الدلالة الثانية من الآية:
التعلق بالأنساب لا ينفع.
وجه الاستنباط:
أن في التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب. (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة فائدة التقييد بوصف الصلاح وهي أن مجرد الأنساب لا تنفع، وإنما ينفع العمل الصالح؛ فالآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة، ولا ينفع كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.
قال الشوكاني: (وذكر الصلاح دليل على أن لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح). (٢)
ونصّ على هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالزجاج، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والسمين الحلبي، وابن كثير، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٣)
стр. 527
قال الزجاج: (أعلم الله أن الأنساب لا تنفع بغير أعمال صالحة فقال: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ممن جرى ذكره). (١)
وقال النسفي: (ووصفهم بالصلاح ليُعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها). (٢)
وعلىه فدلالة هذه الآية ظاهرة في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب، وأن التقوى والصلاح هي المنجاة، وأما مجرد النسب من الصالح فلا ينفع. والله تعالى أعلم.
стр. 528
سورة إبراهيم
الخوف من الله مغاير للخوف من وعيده.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات، ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقيل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: خافني، فالمقام مُقحم مثل ما يقال: سلامٌ على المجلس العالي، والمراد السلام على فلان، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: ما أوعدت من العذاب (١)، وهذا يدلّ على أنّ الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران: المغايرة بين خوف الله تعالى وخوف وعيده؛ لأنّ الله تعالى في هذه الآية عطف الخوف من جنابه سبحانه على الخوف من وعيده والعطف، يقتضي المغايرة.
ومعنى خاف مقامي: أي خافني، فلفظ (مقام) مُقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله؛ فإذا قيل: خاف مقامي كان فيه من المبالغة ما ليس في (خافني)
стр. 529
بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه (١)، وعطفَ جملة ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ على ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ مع إعادة فعل (خاف) دون اكتفاء بعطف (وعيد) على (مقامي) لأن هذه الصلة وإن كان صريحها الثناء على المخاطبين فالمراد منها: التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، ولولا ذلك لكانت جملة ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ تغني عن هذه الجملة، فإن المشركين لم يعبئوا بوعيد الله وحسبوه عبثاً، وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم، فكان المقام للفريقين، فجمع في جزاء المؤمنين بدمج التعريض بوعيد الكافرين، وفي الجمع بينهما دلالة على أن مِن حق المؤمن أن يخاف غضب ربه ويخاف وعيده. (٢)
قال ابن كثير في معنى هذه الآية: (هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]). (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٤)
والذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على المغايرة بين الخوف من الله، والخوف من وعيده، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. والله تعالى أعلم.
стр. 530
الاستعانة بمنافع الدنيا على إقامة الطاعات.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات). (١)
وجه الاستنباط:
الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈، كما فعل إبراهيم ﵇ في دعائه لذريته.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا وغرضه منها أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن علّة طلب تيسير المنافع على أولاده وهي أن يتفرّغوا للطاعة وأداء ما أوجب الله عليهم فقال ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، لا لطلب رغد عيش أو بسط نعمة.
قال ابن عاشور: (ورجاء شُكرهم داخل في الدعاء؛ لأنه جعل ذلك تكملة له، تعرضاً للإجابة، وزيادةً في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين، والمقصود:
стр. 531
توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب). (١)
وقال بهذا الاستنباط من المفسرين: الرازي، والخازن، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
قال الخازن: (فيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا، إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات). (٣)
وهذه فائدة لطيفة حسُن التنبيه عليها؛ لئلا يتعلق القلب بالاستكثار من الدعاء لأجل حظوظ النفس وبسط العيش فينسى العبد ذِكر المتفضل عليه بالنعم وشُكره، بل يستعين بنعم الله على طاعته، ويستكثر من الدعاء بطلب عون الله له على ذكره وشكره وحسن عبادته، والله تعالى أعلم.
стр. 532
أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى، وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مصراً على أنّ الكل من الله تعالى). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ بدلالة الجمع بين الآيات أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّه تعالى قال عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فطلب أن يجنبه ويبعده وذريته عن عبادة الأصنام، وهذا يدل على أنّه لا يحصل ترك المنهيات إلا من الله تعالى، ثم قال بعدها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] فدعا ربه أن يجعله مؤدياً للصلاة، محافظاً عليها، مقيماً لحدودها، وهذا يدل على أنّه لا يحصل فعل المأمورات إلا من الله تعالى، وذلك كما قال الخطيب تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مُقراً أنّ الكل من الله تعالى.
стр. 533
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: القشيري، والرازي، وابن عادل، وغيرهم. (١)
قال القشيري: (قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه: اجعل صلاتى، والجعل والخلق بمعنى، فإذا جعله مقيم الصلاة، فمعناه أن يجعل له صلاة). (٢)
وهي دلالة صحيحة، ووجه استنباطها بدلالة الجمع بين الآيتين ملحظ لطيف.
وقد مضى الكلام عن خلق الله لأفعال العباد (٣)، وأن خلقه تعالى أفعال العباد خيرها وشرها لا يخرجها عن كونها مقدورة للعبد، وأنه تعالى خلق القادر والقدرة والمقدور معاً، كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وخلق فيهم اختيارهم كما أخبر تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
والقول بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، وكل ذلك وفق مشيئته تعالى وإرادته، هو قول الجمهور من أهل السنة، والجهمية، والأشاعرة،
стр. 534
ومن وافقهم، والأدلة على ذلك كثيرة جداً (١)، وقد تقدمت، والله تعالى أجلُّ وأعلم.
стр. 535
سورة الحجر
إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل.
قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنّ إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة اللازم استنباطاً تربوياً، وهو أن إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل، والركون إلى الدنيا وزينتها، وليس هذا من أخلاق المؤمنين، إذ المعنى: اتركهم يا محمد على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا، ويلهِهُم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد، فإن إلهاء الأمل لهم عن اتّباعك سوف يعلمون عاقبته بعد حين، وفي هذا تهديد وزجر لهم، وأنه لا واعظ لهم إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم (٢)، وهذا يدل على ذمِّ طول الأمل وسوء عاقبته وحرمان صاحبه.
стр. 536
وهي فائدة حسنة، وافق الخطيب في استنباطها من الآية: الزمخشري، والرازي (١)، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والألوسي،
وغيرهم. (٢)
قال أبو حيان: في قوله: ﴿يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ إشارة إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت، والتأهب له، ليس من أخلاق من يطلب النجاة من عذاب الله في الآخرة. (٣)
ويؤيده هذا الاستنباط ما جاء في السُنَّة من ذم الدنيا والتحذير منها والتنبيه على عدم الاغترار بها، والتحذير من طول الأمل، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر». (٤)
قال الحسن البصري (٥): (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل). (٦)
стр. 537
فالأمل يُثبّط عن العمل، ومتى تمكن من القلب فسد واشتد علاجه، فلا ينفع فيه دواء. وشأن المؤمن الإقبال على ربه والانشغال بالطاعة، والاستعداد لما بعد الموت فلا تغره الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 538
سورة النحل
إمكانية سقوط بعض العقاب عن المؤمنين بفضل الله تعالى.
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
قال الخطيب الشربيني - رحمه الله تعالى-: (﴿كَامِلَةً﴾ لئلا يتوهم أنه يكفر عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البرّ التي عملوها في الدنيا، بل يعاقبون بكل أوزارهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه. قال الرازي: «وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة» (١)). (٢)
الدراسة:
نقل الخطيب عن الرازي (٣) استنباط إمكانية سقوط بعض العقاب عن المؤمنين بدلالة مفهوم المخالفة؛ إذ تخصيص أوزار الكافرين بكونها كاملة، يفيد أن أوزار غيرهم من المؤمنين تحتمل النقص.
وهذه لطيفة من لطائف الاستنباط عند الخطيب ملحظها حسن دقيق، إذ لا معنى لتقييد أوزار الكافرين بكونها كاملة إلا أن أوزار غيرهم من المؤمنين ليست كذلك.
стр. 539
وهي دلالة صحيحة؛ إذ ثبت أن الله تعالى يخفف العذاب عن بعض المؤمنين بل يرفعه عنهم بالكلية، وهذا مقتضى رحمته تعالى ولطفه بعباده المؤمنين، وكرمه، كما جاء في غير آية من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وفي الحديث القدسي عند مسلم: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة». (١)
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الخازن، وابن عادل، والنيسابوري، وطنطاوي، والألوسي، وغيرهم. (٢)
ويشهد لصحة دلالة هذه الآية أيضاً ما ثبت في القرآن أنه تعالى لا يخفف عن الكفار شيئاً من العذاب. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]، فنصَّ تعالى على كمال عذاب الكفار وتمامه، وخصَّهم
стр. 540
به في كثير من الآيات، وإذا ثبت هذا في حق الكفار كانت دلالة هذه الآية على جواز تخفيف بعض العقاب عن المؤمنين أقوى وأظهر، والله تعالى أعلم.
стр. 541
فائدة لفظ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾
والسقف عادة لا يكون إلا من فوقهم:
قال الله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والسقف من فوقهم؟
أجيب: بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ دلَّ على أنهم كانوا تحته، وحينئذٍ يفيد هذا الكلام بأنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها). (١)
وجه الاستنباط:
بدلالة الإشارة في قوله تعالى ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حيث أفادت التأكيد.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة لفظ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ومعلوم أن السقف من فوقهم، وهي الدلالة على أنهم كانوا تحته؛ حيث أفاد النص على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ التأكيد على أنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها؛ لأنه يُحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، فلما قال ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ عُلِم أنهم كانوا تحته، ورفعَ الإيهام في ذلك، وأنه
стр. 542
لما خرَّ عليهم أُهلكوا وماتوا في مأمنهم، وذلك أنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم وشِدَّته، كان ذلك البنيان سبب هلاكهم. (١)
قال ابن عطية في تأكيد هذه الدلالة: (معنى قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ رفعَ الاحتمالَ في قوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ فإنك تقول: انهدم على فلان بناؤه وهو ليس تحته، كما تقول: انفسد عليه متاعه، وقوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ألزم أنهم كانوا تحته (٢)). (٣)
وقد نصَّ على هذه الدلالة غيره من المفسرين كالرازي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، والألوسي، وغيرهم. (٤)
قال القرطبي في قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: (وُكِّد ليُعلمك أنهم كانوا حالِّين تحته. والعرب تقول: خرَّ علينا سقف ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: «من فوقهم» ليُخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: «من فوقهم» أي عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا) (٥). (٦)
стр. 543
وهذه فائدة حسنة؛ إذ لو لم ينصّ على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ لما أفادت هذا المعنى، وتطرَّق الاحتمال لخرِّ السقف عليهم من وجوه كثيرة، والله تعالى أعلم.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مُكلفون، مُدارون على الأمر والنهي، والوعد والوعيد، كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء، وأنهم معصومون من الذنوب؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يدل على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في
أمر من الأمور، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ([الأنبياء: ٢٧]. (١)
هذه الآية فيها دلالتان:
الدلالة الأولى:
تكليف الملائكة، وأنهم بين الخوف والرجاء.
وجه الاستنباط:
أنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم يخافون ربهم ويفعلون ما يؤمرون، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، وبه علَّل تخصيصهم بالسجود. (٢)
الدراسة:
стр. 544
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تكليف الملائكة من قِبل الله تعالى، وأن الأمر والنهي مُتوجه عليهم كسائر المكلفين؛ لأنه تعالى قال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وأنهم بين الخوف والرجاء، أما على الخوف فهو ظاهر، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف لأن الخوف يستلزم الرجاء. (١)
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٢)
وظاهر الكتاب والسنة تكليف الملائكة كما أخبر الله تعالى عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وقال ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا كله تكليف وناشئ عن التكليف (٣)، لكن الملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. فتركُهم للمعصية، وفعلهم للطاعة جبلّة، لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.
стр. 545
ولعلّ هذا هو السبب الذي حمل فريقاً من العلماء إلى القول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين، وإنهم ليسوا بداخلين في الوعد والوعيد. (١)
والظاهر أن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كُلِّف بها أبناء آدم. أما القول بعدم تكليفهم مطلقاً، فهو قول مردود؛ لأنهم مأمورون بالعبادة والطاعة كما أخبر تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وفي الآية أنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية، كما قال فيهم: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. (٢)
قال ابن القيم: (وأما الملائكة فليسوا بداخلين تحت أحكام تكاليف البشر حتى يصح قياسهم عليه (٣) فيما يقولونه ويفعلونه، فأين أحكام الملك من أحكام البشر، فالملائكة رُسُل الله في خلقه وأمره يتصرفون بأمره لا بأمر البشر). (٤)
وبهذا يظهر أن الملائكة مكلفون تكليفاً خاصاً يختلف عن تكليفنا (٥)، كاختلاف تكليفنا عن تكليف الجن، وأنهم لا يفعلون إلا ما أُمروا به، وأنهم
стр. 546
مخيّرون، إلا أن طبيعتهم لا تقبل الاعتراض؛ لأن الله فطرهم على الطاعة، ولم يخلق لهم الشهوات التي خلقها للبشر، كما دلت عليه هذه الآية، والله تعالى أجلّ وعلم.
стр. 547
الدلالة الثانية:
عصمة الملائكة من الذنوب.
وجه الاستنباط:
قوله تعالى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فهو يتناول فعل المأمورات، وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض المدح. (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الملائكة معصومون من الوقوع في الذنوب؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يدل على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء، ٢٧). ولأنه تعالى قال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وهذا وأمثاله يتناول فعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض المدح، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله تعالى مدحهم على ترك المعاصي والمخالفة ودوام الطاعة.
ويؤيده أن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، والرسل معصومون، كما قال تعالى في تعظيمهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم، فهم أتقى الخلق، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].وهو يفيد المبالغة التامة في الاشتغال بالعبادة، وهذا يدل على
стр. 548
العصمة. (١) كما أنه تعالى رفع منهم الشهوة، التي هي داعية الذنب، والمعصية، والهوى. (٢)
وقد اتفق أئمة المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة كجبريل وغيره حكم النبيين، في العصمة في البلاغ عن الله، وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك الملائكة، كما أجمع المسلمون على فضلهم وتزكيتهم.
وأما عدا الرسل فقد اختلف العلماء فيهم، فمِنهم من أثبت عصمتهم تمسكاً بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وخصَّصه آخرون بالمقربين من الملائكة كالحملة ونحوهم.
وقال بعضهم إنه يصح وقوع ذلك منهم، بدليل قصة إبليس، عند من يقول أنه كان من الملائكة (٣)، والأظهر والله تعالى أعلم عصمتهم. (٤)
وممن استنبط عصمة الملائكة من موضع هذه الآية: الرازي، والنيسابوري (٥)، وغيرهما. (٦)
стр. 549
قال ابن القيم: (ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧ - ٢٨] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]). (١)
وقال أبو حيان في غير موضع هذه الآية: (وكان من القواعد الشرعية والعقائد الإسلامية عصمة الملائكة من المعاصي والاعتراض.) (٢)
والذي يظهر أن الملائكة معصومون خلقوا للطاعة؛ بدلالة هذه الآية، ولأن الملائكة رسل الله، والرسل معصومون، والله تعالى أعلم.
стр. 550
العهد غير اليمين.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين، لأنه أعم منه). (١)
وجه الاستنباط:
عطف اليمين على العهد والعطف يقتضي التغاير. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران أن المراد بالعهد غير اليمين؛ لأنه أعم منه، وقد عطف اليمين على العهد، والعطف يقتضي التغاير، فلا يُحمل العهد على اليمين، لأنه لو حُمِل عليه لكان قوله بعدها: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكراراً؛ لأن الوفاء بالعهد، والمنع من النقض متقاربان، إذ الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك، فدلَّ على أن العهد غير اليمين.
وممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية: ابن عطية، والقرطبي، والرازي، والخازن، والقاسمي، وغيرهم. (٣)
стр. 551
وعلى هذه الدلالة ففي الآية حجة على من احتج بالآية أن العهد يمين (١)، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب الحنفية (٢) والحنابلة (٣) إلى أن العهد يمين، وللمالكية في ذلك قولان: أظهرهما عندهم أن العهد ليس بيمين. (٤)، وذهب الشافعية إلى أنه لا يكون يميناً إلا بالنية (٥).
والأظهر والله أعلم ما ذهب إليه الأحناف والحنابلة أن عهد الله يعتبر يميناً (٦) خلافاً لما حكاه الخطيب، لأن اليمين هي عهد الله على تحقيق شيء أو نفيه، فالوفاء بالعهد عام يدخل تحته اليمين، وهو من باب عطف الخاص على العام، حيث خصَّ الله اليمين بالذكر تنبيهاً على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية. (٧)
قال في المبسوط: (النذر يمين وكفارته كفارة اليمين) وكذلك لو قال: عهد الله علي، فالعهد يمين. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]
стр. 552
ومعناه: إذا حلفتم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. (١)
وقال ابن عطية: («عهد الله» لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وبالجملة كل ما كان طاعة بين العاهد وبين ربه، كان فيه نفع للغير أو لم يكن، وقوله ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ خصَّ في هذه الألفاظ العهود التي تقترن بها أيمان، اهتماماً بها وتنبيهاً عليها). (٢)
وعليه فدلالة الآية على أن العهد ليس بيمين كما قال الخطيب لا تظهر كل الظهور، بل الأقوى والأقرب أن العهد يمين كما تقدم.
قال ابن قدامة: (إذا حلف بالعهد أو قال: عهد الله وكفالته، فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها.) (٣) والله تعالى أعلم.
стр. 553
سورة الإسراء
فائدة تنكير لفظ (ليلاً) في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: ١)
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ نُصب على الظرف والإسراء سير الليل، وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل). (١)
وجه الاستنباط:
التنكير في لفظ ليلاً دالٌ على معنى البعضية.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية فائدة تنكير لفظ ﴿لَيْلًا﴾ وهي الإشارة إلى تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به ﵊ في بعض من الليل، إذ معلوم أن السرى لا يكون إلا بالليل، فدلَّ ذكره على مزيد بيان، إما للتأكيد، أو للتنبيه على أنه المقصود بالذكر، كما أفاد تنكيره معنى البعضية. (٢)
قال العكبري (٣): (وتنكيره يدل على قصر الوقت الذي كان الإسراء والرجوع فيه. (٤)
стр. 554
وهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها جمهور المفسرين كالسمعاني، والزمخشري، ومحمود النيسابوري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
وقد أشار ابن عاشورإلى فائدة أخرى لهذا التنكير فقال: (في ذلك إيماء إلى أنه إسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم. فتنكير ليلاً للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل أسرى، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم. ألا ترى كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١ - ٢] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة) (٢).
ولا مانع من الجمع بينهما؛ إذ جاء التنكير في لفظ الليل للدلالة على تعظيمه، وإفادة معنى البضعية في جزء منه، كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 555
غلبة رحمة الله سبحانه على غضبه.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآية تدل على أن رحمة الله غالبة على غضبه بدليل أنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان ذكره مرّتين فقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرّة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولولا أن جانب الرحمة غالب، وإلا لما كان كذلك) (١).
الدراسة:
استنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها باللازم على سعة رحمة الله تعالى، وأنها غالبة على غضبه، بدليل تكرار لفظ الإحسان في الآية مقابل ذكر الإساءة مرّة واحدة، فدلّ على تغليب جانب الرحمة منه تعالى لعباده.
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والنيسابوري، وحقي، وغيرهم. (٢)
قال النيسابوري: (أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة، ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب). (٣)
стр. 556
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذه الدلالة صحيحة في نفسها، فرحمة الله تعالى واسعة، قد سبقت غضبه كما جاء في الصحيح (١)، لكنها غير ظاهرة الدلالة من معنى تكرار لفظ الإحسان؛ بل يحتمل هذا التكرار وجوهاً أقوى في الدلالة والمعنى.
منها: أنّ ذكر المحاسن وتكرارها أليق بالحكيم سبحانه من غيرها، ولذا قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ فقدَّم ذكر الإحسان وكرّره دون الإساءة، حكاه البيضاوي، والألوسي. (٢)
وقد تكون إعادة فعل ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ للتنويه والاهتمام بالإحسان، فلم يقل: إن أحسنتم فلأنفسكم. وهذا الأسلوب: إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيء به، أسلوب عربي فصيح يقصد به الاهتمام بذلك الفعل، وقد تكرر في القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣]، أفاده ابن عاشور (٣)، وغيره، ويجوز أن يكون تَركُ تكرير الإساءة استهجاناً لها وإزراءً بها، والله تعالى أعلم.
стр. 557
عصمة القرآن من التحريف والتبديل وأنه نُقِل كما سُمع.
قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: حذفت واو «ويدع» أي: التي هي لام الفعل، خطاً (١) في جميع المصاحف، ولا موجب لحذفها لفظاً في العربية، لكنها لما كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]
قال الفراء: (ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صواباً (٢). وقال الرازي: «أقول هذ ايدل على أنه قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير، فإنّ إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن، وعدم إثباتها في هذه المواضع المعدودة، يدل على أنّ هذا القرآن نُقل كما سمع، وأن أحداً لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوّة عقله» (٣)). (٤)
الدراسة:
استنبط الخطيب نقلاً عن الرازي بدلالة اللازم من الآية تنبيهاً لطيفاً، وهو أنه تعالى قد عصم كتابه عن التحريف والتغيير، لأن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن، وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة كما في لفظ ﴿وَيَدْعُ﴾ في هذه
стр. 558
الآية، وفي قوله تعالى ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، و ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] ونحوها، يدل على أن القرآن نُقِل كما سُمع، وأن القراء متبعون للأثر والرواية لا مجرد الرسم، فلم يتصرف في القرآن أحد باجتهاده، وإنما هو الرواية والسماع، فدلَّ على أن القراءة سنة متبعة.
وهي دلالة ظاهرة قوية؛ إذ القياس إثبات الواو في قوله: ﴿وَيَدْعُ﴾ إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة، لعدم التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها، ولم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع، والضمة تقوم مقامها. (١)
قال أبو حيان: «﴿وَيَدْعُ﴾ بغير واو على حسب السمع». (٢)
قال أبو عمرو الداني (٣): «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية، إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة ; لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها». (٤)
فثبت بهذا أن القراء يتقيدون بالرواية سماعاً دون الرسم، وليس رسم المصحف إلا كالتذكرة للقارئ، وأن القراءة سنة متبعة لا مجال فيها للرأي أو القياس. (٥) والله تعالى أعلم.
стр. 559
لا وجوب قبل الشرع.
قال الله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أن لا وجوب قبل الشرع). (١)
وجه الاستنباط:
أن الله تعالى نصَّ أنه لا يعذب أحداً حتى يبعث الرسول. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصّ على مسألة أصولية، وهي أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأنه تعالى نفى العقاب وإنزال العذاب قبل مجئ الرسل فقال ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ والوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فدلَّ على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل، ولا يجب شيء على أحد قبل بعث الرسول ﷺ . (٣)
стр. 560
نصَّ على ذلك: الواحدي، والسمعاني، والكيا الهراسي، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والخازن، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
وهذا ما عليه أهل السنة، أن التكليف لا يلزم العباد إلا من الشرع، لا من مجرد العقل كما زعمت المعتزلة (٢)، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين (٣)، والراجح فيها أنه لا حكم ولا تكليف قبل ورود الشرع (٤) بدلالة هذه الآية، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تشهد لهذا المعنى كقوله تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى لا يعذب قوماً عذاب استئصال، ولا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسل.
قال القرطبي: (في هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر). (٥)
стр. 561
وتأويل المعتزلة هذه الآية، وحملُ الرسول على العقل مما لا يرتضيه العقل، وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ الخزنة الكفار بقولهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] ولم يقولوا: أو لم تكونوا عقلاء! (١) فظهرصحة هذه الدلالة، وأن الأصل في الأعمال قبل ورود الشرع سقوط التكليف؛ إذ شرط التكليف العلم بالمكلف به. (٢) وهو ما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم.
стр. 562
المبالغة في تعظيم طاعة الوالدين والإحسان إليهما.
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (لفظ الآية يدل على معانٍ كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة، وجعل من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أنّ هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة.
ومنها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد، وثنَّى بطاعة الله تعالى، وثلَّث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية، ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة.
ومنها: أنه تعالى لم يقل: وإحساناً بالوالدين بل قال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فتقديم ذكرهما يدل على شدّة الاهتمام بهما.
ومنها: أنه تعالى قال: ﴿إِحْسَانًا﴾ بلفظ التنكير، والتنكير يدل على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً لأنّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة، فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. (١)
стр. 563
الدراسة:
استنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة النصّ عِظَم الوصاية ببر الوالدين والإحسان إليهما، وأن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة، لأنه تعالى أتبع الكلام عن السعي المشكور في الآخرة بقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، فجعل البر بالوالدين من جملة الأعمال التي يفوز بها العبد في الآخرة.
وجعل الإحسان إلى الأبوين قريناً لتوحيد الله وعبادته تأكيداً لحقهما والعناية بشأنهما، كما قرن سبحانه في آية أخرى شكرهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه.
ثم خصَّ سبحانه حالة الكِبَر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها (١)، ونهى عن أدنى كلمة يمكن أن تنفلت في حال التضجر فقال: (ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما).
قال القاسمي: (أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيهاً على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقول ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]). (٢)
وقدّم تعالى ذكرهما فقال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل وإحساناً بالوالدين وهذا يدل أيضاً على شدّة الاهتمام بهما.
стр. 564
كما أن في تنكير لفظ ﴿إِحْسَانًا﴾ دلالة أخرى؛ لأن التنكير يدل على التعظيم، فدلّ على أنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين بدلالة هذه الآية.
وممن استنبط التأكيد على الوصاية بالوالدين من نظم الآية: الزمخشري، والرازي، والنسفي، والخازن، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (١)
ويؤكد ذلك ماجاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٢)، فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام، وهو استنباط ظاهر قوي، والله تعالى أعلم.
стр. 565
ضعف العبد وعجزه، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀ في قوله: (﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتطاولك، وهو تهكم بالمختال لأنّ الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئاً ليس في التذلل، وفي ذلك إشارة إلى أنّ العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات، وهو أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ وهي الإشارة إلى ضعف العبد وعجزه، وأنه مهما بلغ من القوة والشدة، إلا أنه ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط محصور، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر.
والخطاب في الآية جاء على سبيل التغليظ، والمقصود منه: التهكم بالمختال، والتشنيع بهذا الفعل (٢)، أي: فاعرف قدرك، ولا تتكبر. (٣) فإذا كنت لا تستوي