[الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦].
والنوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية، وهي المتعلقة بألوهيته تعالى وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، والأمر دليل عليها وهي المتعلقة بحبه ورضاه.
والدليل عليها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. (١)
فعلى هذا ما كان من أفعال العباد وهو طاعة لله، فإنه متعلق بنوعي الإرادة الكونية القدرية والدينية الشرعية، وما كان من أفعال العباد وهو معصية، وكفر، وفسق، فهو متعلق بالإرادة الكونية القدرية، وليس متعلقاً بالإرادة الدينية الشرعية المستلزمة لأمره وحبه ورضاه، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يحب الخائنين. (٢)
وقد التبس على كثير من الفِرق مفهوم الإرادة، وحصل لهم بسبب عدم تفريقهم بين الإرادتين، لبس عظيم ووقعوا في أمور منكرة، فالأشاعرة مثلاً لما
стр. 702
أسندوا جميع الحوادث إلى الله، ولم يفرقوا بين الإرادتين أدَّاهم إلى القول بأن الله يريد الكفر والفساد، بل صرَّح بعضهم أنه يحبه. (١)
قال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كوناً ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!
فالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية، ولا مانع من أن يكون الشيء محبوباً مكروها باعتبارين) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 703
فضيحة الكفار في خوفهم من سماع القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه، وأقبل بكُلِّيته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها). (١)
وجه الاستنباط:
نهي الكفار غيرهم عن السماع، وترغيبهم في اللغو عنده إشارة ضعف وخوف.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية فضيحة الكفار في خوفهم من تأثير سماع القرآن على قومهم، ويقينهم بأن من سمعه مال إليه، وأقبل عليه، بدلالة قوله تعالى ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢) فكان بعضهم يوصي
стр. 704
بعضاً: إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، وأكثروا الكلام حتى يتخلَّط عليه ما يقول. (١)
والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف، حكم بأنه واجب القبول، فدَّبروا هذا التدبير الفاسد، وهو قول بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن إذا قريء، وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالصفير والهذيان والرجز، لعلكم تغلبون محمداً على قراءته، فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد، وقد فضحوا أنفسهم بذلك أعظم فضيحة. (٢)
وممن نصَّ على هذه الإشارة من الآية موافقاً الخطيب: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)
قال ابن عاشور: (وهذا مُشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم؛ إذ كان الذين يسمعونه يُداخل قلوبهم فيؤمنون). (٤)
بل بلغ من فضيحتهم أنه كان يجذب رؤساء هؤلاء المعاندين ليلاً لاستماع تلاوة النبي ﷺ في بيته، على ما كان من نهيهم عن سماعه وتواصيهم بذلك. (٥)
стр. 705
ولذلك حذَّروا من تحتهم من الاستماع خشية أن يميلوا إليه، ويستحوذ على عقولهم كما استحوذ عليهم هُم مِن قبل، وفي هذا أعظم دلالة على ضعف داعيهم، وقوة داعي الحق سبحانه مهما بلغ بهم من الكيد له والوقوف ضده، فإن الله تعالى مُتم نوره ولو كره الكافرون، وهي إشارة ظاهرة، والله تعالى أعلم.
سورة الشورى
عصاة المؤمنين من أهل الجنة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة؛ لأنه خصَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات، وهي: البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات). (١)
وجه الاستنباط:
стр. 706
تخصيص جزاء المؤمنين العاملين للصالحات بروضات الجنات يدل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين، وغيرهم ليس إلا الذي آمن ولم يعمل صالحا وهو الفاسق. (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة لأنه خصَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات، وعليه فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وممن استنبط هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والخازن، والنيسابوري، وغيرهم. (٢)
قال الخازن: (فيه تنبيه على أن الجنة منازل غير الروضات، هي لمن هو دون الذين عملوا الصالحات من أهل القبلة). (٣)
وكما هو معلوم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أصحاب المعاصي من المسلمين تحت مشيئة الله تعالى يوم القيامة، ولا يخلد أحد منهم في النار. (٤)
قال ابن تيمية: (ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في
стр. 707
النار، كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعات، بل لهم حسنات وسيئات، يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب). (١)
وإذا ثبت هذا فالذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذه الدلالة صحيحة في نفسها، غير أن استنباطها من هذه الآية بعيد؛ لأن تخصيص جزاء المؤمنين العاملين للصالحات بروضات الجنات فيه معنى الترغيب وزيادة التأكيد لمعنى النعيم المقيم في الجنات، ولا يُفهم منه بالضرورة كون عصاة المؤمنين في منزلة أدنى منهم، وأيضاً قد تكون إضافة الروضات إلى الجنات من باب إضافة العام إلى الخاص فتكون الجنات كلها روضات، والله تعالى أجل وأعلم.
стр. 708
لم يكن الرسول ﷺ متعبداً قبل النبوة بشرع.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في الآية دليل على أنه ﷺ لم يكن متعبداً قبل النبوة بشرع، وفي المسألة خلاف للعلماء (١)، فقيل: كان يتعبد على دين إبراهيم ﵇ وقيل: غيره). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ بدلالة اللازم من الآية أنه ﷺ لم يكن متعبداً قبل النبوة بشرع؛ لأنه تعالى نفى عنه العلم بالكتاب والإيمان قبل النبوة.
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وابن عاشور. (٣) وغيرهما (٤).
والحق أن هذه الدلالة غير صحيحة، وأهل الأصول على أن الأنبياء ﵈ كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي ﷺ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، وهو الصحيح (٥)، ولم يتبين له شرائع دينه (٦).
стр. 709
فقوله ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ توقيف على عظيم المنة، والقصدُ به تعداد النعمة عليه ﷺ بأن علَّمه الله ما لم يكن يعلم، واحتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلَّمه من أحد (١).
وقيل: الإيمان في هذا الموضع يراد به الصلاة (٢). دليله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يعني: صلاتكم، إذ هي بعض ما يتناوله الإيمان، ولم يُرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله تعالى، لأن النبي ﷺ كان قبل النبوة يوحد الله تعالى، ويحج ويعتمر، ويبغض الأصنام، ولا يأكل ما ذُبح على النصب، فكان يتعبد على دين إبراهيم ﵊، ولم تتبين له شرائع دينه إلا بعد الوحي إليه. (٣)
والأقرب أن الآية واردة في معرض الامتنان والإيمان على ظاهره، وهي تدل على أنه ﷺ عرف الكتاب والإيمان بعد أن لم يكن عارفاً، والتمسك به على أنه ﷺ لم يكن متعبداً بشرع من قبله – كما ذكر الخطيب ﵀ ضعيف (٤)، وهو مذهب
стр. 710
الأشاعرة والمعتزلة (١)، لأن عدم الدراية لا يلزم منه عدم التعبد، بل يلزم منه سقوط الإثم إن لم يكن تقصيراً (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 711
سورة الزخرف
ذم التقليد وحُرمته.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الآية [الزخرف: ١٩]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: قولهم فيهم أنهم إناث، الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك، سخيف، ضعيف، كما أشار إليه التأنيث ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها عند الرجوع إلينا، قال الكلبي (١) ومقاتل: «لما قالوا هذا القول سألهم النبي ﷺ فقال: «ما يدريكم أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا»، فقال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة.» (٢)، وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم). (٣)
وجه الاستنباط:
لما عاب الله تعالى عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل، دلَّ على أن القول بغير دليل باطل. (٤)
стр. 712
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية استنباطاً أصولياً، وهو دلالتها باللازم على أن القول بغير دليل منكر، وهذا يستلزم ذم التقليد وحُرمته، حيث أوضح تعالى كذب هؤلاء المشركين بالله ملائكته، ووبَّخهم، وبيَّن جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. (١)
فدلَّ هذا على أن القول بغير دليل باطل، ودلَّ باللازم على ذم التقليد واتباع جهل الآباء كما جاء في رواية الكلبي ومقاتل.
والتقليد هو: قبول القول بغير دليل أو حجة (٢)، واشتقاقه من القِلادة، فالتقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به (٣)؛ لأنها تكون في الرقبة، فاشتُقَّ التقليد منها؛ كأن المقلد يُطوِّق المجتهد تبعات ما قلَّده فيه من إثم، في حالة غشه في دينه وكتمه عنه العلم الصحيح. (٤)
وحُكم التقليد مختلف فيه بين الجواز والمنع، ولكل من المجيز والمانع دليله، وقيل يجوز التقليد في الفروع دون الأصول والعقائد. (٥)
وقد أجمع جمهور الأصوليين على ذم التقليد بدون حجة وحرمته. (٦) ولا
стр. 713
شك أن اتباع الرجل غيره على تقدير أنه مُحِق بلا نظر واستدلال، وتمييز بين كونه حقاً أو باطلا أنه بهَّذا التفسير باطل، وليس بحجة؛ لأن فِعل غيره وقوله محتمل للصواب والخطأ، والمحتمل لا يصلح دليلا وحجة، ولهذا ردَّ الله تعالى على الكفرة احتجاجهم باتباع الآباء. (١)
أما مع وضوح الدليل، وبيانه فإن التقليد حرام؛ نصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، فقال: ولا يجوز التقليد مع معرفة الحكم اتفاقاً، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت. (٢)
فالتقليد بمنزلة أكل الميتة يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تؤكل الميتة؛ فمع وجود الدليل من الكتاب، والسنة، وتبينه للمسلم فإنه لا يحل له أن يقلد؛ ولهذا لم يأمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، أما إذا كنا نعلم بالبينات، والزبر فلا نسألهم؛ ونأخذ من البينات، والزبر. (٣)
وممن استنبط ذم التقليد من موضع هذه الآية: الرازي، وغيره. (٤)
ويؤيده ذم الله التقليد في غير ما آية في القرآن كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية [الزخرف: ٢٢] وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
стр. 714
وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والقول بمنع التقليد من غير دليل ولاحجة، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 715
سورة الجاثية
المغايرة بين العمل الصالح والإيمان.
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وصفُهم بالعمل الصالح بعد وصفِهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه). (١)
وجه الاستنباط:
أنه عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير، فدلَّ على أن الإيمان غير الأعمال. (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها بالاقتران على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه؛ لأنه عطف العمل على الإيمان فدلَّ على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.
وممن استنبط المغايرة بين العمل والإيمان من موضع هذه الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (٣)
стр. 716
وهذا الاستنباط باطل غير صحيح، وما عليه أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان، وأدلتهم في هذا الباب كثيرة - كما تقدم- (١). (٢)
قال شيخ الإسلام: أما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع فهذا صحيح، وقد بينَّا أن الإيمان إذا أُطلق أُدخل الله ورسوله في الأعمال المأمور بها، وقد يُقرن به الأعمال ... ، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود القلب الواجب، مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقصِ الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة) (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 717
سورة الأحقاف
عِظَم حق الأم.
قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلَّت الآية على أنّ حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ فذكرهما معاً، ثم خصَّ الأم بالذكر فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأنّ وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة، والأخبار كثيرة في هذا الباب). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها بالنص أنّ حق الأم أعظم وآكد من حق الأب؛ لخصوص إفرادها بالذكر بعد الوصاية بالوالدين معاً، مما يدل على أن الأم لها أعظم الحق ومزيد عناية وشفقة لِما تحملته وكابدته في سبيل العناية بولدها، كما أخبر سبحانه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾.
قال الشوكاني: (وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك). (٢)
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (٣)
стр. 718
ففي الآية إشارة إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص، حيث نبَّه تعالى على الواجب لها على ولدها من البر، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة؛ إذ الآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك» (١)، وهي دلالة حسنة، والله تعالى أعلم.
стр. 719
أقل مدّة الحمل ستة أشهر
قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين، بقي مدة الحمل ستة أشهر). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة التركيب والجمع بين النصوص أن أقل مدّة الحمل ستة أشهر؛ لأن هذه الآية صرَّحت بأن أمد الحمل والفصال معاً ثلاثون شهراً، وقد قال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فبيَّن أن أمد الفصال عامان، وهما أربعة وعشرون شهراً، فإذا طُرحت من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمداً للحمل وهي أقله (٢)
فهذه الآية منفردة ليس فيها تعرضٌ لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يُعلم أقل أمد الحمل، لأن في الكلام حذف مضاف تقديره: و «مدة» حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وتُرضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة - على العُرف -
стр. 720
وتُرضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، وبالعكس. (١)
وروي أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح في زمان عمر ﵁ فهمَّ عمر برجمها، فقال علي ﵁: لا سبيل لك عليها، وتلا قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. (٢)
وقد أشار إلى هذا الاستنباط أكثر المفسرين كالسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والسيوطي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (٣)
قال ابن كثير: (وقد استدل علي ﵁، بهذه الآية مع التي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، ﵃. (٤)
وقد أجمع الفقهاء على ذلك وربطوا بهذين الضابطين أحكاما كثيرة (٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 721
خطاب الكفار بفروع الشريعة.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنّ الله تعالى عللَّ عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر. وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة، فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية، والاقتران بين الكفر والفسق أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بالكفر وعطف عليه الفسق فغاير بينهما، ومعلوم أن الفسق خروج عن طاعة الله بترك المأمورات وفعل المنهيات، فدلَّ على أنهم مخاطبون بالفروع كخطابهم بالأصول.
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، وغيره. (٢)
وخطاب الكفار بفروع الإسلام مختلف فيه، والصحيح أنهم مخاطبون، ومكلفون بها (٣)، لدلالة النصوص على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي
стр. 722
سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤] الآية، ففيها التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، ونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.ثم بيَّن العلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٤]. وغيرها من الآيات
وهذا من لطيف الاستنباط عند الخطيب ﵀ وغيره؛ للمغايرة الظاهرة بين الكفر والفسق، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة في أول سورة البقرة (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 723
بعثته ﷺ إلى الجن.
قال الله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآية دلالة على أنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الجن، كما كان مبعوثاً إلى الإنس). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة النص أنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الجن كبعثته إلى الإنس، لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، ومنه يُعلم أنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه، وهو ما عليه الجمهور. (٢)
قال مقاتل: (ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله) (٣)، ويدل على قوله ما في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود» (٤)، قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس. (٥)
стр. 724
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وغيرهم. (١)
قال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن، حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾). (٢)
وأما ما كان من نبي الله سليمان ﵇ فإنه لم يُبعث إلى الجن بل سُخِّروا له، فكان من خصائص محمد ﷺ بعثته إلى الثقلين، كما دلَّت عليه هذه الآية، وبه يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم.
стр. 725
سورة محمد
حبوط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (دلَّت هذه الآية على ما دَّلت عليه آية البقرة من أنّ إحباط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر). (١)
وجه الاستنباط:
قوله تعالى ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يدل بمفهومه على أنه قد يُغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها بمفهوم المخالفة على أنّ حبوط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر (٢)، فهذه الآية والتي في البقرة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا
стр. 726
وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مقيدتان لكل نص مطلق فيه إحباط العمل بالكفر، فهو مقيد بالموت عليه، فقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لم يتوبوا منه، ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي لا بشفاعة ولا بغيرها، لأنه قد تحتَّم عليهم العقاب، ووجب عليهم الخلود في النار.
ومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ويدخلهم الجنة، ولو كانوا قد أفنوا أعمارهم في الكفر بالله والصد عن سبيله، والإقدام على معاصيه، فالاعتبار بالوفاة على الكفر، وهو الذي يوجب الخلود في النار. (١)
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والألوسي، والسعدي، والشنقيطي (٢)، وغيرهم. (٣)
قال النووي في ثنايا حديثه عن بعض مسائل الصلاة: ( .. والمسألة مبنية على أصل سبق، وهو أنه عندنا لا تبطل الأعمال بالردة إلا أن تتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد، احتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
стр. 727
﴾ واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فعلَّق حبوط العمل بشرطين الردة والموت عليها، والمُعلق بشرطين لا يثبُت بأحدهما، والآية التي احتجوا بها مُطلقة وهذه مقيدة فيُحمل المطلق على المقيد. (١)
وعليه فتقييده سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر؛ لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حياً، وظاهر الآية العموم وإن كان السبب خاصاً. (٢)
وقوله ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قطعٌ بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، كما أخبر سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وبهذا يظهر قوة ما ذكره الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 728
سورة الحجرات
البغي لا يزيل اسم الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنّ الله تعالى سمَّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ بدلالة النص أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنه تعالى سمَّاهم مؤمنين مع وجود البغي، فدلَّت على أن الباغي مؤمن، وأنه يجب مُعاونة من بُغي عليه بعد النصح والسعي في المصالحة.
والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل (٢)، وقد استفاد الخطيب هذه الدلالة من البغوي. (٣)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآيات غيرهما: القرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والسعدي (٤)، وابن عاشور، وغيرهم. (٥)
стр. 729
ويدل له ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ سُئِل وهو القدوة في قتال أهل البغي- عن أهل الجمل وصِفِّين: أمُشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرَّوا، فقيل: أمنافقون هم؟
فقال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. (١)
قال شيخ الإسلام: فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة؛ بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. وليس كل ما كان بغياً وظلماً أو عدواناً يُخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم؛ فكيف يُخرج ذلك من كان من خير القرون؟. (٢)
وقوله تعالى بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ عقدٌ عقده الله بين المؤمنين، كما أخبر ﷺ : «المؤمن أخو المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره» (٣)، وبهذا يظهر أن البغي لا يزيل اسم الإيمان كما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم
стр. 730
الحكمة من تشبيه المغتاب بآكل لحم أخيه.
قال الله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذا التشبيه إشارة إلى أنّ عرض الإنسان كدمه ولحمه؛ لأنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض، كما يتألم جسمه من قطع اللحم، وهذا من باب القياس الظاهر؛ لأنّ عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس، لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك أشدّ ألماً، وقوله تعالى: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ آكد في المنع؛ لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ، وفي قوله تعالى: ﴿مَيْتًا﴾ إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال: إنّ الشتم في الوجه يؤلم فيُحرم، وأمّا الاغتياب فلا اطّلاع عليه فلا يؤلم، فيقال لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح، كما أنه لو اطلع عليه لتألم، فإنّ الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، وفيه معنى لطيف، وهو أنّ الاغتياب أكل لحم الآدمي ميتاً، ولا يحل أكله إلا للمضطرّ بقدر الحاجة، والمضطرّ إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب إذا وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب). (١)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص الحكمة من تشبيه المغتاب بآكل لحم أخيه، وهي الإشارة إلى أن عرض الإنسان مثل دمه ولحمه، وهذا من باب القياس، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسُن أكل لحم الناس فترك أعراضهم أولى؛ لأن ذلك آلم، وأكَّده بقوله تعالى ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ إذ هو آكد في المنع،
стр. 731
فأكل المرء لحمه أخيه أقبح ما يكون، ففيه إشارة إلى أن الغيبة عظيمة عند الله.
كما أن في الإشارة بقوله: ﴿مَيْتًا﴾ فائدة أخرى نبَّه عليها الخطيب، وهي: دفع ما قد يُتوهم من أن الكلام في الوجه يؤُلم فيُحرم، وأما الغيبة فلا اطّلاع عليها للمغتاب فلا تؤلمه، فبيَّن أن أكل لحم الأخ وهو ميّت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا فهوقبيح مستكره. (١)
قال الشوكاني مستنبطاً هذه الدلالة: (وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلا عن كونه محرما شرعاً). (٢)
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، والخازن، وابن عادل، وحقي، والشوكاني، وغيرهم. (٣)
وفيها لطيفة أخرى أشار إليها الخطيب: وهو أن الغيبة كأكل لحم الآدمي ميتاً، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته مدفعاً غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب.
وممن نصَّ على هذه الإشارة: الرازي (٤)، وغيره.
ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل
стр. 732
كراهة لحم أخيه، فهذا مبالغة في استكراه الغيبة (١)، وهي دلالة صحيحة قريبة، والله تعالى أعلم.
سورة الذاريات
رجم اللائط.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات ٣١ - ٣٤].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ واللام في المسرفين لتعريف العهد، أي: لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوّمة، وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين، وفي هذا دليل على رجم اللائط). (٢)
وجه الاستنباط:
الاقتداء بأفعال الله تعالى في عباده.
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على وجوب الحد في اللواط بالرجم، لأن الله جعل عذاب من أتى بهذه الفاحشة الشنيعة إمطار الحجارة، حيث أمطر على قوم لوط ﵇ حجارة من السماء، فوجب أن يُعذَّب من أتى بها بإمطار الحجارة به وهو الرجم، قال تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ أي رجماً لهم على فعلهم الفاحشة ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مُعلَّمة، على كل
стр. 733
حجر منها سِمة صاحبه لأنهم أسرفوا، وتجاوزوا الحد. (١)
وقد نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (٢)
ويؤيده ماروي عن ابن عباس ﵁ – أنه أخذ حكم الرجم من الآيات في عذاب الله لقوم لوط، كما أفاده ابن القيم.
قال ابن القيم: (ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل .. ثم قال: قال عبد الله بن عباس: يُنظر أعلى ما في القرية فيرمى اللوطي منها، مُنكَّساً ثم يتبع بالحجارة (٣)، وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط. وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». (٤) إلى أن قال ﵀: وأطبق أصحاب رسول الله على قتله، لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم فى قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع). (٥)
стр. 734
فالراجح في حد اللائط أنه الرجم بالحجارة حتى يموت بِكراً كان أو ثيباً، كما عليه الجمهور (١)، ويُستأنس له بحكم الله في قوم لوط الذين أتوا بما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، كما هي دلالة هذه الآية، ونصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 735
سورة الرحمن
تكليف الجنّ.
قال الله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣١ - ٣٣]
قال الخطيب الشربيني ﵀: (في هذه الآيات، والتي في الأحقاف (١)، وفي ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ دليل على أنّ الجنّ مكلفون مخاطبون، مأمورون منهيون، مثابون معاقبون كالإنس، سواء مؤمنهم كمؤمنهم وكافرهم ككافرهم). (٢)
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من هذه الآيات دلالتها باللازم على تكليف الجنّ، وأنهم مثابون أو معاقبون كالإنس سواء منهم المؤمن والكافر؛ لأن الخطاب في هذه السورة للثقلين الإنس والجن في واحد وثلاثين آية، فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن خلق النوعين الإنس والجن في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦] ثم خاطب الله النوعين داعياً إياهم إلى لإيمان، منكراً تكذيبهم بآياته، بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ثم ذكر سبحانه عقاب النوعين وثوابهم، وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المنهيون المثابون، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٩ - ٤٢]
стр. 736
وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] إلى آخر السورة. (١)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآيات: القرطبي، وغيره. (٢)
وكون الجن مكلفون كالإنس هو الصحيح وعليه عامة أهل العلم (٣)، فهم خلقوا للعبادة، يقع عليهم الأمر والنهي كالإنس، يدل له قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وهم كذلك موعودون ومُتوعَّدون، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ والآيات في هذا الباب كثيرة.
والجن كذلك مكلَّفون بفروع الشريعة كتكليفهم بالأصول، كما نصَّ عليه ابن تيمية، وغيره. (٤)
فإذا عُلِم تكليفهم بشرائع الأنبياءِ، عُلِم أن محسنهم في الجنة، وأن مسيئهم فى النار، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، وبهذه الآية احتج البخاري وترجم في صحيحه فقال: (باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم). (٥)
стр. 737
قال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]: (الآية تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:
أحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.
الثاني: أنهم أَخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مُصدِّق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.
الثالث: أنهم قالوا لقومهم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر). (١)
فدلَّ ذلك كله على تكليف الجن، وهي دلالة صحيحة صريحة من هذه الآيات في سورة الرحمن كما تقدم، ومن سورة الأحقاف كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.
стр. 738
قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].
قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي المتكئين، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ فكأنه قال: هنّ أبكار لم يخالطهنّ أحد، فإنّ هذا جمع كلّ من يمكن منه جماع، وفي ذلك دليل على أنّ الجني يغشى كما يغشى الإنسي، ويدخل الجنة ويكون لهم فيها جنتان). (١)
هذه الآية فيها دلالتان: الأولى:
الجن يغشون الجنيات كما يغشى الإنس النساء.
وجه الاستنباط:
حيث دلَّ نفي الطمث (٢) عن نساء أهل الجنة من قِبَل الإنس والجان- وهذا جمع كلّ من يمكن منه جماع- على أن الجني يغشى كالإنسي، وذلك لهم زيادة في الامتنان والنعيم.
الدراسة:
استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تغشى الجنيات كالإنس، فإن مقام الامتنان في هذه الآيات يقتضى ذلك؛ إذ لو لم يطمِثوا كمن قبلهم لم يحصل لهم الامتنان به، فدلَّ على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس. (٣)
стр. 739
قال الزجاج: (في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى، كما أن الإنسي يغشى). (١)
وقال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون لهم فيها جنيات). (٢)
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية غيرهما: ابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن القيم، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٣)
ودلالة نفي الطمث عن نساء أهل الجنة من الإنس والجان على أن الجن يغشون كالإنس، ملحظ دقيق لطيف، والله تعالى أعلم.
стр. 740
الدلالة الثانية:
الجن يثابون بدخول الجنة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تدخل الجنة - ويكون لهم فيها جنتان- خلافاً لمن قال إنهم لا يدخلونها، بل يُثابون بالنجاة من النار؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:
أحدها: أن «مَنْ» مِن صيغ العموم، فتتناول كل خائف. (١)
الثاني: أنه رتَّب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدلَّ على استحقاقه به.
الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمِن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمِن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذى جاءَت به الرسل. (٢)
ففي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن كافرهم في النار، وبوَّب عليه البخاري في صحيحه -كما تقدم - فقال «باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم» ونصّ عليه غير واحد من السلف. (٣)