وجعل ذلك يقوم مقام المهر، فجاز جعل القرآن عوضاً. (٦)
стр. 215
وقد سئل شيخ الإسلام عن جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم النافع؟
فأجاب: (الحمد لله، أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، .. والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه إنما كانوا يُعلمون بغير أجرة. ولم يكن فيهم من يُعلم بأجرة أصلاً - إلى أن قال-: وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنه عمل صالح فضلاً عن أن يكون جائزاً؛ بل هو من فروض الكفاية، وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. إحداهما - وهو مذهب أبي حنيفة وغيره - أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك، والثانية - وهو قول الشافعي - أنه يجوز الاستئجار، وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة؛ دون الغنى (١).). (٢)
стр. 216
هذا نص الفقهاء قديماً على أن الأجرة المأخوذة فيما يشبه عمل الطاعات حرام على الآخذ، لكن المتأخرين منهم استثنوا من هذا الأصل تعليم القرآن والعلوم الشرعية، فأفتوا بجواز أخذ الأجرة عليه استحساناً، دفعاً للحرج والمشقة؛ لأنهم يحتاجون إلى ما به قوام حياتهم هم ومن يعولون، وفي اشتغالهم بالحصول عليه من زراعة أو تجارة إضاعة للقرآن الكريم والشرع بانقراض حملته، فجاز إعطاؤهم أجراً على هذا التعليم (١) لأنها من المصالح، وليس بعوض بل رزق للإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الإخلاص. (٢)
والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن المعلم إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال، والحرام، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين ; لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة، والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عنه. (٣)
وعليه فدلالة الآية على امتناع أخذ الأجرة على العلم ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بالحاجة إلى الأجرة، وما يؤخذ من بيت مال المسلمين هو على سبيل الإعانة، لا على سبيل العوض والإجارة وحكمه الجواز (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 217
نفي الوصال.
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على نفي الوصال؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ما قبلها). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على نفي الوصال؛ فإنه سبحانه قد حدّ الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل، كما حدّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل، فقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا﴾ أمر يقتضي الوجوب، و «إلى» غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقول القائل: اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة- والمبيع شجر- فإن الشجرة داخلة في المبيع، بخلاف قوله: اشتريت الفدّان إلى الدار، فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه، فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوز الأكل حتى يتبين النهار (٢)، فدلّ ذلك على أنه لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم، وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه. (٣)
стр. 218
وقد نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام (١)، كما جاء عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل? قال: «وأيكم مثلي? إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكّل لهم حين أبوا أن ينتهوا. (٢) متفق عليه.
وممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا الحكم: الطبري، وابن عطية، والقرطبي، والنسفي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
قال ابن عاشور: (قوله تعالى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ بيان لنهاية وقت الصيام ولذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا﴾ ولم يقل (ثم صوموا) لأنهم صائمون من قبل، و ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ غاية اختير لها ﴿إِلَى﴾ للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس؛ لأن ﴿إِلَى﴾ لا تمتد معها الغاية بخلاف ﴿حَتَّى﴾، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل). (٤)
والذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على نفي الوصال كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 219
الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد ولا يختص بمسجد معين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧)
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذكرُ المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطاً في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضاً منها فيها، فتعين كونها شرطاً لصحة الاعتكاف). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النصّ حكماً فقهياً، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد؛ لأنه قيَّد الاعتكاف بالمساجد، فجعل من شرط الاعتكاف كونه في المسجد، وهذا دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد؛ إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت، وهو باطل بالإجماع (٢)، فهذه الآية أصل في هذا الشرط؛ حيث دلَّت على مشروعية الاعتكاف، وأنه لا يصح إلا في المسجد.
ووافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالجصاص، والزمخشري، وابن العربي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي،
стр. 220
والسيوطي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، وابن عثيمين، وغيرهم. (١)
والظاهر من قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أنه لا يختص الاعتكاف بمسجد دون مسجد، بل كل مسجد هو محل للاعتكاف (٢)، وذلك لتعريف لفظ المساجد، الذي يفيد أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس (٣)، نصَّ على ذلك ابن عثيمين فقال: «أل» في ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة. (٤)
وقيل: أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع. (٥)
وقال بعضهم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة. (٦)
стр. 221
والراجح أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يشترط فيه الجمعة (١)، ولا يختص بالمساجد الثلاثة على الصحيح (٢).
وقد خالف أبو حيان في ذلك وضعَّف دلالة هذه الآية على اشتراط المسجد فقال: وظاهر قوله: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أنه ليس من شرط الاعتكاف كونه في المساجد، لأن النهي عن الشيء مقيد بحال لها متعلق لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين يكون ذلك المتعلق شرطاً في وقوعها، ونظير ذلك: لا تضرب زيداً وأنت راكب فرساً، ولا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلا فرساً، فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه الآية على اشتراط المسجد في الاعتكاف ضعيف، فذِكرُ: المساجد، إنما هو لأن الاعتكاف غالباً لا يكون إلا فيها، لا أن ذلك شرط في الاعتكاف. (٣)
ولا يظهر قوله كل الظهور، والذي عليه الجمهور أن المسجد شرط لصحة الاعتكاف بدلالة هذه الآية وهي أصل فيه. (٤)
стр. 222
قال الجصاص: (وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف، فالأصل فيه قوله ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد). (١)
وبهذه الآية احتج الشافعي وغيره بأن قوله تعالى ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ عام يتناول كل المساجد (٢)، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.
وجوب الحج والعمرة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما؛ إذ الأصل في الأمر الوجوب، وما روي عن جابر أنه قال: «يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا» (٣)، مُعارض بما روي أن رجلاً قال لعمر ﵁: إني وجدت، أي: علِمت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً، فقال: «
стр. 223
هُديت لسنة نبيك» (١)، ولا يقال إنه فسَّر وجدانهما مكتوبين بقوله: أهللت بهما؛ لأنه رتَّب الإهلال بهما على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصّ على وجوب الحج، ودلت بالاقتران بين الحج والعمرة على وجوب العمرة أيضاً؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب (٣)، والله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ومعنى (أتموا) أقيموا الحج والعمرة لله، كقوله تعالى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٩٦] أي: فأتموا الصلاة، ومقتضى الأمر الوجوب، ويدل له ما روى الشافعي عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. (٤)
وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت، قلت: يارسول الله على النساء جهاد، قال: «نعم عليهن جهاد لاقتال فيه الحج والعمرة» (٥)
стр. 224
فقوله: «عليهن» ظاهر في الوجوب، ثم قرَن الحج والعمرة فدلَّ على وجوب العمرة.
وفي حكم العمرة خلاف بين أهل العلم على قولين: الأول: وهو قول الحنفية (١) والمالكية (٢)، أن العمرة سنة مؤكدة وليست واجبة.
والقول الثاني: قول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، أنها واجبة. (٥)
والذي يظهر والله تعالى أعلم أنها واجبة مع القدرة عليها في العمر مرة واحدة على الصحيح من أقوال أهل العلم (٦)، وهو الأظهر عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة.
قال النووي: (الحج هو فرض، وكذا العمرة في الأظهر). (٧)
وقد بوَّب البخاري فقال: (باب وجوب العمرة وفضلها). (٨)
стр. 225
وقال ابن باز (١): (الصواب أن العمرة واجبة مرة في العمر كالحج). (٢)
وقال ابن عثيمين: (اختلف العلماء في العمرة، هل هي واجبة أو سنة؟ والذي يظهر أنها واجبة). (٣)
وممن استنبط دلالة هذه الآية على الوجوب موافقاً الخطيب: ابن الفرس (٤)، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والسعدي، وغيرهم. (٥)
قال القرطبي: (في هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج). (٦)
стр. 226
وخالف بعض المفسرين في هذا، وقالوا بضعف دلالة هذه الآية على الوجوب كالجصاص، والزمخشري، وابن العربي، وابن جزي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (١)
قال ابن العربي: (وليس في هذه الآية حجة للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ إيجاب الصلاة والزكاة، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وابتدأ بإيجاب الحج فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج عشر حِجج أو اعتمر عشر عُمَر لزمه الإتمام في جميعها، وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء). (٢)
وقال الألوسي: (لا دلالة في الآية على أكثر من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما، وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية؛ فإن إفساد الحج والعمرة مطلقاً يوجب المضي في بقية الأفعال والقضاء، ولا تدل على وجوب الأصل، والقول بالدلالة بناء على أن الأمر بالإتمام مطلقاً يستلزم الأمر بالأداء، لما تقرر من أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ليس بشيء). (٣)
стр. 227
والذي يظهر والله تعالى أعلم ضعف دلالة هذه الآية على وجوب العمرة كما استنبطه الخطيب؛ فإن الأمر بإتمام فعل من الأفعال ليس أمراً بأصله، ولا مستلزماً له أصلاً، فليس فيه دليل على وجوب العمرة، وإن كان القول بوجوبها في العمر مرة هو الصحيح -كما تقدم - وعليه فالقول بأن الأمر في الآية بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين، وأن الأمر للوجوب ما لم يدل على خلافه دليل، قول ضعيف؛ كما أن الآية نزلت في أهل الحديبية وهم خرجوا محرمين بالعمرة، ثم حُصروا، فأوجب عليهم إتمام العمرة. (١)
وكلام الشيخ بن عثيمين يؤيده حيث قال: (قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج والعمرة أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي ﷺ يقوم به) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 228
من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه.
قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة (١)، وإليه ذهب الأوزاعي (٢)، والشافعيّ، وقال: ينعقد إحرامه عمرة (٣)؛ لأنّ الله تعالى خصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه تعالى علَّق الصلاة بالمواقيت، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لم ينعقد إحرامه عن الفرض، وإنما انعقد عمرة لأنّ الإحرام شديد التعلق). (٤)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية استنباطاً فقهياً بدلالة مفهوم المخالفة وهو أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه؛ لأن الله تعالى خصَّ هذه الأشهر بفريضة الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص وجه؛ فجعل تعالى
стр. 229
ترتيب أحكام الإحرام في هذه الآية على من فرضه في أشهر الحج، فدلَّ على أن أحكام الإحرام لا تترتب على من فرضه في غير أشهره، وإذا لم تترتب الأحكام فمعنى ذلك أنه لم يصح الإحرام (١) ; ويدل له أيضاً أن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان مؤقتاً، كالوقوف والطواف. (٢)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، والقرطبي، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣)
وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، فذهب الشافعي وغيره أن من أحرم بالحج قبل أشهره لم يُجزه ذلك ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة. (٤)
واستدلوا بأن آية الأهلة مجملة، وآية أشهر الحج مبينة لأشهر الحج فيحمل المجمل على المبين، وبما ورد من آثار صحيحة عن الصحابة (٥) تدل بمجموعها على أن أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، أو العشرة الأوائل منه، على الخلاف المشهور، وأن الإحرام قبل ميقاته الزمني خلاف السنة، وإلا فما الفائدة من تحديد أشهر للحج؟
стр. 230
كما استدلوا أيضاً بأن الأصل هو إيقاع العبادات في وقتها، فإذا أوقعت العبادة في غير وقتها فكأنها لم تقع، لأنها مبنية على التوقيف حتى لا يعبد الله إلا بما شرع، كإيقاع الصلاة المكتوبة في غير وقتها فإنه لا يصح ولا تجزئ عن الواجب.
وذهب أبو حنيفة، ومالك (١)، وأحمد بن حنبل (٢) أنه يصح الإحرام بالحج وينعقد قبل أشهر الحج، لكن مع الكراهة. ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ووجه الدلالة: أن معنى الآية: الحج (حج) أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قالوا: كما صح الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج.
قال القرطبي مُرجحاً قول الشافعي وأصحابه: (وما ذهب إليه الشافعي أصح، لأن تلك عامة، وهذه الآية خاصة). (٣)
وكما هو معلوم أن الخاص يقدم على العام، وقد اختار الشوكاني مذهب الشافعي، ورجَّحه لموافقته ظاهر النص. (٤)
стр. 231
واستدلوا كذلك بأن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تقدم على ميقات الزمان.
وأنكر الشنقيطي أدلتهم قائلاً: (ومن العجيب عندي أن يُستدل بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى ; لأن آية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تُعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يُعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله، صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات، هي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت، من الغريب كما ترى.
والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي ﷺ أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلّل من إحرامه للحج بعمرة، والعلم عند الله تعالى). (١)
والراجح - والله تعالى أعلم- أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره بدلالة هذه الآية وينعقد عمرة مجزئة، وهو ماذهب إليه الشافعي ومن وافقه؛ لوجاهة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين؛ ولأنه إذا لم ينعقد حجاً ولا سبيل إلى بطلان الإحرام انعقد عمرة، كمن أحرم بالفرض قبل وقته، فإنه ينعقد نفلاً. ولأن العمرة هي الحج الأصغر، فإذا لم ينعقد الحج الأكبر لكونه قبل وقته، انعقد الحج
стр. 232
الأصغر لكونه وقتاً له، وقد قال ﷺ : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبَّك بين أصابعه». (١)
وهذا الذي رجحه القرطبي، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عثيمين وغيرهم. (٢)
قال الشيخ ابن عثيمين موافقاً الخطيب في هذا الاستنباط: (ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجاً.) (٣)، والله تعالى أعلم
стр. 233
وجوب الوقوف بعرفة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ «إذا» تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل: بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجباً). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب حكم الوقوف بعرفات وأنه واجب بدلالة النصّ في الآية، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف (٢)؛ حيث دلَّت الآية على ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات، وهي مأمور بها بقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، موقوفة على الوقوف بعرفات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣)، فيكون الوقوف واجباً. (٤)
قال تعالى بعدها ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] والناس كانوا يفيضون من عرفات، وإفاضتهم منها لا تكون إلا بعد حصولهم فيها، فكان
стр. 234
الأمر بالإفاضة منها أمراً بالوقوف بها ضرورة. (١)
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الزجاج، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٢)
قال الزجاج: (دلَّ بهذا اللفظ أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف). (٣)
وذكر السعدي هذه الدلالة من جملة استنباطاته من هذه الآية فقال: (في قوله:
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات، لا تكون إلا بعد الوقوف). (٤)
وخالف أبو حيان فضعَّف دلالة هذه الآية على الوجوب وقال: (قيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده. انتهى هذا القول، ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة،
стр. 235
والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب؟ لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك). (١)
والذي يظهر - والله تعالى أعلم- أن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف يستلزمه هذا الشرط ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾، وهو على الأظهر يدل على الوجوب.
قال الرازي رداً على قول المخالف: (الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب، فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به فلم يكن آتياً بالحج المأمور به). (٢)
والذي عليه جمهور أهل العلم وجوب الوقوف بعرفة وأنه ركنٌ من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 236
الزوجة لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: صَمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذُكر إلا الفيئة أو الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها؛ لأنه شرط فيه العزم وقال: فإنّ الله سميع، فدلَّ على أنه يقتضي مسموعا). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة (مفهوم الشرط) أن الزوجة لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها، ولو وقع بمضي المدة لم يحتج إلى عزم عليه؛ لأنه شرط فيه العزم بقوله: ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، والعزم على فعل الشيء ليس فعلاً للشيء، ويدل له: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، حيث دلَّ على أنه يقتضي وقوع الطلاق على وجه يُسمع، وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء المدة، فدلَّ على أن الفُرقة لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول (٢)، وأن عزيمة الطلاق بما هو مسموع، وذلك بإيقاع الطلاق أو تفريق القاضي. (٣)
стр. 237
وممن استنبط هذا الحكم بدلالة هذه الآية موافقاً الخطيب: البغوي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
قال أبو حيان: «في قوله في هذا التقسيم: (فإن فاءوا، وإن عزموا الطلاق) دليل على أن الفُرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول، بل لا بد من القول لقوله: ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلاً للشيء، ويؤكده: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ لا يسمع إلا الأقوال، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه، إذا قدرناه: فليوقعوه، أي الطلاق، فجاء: سميع، باعتبار إيقاع الطلاق، لأنه من باب المسموعات، وهو جواب الشرط، وجاء: عليم، باعتبار العزم على الطلاق، لأنه من باب النيات، وهو الشرط، ولا تدرك النيات إلا بالعلم». (٢)
وهنا مسألة شديدة الوثوق بعزيمة الطلاق كما دلت عليها الآية وهي:
هل تطلق الزوجة بانقضاء المدة؟ أم يقفه القاضي، فإما فاء أو طلَّق؟
فذهب الجمهور (٣) إلى أنه يقفه بعد انقضاء الأربعة الأشهر فإما فاء وإما طلَّق، ولا تطلق زوجته بنفس مضي المدة. (٤)
стр. 238
وذهب الحنفية إلى أن الطلاق يقع بعد مضي المدة من غير فيء؛ لأنه بالإيلاء عزَم على منع نفسه من إيفاء حقها في الجماع في المدة، وأكَّد العزم باليمين، فإذا مضت المدة، ولم يفيء إليها مع القدرة على الفيء، فقد حقق العزم المؤكد باليمين بالفعل، فتأكد الظلم في حقها، فتبِين منه عقوبة له جزاء على ظلمه ومرحمة عليها، ولا يوقف. (١)
والراجح أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة، وهو ما عليه الجمهور بدلالة هذه الآية، لأن الإيلاء ليس بطلاق، فإذا تمت المدة ولم تحصل المراجعة فيها، يُلزمه القاضي بالطلاق إذا أبى المراجعة.
قال ابن قدامة (٢) مؤيداً قول الجمهور: (قال تعالى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولو وقع بمضي المدة، لم يحتج إلى عزم عليه، وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلاماً، ولأنها مدة ضُربت له تأجيلاً، فلم يستحق المطالبة فيها، كسائر الآجال). (٣)
стр. 239
وقال القرطبي: (في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة أشهر، كما قال مالك، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال: ... «سميع»، و «سميع» يقتضي مسموعاً بعد المضي، وقال أبو حنيفة: «سميع» لإيلائه، «عليم» بعزمه الذي دلَّ عليه مضي أربعة أشهر). (١)
وخالف في دلالة هذه الآية الألوسي فقال: ( .. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ حيث اكتفى بمجرد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي المدة فإنه يحتاج إلى التقدير، وبعده لا يحتاج إلى ﴿عَزَمُوا﴾ أو يحتاج إلى جعل «عزم الطلاق» كناية عنه، فما قيل من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محله .. ). (٢)
والذي يظهر هو ما عليه الجمهور كما نصًّ عله الخطيب، وأن دلالة هذه الآية معتبرة في عزم الطلاق، وأن مضي المدة لا يوقع فُرقة؛ إذ لا بد من مراعاة قصده واعتبار عزمه. والله تعالى أعلم.
стр. 240
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (ظاهر الآية يدلّ على أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ كما رواه البيهقيّ (١): «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس، أي: ضرر
فحرام عليها رائحة الجنة» (٢)، وما روي أنه ﷺ قال لجميلة (٣): «أتردّين عليه حديقته؟» (٤)). (٥)
هذه الآية فيها دلالتان، الأولى:
стр. 241
عدم جواز الخلع من غير كراهة وشقاق.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، لأن الله تعالى نفى الحل بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا صريح في التحريم إذا لم يخافا ألا يقيما حدود الله؛ إذ نفي الحل الذي هو حكم العقد في جميع الأحوال إلا حال الشقاق يدل على فساد العقد وعدم جوازه (١).
ويؤكده قوله تعالى بعدها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدلَّ بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلَّظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» - وقد تقدم - وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة؛ لأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة. (٢)
وممن استنبط عدم جواز الخلع من غير كراهة مستدلاً بالآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور، وابن عثيمين، وغيرهم. (٣)
стр. 242
والخلاف في هذه الآية، يرجع إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ هل هو استثناء متصل أو منقطع، وفائدة هذا الخلاف تظهر في هذه المسألة الفقهية وهي جواز الخلع في حال الغضب أو عدمه، فالجمهور على جواز الخلع في غير حالة الخوف والغضب (١)، وقال بعضهم بعدم جوازه إلا عند الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله (٢)، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.
وضعّف القرطبي دلالة هذه الآية مخالفاً الخطيب وغيره فقال: (والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، كما دل عليه حديث البخاري وغيره (٣). وأما الآية فلا حجة فيها، لأن الله لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]). (٤)
стр. 243
فالجمهور على خلاف دلالة الآية كما استنبطها الخطيب، قالوا بجواز الخلع من غير نشوز ولا غضب، غير أنه يُكره لما فيه من قطع الصلة بلا سبب، وذهب الإمام أحمد وغيره إلى كراهية الخلع من غير نشوز وأنه لا يجوز. (١)
ورجَّح دلالة هذه الآية ابن عاشور مخالفاً القرطبي والجمهور فقال: (والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها .. - ثم قال-: وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع، ألا يرى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هكذا أجاب المالكية كما في «أحكام ابن العربي»، و «تفسير القرطبي» (٢). وعندي أنه جواب باطل، ومُتمسك بلا طائل، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطاً، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه، كيف وقد دلَّ بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ فهذا نكرة في سياق النفي، أي لا يحل أخذ أقل شيء، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ ففيه منطوق ومفهوم، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ففيه كذلك، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز، كالاستثناء والشرط. وأما الاحتجاج للجواز بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق، فإن ضمير ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الصدقات، لأن أول الآية ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٤] الآية، فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة، فلا تعارض بين الآيتين، ولو سلَّمنا التعارض لكان يجب على الناظر
стр. 244
سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح. (١)
ولعل الراجح والله تعالى أعلم هو أن الأصل في الخُلْع الكراهة وأنه لا يجوز، إلا أن يخافا ألا يقيما حدودَ الله كما هي دلالة الآية ونصَّ عليها الخطيب، أما القول بجوازه على الإطلاق متى ما شاءت الزوجة، ودونما إثم، فالقول به ينافي مقصد الإسلام من النكاح، ويجعله عُرضةً للأهواء والرغبات العارضة، إذ أن نفي الجناح لم يرِد في هذه الآية بإطلاق، وإنما ورَد مقيَّدًا بالخوف ألا يقيما حدود الله، وعليه فمتى كان الخوف من إضاعة حدود الله، أو التقصير فيها جاز الخلع (٢)، والله تعالى أعلم.
الدلالة الثانية:
لا يجوز الخلع بجميع الصداق فضلاً عن الزائد.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الخلع لا يجوز بجميع ما ساق الزوج فضلاً عن الزائد، لأن «مِن» في قوله ﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تبعيضية فيكون مفاد الاستثناء في: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ حِل أخذ شيء مما آتيتموهن حين الخوف، ولأنه تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله إلا قدر ما آتاها من المهر لا أكثر. (٣)
стр. 245
وقد نصَّ على عدم الجواز مؤيداً قول الخطيب: البيضاوي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
واستدل أصحاب هذا القول (٢) بأن جميلة لما طُلب منها أن ترد على زوجها حديقته، فقالت وأزيده، فقال ﷺ : «أما الزيادة فلا» (٣)، ولو كان الخلع بالزائد جائزاً لما منعها ﷺ منه.
وجمهور العلماء على خلاف هذا، وأنه يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه، بدلالة عموم قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقالوا: الخلع عقد معاوضة، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج، وبغضه، وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن عمر ﵁ رفعت إليه امرأة ناشز أمرها، فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل (٤) ليلتين، ثم قال لها: كيف حالك؟ فقالت: ما بت أطيب من هاتين الليلتين، فقال عمر: اخلعها
ولو بقرطها (٥). (٦)
стр. 246
وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية (١)، وذهب الحنابلة إلى أن الزوج لا يستحب له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، بل يحرم عليه الأخذ إن عضلها ليضطرها إلى الفداء. (٢)
وفصَّل الحنفية القول في ذلك فقالوا: إن كان النشوز من جهة الزوج كُره له كراهة تحريم أخذ شيء منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وإن كان النشوز من قبل المرأة لا يكره له الأخذ، ويتناول القليل والكثير، وإن كان أكثر مما أعطاها. (٣)
قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق. (٤)
والذي يظهر والله تعالى أعلم ضعف دلالة هذه الآية على عدم جواز الفداء بأكثر من الصداق، والراجح قول جمهور أهل العلم بجواز الخلع على الكثير والقليل لعموم هذه الآية، فكل ما تم الاتفاق عليه قلَّ أو كثر جائز أن يكون عوضاً في الخلع.
قال الشنقيطي موافقاً قول الجمهور: (ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق ; وذلك لأنه تعالى عبَّر بما الموصولة في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
стр. 247
افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم (١) ; لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها). (٢)
ونصُّ الحديث في قصة جميلة جاء بروايات فيها الزيادة (٣)، وهذا يدل على جواز الخلع بجميع ما أعطاها، وعموم القرآن يدل على جوازه بأكثر من ذلك، فكل ما كان
стр. 248
فداء فجائز على الإطلاق (١)، والله تعالى أعلم.
عدم صحة تزويج المرأة نفسها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أُسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ). (٢)
وجه الاستنباط:
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يدل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. (٣)
الدراسة:
استنبط الخطيب من إشارة الآية دلالتها باللازم على اعتبار الولاية للمرأة في النكاح، وأنها لا تلي عقد النكاح بنفسها، إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل، ولا لنهي الولي عن العضل معنى (٤)، وهذا هو مذهب أحمد والشافعي
стр. 249
ومالك وجمهور فقهاء الإسلام (١)، وشذَّ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح. (٢)
ووجه الدلالة في هذه الآية على أن الخطاب للأولياء (٣)، وهذا الذي عليه أكثر المفسرين (٤)، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عنه، فيكون دليلاً على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، وابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (٥)
وقد تمسَّك الإمام الشافعي بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز، فقال: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف). (٦)
стр. 250
وقال: (فإن شُبِّه على أحد أن مبتدأ الآية على ذكر الأزواج، ففي الآية دلالة على أنه إنما نهى عن العضل الأولياء؛ لأن الزوج إذا طلّق فبلغت المرأة الأجل، فهو أبعد الناس منها فكيف يعضلها من لا سبيل ولا شرك له في أن يعضلها في بعضها؟ فإن قال قائل قد تحتمل إذا قاربن بلوغ أجلهن؛ لأن الله يقول للأزواج ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالآية تدل على أنه لم يُرد بها هذا المعنى وأنها لا تحتمله؛ لأنها إذا قاربت بلوغ أجلها، أو لم تبلغه فقد حظر الله تعالى عليها أن تنكح، لقول الله ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلا يأمر بأن لا يمنع من النكاح من قد منعها منه، إنما يأمر بأن لا يمتنع مما أباح لها من هو سبب من منعها.) (١)
وقد جاءت السنة بمثل ما جاء في القرآن، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٢)
قال ابن عطية: (هذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول أبي حنيفة: إن الولي ليس من شروط النكاح.) (٣)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.