← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وتأويل المعتزلة هذه الآية، وحملُ الرسول على العقل مما لا يرتضيه العقل، وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ الخزنة الكفار بقولهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] ولم يقولوا: أو لم تكونوا عقلاء! (١) فظهرصحة هذه الدلالة، وأن الأصل في الأعمال قبل ورود الشرع سقوط التكليف؛ إذ شرط التكليف العلم بالمكلف به. (٢) وهو ما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم.

стр. 562

المبالغة في تعظيم طاعة الوالدين والإحسان إليهما. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (لفظ الآية يدل على معانٍ كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة، وجعل من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أنّ هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة. ومنها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد، وثنَّى بطاعة الله تعالى، وثلَّث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية، ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة. ومنها: أنه تعالى لم يقل: وإحساناً بالوالدين بل قال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فتقديم ذكرهما يدل على شدّة الاهتمام بهما. ومنها: أنه تعالى قال: ﴿إِحْسَانًا﴾ بلفظ التنكير، والتنكير يدل على التعظيم، أي: إحساناً عظيماً كاملاً لأنّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة، فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. (١)

стр. 563

الدراسة: استنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة النصّ عِظَم الوصاية ببر الوالدين والإحسان إليهما، وأن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة، لأنه تعالى أتبع الكلام عن السعي المشكور في الآخرة بقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، فجعل البر بالوالدين من جملة الأعمال التي يفوز بها العبد في الآخرة. وجعل الإحسان إلى الأبوين قريناً لتوحيد الله وعبادته تأكيداً لحقهما والعناية بشأنهما، كما قرن سبحانه في آية أخرى شكرهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه. ثم خصَّ سبحانه حالة الكِبَر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها (١)، ونهى عن أدنى كلمة يمكن أن تنفلت في حال التضجر فقال: (ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما). قال القاسمي: (أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيهاً على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقول ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]). (٢) وقدّم تعالى ذكرهما فقال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل وإحساناً بالوالدين وهذا يدل أيضاً على شدّة الاهتمام بهما.

стр. 564

كما أن في تنكير لفظ ﴿إِحْسَانًا﴾ دلالة أخرى؛ لأن التنكير يدل على التعظيم، فدلّ على أنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين بدلالة هذه الآية. وممن استنبط التأكيد على الوصاية بالوالدين من نظم الآية: الزمخشري، والرازي، والنسفي، والخازن، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (١) ويؤكد ذلك ماجاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٢)، فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام، وهو استنباط ظاهر قوي، والله تعالى أعلم.

стр. 565

ضعف العبد وعجزه، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] قال الخطيب الشربيني ﵀ في قوله: (﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتطاولك، وهو تهكم بالمختال لأنّ الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئاً ليس في التذلل، وفي ذلك إشارة إلى أنّ العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات، وهو أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ وهي الإشارة إلى ضعف العبد وعجزه، وأنه مهما بلغ من القوة والشدة، إلا أنه ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط محصور، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر. والخطاب في الآية جاء على سبيل التغليظ، والمقصود منه: التهكم بالمختال، والتشنيع بهذا الفعل (٢)، أي: فاعرف قدرك، ولا تتكبر. (٣) فإذا كنت لا تستوي

стр. 566

في الأرض بمشيك، فقصرك نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق. (١) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية موافقاً الخطيب: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وابن جزي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (٢) قال الألوسي مقرراً هذا الاستنباط: (فيه تهكم بالمختال، أي: إنك لن تقدر أن تجعل فيها خرقاً بدوسك وشدة وطأتك، ولن تبلغ الجبال التي عليها طولا بتعاظمك ومد قامتك، فأين أنت والتكبر عليها؟ .. فأنت أضعف من كل واحد من هذين الجمادين، فكيف يليق بك التكبر، وقال بعض المحققين: مآل النهي والتعليل لا تفعل ذلك، فإنه لا جدوى فيه (٣)، وهو وجه حسن.) (٤) فجاءت إشارة هذه الآية إلى حرمة الخيلاء والكِبر؛ وأن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئاً كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء، وهو استنباط ظاهرقوي، والله تعالى أعلم.

стр. 567

فضل الصلاة والاستعانة بها في رد كيد الأعداء. قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ بفعل جميع أركانها وشرائطها بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها فإنها لب العبادة، لما فيها من المناجاة والإعراض عن كل غير - إلى أن قال-: وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أنّ الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء). (١) وجه الاستنباط: لما ذكر تعالى مكايد المشركين بقوله ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أرشد نبيه ﷺ إلى خير مُعين، فأمره بإقامة الصلاة والاشتغال بعبادته، تفويضاً للأمور إلى الله، وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب مِن مناسبة هذه الآية لما قبلها دلالتها باللازم على عظم شأن الصلاة وشرف هذه العبادة، وخاصيتها في دفع شر الأعداء، لما فيها من طمأنينة القلب وتفويض الأمر لله، والتوكل عليه في رد كيدهم؛ فلمَّا ذكر تعالى قبلُ كيد المشركين وإرادتهم استفزازه من الأرض، أمَره بأن يستعين بإقامة الصلوات والإقبال على عبادته، والابتهال إليه على دفع كيدهم ومكرهم. ويؤيد صحة هذه الدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]،

стр. 568

وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. (١) فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك، ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله، وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك غالباً على أديانهم. (٢) وممن وافق الخطيب مستنبطاً هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، وأبوحيان، والنيسابوري، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣) ولا ريب أن الصلاة أكبر معين على الثبات في الأمر، وإرشاده تعالى لنبيه ﷺ إلى هذه العبادة خاصة دون سائر العبادات دليل على مكانة الصلاة في دفع كيد الأعداء، وكفاية شرورهم، وكان هديه ﷺ في النوازل، وفي كل ما أهمه أن يفزع إلى الصلاة (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 569

فضل التغليس بالفجر على الإسفار. قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء - إلى أن قال-: وهذا يدل على أنّ التغليس أولى من التنوير؛ لأنّ الإنسان إذا شرع فيها من أوّل الوقت، ففي ذلك الوقت ظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرة، ثم امتدّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها، زالت الظلمة وظهر الضوء، وحضرت ملائكة النهار، وأمّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل، فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ يدل على أنّ التغليس أفضل). (١) وجه الاستنباط: أنه تعالى وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً ومعناه في قول أكثر المفسرين (٢): أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الفجر؛ وخصَّ الفجر بإضافة القراءة إليه، فدلّ ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت. (٣) الدراسة:

стр. 570

استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن التغليس بالفجر أفضل من التنوير؛ فإذا شرع المسلم في صلاته من أوّل الوقت لا تزال الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرة لبقاء الظلمة، وأمّا إذا ابتدأ بالصلاة في وقت التنوير لم يتبق أحد من ملائكة الليل فلا يحصل هذا المعنى، فثبت بهذا أن الصلاة في أول وقتها أفضل. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وغيرهم (١). (٢) وقد اختلف العلماء في أفضلية وقت صلاة الفجر على قولين: الأول: أن التغليس بها أفضل (٣) لما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغَلَس. (٤) وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح». يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ

стр. 571

الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. (١) قال شيخ الإسلام: (التغليس أفضل إذا لم يكن ثمَّ سبب يقتضي التأخير، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ تبين أنه كان يُغلِّس بصلاة الفجر). (٢) والقول الثاني: أن الإسفار بها أفضل (٣)، وهو مخالف لما كان ﷺ يفعله من المداومة على التغليس، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل. (٤) وقد صح عن رسول الله ﷺ وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يُغلِّسون، ومُحال أن يتركوا الأفضل ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل (٥). وعليه فالتغليس بالفجر أفضل، وهو فعله ﷺ حتى مات، وفعل الخلفاء الراشدين بعده، واستنباطه من الآية ملحظ دقيق لطيف، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 572

سورة الكهف إفراد الجنة في قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ لإرادة الجنس. قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه يطوف به فيها ويُفاخره بها، وأفرد الجنة لإرادة الجنس، ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها، لأنه لا حظّ له في الآخرة). (١) وجه الاستنباط: أن الإضافة في قوله ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ للاستغراق والعموم، فتفيد ما أفادته التثنية مع زيادة، وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على فائدة إفراد الجنة بعد التثنية في قوله ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه الجنة، وأنه لا نصيب له في الآخرة، فالجنة ذُكرت بلفظ الإفراد مع أنه قال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ وقال ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ فإما أن يراد بالمفرد الجنس، وإما أن يراد إحدى الجنتين، وتكون العظمى هي التي دخلها. (٣)

стр. 573

قال الزمخشري: (فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وُعِد المؤمنون، فما ملَكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما). (١) ونصَّ على هذه الدلالة غيرالزمخشري: الرازي، والبقاعي، والألوسي، وغيرهم. (٢) وخالف فيها أبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، وقالوا بضعف دلالة الآية على هذا المعنى المستنبط. (٣) قال الشوكاني: (وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه كونه لم يُدخِل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما اتصلا كانا كواحدة، أو لأنه أدخله في واحدة ثم واحدة، أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما، وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحَّد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وُعِد المؤمنون.) (٤) والذي يظهر ضعف دلالة الآية على ما استنبطه الخطيب وغيره، لأنه لا يبعُد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما، أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة

стр. 574

واحدة منهما، يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراءات (١) في قوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾ ولم يقل (منهما). (٢) والله تعالى أعلم. عصمة الملائكة من الذنوب قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] قال الخطيب ﵀: (﴿فَفَسَقَ﴾ أي: خرج بتركه السجود ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: سيده ومالكه المحسن إليه، والفاء للسببية، وفيه دليل على أنّ الملك لا يعصي البتة، وإنما عصى إبليس لأنه كان خبيثاً في أصله). (٣) وجه الاستنباط: أنَّ الفاء للسببية فكونه من الجن سبب فسقه، ولو كان ملكاً لم يفسق عن أمر ربه لأن الملك معصوم دون الجن والإنس. (٤) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أنّ الملك لا يعصي البتة لأنه تعالى ذكر علَّة عصيان إبليس كون أصله من الجن، فقال سبحانه ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا

стр. 575

إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، فعند الحاجة خانه الطبع، وذلك أنه كان قد توسَّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم، وتعبَّد وتنسَّك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة. (١) فدلَّ ذلك على أن الملائكة لا تعصي مطلقاً، والفاء للسببية، فكونه من الجن سبب فسقه، ولو كان ملكاً (٢) لم يفسق عن أمر ربه لأن الملك معصوم. (٣) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وحقي، وغيرهما. (٤) والذي يظهر أن الملائكة معصومون خُلقوا للطاعة - كما تقدم - (٥) بدلالة هذه الآية، ودلالة قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]؛ وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. ولأن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، والرسل معصومون، وهي دلالة صحيحة، واستنباطها من الآية يشهد لكون إبليس من الجن كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.

стр. 576

أدب العالم والمتعلم. قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: ٦٦ - ٦٩) قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلّت هذه الآية الكريمة على أنّ موسى ﵇ راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، منها أنه جعل نفسه تبعاً له بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾. ومنها: أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، كأنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك؟ وهذه مبالغة عظيمة في التواضع. ومنها: قوله ﵇ ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ وهذا إقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم، ومنها: قوله ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ وصيغة «من» للتبعيض، وطلب منه تعليم بعض ما علِم، وهذا أيضاً إقرار بالتواضع كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من أجزاء ما علِمت. ومنها: أن قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف منه بأن الله تعالى علّمه ذلك العلم. ومنها قوله: ﴿رُشْدًا﴾ طلب منه الإرشاد والهداية. ومنها قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، ومنها: أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولاً أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه ﵇ مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدلّ على كونه ﵇ آتياً في طلب العلم بأعظم أبواب المبالغة في التواضع، وذلك يدل على أن هذا هو اللائق به، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه لها أشدّ،

стр. 577

فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد. وكل ذلك يدلّ على أنّ الواجب على المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات، وأمّا المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيد نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنّ السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور، وذلك يمنعه من التعلم). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآيات في قصة موسى ﵇ مع الخضر دلالتها باللازم على ضرورة مراعاة الأدب وإظهار التواضع من المتعلم لمعلمه بكل الوسائل؛ حيث كان لموسى ﵇ مع الخضر ضروباً عظيمة من التواضع والأدب الجمّ، والتذلُّل بكل السبل لتحصيل العلم، وفيها الحث على الاقتداء بفعله في أدبه مع الخضر وتواضعه مع أفضليته! فموسى ﵇ أفضل من الخضر (٢)، وتواضع الفاضل للتعلم ممن دونه دليل أن على طالب العلم أن يتلطّف ويتأدّب مع مُعلمه، وأن الذلَّ للمُعلم وإظهار الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم. (٣)

стр. 578

قال ابن عثيمين: (قال موسى للخضر: هل أتبعك؟ وهذا عرض لطيف وتواضع، وتأمّل هذا الأدب من موسى ﵊ مع أن موسى أفضل منه وكان عند الله وجيهاً، ومع ذلك يتلطف معه لأنه سوف يأخذ منه علماً لا يعلمه موسى، وفي هذا دليل أنَّ على طالب العلم أن يتلطف مع شيخه ومع أُستاذه وأن يُعامله بالإكرام). (١) وقد استنبط كثير من المفسرين هذه الفائدة وغيرها من قصة موسى مع الخضر، منهم: الزجاج، والواحدي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والعثيمين، وغيرهم. (٢) وفيما فعله موسى - وهو من جِلّة الأنبياء وقد أوتي التوراة - من طلبه العلم والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، حتى لو استغرق زمناً طويلاً لتحقيق مراده، ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، كما أفادت الآية أن على المعلم النصح لتلميذه غاية النصح، بتبيين حال العلم حتى لا يُدخله فيما لا يطيقه من العلم ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ مع تبيين السبب فيما يردُّه عنه أو يمنعه منه، ويظهر ذلك في بيان الخضر لموسى ﵇ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ

стр. 579

تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، وفي القصة من الفوائد الجليلة ما يطول حصره وقد نبَّه عليها جمع من أهل العلم (١)، والله تعالى أعلم. فوائد قصة موسى ﵇ مع الخضر. قال الله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀ (من فوائد هذه القصة (٢): أن لا يعجب المرء بعمله (٣)، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلَّل للعلماء، وأن يُنبّه المجرم على جُرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجره). (٤) وجه الاستنباط: الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈، والاعتبار بحالهم. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآيات في قصة موسى ﵇ مع الخضر دلالتها باللازم على فوائد أخرى - غير التي تقدَّمت في بداية القصة -

стр. 580

أولاها: أن لا يُعجب المرء بعلمه، ويَظهر ذلك في عتاب موسى ﵇ بعد أن سُئِل عن أعلم الناس فنسب ذلك إلى نفسه (١)، وهو درسٌ لمن بعده أن لا يرى في نفسه إعجاباً بعلمه أو فهمه، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثانيها: أن لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعلَّ فيه سراً لا يعرفه، وهذا أصلٌ في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو التثبُّت والتحقُّق من كونه منكرًا، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يُعرف ما يراد منه وما هو مقصود؛ فظاهر هذه الأمور التي عاينها موسى ﵇ أنها من المنكر، وموسى لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحِب عليها الخضر، فبادر إلى الحكم ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر وعدم المبادرة إلى الحكم، فعُوتب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لمَّا تكرر منه الاستنكار، ولم يرعوِ بالتذكير حتى زاد في النكير في المرة الثانية. (٢) وممن نصّ على هذه الفائدة: القشيري، والرازي، وأبو السعود، والسعدي، وغيرهم. (٣) ثالثها - وقد تقدَّمت-: أن يداوم على التعلم ويتذلل للعلماء ويراعي الأحب في المقال، كما فعل موسى ﵇ في حسن أدبه، وتواضعه، وتلطّفه في الخطاب مع جلالة قدره وسعة علمه.

стр. 581

رابعاً: أنَّ المخطئ يُنبَّه على خطئه، ويُعفَى عنه حتى يتحقَّق إصراره، ثم يؤدَّب بما يكون مناسبًا، كما فعل الخضر مع موسى ﵇ حتى قال موسى ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ فعاتبه أولاً على خطئه ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وعفا عنه ثم فارقه بعد الإصرار ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾. وممن نصّ على هذه الفائدة من المفسرين: البيضاوي، والقاسمي، وغيرهما. (١) والحاصل أنَّ فيما دار بين موسى ﵇ وبين الخضر من الفوائد ما يطول حصره والغرض الاقتداء بفعله ﵇ وفعل العبد الصالح (الخضر) معه، والاعتبار بحاله فيما عوتب عليه، وهي فوائد حسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 582

سورة مريم المعدوم ليس بشيء. قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أي: قدّرتك وصوّرتك وأوجدتك ﴿مِنْ قَبْلُ وَلَمْ﴾ أي: والحال أنك لم ﴿تَكُ شَيْئًا﴾ بل كنت معدوماً صرفاً، وفيه دليل على أنّ المعدوم ليس بشيء). (١) وجه الاستنباط: قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ لأنه نفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئاً. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصَّ على أنّ المعدوم ليس بشيء (٣)؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ فنفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئاً، وهذه الآية استدل بها أهل السنة على أن المعدوم لا يسمى شيئاً وهي نصٌ في ذلك. قال ابن أبي العز: (والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويُخبِر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، فيكون شيئاً في العلم والذكر والكتاب لا في

стр. 583

الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [فاطر: ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] أي: لم تكن شيئاً في الخارج وإن كان شيئاً في عِلمه تعالى. وقال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]). (١) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القشيري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والسيوطي، والشنقيطي، وغيرهم. (٢) والتحقيق هو ما دلّت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: أن المعدوم ليس بشيء (٣) خلافًا لقول المعتزلة القائلين: إن المعدمات أشياء وأعيان على ما تكون عليه في الوجود (٤)، وهذا قول يقتضي بقائله إلى قِدَم العالم ونفي الحدَث والمُحدِث؛ لأن المعدومات إذا كانت على ما تكون عليه في الوجود أعيانًا، لم تكن لقدرة الله على خلقها وإحداثها تعلُّق، وهذا كفرٌ ممن قال به (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 584

تشريف يحيى ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٣ - ١٥]. قال الخطيب الشربيني ﵀ عن يحي ﵇: (﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي: أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة، وإنما قال: "حياً " تنبيهاً على كونه من الشهداء لأنه قُتِل، وقد قال تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، ١٦٩]. ثم ذكر فروعاً، قال: (الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة، وعلى التقديرين ففيه دلالة على تشريفه لأن الملائكة لا يُسلِّمون إلا عن أمر الله تعالى. الثاني: ليحيى مزيَّة في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات، ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات، ١٠٩]؛ لأنه تعالى قال ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ وليس كذلك سائر الأنبياء. الثالث: روي أن عيسى ﵇ قال ليحيى ﵇: أنت أفضل مني لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ وأنا سلمت على نفسي، قال الرازي: وهذا ليس بقوي لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله تعالى على يحيى؛ لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمر الله تعالى. انتهى (١)، ولكن بين السلامين مزيّة.) (٢)

стр. 585

هذه الآية فيها دلالتان: الأولى: تشريف يحي ﵇. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تشريف يحي ﵇ وتفضيله؛ لأنه تعالى قال ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، و (السلام) بمعنى السلامة والأمان من الآفات (١) وفيه معنى التحية والتشريف، وفي ذكر هذه الأحوال الثلاث «يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث» زيادة في العناية به ﵇، والمراد: سلام من الله عليه أو من الملائكة، والملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى (٢)، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى كقوله ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. وقد أثنى عليه سبحانه في هذه الآيات بذكر محامده وصفاته فقال سبحانه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ فجمع بين القيام بحق الله وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله في جميع أحواله مبادئها وعواقبها، وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال (٣)، وإنما خصَّ هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت بعثه، لأنها

стр. 586

أوحش من غيرها، فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصَّه بالسلام عليه فيها، وهذه مزيَّة ليحي ليست لغيره من الأنبياء. وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: ابن عطية، والقرطبي، والرازي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (١) والظاهر أن سلام الله تعالى على يحيى أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] كما هو ظاهر السياق، والحاصل أن دلالة هذه الآية على تشريف يحي ﵇ – وكرامته قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.

стр. 587

الدلالة الثانية: التنبيه على استشهاد يحي ﵇. وجه الاستنباط: أنه تعالى قال في ختام الآية: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، والحال وصفٌ لصاحبها، فدلَّ على كونه من الشهداء لأنهم أحياء. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من قوله تعالى: ﴿حَيًّا﴾ التنبيه على استشهاد يحي ﵇ – لأنه قُتل لبغي من بغايا بني إسرائيل (١)، والشهداء كما أخبر الله عنهم أحياء عند ربهم يرزقون. وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، والنيسابوري، والألوسي، وغيرهم. (٢) وقد اختلف أهل العلم فيما إذا كان زكريا وابنه يحيى ﵉ قد قُتلا أو ماتا. (٣) وذكر الطبري أن فساد بني إسرائيل الأول كان بقتل زكريا، وأن فسادهم

стр. 588

الثاني كان بقتل يحيى، وليس في قتلهما نص ثابت. (١) وقد تكرر في القرآن ذكر قتل بني إسرائيل للأنبياء بغير حق، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. واستنباط قتله ﵇ بإشارة الآية تنبيه حسن، إلا أن قتله ﵇ لم يثبت بنص صحيح، فلا يمكن الجزم بصحة دلالة الآية على هذا المعنى، وكل ما في ذلك هو من أخبار بني إسرائيل والله أعلم بصحتها، ولعل معنى الآية يشهد لعدم قتله ﵇ إذ فيه كفالة الله تعالى له بالسلامة والأمان في مولده ومماته ومبعثه. قال الشنقيطي: (قال أبو حيان: «فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢)» ... ثم قال الشنقيطي: وليس بظاهر كل الظهور)، والله تعالى أعلم). (٣)

стр. 589

دخول صاحب الكبيرة الجنة. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم ٦٣]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك الوصف فلا يدخلها؟ أجيب: بأن الآية تدل على أن الجنة يدخلها المتقي وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها، وأيضاً صاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق، وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متقٍ وجب أن يدخل الجنة، فدلالة الآية على أنّ صاحب الكبيرة يدخلها أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ صاحب الكبيرة يدخل الجنة لأن الآية أفادت أن الجنة يدخلها المتقي، وصاحب الكبيرة - عنده - متق عن الكفر فدلَّ على أنه يدخلها. وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والألوسي، وغيرهما. (٢) والصحيح أن لفظ التقوى يراد به: اتقاء عذاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. (٣)

стр. 590

وتأوَّل الأشعرية معنى التقوى هنا أنه يراد به تقوى الشرك (١)، وقالوا: من اتقى الشرك فهو من المتقين وإن عمل الكبائر، وهو مخالف لما عليه أئمة السلف (٢)، فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه. (٣) قال شيخ الإسلام في ردّه على الأشاعرة: «وأما قولكم: المتقون الذين اتقوا الشرك. فهذا خلاف القرآن؛ فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤]. وقالت مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، فهم قد آمنوا واتقوا الشرك، فلم يكن الذي أمرهم به بعد ذلك مجرد ترك الشرك. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]

стр. 591

أفيقول مسلم: إن قطاع الطريق الذين يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، اتقوا الله حق تقاته لكونهم لم يشركوا!، وإن أهل الفواحش وشرب الخمر وظلم الناس اتقوا الله حق تقاته؟ - إلى أن قال ﵀: وبالجملة فكون المتقين هم الأبرار الفاعلون للفرائض، المجتنبون للمحارم، هو من العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفاً عن سلف، والقرآن والأحاديث تقتضي ذلك.» (١) وأصل الضلال في هذه المسألة كما بينه شيخ الإسلام هو: أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فالمرجئة جعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم " المتقين " (٢) والمشهور عن الأشاعرة موافقتهم لسائر المرجئة في مرتكب الكبيرة، وأنه قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، فلم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه، فالمرجئة ليس لهم مخالفة في مرتكب الكبيرة إلا في الاسم، حيث يجعلونه مؤمنا كامل الإيمان، وإلا فهم يقولون بأن الفاسق مستحق للذَّم والعقاب، ومعرض للوعيد، وأن من أهل القبلة من يدخل النار. وأهل السنة والجماعة على أنه ناقص الإيمان، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار. (٣)

стр. 592

وأما في الآخرة فالأشاعرة يوافقون السلف في مرتكب الكبيرة، فيفوضون أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذَّبه بعدله، وإن شاء غفر له، فيدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء أدخله النار، وعذَّبه بقدر جُرمه، ثم أخرجه منها وأدخله الجنة. وذلك إذا مات المذنب من غير توبة (١). وبهذا يظهرعدم صحة دلالة هذه الآية على كون صاحب الكبيرة من المتقين، وأما دخوله الجنة فهو تحت المشيئة - كما تقدم - ولا يجب دخولها بدلالة هذه الآية كما استنبطه الخطيب، لكونه حقيقة ليس من المتقين. قال شيخ الإسلام: «ونصوص الكتاب والسنة، مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يُعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.» (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 593

سورة طه فائدة الاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧ - ١٨]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: السؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة في ذلك؟ أجيب: بأنّ في ذلك فوائد؛ الأولى: توقيفه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حيَّة علِم أنها معجزة عظيمة، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن يضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. الثانية: أن يقرّر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافها. الثالثة: أنه تعالى لما أراه تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه كلام نفسه (١)، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم فتحيَّر موسى ﵇ ودهش، فقيل له: «وما تلك بيمينك يا موسى» وتكلم معه بكلام البشر إزالةً لتلك الدهشة والحيرة). (٢)

стр. 594

الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فوائد الاستفهام من الخبير سبحانه بقوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾، ومعلوم أنه لم يُرد بذلك إعلام الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعلم بذلك منه، ولكنه جاء على وجه التقرير له والتنبيه على أن الذي في يده عصا لتقع المعجزة بها بعد التأمل فيها والتَّثبت منها، فأجاب موسى بذكر منافع العصا إقراراً منه بالنعمة فيها، واعتداداً بمنافعها والتزاماً لما يجب عليه من الشكر له سبحانه. (١) وهي فائدة حسنة، نصَّ عليها جمهور المفسرين كالطبري، والجصاص، والزجاج، والسمرقندي، والسمعاني، والبغوي، وابن العربي، وابن عطية (٢) والرازي، والقرطبي، والنسفي (٣)، وابن جزي، والخازن، وأبو حيان، وأبو السعود، وابن عاشور، وغيرهم. (٤) ولعل من الحكمة في سؤاله أيضاً إزالة الوحشة عنه، لأن موسى كان خائفاً مستوحشاً أخذته هيبة المقام عند سماع الخطاب فسأله لِيَسكُن بعض ما به وتزول

стр. 595

عنه الوحشة، ويطمئن قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الله تعالى كلَّمه من دون واسطة، كما دلَّ عليه قوله بعد ذلك ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٣]. (١) وممن نصَّ على هذه الفائدة من المفسرين: السمرقندي، والقشيري، وابن عطية، والرازي، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) وهذه الفائدة لا تخلو من وجاهة، إلا أن سابقتها أظهر، وذكر بعض المفسرين في الآية فوائد أخرى غيرها (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 596

فائدة قوله تعالى: ﴿فَطَرَنَا﴾. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ على لسان موسى ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقَّوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى عُلوِّ قدره، فقالوا: ﴿وَالَّذِي﴾ أي: ولا نؤثرك بالاتباع على الذي ﴿فَطَرَنَا﴾ أي: ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استخفَّه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم). (١) وجه الاستنباط: حيث جيء بالموصول ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ للإيماء إلى التعليل، لأن الفاطر هو المستحق بالإيثار. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على ثبات السحرة، وتحقيرهم لشأن فرعون عند من استخفه من فحوى قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾، فذِكره تعالى بأنه فاطرهم، للإشعار بعلة الحكم؛ فإن خلقه تعالى لهم وكون

стр. 597

فرعون من جُملة مخلوقاته مما يوجب عدم إيثارهم له عليه (١)، وفيه تكذيب لفرعون في دعواه الربوبية. قال ابن كثير: (﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على البينات (٢)، يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت). (٣) وممن استنبط هذه الإشارة من معنى الآية: أبو حيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٤) قال أبو حيان مؤكداً هذا المعنى: (لمَّا لاحت لهم حجة الله في المعجزة بدؤوا بها، ثم ترقَّوا إلى القادر على خرق العادة وهو الله تعالى، وذكروا وصف الاختراع وهو قولهم ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ تبييناً لعجز فرعون وتكذيبه في ادعاء ربوبيته وإلاهيته، وهو عاجز عن صرف ذبابة فضلاً عن اختراعها). (٥) ولعل تأخير ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عن ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ لأن البينات دليل على أن الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأن فيه

стр. 598

تعريضاً بدعوة فرعون للإيمان بالله (١)، وفي هذه الإشارات اللطيفة تنبيه لفرعون وقومه، والله تعالى أعلم. كثرة أتباع موسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أن موسى ﵇ كثُر مستجيبوه، فأراد الله تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كثرة أتباع موسى ﵇ – وأنه في تلك الحال كثُر مستجيبوه، حيث قال سبحانه ﴿أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ فأمرُه تعالى لموسى أن يُسري بعباده من بني إسرائيل ليلاً من أرض مصر، تمييزاً لهم من قوم فرعون، وإيذاناً بخلاصهم ونجاتهم من فرعون وكيده، كما يفيده صيغة الجمع في قوله (عبادي). وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (٣)

стр. 599

وقد اختلفت الروايات في تحديد عدد بني إسرائيل الذين نجوا مع موسى، وروي عن ابن عباس مرفوعاً قال: كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سِبطاً، وكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم من ولد يعقوب النبي ﷺ . (١) وروي أن موسى ﵇ نهض ببني إسرائيل، وهم ستمائة ألف، فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم، ونهض وراءه. (٢) والذي يظهر والله أعلم أن عددهم كثير كما جاء في السِير، وإن كان جعلُ هذه الآية دلالة على كثرة عددهم بعيد، وغير ظاهر من الآية كل الظهور، والله تعالى أجلَّ وأعلم.

стр. 600

لا شفاعة لغير المؤمن. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: ١٠٩) قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أحداً ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ولو الإيمان المجرد. قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله (١)، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب أن الشافع لا يشفع لغير المؤمن؛ لأن هذه الآية أفادت أن المشفوع له لا بد وأن يكون مرضياً عند الله تعالى، فدلَّت بمفهوم المخالفة على أن من لم يكن مرضياً عنده سبحانه لا شفاعة له. وهذا على القول بأن الاستثناء متصل والمعنى لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن له الرحمن في أن يُشفع له. (٣) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية على هذا المعنى: الواحدي، والبغوي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (٤)
следующие страницы →