موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾) [الرحمن: ٤٤]. (١)
وجه الاستنباط:
أن الرجوع دليل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان غير مكانهما. (٢) كما دلت ﴿ثُمَّ﴾ على التراخي.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أن الحميم في موضع خارج عن الجحيم فأهلها – عياذاً بالله من حالهم - يردون الحميم للشرب كما ترد الإبل الماء، ثم يُردون إلى الجحيم، بدلالة معنى الرجوع في قوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وذلك يدل أنهم في تطعّمهم الزقوم بمعزل عنها (٣)، والمعنى أنهم يترددون بين جهنم والحميم، فمرة إلى هذا، ومرة إلى هذا، واستدَّل له بقول قتادة في معنى الآية، كما استدَّل بقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الواحدي، والبغوي، ومحمود النيسابوري، وابن الجوزي، والرازي، وأبوحيان، وابن كثير، وابن رجب (٤)، والشوكاني، وغيرهم. (٥)
стр. 667
قال البغوي: (يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وقرأ ابن مسعود: «ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم» (١)). (٢)
وقيل المعنى ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي إلى دركات الجحيم، فإن الزقوم والحميم نُزُلٌ يقدم إليهم قبل دخولهم (٣) - عياذاً بالله من حالهم - وهذا يحتاج إلى توقيف، وإلا فهو خلاف الظاهر. (٤)
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الحميم خارج عن الجحيم كما نصَّ عليه كثير من المفسرين، ويؤيده قراءة ابن مسعود كما تقدَّم: «ثم إن منقلبهم» إذ الانقلاب أظهر في الرد والرجوع، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ويشهد لصحته كذلك قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢].
واختار هذا المعنى ابن كثير مؤيداً هذه الدلالة قال: (أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في
стр. 668
هذا، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي). (١)، ونقله جمع من أهل التفسير (٢)
قال ابن رجب في تفسير الآية: (أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم عليه. ويدل هذا على أن الحميم خارج من الجحيم). (٣)
وعليه فالذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
стр. 669
فعل العبد مخلوق لله .
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية (١) وهو أن فعل العبد مخلوق لله وهو الحق، وذلك لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر (٢)، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم، وخلق عملكم.) (٣)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة مذهب الأشعرية موافقاً لأهل السنة أن فعل العبد مخلوق لله ، وعلَّله باتفاق النحويين على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فالمعنى: والله خلقكم وخلق عملكم (٤)، وهو ما عليه كثيرمن المفسرين.
стр. 670
وممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا المعنى: السمعاني، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والمظهري، والسيوطي، وغيرهم. (١)
قال القرطبي: (الأحسن أن تكون" ما" مع الفعل مصدراً، والتقدير (والله خلقكم وعملكم) وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد (٢)، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية). (٣)
وقال ابن كثير: (يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى "الذي" تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر). (٤)
وقد انتصر مكي بن أبي طالب لإعرابها مصدرية (٥) وأطال في إثبات ذلك، وعلى هذا القول أن ﴿مَا﴾ مصدرية فيه رد على المعتزلة، القائلين إن العبد هو الخالق لفعل نفسه، كما أثبته الزمخشري في كشافه ونافح عن كونها مصدرية (٦).
стр. 671
وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿مَا﴾ هنا: موصولة بمعنى (الذي) والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، منهم: ابن جزي، وأبو حيان (١)، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢)
وكونها (موصولة) هو الأظهر والله تعالى أعلم، بدلالة ظاهر السياق؛ فإن الكلام في تقرير الحجة على عبدة الأصنام،؛ إذ هو في مقام المحاجة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله، وأيضاً ليتوجه التوبيخ لهم، ولئلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. (٣)
واختار ابن جزي كونها موصولة قال: (وقيل: إنها موصولة بمعنى الذي، والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل: إنها نافية، وقيل: إنها استفهامية، وكلاهما باطل). (٤)
وقال ابن أبي العز: (لا نقول: أن ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: خلقكم وعملكم؛ إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتاً إلا
стр. 672
بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقاً لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقاً لله تعالى، لم يكن المنحوت مخلوقاً له، بل الخشب أو الحجر لا غير). (١)
وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم - رحمها الله - (٢).
وقال الرازي: (احتج جمهور الأصحاب بقوله: والله خلقكم وما تعملون على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، .. ثم قال بعد ذكره الأوجه في مجيء ﴿مَا﴾ أيضاً بمعنى المفعول: (فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ﴿مَا﴾ مع بعدها كما تجيء بمعنى المصدر، فقد تجيء أيضا بمعنى المفعول فكان حمله هاهنا على المفعول أولى؛ لأن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم، لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال، واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية والله أعلم.) (٣)
وبنحو قوله - في تضعيف دلالة هذه الآية على أن ﴿مَا﴾ بمعنى المصدر تحقيقاً لقول أهل السنة والأشاعرة - قال ابن عادل الحنبلي (٤)، والنيسابوري (٥)، وغيرهما.
стр. 673
مع أنه لا حجة فيها للمعتزلة في حال إعرابها موصولة، وقد تقدّم الكلام عن خلق الله تعالى أفعال العباد والرد على المعتزلة، والقدرية، والجبرية في هذا الباب (١)، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، لكن استدلاله عليه بأن ﴿مَا﴾ مصدرية ضعيف، والله تعالى أعلم.
стр. 674
الذبيح غير إسحاق ﵇.
قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٧ - ١١٢]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ فيه دليل على أن الذبيح غيره). (١)
وجه الاستنباط:
أن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبياً.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كون الذبيح غير إسحاق ﵇ لأنه تعالى ذكر البشارة الأولى بقوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدلَّ أنه كان غير إسحاق، لأن البشارة بإسحق بعد، معطوفة على البشارة بهذا الغلام.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبوحيان، وابن القيم، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، والشنقيطي وغيرهم. (٢)
стр. 675
وقد اُختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل، والذي يظهر ورجَّحه كثير من المفسرين (١) أنه إسماعيل (٢) بدلالة هذه الآية، كما استدلوا بأدلة أخرى كوصفه تعالى له بالصبر في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، وهو صبره على الذبح، وبصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
ومن أقوى ما يستدل به أن الله تعالى بشَّر إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فلو كان الذبيح إسحاق، لكان ذلك الإخبار غير مطابق للواقع، وهو محال في إخبار الله تعالى. (٣)
قال السيوطي: (واحتجوا له بأدلة منها وصفه بالحلم وذكر البشارة بإسحاق بعده، والبشارة بيعقوب من وراء إسحاق، وغير ذلك وهي أمور ظنية لا قطعية، وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه، ولم أر من سبقني إلى استنباطه، وهو أن البشارة مرتين، مرة في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.
стр. 676
فهذه الآية قاطعة في أن المبشر به هو الذبيح، وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] الآية.
فقد صرَّح فيها أن المُبشَّر به إسحاق، ولم يكن من سؤال إبراهيم، بل قالت امرأته إنها عجوز وإنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط، وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سِنُّه لا يتغرب فيه الواد، ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين أحدهما بغير سؤال وهو إسحاق صريحاً، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح). (١)
ويؤيد ذلك أنه ذكر هِبته وهبة يعقوب لإبراهيم في قوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولم يذكر الله الذبيح. (٢)
ويؤيد هذه الدلالة من الآية البشارة الثانية التي في سورة هود؛ لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يُعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.
فهذه الآية أيضا دليل واضح، فلا ينبغي للمنصف الخلاف فيه بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك (٣)، والعلم عند الله تعالى.
стр. 677
النسب ليس له أثر في الهداية والضلال.
قال الله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب، ولا غير ذلك والله أعلم). (١)
وجه الاستنباط:
أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر، كما هي إشارة الآية إلى أن ذريةإبراهيم وإسحاق- ﵉ ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون، فمن ذرية إبراهيم أنبياء، وصالحون، ومؤمنون، ومن ذرية إسحاق مثلهم، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم، ومن ذرية إسحاق كذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. (٣)
стр. 678
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (١)
فذكر سبحانه البركة في الذرية ثم بيَّن أن كون الذرية من هذا العنصر الشريف والمنبت المبارك ليس بنافع لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم لا بآبائهم، فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل فقد ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام.
وهي دلالة قوية صحيحة، كما دلَّت على أن فساد الأعقاب لا يعد نقيصة على الآباء، وإنما يُعاب المرء بسوء فعله، ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه، وأن مناط الفضل هو ما اكتسب المرء من الصالحات، إذ الشرف بالحسب لا بالنسب. (٢)
وهذه إشارة حسنة ومأخذ لطيف من الآية، الله تعالى أعلم.
стр. 679
سورة ص
تقدم اليمين من أيوب ﵇.
قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله : ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ يدل على تقدُم يمينٍ منه ﵊. (١)
وجه الاستنباط:
نهيه عن الحنث عقب أمره بأخذ الضغث والضرب به.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تقدم يمين من أيوب ﵇ لأنه تعالى نهاه عن الحنث بعد ما أمره بأخذ الضغث والضرب به، وهي دلالة ظاهرة من معنى الآية؛ فقوله تعالى ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: فاضرب بالضغث الذي يشتمل على مائة عود صغار كما جاء في تفسيره (٢)، وقوله ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: ولا تدع الضرب فتحنث. قيل: هذا لأيوب خاصة، وقيل: له وللناس عامة. (٣)
стр. 680
قال القاسمي: (دلَّ قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية على تقدم يمين منه ﵇، وقد رووا هنا آثاراً في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء، فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه؛ إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج). (١)
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقاسمي، وغيرهما. (٢)
قال الكيا الهراسي: (ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن من فعل ذلك فقد برَّ في يمينه (٣)، وخالف مالك ورآه خاصاً بأيوب ﵇. (٤)
والظاهر أنها خاصة بأيوب ﵇ فإن الله تعالى أرخص له رفقاً بامرأته (٥)، لبِرّها به وإحسانها إليه، ليجمع له بين بِره في يمينه ورفقه بامرأته، ولذلك امتنَّ عليه بهذا، وذكره في جملة ما منَّ عليه به، فيختص هذا به كاختصاصه بما ذُكر معه، ولو كان هذا الحكم عاماً لكل واحد لما اختص أيوب بالمنة عليه. (٦)
ودلالة هذه الآية على تقدم يمين من أيوب، دلالة صحيحة، في غاية الظهور، والله تعالى أعلم.
стр. 681
عدم غواية إبليس ليوسف ﵇، وتكذيب ما نُسب إليه من القبائح.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب؛ لأنه لو لم يَذكُر هذا الاستثناء، وادَّعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين، وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم، وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه من القبائح كذب وافتراء). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة الجمع بين الآيات أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه ﵇ من الفاحشة والقبائح كذب وافتراء؛ لأن إبليس أقرَّ بطهارته، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فاعترف بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف ﵇ من المخلصين بشهادة الله تعالى، فقد وصفه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فكان هذا إقراراً من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن الهدى، فدلَّ على كونه منزهاً عما افترى عليه الجهلة ونسبوه إليه.
стр. 682
وممن أشار لهذه الدلالة من مجموع الآيتين: الرازي، والخازن، والشهاب الخفاجي، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (١)
قال ابن القيم ﵀ – عن يوسف ﵇: (قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فلمَّا أخلص لربه صَرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فانصرف عنه السوء والفحشاء، ولهذا لما علِم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شريطته التي اشترطها للغواية والإهلاك فقال ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فالإخلاص هو سبيل الخلاص) (٢). (٣)
فتحصَّل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇، وهذا دليل براءته، كيف وهو ﵇ من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد استثناهم من عموم ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
стр. 683
وعليه فيُقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ ما نسبوا، إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته ﵇، وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته (١)، والله تعالى أعلم.
سورة الزمر
فضيلة العلم.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ أي: في الرتبة ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون، وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعلمون؛ لأن الله تعالى وإن أعطاهم آلة العلم، إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا جعلهم الله تعالى كأنهم ليسوا من أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم، وفي هذا تنبيه على فضيلة العلم). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فضيلة العلم؛ حيث نفى تعالى استواء الفريقين فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فجعل القانتين هم العلماء، وذلك تنويه ظاهر برفعة العلم ومذمة الجهل.
стр. 684
وفي الآية أيضاً إشعار بأن الذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، إذ عبَّر عنهم أولا بلفظ (القانت)، ثم نفى المساواة بينه وبين غيره، ليكون تأكيداً له، وتصريحاً بأن غير العالم كأن ليس بعالم. (١)
وفي هذا إشارة إلى تحقير العلماء غير العاملين وأنهم عند الله جهلة، وأن من لم يعمل فهو غير عالم، وهذا تنبيه عظيم على فضيلة العلم. (٢)
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
ويؤيد هذا الاستنباط قوله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياءلم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر". (٤)
وقوله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (٥)
وإنما كان المطيع هو العالم كما هي دلالة الآية؛ لأن علمه هو الذي دلَّه، وقوَّمه، فرسخ في قلبه وتأصَّل، وظهر أثره عليه ظاهراً وباطناً حتى لا يمكنه مخالفته واتباع هواه. (٦)
стр. 685
وبهذا يظهر أن دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب صحيحة ظاهرة المعنى، وقد مضى الحديث عن قريب منها في أول سورة البقرة (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 686
فضل قيام الليل على النهار.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار.) (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار؛ لأنه تعالى نصَّ على ذكر الليل دون النهار، ففيه إشارة إلى أفضليته وميزته.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والخازن، وأبو حيان، وابن عادل، والنيسابوري، وغيرهم. (٢)
قال أبوحيان: (في الآية دليل على فضل قيام الليل، وأنه أرجح من قيام النهار). (٣)
وحكى الرازي بعد تنبيهه على أفضلية قيام الليل على قيام النهار تأكيده من وجوه أربعة فقال: (ويؤكده وجوه:
الأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء.
стр. 687
الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار، ونوم الخلق يمنع من السماع، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي، وهو معرفة الله.
الثالث: أن الليل وقت النوم، فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر.
الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].) (١)
ويشهد لصحة هذه الدلالة ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال ﷺ : «أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم» (٢)
قال النووي: (فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار). (٣)
كما يدلَّ له ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: «إن فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على العلانية» (٤)، فكما أن صدقة السر تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، فكذلك صلاة الليل. (٥)
فثبت بهذا فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأرفع للدرجات، لأنها تجمع بين تخلية القلب من الرذائلِ بغفران الذنوب، وتحليته بالفضائل بكَسْب الحسنات، كما أن الليل موسم لتنزُّل الرحمات، ونزول الله ﵎، فعظمت العبادة فيه؛ لأنه وقت فاضل، (٦) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 688
لا وجوب قبل مجيء الشرع.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر، ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب، لما بقي في هذا الكلام فائدة). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه لا تكليف قبل الشرع؛ حيث أن الملائكة علَّلوا توبيخهم للكفار بإتيان الرسل وتبليغ الكتب، فأجابوهم: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقد مضى الكلام عن هذه الدلالة نفسها عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وتقرير ماعليه أهل السنة في مسألة: أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل، ولا يجب شيء على أحد قبل بعث الرسول ﷺ . (٢)
يدلُّ له ماروي عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " يا أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحُجوا، فقال رجل: أكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
стр. 689
واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ". (١)
فنهاهم النبي ﷺ عن السؤال عن الأشياء التي لم يبين لهم فيها تكليف بأمر أو نهي، وأمرهم بالبقاء على ما كانوا عليه، وهو عدم التكليف لعدم وجود الشرع، فدلَّ على أنه لا تكليف فيها قبل ورود الشرع.
قال الإمام النووي: (قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم" دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين (٢) لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٣)، وغيرها من الأدلة الظاهرة.
وممن استنبط هذه الدلالة من هذه الآية في سورة الزمر: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم). (٤)
فالأصل في الأعمال قبل ورود الشرع العلم بالمكلف به، ويؤيده أنه لو كان المرء مكلفًا بالعمل لكان تكليفًا بما لا يطاق؛ لأنه تكليف بما لا سبيل إلى الوصول
стр. 690
إليه ولا يقدر على الامتثال (١)، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.
سورة غافر
شرف الإيمان وفضله.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟
أجيب: بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح) (٢).
وجه الاستنباط:
التصريح بالإيمان مع كونه معروفاً في جانب الملائكة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فضل الإيمان وشرفه وأهله، لأنه تعالى نصَّ على إيمان حملة العرش، مع ظهوره، فدلَّ على مزيد عناية وتشريف،
стр. 691
وإشعارٍ بعلة دعائهم للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث أخبر بما يتضمن تشريف أهل الإيمان، ويزيدهم رجاء، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش ومن حوله، وهم الذين لا ذنوب لهم، يستغفرون للمؤمنين ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة، فالمؤمن بإيمانه تسبَّب لهذا الفضل العظيم. (١)
قال ابن جزي: (إن قيل: ما فائدة قوله ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه). (٢)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، والنيسابوري، والقاسمي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
وهي دلالة صحيحة، والظاهر أن معنى الآية يحتمل هذه الدلالة، كما يحتمل غيرها من الدلائل، إذ في الإخبار عنهم أيضاً بأنهم يؤمنون مع كونه معلوماً في جانب الملائكة فائدة أخرى وهي: التنويه بشأن الإيمان بأنه حال الملائكة، والتعريض بالمشركين أن لم يكونوا مثل أشرف المخلوقات (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 692
المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن اختلفت الأجناس.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي ذلك تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعث على إمحاض الشفقة، وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملَك وإنسان ولا بين سماوي وأرضي قط، ولكن لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى
استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على كون المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة، وإن اختلفت الأجناس؛ لأنها أقوى الروابط كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فإنه لا تجانس بين الملك والإنسان، ولكن لما جمعهم جامع الإيمان جاء التجانس، فاستغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، وهذا من كمال رحمته سبحانه.
فجاء التنبيه للمؤمنين في هذه الآية أن يكونوا أشفق وأنصح لبعضهم من بني جنسهم كما هو حال الملائكة مع بني آدم، فإن الأُخوة في الدين من أوثق عرى الإيمان وأشرف الروابط.
стр. 693
وكما قيل: كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، كما هي متمثلة في هذه الآية فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مشعر بالشفقة على خلق الله، أفاده الرازي. (١)
وممن أشار إلى هذا التنبيه من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان (٢)، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
وهو تنبيه لطيف جديربالإشارة إليه، لاسيما في فضيلة الإحسان إلى الإخوان، والتواصي والتناصح بينهم، لكن ربطه بهذه الآية ليس بالقريب الظاهر، والله تعالى أعلم.
стр. 694
جواز وصفه تعالى بصفة المقت وثبوتها في حقه.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده، إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب.) (١)
وجه الاستنباط:
أن الله تعالى نصَّ على هذه الصفة، ونسبها لنفسه كما نسبها لعباده.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على جواز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده بدلالة هذه الآية؛ حيث وصف تعالى نفسه بأنه كبر مقتاً عنده سبحانه، كما كبر مقتاً عند الذين آمنوا فدلَّ على إثبات هذه الصفة له تعالى.
وممن استنبط هذه الدلالة من هذا الموضع من الآية: الرازي، وغيره. (٢)
وهذه الدلالة صحيحة في نفسها، غير أن قول الخطيب: "إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب " هو على معتقد الأشعرية في آيات الصفات. (٣)
стр. 695
والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى كما جاءت، من غير تأويل، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ونفوا عنه مانفاه عن نفسه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، وعلى هذا مضى أئمة السلف يُجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله (١)، ويمرونها كما جاءت (٢)، فصفة المقت في هذه الآية صفةٌ فعلية خبريَّة ثابتة لله بالكتاب والسنة الصحيحة (٣)، والدليل عليها من الكتاب قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠].
قال ابن تيمية عند هذه الآية: (فوصف تعالى نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، وليس المقت مثل المقت) (٤). (٥)
стр. 696
والدليل عليها من السنة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ قال "وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب". (١)
وخلاصة القول أن المقت صفة ثابتة لله ﵎ على الحقيقة، على ما يليق به، ولا تُشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق. فلا يجوز التأويل فيها، ولا يجوز التفويض أيضاً؛ لأن ذلك كله مخالف لصريح النصوص الشرعية الثابتة.
وما عليه مؤولوا هذه الصفات من المعتزلة، ومتأخري الأشاعرة، فهو مخالف لمنهج السلف الصالح، إذ التأويل في باب الصفات من الأمور المبتدعة، لم يقل به أحد من الصحابة، ولا من التابعين، وهو خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 697
سورة فصلت
استشعار مراقبة الله تعالى في جميع أحوال العبد.
قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه، ولا يزول عن ذهنه، أن عليه من الله تعالى عيناً كالئة، ورقيباً مهيمناً، حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاماً، وأوفر تحفظاً وتصوراً منه مع الملأ، ولا يتبسَّط في سِره، مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من قوله تعالى: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ دلالتها باللازم على فائدة تربوية وهي: أن المؤمن ينبغي أن يستشعر في أحواله كلها رقابة الله تعالى عليه حتى يكون أخشى لربه من جميع خلقه، ويحذر من التشبه بحال هؤلاء الظانين.
وفي هذا تنبيه على خطر سوء الظن بالله تعالى، وتحذير من عاقبته، وحث على مراقبته تعالى في السر والعلانية، واستشعار هذه المراقبة في سائر أحوال المرء، وخاصة في خلواته.
وممن استنبط هذه الفائدة من الآية: الزمخشري، والنيسابوري، وغيرهما. (٢)
стр. 698
قال النيسابوري في معنى هذه الآية: (ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم. وفيه رد على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة). (١)
ويؤيد هذا الاستنباط قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٧ - ١٠٨]، فوصفهم تعالى بالخيانة لأنهم يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على سوء أعمالهم، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه.
وهذه فائدة لطيفة من الآية حسن التنبيه عليها، والتأكيد بدلالة هذه الآية على أثر سوء الظن بالله، وأن الظن الفاسد هو الذي أهلك من قبلنا وأرداهم عند ربهم، وعلى النقيض منه حسن الظن به تعالى وما يورثه في القلب من الطمأنينة والثقة بما عند الله.
كما أن مراقبة الله تعالى في السر والعلن، مراقبة من يحبه ويخشاه، ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، هي من الإحسان، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.
إرادة الله تعالى كفر الكافرين.
قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]
стр. 699
ذكر الخطيب الشربيني ﵀ – هنا تنبيهاً فقال: (في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين، لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر، ولكن لا يرضاه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].) (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على إرادة الله تعالى الكفر من الكافرين؛ لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء، فزينوا لهم الباطل حتى أضلوهم، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وغيره. (٢)
قال الرازي: (احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالماً بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإنهم يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلاً وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريداً لذلك الأثر، فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر). (٣)
ولاشك أن الله تعالى أراد الكفر من الكافرين، وأنه لا يخرج شيء في الكون عن مشيئته تعالى وإرادته، وفي هذه الآية ومثيلاتها رد على المعتزلة، والقدرية، ومن تبعهم من الأشاعرة.
стр. 700
قال ابن أبي العز: (والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد. - إلى أن قال ﵀: وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً، ولا يرضاه ديناً.
وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا: أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذّبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل). (١)
والحق في ذلك أن الله سبحانه موصوف بالإرادة، وأن إرادته تعالى الواردة في القرآن على نوعين:
النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية: وهي بمعنى المشيئة، لا يخرج عنها شيء من أفعال العباد، سواء كان طاعة أو معصية، خيراً أو شراً، وهي متعلقة بتقديره تعالى وخلقه، وهي دليل كمال ربوبيته وسيادته، ولا تستلزم الحب والرضا، فقد تكون مما يحب الله ويرضى، كالطاعات الواقعة من عباد الله الصالحين، وقد تكون مما لا يحب ولا يرضىـ بل يسخط ويكره كالمعاصي والكفر ونحوها الواقعة من العباد، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
стр. 701
[الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦].
والنوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية، وهي المتعلقة بألوهيته تعالى وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، والأمر دليل عليها وهي المتعلقة بحبه ورضاه.
والدليل عليها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. (١)
فعلى هذا ما كان من أفعال العباد وهو طاعة لله، فإنه متعلق بنوعي الإرادة الكونية القدرية والدينية الشرعية، وما كان من أفعال العباد وهو معصية، وكفر، وفسق، فهو متعلق بالإرادة الكونية القدرية، وليس متعلقاً بالإرادة الدينية الشرعية المستلزمة لأمره وحبه ورضاه، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يحب الخائنين. (٢)
وقد التبس على كثير من الفِرق مفهوم الإرادة، وحصل لهم بسبب عدم تفريقهم بين الإرادتين، لبس عظيم ووقعوا في أمور منكرة، فالأشاعرة مثلاً لما
стр. 702
أسندوا جميع الحوادث إلى الله، ولم يفرقوا بين الإرادتين أدَّاهم إلى القول بأن الله يريد الكفر والفساد، بل صرَّح بعضهم أنه يحبه. (١)
قال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كوناً ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!
فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية، ولا مانع من أن يكون الشيء محبوباً مكروها باعتبارين) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 703
فضيحة الكفار في خوفهم من سماع القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه، وأقبل بكُلِّيته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها). (١)
وجه الاستنباط:
نهي الكفار غيرهم عن السماع، وترغيبهم في اللغو عنده إشارة ضعف وخوف.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية فضيحة الكفار في خوفهم من تأثير سماع القرآن على قومهم، ويقينهم بأن من سمعه مال إليه، وأقبل عليه، بدلالة قوله تعالى ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢) فكان بعضهم يوصي
стр. 704
بعضاً: إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، وأكثروا الكلام حتى يتخلَّط عليه ما يقول. (١)
والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف، حكم بأنه واجب القبول، فدَّبروا هذا التدبير الفاسد، وهو قول بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن إذا قريء، وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالصفير والهذيان والرجز، لعلكم تغلبون محمداً على قراءته، فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد، وقد فضحوا أنفسهم بذلك أعظم فضيحة. (٢)
وممن نصَّ على هذه الإشارة من الآية موافقاً الخطيب: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
قال ابن عاشور: (وهذا مُشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم؛ إذ كان الذين يسمعونه يُداخل قلوبهم فيؤمنون). (٤)
بل بلغ من فضيحتهم أنه كان يجذب رؤساء هؤلاء المعاندين ليلاً لاستماع تلاوة النبي ﷺ في بيته، على ما كان من نهيهم عن سماعه وتواصيهم بذلك. (٥)
стр. 705
ولذلك حذَّروا من تحتهم من الاستماع خشية أن يميلوا إليه، ويستحوذ على عقولهم كما استحوذ عليهم هُم مِن قبل، وفي هذا أعظم دلالة على ضعف داعيهم، وقوة داعي الحق سبحانه مهما بلغ بهم من الكيد له والوقوف ضده، فإن الله تعالى مُتم نوره ولو كره الكافرون، وهي إشارة ظاهرة، والله تعالى أعلم.
سورة الشورى
عصاة المؤمنين من أهل الجنة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة؛ لأنه خصَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات، وهي: البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات). (١)
وجه الاستنباط: