فائدة قوله تعالى: ﴿فَطَرَنَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ على لسان موسى ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقَّوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى عُلوِّ قدره، فقالوا: ﴿وَالَّذِي﴾ أي: ولا نؤثرك بالاتباع على الذي ﴿فَطَرَنَا﴾ أي: ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استخفَّه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم). (١)
وجه الاستنباط:
حيث جيء بالموصول ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ للإيماء إلى التعليل، لأن الفاطر هو المستحق بالإيثار. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على ثبات السحرة، وتحقيرهم لشأن فرعون عند من استخفه من فحوى قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾، فذِكره تعالى بأنه فاطرهم، للإشعار بعلة الحكم؛ فإن خلقه تعالى لهم وكون
стр. 597
فرعون من جُملة مخلوقاته مما يوجب عدم إيثارهم له عليه (١)، وفيه تكذيب لفرعون في دعواه الربوبية.
قال ابن كثير: (﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على البينات (٢)، يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت). (٣)
وممن استنبط هذه الإشارة من معنى الآية: أبو حيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٤)
قال أبو حيان مؤكداً هذا المعنى: (لمَّا لاحت لهم حجة الله في المعجزة بدؤوا بها، ثم ترقَّوا إلى القادر على خرق العادة وهو الله تعالى، وذكروا وصف الاختراع وهو قولهم ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ تبييناً لعجز فرعون وتكذيبه في ادعاء ربوبيته وإلاهيته، وهو عاجز عن صرف ذبابة فضلاً عن اختراعها). (٥)
ولعل تأخير ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عن ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ لأن البينات دليل على أن الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأن فيه
стр. 598
تعريضاً بدعوة فرعون للإيمان بالله (١)، وفي هذه الإشارات اللطيفة تنبيه لفرعون وقومه، والله تعالى أعلم.
كثرة أتباع موسى ﵇.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فيه دليل على أن موسى ﵇ كثُر مستجيبوه، فأراد الله تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كثرة أتباع موسى ﵇ – وأنه في تلك الحال كثُر مستجيبوه، حيث قال سبحانه ﴿أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ فأمرُه تعالى لموسى أن يُسري بعباده من بني إسرائيل ليلاً من أرض مصر، تمييزاً لهم من قوم فرعون، وإيذاناً بخلاصهم ونجاتهم من فرعون وكيده، كما يفيده صيغة الجمع في قوله (عبادي).
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (٣)
стр. 599
وقد اختلفت الروايات في تحديد عدد بني إسرائيل الذين نجوا مع موسى، وروي عن ابن عباس مرفوعاً قال: كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سِبطاً، وكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم من ولد يعقوب النبي ﷺ . (١)
وروي أن موسى ﵇ نهض ببني إسرائيل، وهم ستمائة ألف، فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم، ونهض وراءه. (٢)
والذي يظهر والله أعلم أن عددهم كثير كما جاء في السِير، وإن كان جعلُ هذه الآية دلالة على كثرة عددهم بعيد، وغير ظاهر من الآية كل الظهور، والله تعالى أجلَّ وأعلم.
стр. 600
لا شفاعة لغير المؤمن.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: ١٠٩)
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أحداً ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ولو الإيمان المجرد. قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله (١)، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب أن الشافع لا يشفع لغير المؤمن؛ لأن هذه الآية أفادت أن المشفوع له لا بد وأن يكون مرضياً عند الله تعالى، فدلَّت بمفهوم المخالفة على أن من لم يكن مرضياً عنده سبحانه لا شفاعة له.
وهذا على القول بأن الاستثناء متصل والمعنى لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن له الرحمن في أن يُشفع له. (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية على هذا المعنى: الواحدي، والبغوي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (٤)
стр. 601
قال البغوي: (﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ أي ورضي قوله. قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن). (١)
وذكر جماعة من المفسرين أن الاستثناء منقطع، والمعنى لكن من أذن له الرحمن أن يشفع ورضي له قوله في الشفاعة. (٢)
قال الطبري في معناه: (﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ وأدخل في الكلام " له " دليلاً على إضافة القول إلى كناية " من " وذلك كقول القائل الآخر: رضيت لك عملك، ورضيته منك). (٣)
ويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. (٤)
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الإذن في الشفاعة يشمل الشافع والمشفوع له.
قال شيخ الإسلام: " ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ نفى النوعين: شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ يتناول النوعين: من أذن له
стр. 602
الرحمن ورضي له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولا من المشفوع له، وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع فتُقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه، والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعاً ولا مشفوعاً له ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ فهذا الصنف المأذون لهم المرضي قولهم: هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات، فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. (١)
وعليه فالمعنى المستنبط من الآية صحيح، ولن تُنال شفاعة أحد من الخلق، إلا إذا أذِن سبحانه في الشفاعة، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله من الأنبياء والمرسلين، وعباده المقربين، فيمن ارتضى قوله وعمله، وهو المؤمن، فإذا اختل أحد هذه الأمور، فلا سبيل لأحد إلى شفاعة من أحد، والله تعالى أعلم.
стр. 603
سورة الأنبياء
الإشارة إلى كروية الأرض.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَهُمْ﴾ أي: والحال أنهم ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ أي: نشز عال من الأرض ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أي: يُسرعون من النسلان، وهو تقارب الخُطا مع السرعة كمشي الذئب (١)، وفي العبارة إيماء إلى أنّ الأرض كرة). (٢)
وجه الاستنباط:
قوله ﴿حَدَبٍ﴾ يفيد أن الأرض منضمٌ بعضها إلى بعض مدرمحة كالكرة.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية الإشارة إلى أن الأرض كرة، لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ والحدَب هو (٣): المرتفع من الأرض (٤)، والمعنى: أنهم يتفرقون في الأرض، وهم من كل شيء مرتفع من الأرض
стр. 604
يهبطون مسرعين (١)، وفي هذا الحدب إشارة إلى كروية الأرض، أي أنها منضمٌ بعضها إلى بعض مدرمحة كالكرة، ومعلوم أن من الأدلة على كروية الأرض ظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها، واختفاء أسافلها قبل أعاليها، واستدارة الأفق واتساعه تبعًا للارتفاع. (٢)
قال الراغب: (يجوز أن يكون الأصل في الحدب حدب الظهر، وهو خروجه ودخول الصدر والبطن، ثم شُبِّه به ما ارتفع من الأرض فسمي حدباً، ومنه محدب الفلك). (٣)
وقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن " الفلك " هو المستدير (٤)، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال ابن عباس وغيره من السلف: في فلكة مثل فلكة المغزل (٥)، وهذا صريح بالاستدارة
والدوران (٦)، وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا بيان واضح في تكوير بعضها على بعض. (٧)
стр. 605
نصَّ على هذه الإشارة من الآية: البقاعي، وغيره. (١)
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على كروية الأرض، ونقل ابن تيمية عن بعض أهل العلم (٢) قوله: (لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة. وقال: وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة. ثم قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب.) (٣)
والذي يظهر أن استنباط كروية الأرض من إشارة هذه الآية إلى حدب الأرض صحيح، والله تعالى أجلّ وأعلم.
стр. 606
سورة الحج
القرابين إنما تكون من النَّعم دون غيرها من البهائم.
قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قال تعالى ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ فوجب شكره لذلك عليهم، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام) (١). (٢)
وجه الاستنباط:
أنه تعالى قال: ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقيَّدها بالنَّعم؛ لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير لا يجوز ذبحها في القرابين.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام؛ لأن في تبيين البهيمة بإضافتها إلى الأنعام وتقييدها بذلك، تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، وأما البهائم التي ليست من الأنعام كالخيل والبغال والحمير فلا يجوز ذبحها فى القرابين. (٣)
стр. 607
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، والبيضاوي، والخازن، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (١)
قال الخازن: (وقيَّد بالأنعام لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في القرابين وإن جاز أكله). (٢)
وقال الشوكاني: (وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها). (٣)
ومعلوم أن بهيمة غير الأنعام لا يحل ذبحها، ولا التقرب بها (٤)، فحسُن تقييد البهائم بكونها من الأنعام، والله تعالى أعلم.
стр. 608
شهادة غير المسلم لا تقبل.
قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ بدلالة مفهوم المخالفة أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة؛ لأنه تعالى في هذه الآية علّل تسميتهم بالمسلمين في الكتب السابقة، وفي هذا القرآن؛ ليكون الرسول شهيداً عليهم ويكونوا شهداء على الناس، فزكَّاهم تعالى ونصَّ على عدالتهم وخيريتهم، ونوَّه بذكرهم قبل أن يُوجدهم، وأثنى عليهم لِما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء، يشهدون على الأمم يوم القيامة، فمن لم يقم بهذه الشهادة علماً وعملاً ومعرفة، وإقراراً ودعوة، فليس من شهداء الله (٢)، فدلّ على أن غير المسلم لا تقبل له شهادة.
قال الشنقيطي: (أي إنما اجتباكم وفضّلكم، ونوَّه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكَّاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسمّاكم فيها المسلمين، وكذلك سمّاكم في هذا القرآن. وقد عرَّف بذلك أنكم أمة وسط عُدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل بلغتهم
стр. 609
رسالات ربهم، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدا أنه بلَّغكم). (١)
فالإسلام شرط لقبول الشهادة (٢) بدلالة هذه الآية؛ والمسلمون خير الأمم وأعدلها، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل يوم القيامة على أممهم، مشهوداً بعدالتهم عند جميع الأمم، وجميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتهم وفضلهم؛ والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم (٣)، وأما من عداهم من غير المسلمين فلا تقبل شهادته (٤) كما يدل له مفهوم هذه الآية (٥)، وهو استنباط حسن، والله تعالى أعلم.
стр. 610
سورة النور
القذف من الكبائر.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في ذلك دليل على أن القذف من الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن القذف من الكبائر؛ لأنه تعالى وصف القاذف بالفسق، والفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فليس بعدل عند الله ولا عند الناس. فيستفاد من هذه الآية بمجموع هذه الأحكام وأظهرها الفسق، أن القذف من الكبائر؛ لأنه بالقذف يفسق، فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى، أو بقيام البينة عليه. (٢)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والخازن، وأبو حيان، وحقي، والسعدي، وغيرهم. (٣)
قال الرازي: (أما قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فاعلم أنه يدل على
стр. 611
أمرين: الأول: أن القذف من جملة الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة. الثاني: أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فِعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه). (١)
وقال السعدي موافقاً الخطيب في هذه الدلالة: (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأُخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب). (٢)
وهي دلالة صحيحة واستنباطها من الآية ظاهر؛ فقذف المسلم كبيرة من الكبائر، بل موبقة من الموبقات السبع، بدلالة هذه الآية وغيرها، وبما جاء في السنة قال ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها: وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (٣)،
فالقذف من موجبات الحدود، وكل ما يوجب الحدَّ كبيرة، فمن قذف مسلماً حراً بالغاً عاقلاً عفيفاً فقد استحق حد القذف، وصدق عليه وصف الفسق (٤) بدلالة هذه الآية، والله تعالى أعلم.
стр. 612
عدم النسخ في هذه الآية:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].
قال الخطيب الشربيني ﵀: ( .. ﴿وَاللَّهُ﴾ أي: الذي له الإحاطة العامة بكل شيء ﴿عَلِيمٌ﴾ بكل شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنها محكمة لم تنسخ، يدلُّ له ختمُها بقوله ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي بياناً مقروناً بحكمته، ليتأكد ويتقوى ويُعرف به رحمة شارعه وحكمته، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فله العلم المحيط بكل شيء، والحكمة التي وَضَعت كل شيء موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق به، ومنه هذه الأحكام التي بيَّنها (٢)، فختمُها بهذا الوصف يُشعِر أنها محكمة ليست منسوخة؛ والله تعالى أحكم وأعلم بخلقه.
وإنما شرع الاستئذان ولم يكن للقوم يومئذٍ ستور ولا حجاب، فكان الوِلدان والخدم يدخلون على أهليهم، فربما يرون منهم ما لا يحبون فأُمروا بالاستئذان، أمَا
стр. 613
وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور والدور، أغنى ذلك عن الاستئذان، لكن لو عادت الحال لعاد الوجوب، فهو سبحانه بحكمته في جميع أفعاله يشرع لعباده ما فيه صلاح أمر معاشهم ومعادهم.
وممن استنبط هذه الإشارة من الآية: ابن كثير، وغيره. (١)
قال ابن عطية: (أما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحجُب أغنت عن كثير من الاستئذان، وصيَّرته على حد آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم، وقد ذُكر عن ابن عباس أنه قال: كان العمل بهذه الآية واجباً إذ كانوا لا غلق ولا أبواب، ولو عادت الحال لعاد الوجوب. - إلى أن قال-: فهي الآن واجبة في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها). (٢)
وعلى هذا فليس في الآية نسخ (٣)، وإنما محمل هذا القول أن الحُكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيكون الأمر على حاله، ولكن حينما انتفت العلة لم يكن للاستئذان محل. (٤)
قال ابن العربي عن النسخ في هذه الآية: (وهذا ضعيف جداً بما بيَّناه في غير موضع من أن شروط النسخ لم تجتمع فيه، من المعارضة، ومن التقدم والتأخر، فكيف يصح لناظرٍ أن يحكم به؟) (٥)
стр. 614
وروى ابن جرير الطبري عن الشعبي (١) في قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: لم تُنسخ، قلت: إن الناس لا يعملون به، قال: الله المستعان! (٢)
وعلى هذا فالآية في قول أكثر أهل العلم محكمة (٣)، ومما يُستأنس به في الدلالة على ذلك قوله تعالى في ختامها: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 615
دلالة الأمر على الوجوب.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مسألة أصولية، وهي أن الأمر للوجوب; لأنه تعالى توعَّد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم، وحذَّرهم من مخالفة الأمر، فدلَّ على أن ترك الأمر يقتضي أحد العذابين، وذلك يستلزم أن الأمر للوجوب؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه التحذير والوعيد الشديد.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنيسابوري، والبقاعي، والشهاب الخفاجي، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٢)
стр. 616
وهذه الآية استدل بها جمهور الفقهاء والأصوليين (١) على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، ويؤيد هذه الدلالة آيات كثيرة من كتاب الله كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٢].
ووجه دلالتها: أن الله تعالى لما أَمَرَ الملائكة بالسجود لآدم تبادروا إلى فعله، فعُلِم أنهم عقلوا من إطلاقه وجوب امتثال المأمور به، ثم لما امتنع إبليس من السجود وبَّخَهُ وعاقبه وأهبطه من الجنة، فلولا أن ذلك واجب عليه لما استحق العقوبة والتوبيخ بتركه. (٢)
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] فإن قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمَّه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ يدل على أن امتثاله واجب، وكقوله تعالى عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]
فدلَّت هذه الآيات وأمثالها في القرآن على أن صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن، فإنها تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني كالندب
стр. 617
والإباحة والتهديد يكون مجازاً لا يحمل على أي واحد منها إلا بقرينة، (١)، وهو الحق، وعليه الجمهوركما تقدم.
ويشهد له من السنة قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (٢)، ومعلوم أنه ﷺ ندب أمته إلى السواك، والندب غير شاق، فدلَّ على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ فإنه لو أمر لوجب وشقّ.
ويُستدل له بإجماع الصحابة ﵃ على امتثال أوامر الله تعالى، ووجوب طاعته من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره.
ويدل له أيضاً أن أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حسُن عندهم لومه، وحسُن العذر في عقوبته بأنه خالف الأمر، والواجب ما يعاقب على تركه. (٣)
وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط وقوته، والله تعالى أعلم.
стр. 618
سورة الفرقان
طلب الرياسة في الدين من المندوبات.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها). (١)
وجه الاستنباط:
أنه تعالى ذكر هذا الدعاء في معرض الثناء على عباد الرحمن فدلَّ على استحسانه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية أن الرياسة في الدين يحسن أن تُطلب ويُرغب فيها، لأنه تعالى أخبر في ثنايا حديثه عن صفات عباد الرحمن الذين أثنى عليهم أن من دعاءهم قولهم ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي اجعلنا أئمة يقتدي بنا من بعدنا، ويأتمون بنا في الخيرات (٢)، فدلَّ باللازم على أن طلب الرياسة في الدين مندوب إليه.
стр. 619
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية، ونصَّ على أن طلب الرياسة في الدين على الندب: الماوردي، والقرطبي، والخازن، وابن عادل، والألوسي، وغيرهم. (١)
وممن نصَّ على الوجوب: الزمخشري، والرازي، والنسفي، والسيوطي، وحقي (٢)، والقاسمي، وغيرهم. (٣)
والحق أن طلب الرئاسة والإمامة مما يختلف حكمه بحسب نية صاحبه وغايته، فقد يُحمد وقد يُذم، والله يعلم المفسد من المصلح.
فأما المفسد الذي يسألها طلباً لعَرَض من الدنيا فلا ينبغي له (٤)، وأما الناصح لله الذي يُحِبُّ أن يُطاع الله فلا يُعصى، وأن تكون كلمته هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويحب الإمامة في الدين لأجل أن يكون في أعين الخلق جليلاً مهيباً في قلوبهم، مطاعاً كي يأتموا به، فمِثله لا يضُرُّه طلبها بل يُحمد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله، ويطلب ما يكون عوناً له على ذلك مُوصلاً إليه، بدلالة هذه الآية. (٥)
стр. 620
وكان من دعاء إبراهيم الخليل ﵊ قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وعن عروة (١) ﵁ أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يُحمل عنه العلم فاستجيب دعاؤه (٢)، فدلَّ على أنه لا ضير من طلب الإمامة في الدين، بل هو على الندب والاستحسان، كما هي دلالة هذه الآية، والله تعالى أعلم.
стр. 621
سورة الشعراء
تقديم الثناء على الدعاء من المهمات
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀ في ختام تفسير هذه الآيات: (وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات). (١)
وجه الاستنباط:
الاقتداء بالأنبياء ﵈ في أفعالهم.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أهمية تقديم ثناء الله تعالى قبل دعائه؛ حيث قدَّم إبراهيم ﵇ الثناء على الله تعالى، وذكره بالأوصاف الحسنة بين يدي طلبه ومسألته، ثم سأله تعالى فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾، تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة، فدلَّ على أن تقديم الثناء على المسألة من المهمات.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، والنيسابوري، وغيرهم. (٢)
стр. 622
فهذه الآية فيها تعليم العباد كيفية الدعاء وآدابه، بتقديم الثناء على الله تعالى بما هو أهلُه من نعوت الجلال، وصفات العظمة والكمال، والبدء بحمده تعالى وشكره، والاعتراف بين يديه سبحانه بالذل والفقر إليه، تمهيداً لسؤاله، فهو تعالى يُحب من عبده التذلل إليه، والاعتراف بعظيم نعمه وفضله، فإذا قدَّم العبد صِدق التذلل، ثم أتبعه بصِدق الدعاء والمسألة، كان ذلك أدعى لإجابة الدعاء.
وقد سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، لم يُمجِّد الله ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال ﵊: " عجِل هذا ". ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدع بما شاء". (١)
وهكذا كان حال دعائه ﷺ ، فالمتأمل للأدعية الواردة في السُنَّة يجدكثيراً منها مبدوءاً بالثناء على الله، والاعتراف بفضله، وكذلك دعاء يونس ﵇ قال فيه النبي ﷺ : " دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له " (٢).
стр. 623
وبهذا يظهر أن المستحب في الدعاء البدء بالحمد والثناء على الله بين يدي الحاجة، والمسألة، كما هي إشارة الآية الكريمة، والله تعالى أعلم. (١)
стр. 624
سورة النمل
رحمة الأنبياء وأتباعهم ونزاهتهم عن الظلم والإيذاء.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وقولها هذا يدل على عِلمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم؛ لأنهم أتباع نبيّ فهم رحماء). (١)
وجه الاستنباط:
في قول النملة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ تنبيه على رحمة الأنبياء وأتباعهم، كأنها عرفت أن النبي ومن تبعه لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.
الدراسة:
استنبط الخطيب من إشارة الآية في خطاب النملة بقولها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم؛ دلالتها باللازم على رحمة الأنبياء وأتباعهم؛ إذ لو شعروا لم يفعلوا ذلك، فدلَّ على رحمتهم ونزاهتهم عن الظلم والإيذاء.
وكأن فحوى هذا الكلام يشير إلى معنى العصمة للأنبياء من الظلم والإيذاء، وهو ما صرَّح به بعض المفسرين كالرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، وغيرهم. (٢)
стр. 625
قال الرازي: (قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء ﵈.
وقال البيضاوي: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإِيذاء).
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم، وهو مفهوم حكاية معنى الآية من قول: السمرقندي، والسمعاني، وغيرهم). (١)
والعصمة للأنبياء ﵈ ثابتة في التبليغ عن الله تعالى، فهم لا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم، وهم معصومون أيضاً من الوقوع في الكبائر، وأما الصغائر فأكثر العلماء على أنهم ليسوا بمعصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرُّون عليها (٢).
والظاهر أن ربط عصمة الأنبياء بدلالة هذه الآية على هذا المعنى بعيد، وقد جرت عادة الأشاعرة في المبالغة في مسألة العصمة للأنبياء، لكن الخطيب ﵀ هنا لم يُصرِّح بالعصمة وإن كانت دلالة كلامه تؤول إليها، وصرَّح بها غيره، أما
стр. 626
دلالة الآية على رحمة الأنبياء وأتباعهم فهي دلالة صحيحة ظاهرة، والله تعالى أعلم.
стр. 627
سورة القصص
إلقاء أم موسى ﵇ له في اليمِّ كان في الليل.
قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ أي: قلبها الذي زاد احتراقه شوقاً وخوفاً وحزناً، وهذا يدل على أنها ألقته ليلاً). (١)
وجه الاستنباط:
أن قوله تعالى ﴿وَأَصْبَحَ﴾ على حقيقته، أي صبيحة تلك الليلة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن أم موسى ﵇ ألقته ليلاً، يدلّ له لفظ ﴿وَأَصْبَحَ﴾ إذ هو على حقيقته، أي: أنها ألقته بالليل، فأصبح فؤادها فارغاً في النهار.
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الماوردي، والقرطبي، وغيرهما. (٢)
وللمفسرين في قوله تعالى ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. والثاني: أنها ألقته نهاراً، ومعنى أصبح: أي صار.
стр. 628
والذي عليه كثير من المفسرين أن أصبح بمعنى: صار (١)، أي صار فؤادها فارغاً من العقل، وذلك حين بلغها أنه وقع في يد فرعون، فدهمها أمر لا يثبت معه العقل، لا سيما عقل امرأةٍ خافت على ولدها حتى ألقته في اليم، رجاء نجاته من الذبح، هذا مع أن الله قد أوحى إليها أنه يردُّه إليها ويجعله رسولاً، ومع ذلك طاش عقلها وغلب عليها الفزع. (٢)
قال ابن عاشور: " (أصبح) مستعملٌ في معنى (صار) فاقتضى تحولاً من حالة إلى حالة أخرى، أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغاً ". (٣)
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن لفظ " أصبح " هو بمعنى: صار، كما عليه عموم المفسرين، وهو الأغلب في استعماله، وعليه فاستنباط دلالته على أنها ألقته ليلاً ليس بالقوي، خاصة وأنه لم يثبت وقت إلقائها له في اليمّ، وكل ما في ذلك هو من أخبار بني إسرائيل، والله تعالى أعلم بصحتها.
стр. 629
صاحب مدين كان له بنات أُخَر غير المذكورتين في آية القصص.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ (أي: الحاضرتين اللتين سقيت لهما؛ ليتأمّلهما فينظر من يقع اختياره عليه منهما، ليعقد له عليها - إلى أن قال-: وقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنه كان له غيرهما). (١)
وجه الاستنباط:
بدلالة الإشارة إليهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الإشارة بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ الإيماء إلى أن صاحب مدين (٢) كانت له بنات أخر غيرهما (٣)، وكان غرضه أن يتأمّلهما موسى فينظر من
стр. 630
يقع اختياره عليه منهما ليعقد له عليها، فأشار إليهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ لدفع التوهم عن إرادة غيرهما، فدلَّ باللازم على أنه كان له غيرهما.
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والنسفي، والألوسي، وغيرهم. (١)
وخالف بعض المفسرين فضعَّف دلالة الآية على هذا المعنى كأبي حيان قال:
(قال الزمخشري: (﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنه كانت له غيرهما. انتهى. ولا دليل في ذلك، لأنهما كانتا هما اللتين رآهما تذودان وجاءته إحداهما فأشار إليهما، والإشارة إليهما لا تدل على أن له غيرهما). (٢)
وتعقَّبه بعض المفسرين كالألوسي مؤكداً هذه الدلالة فقال: (واعتُرِض بأنه لا دلالة فيه على ما ذُكِر؛ إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ عِلم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما. وتُعقِّب بأنه على هذا تكفي الإضافة العهدية ولا يحتاج إلى الإشارة، فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم بغيرهما معهود عنده أيضاً، وإنما الإشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه الأُخريين المعلومتين له من بينهن). (٣)
والذي يظهر أن الإشارة لهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ لم تُذكر عبثاً، وإنما جاءت لدفع توهم غيرهما من بناته، والله تعالى أعلم.
стр. 631
وقت مسير موسى ﵇ بأهله.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا دليل على أنّ الوقت كان شتاء). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وقت مسير موسى ﵇ بأهله، وأنه كان في الشتاء، بدلالة الإشارة بقوله ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أي تتسخنون بالنار وتستدفئون بها، إذ كانت ليلة باردة، وقد أضلوا الطريق. (٢)
قال الرازي: (في قوله تعالى ﴿بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضلّ، وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد). (٣)
стр. 632
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الطبري، والسمعاني، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وغيرهم. (١)
وكان ﵇ في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد، وقد أخذ امرأته الطلق (٢)، فأبصر عن بُعد ناراً تأجج في جانب الطور، وكأنه رآها والله أعلم دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، فقال: لعلي آتيكم منها بخبر: أي عن الطريق. (٣)
قال ابن كثير مؤيداً هذا الاستنباط: (فدلَّ على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ٩ - ١٠] فدلَّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق.) (٤)
وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وبه قال جمع من المفسرين، كما أن في الآية إشارة أخرى وهي التنبيه على حرص موسى ﵇ على أهله، وعطفه وعنايته بهم، والسعي من أجل سلامتهم، والأنبياء ﵈ خير قدوة في معاملتهم لأهليهم، والله تعالى أعلم.
стр. 633
سورة العنكبوت
مناسبة لفظ (بيمينك) في الآية وفائدته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَمَا﴾ أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما ﴿كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ أصلاً ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك؟
أجيب: بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين، وهي التي يُزاول بها الخط زيادة تصوير لِما نفى عنه من كونه كاتباً، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشّد لإثباتك أنه تولى كتبه، فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل؟ ولذلك قال تعالى: ﴿إِذًا﴾ أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ ﴿لَارْتَابَ﴾ أي: شك ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة أنه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعلّه تعلمه أو التقطه من كتب الأوّلين وكتبه بيده). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة قوله ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في الآية وهي زيادة التصوير لنفي الكتابة عنه ﷺ ، وتأكيد إثبات أُمِّيته؛ حيث أشارت الآية إلى أنه لا يرتاب في أمره عاقل، إذ كيف لمثله أن يأتي بالأخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ولم يقرأ كتاباً ولاخطَّ بيده قلماً؟!
ثم يأتي بما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله، فهذا القرآن المنزل عليه من
стр. 634
أعظم الأدلة على صدقه.
وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (١)
قال البيضاوي مؤيداً هذه الدلالة: (وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الإسناد). (٢)
وقال الألوسي: (وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفى عنه ﷺ من الخط، فهو مثل العين في قولك: (نظرت بعيني) في تحقيق الحقيقة وتأكيدها، حتى لا يبقى للمجاز مجاز). (٣)
وعليه فلفظ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ جاء تقريباً للمعنى في الأذهان، وتأكيداً لنفي الكتابة عنه ﵊ (٤)، وأن ظهور مثل هذا الكتاب عن رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم، أوضح برهان على كونه نازل من عند الله، وهي دلالة ظاهرة تقدم قريب منها، والله تعالى أعلم.
سورة لقمان
معرفة الرجال بالحق الذي معهم.
стр. 635
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَاتَّبِعْ﴾ أي: بالغ في أن تتبع ﴿سَبِيلَ﴾ أي: دين وطريق ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أي: أقبلَ خاضعاً ﴿إِلَيَّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برِّهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له.
ثم قال: تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق، وأمرٌ بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقاً لهما اُتّبع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اُجتنب). (١)
وجه الاستنباط:
أن الآية دلت بمنطوقها على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وفيه إشارة إلى وجود سبل أخرى غير هذا السبيل، على المسلم أن يعرفها، ليحذر منها ومن دعاتها فيجتنبها.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط تربوي مفاده الحث على معرفة الرجال بالحق وسبر أحوالهم، فمن كان عمله موافقاً للكتاب والسُنة اُتبِع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اُجتنب؛ حيث قال تعالى ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ فدلَّ على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وهم المؤمنون بالله، وملائكته