← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقت مسير موسى ﵇ بأهله. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا دليل على أنّ الوقت كان شتاء). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وقت مسير موسى ﵇ بأهله، وأنه كان في الشتاء، بدلالة الإشارة بقوله ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أي تتسخنون بالنار وتستدفئون بها، إذ كانت ليلة باردة، وقد أضلوا الطريق. (٢) قال الرازي: (في قوله تعالى ﴿بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضلّ، وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد). (٣)

стр. 632

وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الطبري، والسمعاني، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وغيرهم. (١) وكان ﵇ في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد، وقد أخذ امرأته الطلق (٢)، فأبصر عن بُعد ناراً تأجج في جانب الطور، وكأنه رآها والله أعلم دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، فقال: لعلي آتيكم منها بخبر: أي عن الطريق. (٣) قال ابن كثير مؤيداً هذا الاستنباط: (فدلَّ على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ٩ - ١٠] فدلَّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق.) (٤) وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وبه قال جمع من المفسرين، كما أن في الآية إشارة أخرى وهي التنبيه على حرص موسى ﵇ على أهله، وعطفه وعنايته بهم، والسعي من أجل سلامتهم، والأنبياء ﵈ خير قدوة في معاملتهم لأهليهم، والله تعالى أعلم.

стр. 633

سورة العنكبوت مناسبة لفظ (بيمينك) في الآية وفائدته. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَمَا﴾ أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما ﴿كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ أصلاً ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك؟ أجيب: بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين، وهي التي يُزاول بها الخط زيادة تصوير لِما نفى عنه من كونه كاتباً، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشّد لإثباتك أنه تولى كتبه، فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل؟ ولذلك قال تعالى: ﴿إِذًا﴾ أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ ﴿لَارْتَابَ﴾ أي: شك ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة أنه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعلّه تعلمه أو التقطه من كتب الأوّلين وكتبه بيده). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة قوله ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في الآية وهي زيادة التصوير لنفي الكتابة عنه ﷺ ، وتأكيد إثبات أُمِّيته؛ حيث أشارت الآية إلى أنه لا يرتاب في أمره عاقل، إذ كيف لمثله أن يأتي بالأخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ولم يقرأ كتاباً ولاخطَّ بيده قلماً؟! ثم يأتي بما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله، فهذا القرآن المنزل عليه من

стр. 634

أعظم الأدلة على صدقه. وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (١) قال البيضاوي مؤيداً هذه الدلالة: (وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الإسناد). (٢) وقال الألوسي: (وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفى عنه ﷺ من الخط، فهو مثل العين في قولك: (نظرت بعيني) في تحقيق الحقيقة وتأكيدها، حتى لا يبقى للمجاز مجاز). (٣) وعليه فلفظ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ جاء تقريباً للمعنى في الأذهان، وتأكيداً لنفي الكتابة عنه ﵊ (٤)، وأن ظهور مثل هذا الكتاب عن رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم، أوضح برهان على كونه نازل من عند الله، وهي دلالة ظاهرة تقدم قريب منها، والله تعالى أعلم. سورة لقمان معرفة الرجال بالحق الذي معهم.

стр. 635

قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَاتَّبِعْ﴾ أي: بالغ في أن تتبع ﴿سَبِيلَ﴾ أي: دين وطريق ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أي: أقبلَ خاضعاً ﴿إِلَيَّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برِّهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له. ثم قال: تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق، وأمرٌ بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقاً لهما اُتّبع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اُجتنب). (١) وجه الاستنباط: أن الآية دلت بمنطوقها على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وفيه إشارة إلى وجود سبل أخرى غير هذا السبيل، على المسلم أن يعرفها، ليحذر منها ومن دعاتها فيجتنبها. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط تربوي مفاده الحث على معرفة الرجال بالحق وسبر أحوالهم، فمن كان عمله موافقاً للكتاب والسُنة اُتبِع، ومن كان عمله مخالفاً لهما اُجتنب؛ حيث قال تعالى ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ فدلَّ على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وهم المؤمنون بالله، وملائكته

стр. 636

وكتبه ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه. (١) وعليه ففي الآية إشارة إلى وجود سبل أخرى غير هذا السبيل، وتنبيه للمسلم أن يعرفها ليحذرها فيجتنبها، ويحذر دعاتها، ويُمحص أهل الحق من الباطل من غير التفاتٍ إلى كثرة المقبلين، أو قلة المعرضين، فالحق كما هو معلوم لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق الذي معهم، وكلٌ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا الرسول ﷺ لأنه معصوم، أما غيره فيعتريه من نقص العلم والفهم ما يستوجب عرض قوله على الشرع فما وافق الكتاب والسنة قُبِل وإلا رُد. (٢) وقد وعدالله أهل المجاهدة بالهداية والإعانة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وهذه إشارة لطيفة (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 637

فائدة العطف بين صيغتي المضارع، والماضي في هذه الآية: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [لقمان: ٢٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: قال تعالى ﴿يُولِجُ﴾ بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر ﴿وَسَخَّرَ﴾ بصيغة الماضي؛ لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد كل يوم، وتسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].) (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة بلاغية من سياق الآية، وهي مناسبة العطف بين لفظ «يولج» بصيغة المضارع، و «سخر» بصيغة الماضي، للدلالة على التجدد والحدوث والاستمرار، وذلك أن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد ويتعاقب كل يوم، أما تسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ، وهذه فائدة بلاغية في بيان معاني صيغ الأفعال. وممن استنبط هذه الفائدة من موضع هذه الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (٢)

стр. 638

وهذه الدلالة مما قرّره أهل اللغة والبلاغة أن مجيء المضارع للدلالة على الحال والاستقبال، يفيد التجدد والحدوث، وأن هذا الحدث مستمر الوجود، ولم يمض. (١) وقد جاء هذا الأسلوب عطف الماضي على المستقبل كثيراً في القرآن، ولا يكون ذلك إلا لمنحى بلاغي، إذ لا يقع ما ليس بليغاً في كلام الله ، وقد أشار كثير من المفسرين وأهل اللغة إلى آيات كثيرة من هذا النمط، وبينوا وجوه البلاغة والبيان فيها. ومن أمثلة هذا التحول في السياق القرآني للدلالة على التجدد والاستمرار للحدث قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، وقد ينعكس فيعطف المضارع على الماضي أيضاً لبيان ذات الغرض وهو الحدوث والاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. (٢) وهذه دلالة صحيحة يشهد لها تكرار هذا التحول في السياق القرآني كثيراً في القرآن، لهذا الغرض وأغراض أخرى نبَّه عليها أهل اللغة (٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 639

سورة الأحزاب تنزيه النبي ﷺ ، وأنه لم يُبدِ غير ما أعلمه الله تعالى أن زينب ستكون زوجته بعد طلاق زيد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: زينب ﵂ ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ﴿وَتُخْفِي﴾ أي: والحال أنك تخفي أي: تقول قولاً مخفياً ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد (١) ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها وإن أمَرتَه بإمساكها، وتزويجك بها وأمرُك بالدخول عليها، وهذا دليلٌ على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يُبدِّلُ قوله، وقول ابن عباس ﵁ كان في قلبه حبها بعيد،

стр. 640

وكذا قول قتادة: ودَّ لو أنه لو طلَّقها زيد، وكذا قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها (١)). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أنه ﷺ ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أن زينب ستصير زوجته بعد طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، فأخبره أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها، فلما جاءه زيدٌ يريد طلاقها قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء ﵈ وظاهر السياق (٣)؛ فالله تعالى أعلمه أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر سبحانه غير تزويجها منه فقال تعالى «زوجناكها» فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها - كما قاله بعض المفسرين - لكان تعالى أظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه ولا يظهره، فدلَّ على أنه إنما

стр. 641

عُوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته، وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر زيداً أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي. (١) قال ابن العربي: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ يعني من نكاحك لها، وهو الذي أبداه لا سواه. وقد علم النبي ﷺ أن الله تعالى إذ أوحى إليه أنها زوجته لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عنه أنه كائن، لا بد أن يكون لوجوب صدقه في خبره، وهذا يدلك على براءته من كل ما ذكره متسور من المفسرين، مقصور على علوم الدين). (٢) وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: السمعاني، وابن العربي، والقرطبي، والخازن، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٣) وهي دلالة صحيحة قوية الظهور، أما قولهم: إن النبي ﷺ رآها فوقعت في قلبه فضعيف، ولا يليق بحق النبي ﷺ وفضله، فكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولم يكن حينئذ حجاب، وهو ﷺ زوَّجها لزيد، فكيف تنشأ معه ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن! فلا يُشك في تنزيه النبي ﷺ عن أن يأمر زيداً بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها (٤)

стр. 642

ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ إذ دلَّ على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر، ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج. (١) قال الشنقيطي: (والدليل على هذا أمران: الأول: أن الله جل وعلا قال: وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ولم يُبد جل وعلا شيئاً مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى. الأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرّح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوَّجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه

стр. 643

إياها ليس هو محبته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد لها كما زعموا (١)، والعلم عند الله تعالى). (٢) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله من أنها ستصير زوجته بعد طلاق زيد، وهو الأظهر والأليق بمقام النبي ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 644

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (تخصيص المؤمنات والحكم عام، للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي، حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فنكح لا يقع الطلاق). (١) هذه الآية فيها دلالتان، الدلالة الأولى: التنبيه على أن المؤمن لا ينكح إلا مؤمنة. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية التنبيه على أنه ينبغي للمؤمن أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، لأن قوله تعالى: ﴿نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيه تخصيص المؤمنات بالذكر مع عموم الحكم للكتابيات، فهي إشارة إلى أفضليتهن على غيرهن، وأن على المؤمن أن يتخيّر لنطفته، وينكح المؤمنة الطاهرة، فإنها أشد تحصيناً لدينه، ولأن إيمانها يدفعها إلى المحافظة على عفتها، ويمنعها من الوقوع في الفاحشة، فتصون عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته، ويشهد له قوله تعالى:

стр. 645

﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وهذا لبيان الأحرى والأولى. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصَّ المؤمنات والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت: في اختصاصهن تنبيهٌ على أن أصل أمر المؤمن، والأولى به: أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ويتنزه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف واحد عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب (١). وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات). (٢) وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية غير الزمخشري: الرازي، وأبوحيان، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (٣) وعليه ففائدة التخصيص هنا تنبيه المؤمن للأولى والأفضل وهي إشارة حسنة؛ إذ أن الولد فيه عرق ينزع إلى أمه فهو تابع لها في الأخلاق والطباع، فكان

стр. 646

على المسلم أن يتخير لنطفته، ولا يضعها إلا في أصل طاهر، ويتجنب منبت السوء، والله تعالى أعلم. (١) الدلالة الثانية: تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ – بدلالة اللازم من الآية أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح فدلَّ على أنه لا يتقدمه، وذكره بكلمة «ثم» وهي للتراخي، والمعية تنافي التراخي، وعليه فالتطليق حينئذٍ لا يكون إلا بعد النكاح. قال البغوي: (فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق). (٢)

стр. 647

وممن استنبط هذه الدلالة من الآية غيرالبغوي: السمعاني، وابن عطية، والرازي، والخازن، وحقي، وغيرهم. (١) قال السمعاني: (في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتَّب الطلاق على النكاح، فدلَّ على أنه لا يتقدمه). (٢) وهذا ما عليه الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقاً؛ لأنه تطليق عند وجود الشرط، وقال مالك: إن عيَّن امرأة بعينها أو من قبيلة أو من بلد فتزوجها وقع الطلاق، وإن عمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها من الناس كلهم لم يلزمه شئ. (٣) والراجح أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح (٤)؛ لأنه حل قيد النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، وكما قيل: إنما النكاح عقدة، والطلاق يحلُّها، فكيف تُحل عقدة لم تُعقد؟. وتؤيده الآية الكريمة، وما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 648

إباحة نظر الرجل إلى من يريد نكاحها. قال الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة). (١) وجه الاستنباط: قوله ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ يدل على حصول النظر الذي يستوجب الإعجاب. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على جواز نظر الرجل إلى من يريد نكاحها، لأنه تعالى قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، ولا يعجب بحسنهن حتى يراهن؛ فدلَّ على جواز النظر للمخطوبة، كما دلَّت عليه السنة فيما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل». (٢) وما روي عن أبي هريرة أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ : «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً». (٣)

стр. 649

وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، وابن جزي، والخازن، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (١) قال ابن عطية: (وفي هذه اللفظة ﴿أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها). (٢) وهي دلالة ظاهرة قوية، كما أن الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الندب والإرشاد إلى المصلحة وليس للوجوب، فإنه إذا نظر إليها فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها ويكون سبباً في دوام الود بينهما. (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 650

وجوب الصلاة على النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي ﷺ لأن الأمر للوجوب (١)، قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعيَّن وجوبها فيها (٢)، والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها، فتجب في التشهد آخر الصلاة، أي: بعده، وهو مذهب الشافعي (٣)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٤)، فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها (٥) محجوج بإجماع من قبله،

стр. 651

ولحديث: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... إلى آخره» (١)، وقيل: تجب كلما ذُكِر (٢)). (٣) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وجوب الصلاة على النبي ﷺ بدلالة الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وبهذه الآية استدل الشافعي على أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الصلاة - كما تقدم في استنباط الخطيب - لأن الأمر للوجوب فتجب الصلاة على النبي ﷺ ولا تجب في غير التشهد، فثبت أنه في الصلاة. (٤)

стр. 652

وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والسمعاني، والرازي، والبيضاوي، والمظهري، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (١) قال السمعاني: (ويُستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي إذا صلَّى، على ما هو مذهب الشافعي، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي، وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة، فوجب في الصلاة أن يصلي على رسول الله). (٢) وعلى هذا فالآية دالة على وجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الجملة، وقد اتفق العلماء على وجوبها، ثم اختلفوا في حال الوجوب، فقيل: تجب في العمر مرة، وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير (٣)، وقيل: تجب الصلاة كلما جرى ذِكره، فالصلاة عليه في كل حين من الواجبات، وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها (٤)، ولا يُغفلها إلا من لا خير فيه. (٥) قال ابن عاشور مؤيداً دلالة هذه الآية على الوجوب: (وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق يقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي ﷺ ، إلا أنه كان مجملاً في العدد فمحمله محمل الأمر المجمل أن يفيد المرة، لأنها ضرورية لإيقاع الفعل

стр. 653

ولمقتضى الأمر) (١) والذي يظهر قوة ماذهب إليه الشافعي وأحمد في الرواية الأخيرة عنه (٢) بدلالة هذه الآية وهو وجوب الصلاة عليه ﷺ ، في كل صلاة في التشهد الأخير، لظهوره وقوته، ولأن الأمر للوجوب كما تقدم، والله تعالى أجل وأعلم.

стр. 654

سورة سبأ فضل داود ﵇. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿مِنَّا﴾ فيه إشارة إلى بيان فضل داود ﵇؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ مستقل بالمفهوم وتام، كما يقول القائل: آتى الملك زيداً خلعة، فإذا قال: آتاه منه خلعه، يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من سياق الآية دلالتها باللازم على فضل داود ﵇ بدلالة تقديم لفظ ﴿مِنَّا﴾ على المفعول في قوله تعالى ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾. والفضل الزيادة، والتنوين للنوع أي: نوعاً من الفضل على سائر الأنبياء مطلقاً (٢)، سواء كانوا أنبياء بني إسرائيل أو غيرهم، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. والفاضل من وجه لا ينافي كونه مفضولاً من وجه آخر، وهذا الفضل هو ما ذكر بعد ذلك من تأويب الجبال معه، وتسخير الطير، وإلانة الحديد، فإنها معجزة خاصة به، وهذا من النعمة عليه، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، فدلّ على مزيد فضل له على غيره.

стр. 655

وهذا لا يقتضي انحصار فضله في هذه النعم فحسب فإنه تعالى أعطاه الزبور، كما قال تعالى في مقام الامتنان والتفضل ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وذكر هنا فضله على صفة النكرة وهي تدل على نوعٍ من الفضل وشيءٍ منه كما دل عليه لفظ «منا». (١) قال أبو السعود مؤكداً هذه الدلالة: (﴿فَضْلًا﴾ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أي: نوعاً من الفضل، وهو ما ذُكر بعد، فإنه معجزة خاصة به ﷺ ، أو على سائر الناس، فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن؛ فتنكيره للتفخيم، و ﴿مِنَّا﴾ لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية، وتقديمه على المفعول الصريح؛ للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر؛ فإن ما حقه التقديم إذا أُخر تبقى النفس مترقبة له، فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن). (٢) وقد نصَّ على هذه الدلالة من سياق الآية غير أبي السعود: الرازي، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٣) وعلى هذا ففي الآية إشارة إلى مزيد فضلٍ لداود ﵇، ويشهد له آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، إلى غير ذلك من الآيات (٤) والله تعالى أجلُّ وعلم.

стр. 656

أولوية العمل والسعي للآخرة على غيره من أعمال الدنيا. قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال عقب ما تعمله الجن له ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكراً). (١) وجه الاستنباط: تكرار الأمر بالعمل الصالح عقب أعمال الدنيا. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على ضرورة العمل والسعي للآخرة، وأن لا يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في أعمال الدنيا ولو كانت مباحة بدلالة قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ عقب ما تعمله الجن له من محاريب وتماثيل وجفان. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين). (٢)

стр. 657

وقيل: مفعول اعملوا محذوف، أي اعملوا الطاعات، وواظبوا عليها شكراً لربكم على ما أنعم به عليكم (١)، فالواجب الذي ينبغي أن يُكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكراً، وعليه ففي الآية إشارة إلى عدم المبالغة في الالتفات إلى هذه الأمور، وقلة الاشتغال بها كما في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]، أي اجعله بقدر الحاجة. (٢) قال أبو حيان: قال سبحانه عقب ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وعقب ما يعمله الجن: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، إشارة إلى أن الإنسان لا يستغرق في الدنيا ولا يلتفت إلى زخارفها، وأنه يجب أن يعمل صالحاً. (٣) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الرازي، وأبو حيان وغيرهما. (٤) فدلَّ تكرار الأمر بالعمل الصالح عقب العمل الدنيوي على ضرورته، وأنه الأصل الذي بنبغي أن يُسعى إليه ويُجتهد في تحصيله؛ لأنه هو المنجاة والطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وهذه إشارة حسنة، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 658

سورة فاطر العالم أعلى درجة من العابد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عباس ﵁: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني (١)، فالخشية بقدرة معرفة المخشي، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] بيَّن تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل، فمن ازداد منه علماً ازداد منه خشية وخوفاً، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته أقل). (٢) الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة الجمع بين الآيات أفضلية العالم على العابد؛ لأنه تعالى أخبر أن العلماء أخشى عباد الله له، فالخشية بقدر معرفة الله سبحانه، والعالم يعرف الله حق المعرفة فيخافه ويخشاه حق الخشية، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فأثبت الخشية للعلماء، وحصرَ الخشية فيهم بأسلوب الحصر ﴿إِنَّمَا﴾، وهذا يفيد أن كل من خشي الله فهو عالم، وكلما كانت المعرفة به أتمّ والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر، وأوجبت له خشية الله الكف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله،

стр. 659

وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، حيث بيَّن تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم، فثبت أن الكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل. (١) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص (٢)، والرازي، وغيرهما. (٣) ويدل له ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «فضل العالم على العابد كف ٠ ضلي على أدناكم» (٤). وقوله ﵊ «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (٥) ويؤيد دلالة هذه الآية أيضاً أن عمل العابد قاصر على نفسه، والعالم عمله متعدٍ نفعه إلى الغير، كما أن العابد إذا مات انقطع عمله، والعالم المنتفع بعلمه لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نُسِب إليه، فأين أحدهما من الآخر؟. (٦)

стр. 660

وهذه الدلالة صحيحة، جاء التأكيد عليها في مواضع أخرى كثيرة، والله تعالى أجلُّ وأعلم.

стр. 661

سورة يس فوائد مستنبطة من قصة مؤمن آل ياسين. قال الله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (ولما أفضى به إلى الجنة ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: الذين أعطاهم الدرجات العُلا، فنصح لقومه حياً وميتاً بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله. ثم قال: تنبيه: في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، والحلم عن أهل الجهل، وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه، وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسناً). (١) وجه الاستنباط: الاقتداء بأفعال الصالحين، والاعتبار بحال من سبق. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآيات في قصة مؤمن آل ياسين (٢) دلالتها باللازم على عددٍ من الفوائد منها:

стр. 662

أولاً: الحث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، كما فعل هذا المؤمن؛ حيث بادر إلى الاستجابة للحق، لمَّا استشعر حقيقة الإيمان، فسعى لأجل الحق الذي معه، وجاء من أجل أن يأمر الناس باتباع المرسلين، مع أنهم كانوا في غاية العناد والإعراض، وكانوا يهددون الرسل ويقولون: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨]، ورغم هذا التهديد، فإن هذا المؤمن جهر بالحق ودعاهم إلى الإيمان بدعوة الرسل. كما أن فيها دروساً في كظم الغيظ وعدم الانتصار للنفس والحلم عن أهل الجهل؛ فإن هذا المؤمن لم يلهه دخوله الجنة عن حال قومه، ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ فتمنى أن يعلموا ماذا لقي من ربه؛ ليعلموا فضيلة الإيمان فيؤمنوا، إشفاقاً عليهم، ليعملوا مثلما عمِل، ليجدوا مثلما وجد، وما تمنى هلاكهم، ولا الشماتة بهم، فكان مُتسماً بكظم الغيظ، وبحلمه على جهالتهم؛ ونصحه لقومه حياً وميتاً. فحقَّق الله مُناه، وأخبر عن حاله، وأنزل به خطابه، وعرَّف قومه ذلك. (١) وممن استنبط هذه الفائدة: الزمخشري، وابن عطية، والبيضاوي، والقرطبي، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) قال القرطبي: (في هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به

стр. 663

والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟). (١) ومن فوائد الآيات أيضاً: أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسناً، كما أخبر تعالى عنه أنه قال: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ فنسب الفضل لله وحده، وما امتنّ به عليه من دخول الجنَّة ومغفرة ذنبه، مع أنه بذل ما بذل وسعى وأحسن في النصيحة لقومه، فدلَّ على أنه لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته سبحانه. ومن فوائدها: الثبات في الدعوة إلى الهدى والحق، مهما وقف ضدها الطغاة والمفسدون، حتى ولو عُذب المرء وأُهين، بل حتى لو قُتل، كما هو حال مؤمن آل ياسين، وذلك سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن نهج نهجهم من الدعاة الصادقين إلى يوم الدين، (٢) وفي سياق القصة غيرها من التنبيهات والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم.

стр. 664

نفي الجوع عن أهل الجنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٧]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿لَهُمْ﴾ أي: خاصة بهم ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: لا تنقطع أبداً، ولا مانع لهم من تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة، إشارة إلى أن لا جوع هناك؛ لأن التفكه لا يكون لدفع الجوع). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة اللازم: الإيماء إلى نفي الجوع عن أهل الجنة؛ لأنه تعالى قال ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، وإنما اختار من أنواع الأكل الفاكهة في هذا الموضع؛ لأنها أدلّ على التنعم والتلذذ وعدم الجوع (٢)، فالفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع، وإنما خُصَّت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا، دلَّ عليه ذكر الاتكاء هنا؛ لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه. (٣) وممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الرازي، وابن عادل، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٤) قال الألوسي: (فيه إشارة إلى أنه لا جوع هناك، وليس الأكل لدفع ألم الجوع، وإنما

стр. 665

مأكولهم فاكهة ولو كان لحماً). (١) ومعلوم أن الجنة لا جوع فيها ولا ظمأ، كما أخبر سبحانه في وعده لآدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وعليه فإشارة قوله تعالى ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ إلى هذا المعنى محتملة غير بعيدة، ويؤيدها تكرار الاقتصار على الفاكهة في غير موضع من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥٠ - ٥١] أي: وهم متكئون على الأرائك يطلبون أنواع الفواكة وألوان الشراب كعادة الملوك في الدنيا، فالاقتصار على دعاء الفاكهة للإيماء بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي (٢)، والله تعالى أعلم. سورة الصافات الحميم في موضع خارج عن الجحيم. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٦ - ٦٨]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أي: مصيرهم ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال مقاتل (٣): أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم. (٤) وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك بأن يكون الحميم في

стр. 666

موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾) [الرحمن: ٤٤]. (١) وجه الاستنباط: أن الرجوع دليل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان غير مكانهما. (٢) كما دلت ﴿ثُمَّ﴾ على التراخي. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أن الحميم في موضع خارج عن الجحيم فأهلها – عياذاً بالله من حالهم - يردون الحميم للشرب كما ترد الإبل الماء، ثم يُردون إلى الجحيم، بدلالة معنى الرجوع في قوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وذلك يدل أنهم في تطعّمهم الزقوم بمعزل عنها (٣)، والمعنى أنهم يترددون بين جهنم والحميم، فمرة إلى هذا، ومرة إلى هذا، واستدَّل له بقول قتادة في معنى الآية، كما استدَّل بقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الواحدي، والبغوي، ومحمود النيسابوري، وابن الجوزي، والرازي، وأبوحيان، وابن كثير، وابن رجب (٤)، والشوكاني، وغيرهم. (٥)

стр. 667

قال البغوي: (يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وقرأ ابن مسعود: «ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم» (١)). (٢) وقيل المعنى ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي إلى دركات الجحيم، فإن الزقوم والحميم نُزُلٌ يقدم إليهم قبل دخولهم (٣) - عياذاً بالله من حالهم - وهذا يحتاج إلى توقيف، وإلا فهو خلاف الظاهر. (٤) والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الحميم خارج عن الجحيم كما نصَّ عليه كثير من المفسرين، ويؤيده قراءة ابن مسعود كما تقدَّم: «ثم إن منقلبهم» إذ الانقلاب أظهر في الرد والرجوع، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ويشهد لصحته كذلك قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢]. واختار هذا المعنى ابن كثير مؤيداً هذه الدلالة قال: (أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في

стр. 668

هذا، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي). (١)، ونقله جمع من أهل التفسير (٢) قال ابن رجب في تفسير الآية: (أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم عليه. ويدل هذا على أن الحميم خارج من الجحيم). (٣) وعليه فالذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.

стр. 669

فعل العبد مخلوق لله . قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية (١) وهو أن فعل العبد مخلوق لله وهو الحق، وذلك لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر (٢)، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم، وخلق عملكم.) (٣) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة مذهب الأشعرية موافقاً لأهل السنة أن فعل العبد مخلوق لله ، وعلَّله باتفاق النحويين على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فالمعنى: والله خلقكم وخلق عملكم (٤)، وهو ما عليه كثيرمن المفسرين.

стр. 670

وممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا المعنى: السمعاني، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والمظهري، والسيوطي، وغيرهم. (١) قال القرطبي: (الأحسن أن تكون" ما" مع الفعل مصدراً، والتقدير (والله خلقكم وعملكم) وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد (٢)، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية). (٣) وقال ابن كثير: (يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى "الذي" تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر). (٤) وقد انتصر مكي بن أبي طالب لإعرابها مصدرية (٥) وأطال في إثبات ذلك، وعلى هذا القول أن ﴿مَا﴾ مصدرية فيه رد على المعتزلة، القائلين إن العبد هو الخالق لفعل نفسه، كما أثبته الزمخشري في كشافه ونافح عن كونها مصدرية (٦).
следующие страницы →