← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولاشك أن قولهم هذا باطل؛ وتفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فالكسب في اللغة بمعنى: الطلب والجمع (١)، وهو في القرآن لم يخرج عن هذا المعنى، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو يستعمل في فعل الصالحات والسيئات. (٢) أما معنى الكسب عند أئمة السنة فهو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فبيَّن سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها. (٣) فالكسب يرجع إلى ما يكسبه الإنسان من عمل القلب أو عمل الجوارح، وهو المعبر عنه بالاجتراح والعمل، وتفسير الأشعرية للكسب بالمقارنة قول لم يُسبقوا إليه. (٤) كما أن إثباتهم قدرة للعبد غير مؤثرة فراراً من القول بأن ذلك يفضي إلى إثبات مؤثر غير الله تعالى، فيستلزم القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم بقدرتهم ضعيف؛ فإنه إذا تبين أن الله قد خلق العبد وخلق صفاته التي بها يقع الفعل من القدرة والإرادة، وهما من أسباب العمل، وخلق أيضاً عمله على وفق سنته من

стр. 492

تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا حرج بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون الأسباب هي الخالقة للفعل. (١) وممن استنبط دلالة هذه الآية على كسب العبد على قول الأشاعرة: الواحدي، وابن عطية (٢)، وابن الجوزي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، وحقي، والمظهري، وغيرهم. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية حكاية عن الكسب عند الأشاعرة: (وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثراً في حصول المقدور، فإنّهم يُفرّقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدوراً للعبد، وما كان خارجاً عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدوراً للعبد. وأكثر من نازعهم يقول: إنّ هذا كلام لا يُعقل؛ فإنّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلّ القدرة، وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقاً في محلّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير، وتسمية هذا مقدوراً دون هذا تحكّم محض، وتفريق بين المتماثلين.) (٤)

стр. 493

وقال في موضع آخر: (جمهورهم قالوا: هي كسب العبد لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. - إلى أن قال ﵀: والتحقيق الذي عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب) (١). وبهذا التفصيل يتبين غلط الأشاعرة حين جعلوا الفعل هو المفعول، فأوقعهم هذا في مأزق الكسب الذي اشتهروا به، ولم يستطيعوا تخلصاً منه (٢)، والله تعالى أجل وأعلم.

стр. 494

سورة هود قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: ٦٠) قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد وفائدته: تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود). (١) استنبط الخطيب ﵀ من عطف البيان بقوله تعالى (قوم هود) في الآية دلالته على فائدتين: أولاهما: تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية عاد إرم. وجه الاستنباط: أن قوله تعالى (قوم هود) عطف بيان لعاد، وهذا البيان حاصل مفهوم بما قبله، فدلّ على أن لذكره مزيد فائدة وتنبيه. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية مناسبة عطف البيان بقوله تعالى ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ وهي: دلالتها باللازم على تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية، لأن عاداً كانوا قبيلتين: عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود، وعاد الثانية، وهم إرم ذات العماد

стр. 495

(١)، فأتى بقوله: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ ليزول الاشتباه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، فتحقق أن الدعاء على عاد هذه، ولم تلتبس بغيرها. (٢) قال الزمخشري: («قوم هود» عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان، والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتُجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأن عاداً عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم.) (٣) وممن نصّ على هذه الفائدة أيضاً من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (٤) وخالف بعض المفسرين كالألوسي، وابن عاشور في دلالة هذه الآية على هذا المعنى، قال الألوسي: (وليس ذلك لدفع اللبس؛ إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود ﵇ للتصريح باسمه وتكريره في القصة). (٥) وقال ابن عاشور: (وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرم، كما جوَّزه صاحب «الكشاف»؛ لأنه لا يعرف في العرب عاد غير قوم هود وهم إرم). (٦)

стр. 496

ولعل الصحيح - والله تعالى أعلم - أنهما عادان، لما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا. (١) قال ابن حجر (٢) عند هذا الحديث: (ظاهر هذا أن الذين عُذّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك ... إلى أن قال: وهذا يحتمل لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾، فإنه يشعر بأن ثم عاد أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية الإمام أحمد بإسناد حسن (٣) .. وبعد أن ذكر محل الشاهد من الحديث قال ابن حجر: (والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه). (٤) وقال الشوكاني: (قال ابن إسحاق (٥): هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة). (٦)

стр. 497

وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم. الفائدة الثانية: الإشارة إلى استحقاق (عاد) للبُعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود. الدراسة: استنبط الخطيب من عطف البيان في الآية دلالتها باللازم على فائدة أخرى وهي الإشارة إلى استحقاق (عاد) للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود، وهي إشارة لطيفة. قال القاسمي: (قوله ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لـ (عاد) فائدته: النسبة بذكره ﵇، الذي إنما استحقوا الهلاك بسببه، كأنه قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه. وتناسب الآي بذلك أيضاً فإن قبلها ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩]. وقبل ذلك (حفيظ) و (غليظ)، وغير ذلك مما هو على وزن (فعيل) المناسب لـ (فعول) في القوافي، والله أعلم.) (١) وقال ابن عاشور: (فائدة ذكره الإيماء إلى أن له أثراً في الذم بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضاً بالمشركين من العرب). (٢)

стр. 498

وممن استنبط هذه الفائدة أيضاً غير القاسمي وابن عاشور: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (١) ولعل من الفوائد المستنبطة أيضاً من عطف البيان هنا: أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية التأكيد كما نصّ عليه غير واحد من المفسرين (٢) ففيها مزيد تقرير وتأكيد، وفائدة أخرى نبَّه عليها القاسمي -كما تقدم- والألوسي، وهي تناسب فواصل الآي. (٣) وهذه فوائد وإشارات حسنة، ولعل أظهرها في الدلالة ما نصَّ عليه الخطيب وهي من لطيف الاستنباط عنده، والله تعالى أعلم.

стр. 499

أزواج الرجل من أهل بيته. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة لسارة ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: بيت إبراهيم، وأهل منصوب على المدح أو النداء، .. إلى أن قال: وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته). (١) وجه الاستنباط: خطاب الملائكة لزوجة إبراهيم بقولهم: أهل البيت. الدراسة: استنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة التضمن أنّ أزواج الرجل من أهل بيته؛ لأن الملائكة قد أسمت امرأة إبراهيم ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وخاطبتها بذلك، وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي ﷺ في قوله: ﴿ ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١]- إلى قوله- ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قد دخل فيه أزواج لنبي ﷺ لأن ابتداء الخطاب لهن. (٢)

стр. 500

وقد نصَّ القرطبي على هذه الفائدة من الآية فقال: (هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدلَّ هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة ﵂ وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ ، ممن قال الله فيهم: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.) (١) وممن وافق الخطيب أيضاً في استنباط هذه الفائدة: الجصاص، والسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والخازن، وأبو حيان، والألوسي والشنقيطي، وغيرهم. (٢) قال أبو حيان: (وخطاب الملائكة إياها بقولهم: أهل البيت، دليل على اندراج الزوجة في أهل البيت، وقد دَّل على ذلك أيضاً في سورة الأحزاب.) (٣) وأهل بيت النبي ﷺ عند أهل السنة (٤)، هم أزواجه وذريته، وبنو هاشم، وبنو عبد المطلب على الصحيح (٥)، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.

стр. 501

فائدة تكرار قصص الأنبياء في القرآن. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: نخبرك به يا محمد خبراً بعد خبر، وفائدة ذكر هذه القصص على النبيّ ﷺ ليعلم السامع أنّ المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وأنّ الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وإذا تكرّرت هذه الأقاصيص على السمع، فلا بدّ وأن يلين القلب، وتخضع النفس، وتزول العداوة، ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال (١). وفي إخباره ﷺ بهذه القصص

стр. 502

من غير مطالعة كتب، ولا تتلمذ، دلالة على نبوّته فإنّ ذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى). (١) الدراسة: لما ذكر تعالى قصص الأولين قال بعدها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ واستنبط الخطيب ﵀ – من هذه الآية فوائد منها: دلالتها باللازم على صدق نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه كان أمياً لا يخط ولا يقرأ، ولم يُدارس أحداً، وقد جاء بهذه القصص والأخبار عن الأنبياء والرسل والأمم السابقة وأحوالهم، ومجيء هذه القصص على هذا الوجه، من غير تحريف ولا خطأ، يدلّ على أنه إنما عرفها بالوحي الذي يوحى إليه من ربه، وذلك يدل على صحة نبوته. (٢) وقد نصَّ كثير من المفسرين على هذه الدلالة من ذكر قصص الأنبياء في أكثر من موضع في القرآن (٣)، وممن نصَّ عليها في هذا الموضع من سورة هود: السمرقندي، والرازي، وحقي، والسعدي، وغيرهم. (٤)

стр. 503

وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة (١) فيما يتعلق بفوائد تكرار القصص القرآني، وأنه تعالى جمع بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي جاء بها الأنبياء ﵈، وذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها، وأنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا، وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، وأنّ المؤمن يخرج من الدنيا بالثناء والذكر الحسن، وبالثواب الجزيل في الآخرة، فيتقرر لدى السامع لهذه القصص هذه المعاني العظيمة. كما أن في تكرار هذه القصص تسليته ﷺ وتثبيت قلبه، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.

стр. 504

الحذر من عاقبة الظلم والمبادرة بالتوبة. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] قال الخطيب الشربيني ﵀ في تفسير هذه الآية: (عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله تعالى ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته» (١)، ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وفي هذه الآية الكريمة، والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا يُظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية، بل هي عامّة في كل ظالم، ويعضده الحديث). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من التحذير والوعيد للظلمة، والتهديد بالأخذ والعذاب الأليم في هذه الآية، دلالتها باللازم على المبادرة بالتوبة، والتخلص من حقوق الخلق، حذراً من وعيد الله، وخوفاً من عقابه؛ لأن عاقبة الظلم شديدة أليمة.

стр. 505

قال الزمخشري: (وهذا تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة، ولا يغتر بالإمهال). (١) وقال الرازي مؤيداً هذه الدلالة: (واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يُظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فبيّن أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد). (٢) وممن استنبط هذه الفائدة غيرهما: البيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٣) وعلى هذا ففي الآية إشعار بأنهم أُخذوا بظلمهم، وإعلام بسنته تعالى التي لا تتبدل في أخذ الظالمين، وإنذار كل من ظلَم نفسه أو غيره، من سوء وبال هذه العاقبة، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 506

الصلاة والصبر من الإحسان. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٤ - ١١٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ خطاب للنبيّ ﷺ أي: واصبر يا محمد على أذى قومك، أو على الصلاة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أجر أعمالهم، وعدَل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلاً على أنّ الصلاة والصبر إحسان، وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص). (١) وجه الاستنباط: في تذييل خطاب النبي ﷺ بقوله ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ في سياق أمره بإقامة الصلاة والصبر، والعدول عن ضمير الخطاب، ربطٌ للصبر والصلاة بالإحسان. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم مناسبة تذييل خطاب النبي ﷺ في الآية بقوله ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وهو أنّ الصلاة والصبر من الإحسان؛ لأنها جاءت في سياق أمره ﵊ بإقامة الصلاة والصبر عليها، أو على أذية قومه له، وعدل عن ضمير الخطاب فلم يقل: أجرك، أو نحوه ليكون دليلاً على ذلك.

стр. 507

كما أشار ﵀ إلى أن في الآية إيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص، ووجه الإيماء: أنّ إحسان ذلك إخلاص؛ لقوله ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنك

стр. 508

تراه» (١). (٢) ولا شك أن فعل كل الطاعات إحسان، وأهم هذه الطاعات الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وفي أوقاتها، فهذا عين الإحسان، والصبر على ذلك إحسان، والصبر على كيد التكذيب إحسان، كما أن الصبر عن محارم الله إحسان، والصبر على أقدار الله إحسان، وكل أنواع الصبر إحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين. (٣) قال أبو حيان مقرراً هذا المعنى من الآية: (وأتى بعام وهو قوله: «أجر المحسنين»، ليندرج فيه كل من أحسن بسائر خصال الإحسان، مما يحتاج إلى الصبر فيه، وما قد لا يحتاج كطبع من خُلق كريماً، فلا يتكلف الإحسان، إذ هو مركوز في طبعه. وقال ابن عباس: المحسنون هم المصلون، كأنه نظر إلى سياق الكلام (٤)). (٥) وممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما. (٦)

стр. 509

وهذه دلالة لطيفة، وإشارة صحيحة إلى معنى ربط الإحسان بالصلاة والصبر، والله تعالى أعلم. سورة يوسف الاجتهاد في نفي التهم عن النفس. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]. قال الخطيب الشربيني ﵀ في هذه الآية عن يوسف ﵇: (قدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ، لتظهر براءة ساحته؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة، دلّ ذلك على براءته من تلك التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة، وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أهمية الاجتهاد في نفي التهم عن النفس، كما فعل يوسف – ﵇ – وهذا من باب الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈؛ فإنه لو خرج في الحال فقد لا يزال في قلب الملك من تلك التهمة أثرها، فلمّا طلب أن يبحث الملك عن تلك الواقعة وحاله مع النسوة، دلّ

стр. 510

ذلك على براءته، فلا يقدر أحد بعد خروجه أن يُعَيّره بتلك الرذيلة، وأن يجعلها وسيلة للطعن فيه. ويشهد لصحة هذه الدلالة وقوتها، ما جاء في السنة أن رسول الله ﷺ قال لرجلين من الأنصار مرَّا عليه في مُعتكفه وعنده بعض نسائه: (على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي) - اتقاءً للتهمة - فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبُر عليهما! فقال ﵊: (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً). (١) وعليه فإن تبرئة العرض من التهم الباطلة مقصد شرعي، كما فعل نبينا ﷺ وقبله فِعلُ يوسف ﵇. وقد جاء في السُنّة مدح يوسف على صبره على السجن، وحرصه على إبراء ساحته. (٢)

стр. 511

وممن استنبط دلالة هذه الآية على نفي التهمة عن النفس: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (١) والذي يظهر أن معنى الآية يحتمل هذه الدلالة، كما يحتمل أن يكون غرضه ﵇ من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله، وكان هذا الفِعل منه جارياً مجرى التلافي لما صدر منه من التوسل لصاحبه في السجن بقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فبقي في السجن بضع سنين، ولما طلبه الملك لم يلتفت إليه ولم يُقِم لطلبه وزناً، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة (٢)، وإن كانت الدلالة الأولى أظهر في القوة والمعنى، والله تعالى أعلم. رعاية الأسباب أولاً، وعدم الاعتماد عليها بل على التوحيد. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (واعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل إلا ما قدَّره الله تعالى، وأن الحذر لا يدفع القدر، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضارّ بقدر الإمكان، ومع ذلك يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدّره الله تعالى، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى،

стр. 512

فقوله ﵇: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى التوحيد المحض، والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط عقدي وفائدة جليلة وهي أن الحذر لا يرد القدر، وأنه لابد مع ذلك من ملاحظة الأسباب وإن كان كل شيء ماضٍ بقضاء الله وقدره؛ حيث قال يعقوب لأبنائه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لأنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، وكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، ثم بيّن لهم أن ما وصَّاهم به ليس إلا تدبيراً في الجملة، وإنما التأثير وترتيب المنفعة عليه من الله تعالى فقال ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. (٢) وأراد يعقوب ﵇ بقوله هذا تعليم أبنائه الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب، إذ المُقدّر لا بد أن يكون، ولهذا قال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب.

стр. 513

وممن أشار إلى هذه الفائدة من الآية: الرازي، والنيسابوري، والسيوطي، وأبو السعود، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (١) قال الشنقيطي: (أمرَهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبّب في ذلك بالأمر به; لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام، فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين، فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة، تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين، كما قال غير واحد من علماء السلف (٢)، ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، فانظر كيف جمع بين التسبّب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وبين التوكل على الله في قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته). (٣) وهذا معنى الإيمان بالقدر كما أشار إليه قول النبي ﷺ «اعملوا فكل ميسر لما خُلق له» (٤)، وفي هذا رد صريح على الجبرية المتواكلة؛ فإن العبد ينال ما قُدِّر له

стр. 514

بالسبب الذي أُقدر عليه ومُكِّن منه وهُيئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أُمّ الكتاب، وكلما زاد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه. (١) قال الإمام الطحاوي: (الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع). (٢) وهي دلالة صحيحة، قوية الظهور، والله تعالى أعلم.

стр. 515

قال الله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (ولما كان يوسف ﵇ إنما تمكَّن من ذلك بعلو درجته وتمكنه، ورفعته بعدما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتاً إلى مقام التكلم: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: بالعلم كما رفعنا درجته، وكان الأصل درجاته، ولكنه عمّم؛ لأنه أدلّ على العظمة فكان أليق بمظهرها، وفي هذه الآية دليل على أنّ العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات؛ لأنّ الله تعالى لما هدى يوسف ﵇ إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك، ورفع درجته على إخوته، ووصف إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] عندما حكى عنه دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب. ثم قال ﵀: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: فوق كل عالمٍ عالمٌ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فوق كل عالم (١)؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم، وفي الآية دليل على أنّ إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم). (٢) هذه الآية فيها دلالتان: الدلالة الأولى:

стр. 516

شرف العلم وفضل أهله، وأنه أعلى الدرجات وأرفع الرُتب. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من هذه الآية شرف العلم، ورفعة أهله، وعلو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لأنّ الله تعالى لما هدى يوسف ﵇ إلى هذه الحيلة مدحه لأجلها، فقال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: مثل ذلك الكيد كدنا ليوسف خاصة؛ بأنّ علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف ﵇ في بداية أمره، والمراد من هذا الكيد هو: أنّ الله تعالى ألقى في قلب إخوته أن حكَموا أنّ جزاء السارق هو أن يُسترقّ، فلما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، وصار سبباً لتمكن يوسف ﵇ من إمساك أخيه عنده، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر مختلف، ولكن الله تعالى يسَّر له ما أراد. (١) فرفع الله درجة يوسف على إخوته بالعلم، وكان هذا العلم هو أعظم سبب في خروجه من السجن، وتقريب الملك له، وتمكينه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. قال السعدي في استنباطاته لفوائد من قصة يوسف: (وفي تضاعيف القصة فضيلة العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا: فيوسف ﷺ لم ينل ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وامتنَّ عليه وقت مُكثه عند عزيز مصر

стр. 517

بالتجرد للعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم، وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكن عند ملك مصر واستخلصه لنفسه حين كلمه وعرف ما عنده من العلم، ودبّر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم وحسن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: ﴿ ... رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ... [يوسف: ١٠١]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة، والآجلة لا تعد ولا تحصى.). (١) وحكى هذا الاستنباط غيره من المفسرين كالرازي، والخازن، وغيرهما. (٢) ولاشك في صحة هذه الدلالة وملامستها للواقع؛ فشرف العلم ورفعته لأهله في الدنيا قبل الآخرة ثابت مشاهد، وقد وصلت الحال بيوسف إلى أن يكون معظماً حتى عند أبويه وإخوته، حين دخل أبوه وأمه وإخوته مصر، ورفع أبويه على العرش خرَّ الجميع له سجداً لعظمته، وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدمات لا تحصل إلا بها، وهو العلم الكثير العظيم، والعمل الصالح، والإخلاص، والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق خلقه، وهذا مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تنال إلا بالوسائل الجليلة (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 518

الدلالة الثانية: إخوة يوسف كانوا من أهل العلم. وجه الاستنباط: أن الله تعالى أخبر في ثنايا حديثه سبحانه عن كيد يوسف بإخوته أن فوق كل عالم من هو أعلم منه، فدلّ على أنهم كانوا من أهل العلم. الدراسة: استنبط الخطيب من قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ دلالتها باللازم على أن إخوة يوسف كانوا علماء، لأن الله تعالى أخبر أن فوق كل عالم من هو أعلم منه، فدلّ على أنهم كانوا من أهل العلم. قال الطبري في معنى هذه الآية: ( .. وفوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله، وإنما عنى بذلك أن يوسف أعلم إخوته، وأن فوق يوسف من هو أعلم من يوسف، حتى ينتهي ذلك إلى الله). (١) فالمراد أن إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم. ويؤيد صحة هذه الدلالة ماروي عن ابن جريج (٢) وغيره في معنى قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، قال ابن جريج: «يوسف وإخوته، أوتوا علماً، فرفعنا يوسف فوقهم في العلم». (٣)

стр. 519

وممن نصَّ على هذا المعنى المستنبط من الآية: الطبري، والرازي، والخازن، وابن عادل، وأبو السعود، والألوسي، والمراغي، والسعدي، وغيرهم. (١) وقد قيل عن إخوة يوسف إن الله جعلهم أنبياء (٢)، وقيل بل كانوا قوماً صالحين وهو الظاهر (٣)، ولهذا في رؤيا يوسف رآهم بمنزلة الكواكب في إشراقها وعلوها، وهذه صفة أهل العلم والإيمان (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 520

علم يعقوب بحياة يوسف ﵉. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه إليه). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على علم يعقوب بحياة يوسف، وأنه كان يتوقع رجوعه إليه، بدلالة الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ففيها إيماء إلى علمه بحياة يوسف وبقائه حياً ما لا يعلمون، وقيل: أعلم من تحقيق رؤيا يوسف ما لا تعلمون- حين رأى في المنام أحد عشر كوكباً- أن ذلك سيكون وسيسجدون له. (٢) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية موافقاً الخطيب: السمرقندي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (٣) قال الرازي مؤكداً إشارة الآية إلى هذا المعنى: (أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه. وذكروا لسبب هذا التوقع أموراً: أحدها: أن ملك

стр. 521

الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر، وقال: اطلبه هاهنا. (١) وثانيها: أنه عَلِم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف، ورؤيا مثله ﵇ لا تخطئ، وثالثها: لعلَّه تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عيَّن الوقت فلهذا بقي في القلق، ورابعها: قال السدي (٢): لما أخبره بنُوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله، طمع أن يكون هو يوسف، وقال: يبعُد أن يظهر في الكفار مثله (٣)). (٤) وقال أبو السعود في معناها: (أعلم من لطفه ورحمته، فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي، أو أعلم وحياً أو إلهاماً من جهته ما لا تعلمون من حياة يوسف). (٥) ويؤيد هذا الاستنباط قوله تعالى بعدها ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧] لما جاءه ملك الموت - كما تقدم إن صحّ - فسأله عن قبض روح

стр. 522

يوسف؟ قال: لا، ثم أشار إلى جانب مِصر وقال: اطلبه من ههنا، ولذلك قال: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ أي من أخبار يوسف وأخيه. والظاهر أن قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يحتمل غير ذلك من المعاني، فيحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة فكلها قريبة محتملة، وإن كان أظهرها ما عليه أكثر المفسرين (١) وهو علمه بحياة يوسف، والله تعالى أعلم.

стр. 523

سورة الرعد قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣]. قال الخطيب الشربيني ﵀: عند قوله تعالى: (﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ أي: الذين كانوا سبباً في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات، وإن علوا ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، أي: الذين تسبَّبُوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم، وتعظيماً لشأنهم، ويقال: إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا، ثم يشكروا الله تعالى على الخلاص منها، والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات (١) يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع). (٢) استنبط الخطيب من هذه الآية دلالتان: الدلالة الأولى: أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة.

стр. 524

وجه الاستنباط: أنه إذا جاز أن تعلو الدرجة بمجرد التبعية لأهل الصلاح تعظيماً لشأنهم، فلأن تعلو بشفاعتهم أولى. (١) الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن الدرجة تعلو بالشفاعة؛ لأن الله تعالى أخبر عن ثواب المؤمنين الطائعين أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم، تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم، فجعل مِن ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدلّ على أنهم يدخلونها كرامة له. (٢) والواو في ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ على هذا المعنى هي واو المعية، وذلك زيادة في الإكرام بأن جعل أصولهم، وفروعهم، وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة، لصلاحهم في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هُم به، فلهم الفضل في الحالين.

стр. 525

وعلى هذا ففي الآية بشارة لمن كان له سلفٌ صالح، أو خلفٌ صالح، أو زوجٌ صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصفات أنه إذا صار إلى الجنة لِحق بصالح أصوله أو فروعه أو زوجه. (١) قال ابن كثير: (يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقرَّ أعينهم بهم، حتى إنه تُرفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتناناً من الله وإحساناً، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الطور: ٢١]). (٢) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية على هذا المعنى: الواحدي، والبيضاوي، وابن عادل، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣) وهي دلالة صحيحة، فالشفاعة يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهي رحمة من الله تعالى لعباده، ينجو بها من يشاء الله تعالى نجاته من النار، وترتفع بها درجات المؤمنين في الجنة، وحقيقتها إرادة الله تعالى إكرام الشافع، ورحمة المشفوع له كما هو ظاهر الآية. (٤) والله تعالى أعلم. (٥)

стр. 526

الدلالة الثانية من الآية: التعلق بالأنساب لا ينفع. وجه الاستنباط: أن في التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب. (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة فائدة التقييد بوصف الصلاح وهي أن مجرد الأنساب لا تنفع، وإنما ينفع العمل الصالح؛ فالآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة، ولا ينفع كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح. قال الشوكاني: (وذكر الصلاح دليل على أن لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح). (٢) ونصّ على هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالزجاج، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والسمين الحلبي، وابن كثير، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٣)

стр. 527

قال الزجاج: (أعلم الله أن الأنساب لا تنفع بغير أعمال صالحة فقال: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ممن جرى ذكره). (١) وقال النسفي: (ووصفهم بالصلاح ليُعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها). (٢) وعلىه فدلالة هذه الآية ظاهرة في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب، وأن التقوى والصلاح هي المنجاة، وأما مجرد النسب من الصالح فلا ينفع. والله تعالى أعلم.

стр. 528

سورة إبراهيم الخوف من الله مغاير للخوف من وعيده. قال الله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات، ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقيل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: خافني، فالمقام مُقحم مثل ما يقال: سلامٌ على المجلس العالي، والمراد السلام على فلان، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: ما أوعدت من العذاب (١)، وهذا يدلّ على أنّ الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران: المغايرة بين خوف الله تعالى وخوف وعيده؛ لأنّ الله تعالى في هذه الآية عطف الخوف من جنابه سبحانه على الخوف من وعيده والعطف، يقتضي المغايرة. ومعنى خاف مقامي: أي خافني، فلفظ (مقام) مُقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله؛ فإذا قيل: خاف مقامي كان فيه من المبالغة ما ليس في (خافني)

стр. 529

بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه (١)، وعطفَ جملة ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ على ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ مع إعادة فعل (خاف) دون اكتفاء بعطف (وعيد) على (مقامي) لأن هذه الصلة وإن كان صريحها الثناء على المخاطبين فالمراد منها: التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، ولولا ذلك لكانت جملة ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ تغني عن هذه الجملة، فإن المشركين لم يعبئوا بوعيد الله وحسبوه عبثاً، وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم، فكان المقام للفريقين، فجمع في جزاء المؤمنين بدمج التعريض بوعيد الكافرين، وفي الجمع بينهما دلالة على أن مِن حق المؤمن أن يخاف غضب ربه ويخاف وعيده. (٢) قال ابن كثير في معنى هذه الآية: (هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]). (٣) وممن استنبط هذه الدلالة: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٤) والذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على المغايرة بين الخوف من الله، والخوف من وعيده، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. والله تعالى أعلم.

стр. 530

الاستعانة بمنافع الدنيا على إقامة الطاعات. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات). (١) وجه الاستنباط: الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈، كما فعل إبراهيم ﵇ في دعائه لذريته. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا وغرضه منها أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن علّة طلب تيسير المنافع على أولاده وهي أن يتفرّغوا للطاعة وأداء ما أوجب الله عليهم فقال ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، لا لطلب رغد عيش أو بسط نعمة. قال ابن عاشور: (ورجاء شُكرهم داخل في الدعاء؛ لأنه جعل ذلك تكملة له، تعرضاً للإجابة، وزيادةً في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين، والمقصود:
следующие страницы →