← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] إلى آخر السورة. (١) وممن استنبط هذه الدلالة من الآيات: القرطبي، وغيره. (٢) وكون الجن مكلفون كالإنس هو الصحيح وعليه عامة أهل العلم (٣)، فهم خلقوا للعبادة، يقع عليهم الأمر والنهي كالإنس، يدل له قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وهم كذلك موعودون ومُتوعَّدون، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ والآيات في هذا الباب كثيرة. والجن كذلك مكلَّفون بفروع الشريعة كتكليفهم بالأصول، كما نصَّ عليه ابن تيمية، وغيره. (٤) فإذا عُلِم تكليفهم بشرائع الأنبياءِ، عُلِم أن محسنهم في الجنة، وأن مسيئهم فى النار، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، وبهذه الآية احتج البخاري وترجم في صحيحه فقال: (باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم). (٥)

стр. 737

قال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]: (الآية تدل على تكليف الجن من عدة وجوه: أحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. الثاني: أنهم أَخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مُصدِّق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة. الثالث: أنهم قالوا لقومهم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر). (١) فدلَّ ذلك كله على تكليف الجن، وهي دلالة صحيحة صريحة من هذه الآيات في سورة الرحمن كما تقدم، ومن سورة الأحقاف كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 738

قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي المتكئين، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ فكأنه قال: هنّ أبكار لم يخالطهنّ أحد، فإنّ هذا جمع كلّ من يمكن منه جماع، وفي ذلك دليل على أنّ الجني يغشى كما يغشى الإنسي، ويدخل الجنة ويكون لهم فيها جنتان). (١) هذه الآية فيها دلالتان: الأولى: الجن يغشون الجنيات كما يغشى الإنس النساء. وجه الاستنباط: حيث دلَّ نفي الطمث (٢) عن نساء أهل الجنة من قِبَل الإنس والجان- وهذا جمع كلّ من يمكن منه جماع- على أن الجني يغشى كالإنسي، وذلك لهم زيادة في الامتنان والنعيم. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تغشى الجنيات كالإنس، فإن مقام الامتنان في هذه الآيات يقتضى ذلك؛ إذ لو لم يطمِثوا كمن قبلهم لم يحصل لهم الامتنان به، فدلَّ على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس. (٣)

стр. 739

قال الزجاج: (في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى، كما أن الإنسي يغشى). (١) وقال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون لهم فيها جنيات). (٢) وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية غيرهما: ابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن القيم، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٣) ودلالة نفي الطمث عن نساء أهل الجنة من الإنس والجان على أن الجن يغشون كالإنس، ملحظ دقيق لطيف، والله تعالى أعلم.

стр. 740

الدلالة الثانية: الجن يثابون بدخول الجنة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تدخل الجنة - ويكون لهم فيها جنتان- خلافاً لمن قال إنهم لا يدخلونها، بل يُثابون بالنجاة من النار؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه: أحدها: أن «مَنْ» مِن صيغ العموم، فتتناول كل خائف. (١) الثاني: أنه رتَّب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدلَّ على استحقاقه به. الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمِن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمِن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذى جاءَت به الرسل. (٢) ففي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن كافرهم في النار، وبوَّب عليه البخاري في صحيحه -كما تقدم - فقال «باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم» ونصّ عليه غير واحد من السلف. (٣)

стр. 741

قال ابن كثير في هذه الآية: (لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن. وهذه أيضا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة). (١) وممن استنبط دلالة هذه الآية على دخولهم الجنة: القرطبي، وابن كثير، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٢) وأيضاً فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه – كما في سورة الأحقاف- وكل من غُفِر له دخل الجنة ولا ريب، إذ ليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، والله تعالى أعلم.

стр. 742

سورة الواقعة صحة القياس. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة ٦٢]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي: الترابية لأبيكم آدم ﵇، واللحمية لأُمكم حواء ﵂، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى آخر غيره، فما الذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا تراباً إلى ما كنتم عليه أولاً من الصور؟ ولهذا سبَّب عما تقدم قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلا ولم لا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أي تذكراً عظيماً تُكرهون أنفسكم عليه، فتعلمون أن من قدَر على النشأة الأولى قدر على الثانية، فإنها أقل ضعفاً لحصول المواد، وتخصيص الأجزاء وسبق المثال، وفيه دليل على صحة القياس). (١) وجه الاستنباط: وقوع القياس هنا، وإرشاد الخلق بالدلالة على صحة الإعادة بصحة البداء. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة القياس؛ حيث جهَّلهم تعالى في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾، وتركُ القياس إذا كان جهلاً كان القياس علماً، وكل ما كان من قبيل العلم فهو

стр. 743

صحيح. (١) وقوله ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يشهد لهذا فهوتحضيض على التذكر والاستدلال، فمن قدر على الأولى قدر على الأخرى حتماً فإنها أهون عليه. وممن استنبط دلالة هذه الآية على صحة القياس: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (٢) وهي دلالة معتبرة صحيحة يعضدها احتجاجه تعالى على منكري البعث بالنشأة الأولى في آيات كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨] وقال سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، قال الماوردي (٣) عند هذه الآية من سورة الروم: وفي هذا دليل على صحة القياس). (٤) وقال القرطبي: (بيَّن كمال قدرته، أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يحييكم بالبعث، وفي هذا دليل على صحة القياس). (٥) والحق أن القياس حُجَّة، وهو دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات

стр. 744

الأحكام الشرعية بعد الكتاب والسُنَّة والإجماع، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما (١)، فيكون العمل بالقياس عملاً بما هو مستنبط من المنزل، وكأنه حكم بالمنزل وهو الكتاب والسُّنَّة. (٢) وهو ماعليه جمهور العلماء من السلف والخلف، وثبت عن جمعٍ كثير من الصحابة ﵃ القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نصَّ فيها (٣)، وبهذا يظهرصحة هذه الدلالة وقوتها، والله تعالى أعلم.

стр. 745

سورة الحديد فضل أبي بكر ﵁. قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد ١٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (بيَّن تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ ثم قال: وفي هذا دليل على فضل أبي بكر، فإنه أوّل من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد، وخاصم الكفار حتى ضُرب ضرباً شديداً أشرف منه على الهلاك). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على فضل أبي بكر؛ لأنه أوّل من أنفق مالَه في سبيل الله قبل الفتح، وأول من قاتل في الإسلام، والله تعالى يقول ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. فهذه الآية تضمنت تباين ما بين المنفقين وأنهما لا يستويان، لأن أصحاب النبي ﷺ نالهم من التعب والشدة قبل الفتح ما لم ينلهم بعده، وكانت حاجة الناس قبل الفتح أكثر لضعف الإسلام، وكان الإنفاق في سبيل الله حينئذ أشق، فكان من أنفق قبل الفتح أعظم ثواباً وأعلى درجة من غيرهم. وهذا يدل على أن الصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق منهم على اللاحق ولاشك أن لأبي بكر ﵁ قصب السبق في ذلك كله؛ لما ورد في فضائله رضي

стр. 746

الله تعالى عنه وأرضاه. قال القرطبي: (قال الكلبي: نزلت في أبي بكر ﵁ (١)، ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر ﵁ وتقديمه، لأنه أول من أسلم). (٢) وممن أشار إلى فضيلة أبي بكر ﵁ بدلالة هذه الآية: الواحدي، والقرطبي، والرازي، والنسفي، وابن كثير، وغيرهم. (٣) والذي يظهر أن قوله تعالى ﴿مَنْ أَنْفَقَ﴾ لفظ عام يشمل كل من أنفق من الصحابة -رضوان الله عليهم- ويدخل في ذلك أبو بكر دخولاً أولياً لفضله وسبقه. قال ابن كثير: (ولا شك عند أهل الإيمان أن الصِدِّيق أبا بكر، ﵁، له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها). (٤) وبوَّب البخاري في صحيحه: «باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ » (٥)، وقد تتابعت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، كما تقدم الحديث عن فضيلته في سورة التوبة. (٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه الخصائص لم يشركه فيها أحد). (٧) ولهذا قدَّمه الصحابة على أنفسهم، وأقروا له بالتقدم والسبق، والله تعالى

стр. 747

أعلم.

стр. 748

سورة الحشر كل ما أمر به النبيّ ﷺ فهو أمر من الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآية تدل على أنّ كل ما أمر به النبيّ ﷺ أمر من الله تعالى؛ لأنّ الآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره ﷺ ونواهيه داخلة فيها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصِّ أنّ كل ما أمر به النبيّ ﷺ هو أمرٌ من الله تعالى، لأنه حثَّ المسلمين فيها على التسليم لأمر الله تعالى ونهيه؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر. (٢) وهذا أمرعام يدخل فيه قسمة ما أفاء الله من الغنائم وغيرها، ثم هي عامة على الصحيح في كل ما أتى به رسول الله ﷺ من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (٣) وعلى هذا فالآية تصلح أن تكون قاعدة كلية وأصلاً عاماً، شامل لأصول الدين وفروعه، فكل ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا

стр. 749

تحل مخالفته، فيندرج فيها جميع أدلة السنة. وهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها جمهور المفسرين كالواحدي، والسمعاني، والزمخشري، وابن العربي، والقرطبي، وابن جزي، والخازن، وابن كثير، والسيوطي، وحقي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (١) كما أنَّ نص الرسول على حكم الشيء كنصَّ الله تعالى، بموجب هذه الآية فلا رخصة في تركه لأحد، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. (٢) قال الشنقيطي: (إن السنة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة (٣)، أي: أنها مُلزمة للمسلمين العمل بالسنة النبوية، فيكون الأخذ بالسنة أخذاً بكتاب الله، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]) (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 750

وجوب محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين، لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحداً منهم، أو اعتقد فيهم شراً أنه لا حق له في الفيء). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللزوم على وجوب محبة الصحابة رضوان الله عليهم، حيث أمر سبحانه التابعين في هذه الآية بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يدعوا الله أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أولياً لكونهم أشرف المؤمنين، ولأن السياق فيهم. (٢) وعلى هذا فكل من كان في قلبه غِل على أحد من الصحابة، ولم يترحم على جميعهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رَّتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذُكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجاً من أقسام المؤمنين، وليس له في فيء المسلمين نصيب. (٣)

стр. 751

وممن استنبط وجوب محبتهم من هذه الآية: السمرقندي، والبغوي، والقرطبي، والخازن، وحقي، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (١) ولاشك أن من عقيدة أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتعظيمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، وحُرمة بغض أحد منهم لما شرَّفهم الله به من الصحبة والجهاد والهجرة، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين. قال الطحاوي: (ونُحبُّ أصحاب رسول الله ﷺ ولا نُفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم ونُبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). (٢) وقد دلَّت النصوص على وجوب محبتهم ﵃ أجمعين، كما أخبر رسول الله ﷺ قال «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه». (٣) ويشهد لصحة هذه الدلالة قول الإمام مالك: من كان يُبغض أحداً من

стр. 752

أصحاب محمد ﷺ أو كان في قلبه عليه غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ هذه الآية. (١) وعليه فإنه حقٌ على المسلمين أن يذكروا سلفهم بخير، وحقاً عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، وأن الترحم والاستغفار واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم بدلالة سياق هذه الآية، والله تعالى أعلم.

стр. 753

سورة الممتحنة التفريق بين المسلمة وزوجها الكافر بسبب إسلامها لا هجرتها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة ١٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ﴾ أي: رجال الكفار ﴿يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: المؤمنات تأكيد للأوّل لتلازمهما. وقال البيضاوي: والتكرير للمطابقة والمبالغة، والأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع عن الاستئناف. (١) ... وقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين، وهنّ مؤمنات. والمعنى: لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من الأحوال، وهذا أدل دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها). (٢) وجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن العلّة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار. (٣) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ بدلالة اللازم من الآية أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر هو إسلامها لا هجرتها؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ تعليل للنهي عن إرجاعهن، أي: لا حلَّ بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة.

стр. 754

قال ابن عباس: (لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح كافرة لمؤمن). (١) واستنبط هذا الحكم من الآية: الواحدي، وابن العربي، والقرطبي، والنسفي، وابن عادل، وأبو السعود، والشوكاني، وغيرهم. (٢) قال الشوكاني: (فيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها، لا مجرد هجرتها). (٣) وفي المسألة خلاف بين الفقهاء هل تحصل الفُرقة بالإسلام، أم باختلاف الدارين؟ فقال أبو حنيفة: (الفُرقة تقع باختلاف الدارين (٤)، وذهب الجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة أن الفُرقة تقع بالإسلام، وذلك عند انتهاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء عدتها فهي امرأته). (٥)

стр. 755

قال ابن القيم: (المسلم لا يجوز له أن يتزوج المشركة، وإذا أسلم لا يبقى النكاح بينهما، إلا إذا أسلمت أثناء العدة، أما إذا لم تُسلم، فيُفرق بينهما لاختلاف الدين بينهما). (١) فإذا أسلمت المرأة وقعت الفُرقة بينها وبين زوجها، فلا تحل له ولا يحل لها، بدلالة هذه الآية، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 756

سورة المنافقون كثرة المنافقين في عهد الرسول ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم وفي عدم الانتفاع بهم في شيء، ﴿خُشُبٌ﴾ جمع كثرة لخَشَبة، وهو دليل على كثرتهم). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على كثرة المنافقين، بدلالة لفظ ﴿خُشُبٌ﴾ الذي جاء بصيغة جمع الكثرة، إذ جمع الكثرة يُطلق على ما فوق العشرة (٢)، فدلَّ على كثرتهم، وهم: عبد الله بن أُبي ابن سلول وأصحابه. (٣) وحكى الطبري اختلاف القراء في قراءة قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ حيث قرئت ﴿خُشُبٌ﴾ بضم الخاء والشين (٤)، قال: (كأنهم وجهوا ذلك إلى جمع الجمع (٥)، جمعوا الخَشَبة خِشابا ثم جمعوا الخِشاب خُشُباً، كما جُمعت الثمرة ثِماراً،

стр. 757

ثم ثَمَراً. (١) وقد يجوز أن يكون الخشب بضم الخاء والشين إلى أنها جمع خَشَبة، فتُضم الشين منها مرة، وتسكَّن أخرى، كما جمعوا الأَكَمة أُكُما وأُكْما بضم الألف والكاف مرة، وتسكين الكاف لها مرة، وكما قيل: البدُن والبدْن، بضم الدال وتسكينها لجمع البدنة. (٢) وممن استنبط كثرة المنافقين بدلالة هذه الآية: البقاعي، وغيره. (٣) فكان هذا الجمع لخشبة دليلاً للخطيب ﵀ – على كثرة هؤلاء المنافقين الموصوفين بما ذُكر، وليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت كثرتهم صحيحة؛ لأن جمع خشبة على خُشُب جمع نادر لم يحفظ إلا في ثمرة، وقيل: ثُمُر جمع ثِمار الذي هو جمع ثَمرة فيكون ثُمُر جمع جمع. وعليه فيكون خُشُب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده. (٤) فهو جمع شاذ (٥)، والشاذ لا يقاس عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 758

سورة الطلاق اختصاص الحوامل من المعتدات البوائن باستحقاق النفقة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (في قوله تعالى ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وإن مضت الأشهر ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن (١) والأحاديث تؤيده) (٢). (٣) وجه الاستنباط: أنه تعالى أطلق السكنى، وقيَّد النفقة، فلو كان الحكم فيها سواء لم يكن لذلك معنى. (٤) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الحوامل

стр. 759

مستحقات الإنفاق دون بعض المطلقات أخذاً بمفهوم الشرط؛ لأن الآية سيقت لبيان الواجب، فأوجب تعالى السكنى لكل مُعتدة تقدَّم ذِكرها ولم يوجب سواها، ثم استثنى الحوامل فخصَّهن بوجوب النفقة لهن حتى يضعن حملهن، فلمَّا ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، ولما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها. (١) قال الطبري: (الصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملاً، لأن الله جل ثناؤه جعل النفقة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ للحوامل دون غيرهن من البائنات من أزواجهن، ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهن من النفقة على أزواجهن سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هن وغيرهن في ذلك سواء). (٢) وهذا استدلال قوي يؤيده ما حكاه ابن العربي في تأصيل هذه المسألة حيث قال: (بسط ذلك وتحقيقه: أن الله لما ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدَّنا سُبلها قرآناً وسنة ومعنى في مسائل الخلاف، وهذا مأخذها من القرآن، فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. قلنا: لو كان هذا صحيحاً لما قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملاً كانت أو غير حامل، فلما خصَّها بذكر

стр. 760

النفقة حاملاً دلَّ على أنها البائن التي لا ينفق عليها. وتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ثم ذكر بعد ذلك حُكماً يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك من الأحكام، وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة). (١)، وقوله هذا وجيه جداً. وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة غير ابن العربي: الطبري، والشافعي، والكيا الهراسي، والبيضاوي، والخازن، والقاسمي، وغيرهم. (٢) ويؤيد دلالة هذه الآية قوله ﷺ لما سُئل عن فاطمة بنت قيس (٣) حين طلقها زوجها ثلاثاً، هل لها من نفقة؟ فقال ﷺ : ليست لها نفقة وعليها العدة. (٤) قال ابن القيم: (المطلقة البائن (غير الحامل) لا نفقة لها ولا سكنى بسنَّة رسول الله ﷺ الصحيحة، بل الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس ومذهب فقهاء الحديث). (٥) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، وأما القول

стр. 761

بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة فلا يخفى منافرته لنظم الآية (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 762

سورة الملك النار مخلوقة موجودة الآن. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (هذه الآية تدل على أن النار مخلوقة الآن، لأن قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة النص أن النار مخلوقة موجودة الآن، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، قال ابن أبي العز ﵀: (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك) (٢) وممن استنبط خلق النار من هذه الآية في سورة الملك: الرازي، وغيره. (٣) وجمهور العلماء على خلق النار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وغيرها من الآيات، وهو نص في الأحاديث كحديث

стр. 763

الإسراء وغيره، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة، وبيان الأدلة عليها (١)، والله تعالى أعلم. سورة الجن استماع الجن لرسول الله ﷺ وعدم رؤيته لهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ دليل على أنه ﷺ ما رآهم ولا قرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته). (٢) وجه الاستنباط: ظاهر الآية أنه سماع واستماع فقط، كماسيأتي. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة النصَّ أنه ﷺ ما رآى الجن يوم استماعهم له ولا قرأ عليهم، بل اتفق حضورهم عند قراءته في صلاة الفجر كما في الصحيح (٣) يدل له ظاهر السياق حيث قال تعالى: ﴿اسْتَمَعَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قال الشوكاني: (واختُلِف هل رآهم النبي ﷺ أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم، لأن المعنى: قل يا محمد لأمتك أوحي إلي على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، ويؤيد هذا

стр. 764

ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن، وما رآهم) (١). (٢) وقيل في شرح حديث ابن عباس هذا: معناه: أنه لم يقصدهم بالقراءة بل لمَّا تفرقوا يطلبون الخبر الذي حال بينهم وبين استراق السمع، صادف هؤلاء النفر رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، وعلى هذا فهو ﷺ لم يعلم باستماعهم ولم يكلمهم وإنما أعلمه الله بما أوحي إليه من قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى وجن آخرون. (٣) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبو حيان، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (٤) والمشهور أن هذا الاستماع هو المذكور في سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، وهي قصة واحدة، وقيل: قصتان، ولم تتعرض الآية، لا هنا ولا في سورة الأحقاف، إلى أنه رآهم وكلمهم ﵊. ويظهر أن ذلك كان مرتين: إحداهما: في مبدأ مبعث رسول الله ﷺ (٥)،

стр. 765

وهو في الوقت الذي أخبر فيه عبد الله بن مسعود أنه لم يكن معه ليلة الجن، والمرة الأخرى: كان معه ابن مسعود، وقد استندب ﷺ من يقوم معه إلى أن يتلو القرآن على الجن، فلم يقم أحد غير عبد الله بن مسعود (١)، فهذا يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في المرة الأولى وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه تِباعاً قوما بعد قوم، وفوجاً بعد فوج. (٢) ويؤيده ماحكاه الشنقيطي وغيره قال: (وقد دلَّ القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا عن القرآن كُله وقع ولم يعلم به النبي ﷺ ، حتى أوحى الله ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها مع بيانها وبسطها، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن، بعد استماعهم القرآن العظيم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]، إلى آخر الآيات). (٣) وعليه فالذي يظهر أنه ﵊، ما شعر بأمر الجن حتى أنزل الله عليه خبرهم. كما هي رواية ابن عباس ﵁ ودلَّت عليه هذه الآية، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 766

الجنّ الذين استمعوا له ﷺ كانوا مشركين. قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي: لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنّ أولئك الجنّ كانوا مشركين). (١) وجه الاستنباط: نفيهم للشرك في المستقبل، يدل على تقدمه منهم. الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها بالنصِّ على أنّ أولئك الجنّ الذين استمعوا للنبي ﷺ كانوا مشركين؛ لأنهم قالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي: صدَّقنا بأنه من عند الله ولن نشرك بربنا أحداً من خلقه، ولا نتخذ معه إلهاً آخر لأنه المتفرد بالربوبية، فلن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان، فنفوا عن أنفسهم الشرك في المستقبل فدلَّ على أنهم كانوا مشركين. وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، وابن عاشور، وغيرهما. (٢) قال ابن عاشور: (قولهم: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي ينتفي ذلك في المستقبل، وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين، ولذلك أكدوا نفي الإشراك بحرف التأبيد، فكما أكَّد

стр. 767

خبرهم عن القرآن والثناء عليه بـ «إن» أكَّد خبرهم عن إقلاعهم عن الإشراك بـ «لن»). (١) وهذا هو الظاهر من سياق الآيات، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] أي: جاهلنا وهو إبليس، وقيل هو المشرك منهم (٢)، كذباً وعدواناً على الله، وهو وصفه تعالى بالشريك والولد، وكذلك قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ أي: ظن المشركون من الجن ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾، وهو خطاب للمشركين من الإنس (٣)، فدلَّ على سبق الشرك منهم، كما أفاده الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 768

سورة المزمل - فضيلة التجارة. قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. قال الخطيب الشربيني ﵀: (سوّى سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال، لنفقته على نفسه وعياله والإحسان، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جَمَعه مع الجهاد في سبيل الله). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية بدلالة الاقتران أن كسب المال الحلال بمنزلة الجهاد في سبيل الله، حيث قرن تعالى المسافرين لابتغاء فضل الله بالمجاهدين، إشارة إلى أنهم نحوهم في الأجر (٢)، فذَكر سبحانه أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل، وهي المرض والسفر في تجارة أو غزو، فخفَّف عنهم القيام لها، والله تعالى ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويهاً بهما، لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض (٣)، فدلَّ على فضلهما. قال ابن الفرس: (في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فضيلة التجارة، لسوقها في الآية مع الجهاد). (٤)

стр. 769

وقال القرطبي: (سوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله). (١) وممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية غير ابن الفرس والقرطبي: السمرقندي، وابن عطية، والرازي، والنسفي، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) وقد كان بعض الصحابة يتأوّل من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر، كما روي عن عبدالله بن عمر وابن مسعود ﵄. (٣) والذي يظهر والله تعالى أعلم هوأن هذه الآية تدل على فضيلة كسب المال الحلال، كما نصَّ عليه ابن الفرس، وغيره، أما جعله بمنزلة الجهاد في سبيل الله بدلالة الاقتران كما استنبطه الخطيب فليس بظاهر، وأين بذل النفس والمال في سبيل الله من كسب المال الحلال؛ وغاية ما في هذه الآية أنه تعالى ذَكر أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل فذكر المرض والسفر في التجارة أو الغزو في

стр. 770

سبيل الله، وخفَّف عنهم القيام لها، بجامع قوة هذه الأعذار في الشغل عن القيام والذكر والقراءة، ولا يلزم من هذا الاقتران التسوية بين منزلة الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام بكسب المال الحلال والسعي للتجارة، وما ورد في ذلك من آثار كلها لا يخلو سندها من مقال، والله تعالى أعلم.

стр. 771

سورة المدثر - معاندة الوليد بن المغيرة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الوليد كان معانداً في أمور كثيرة، منها: أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، وصحة النبوّة، وصحة البعث، ومنها: أنّ كفره كان عناداً؛ لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه، وكفر العناد أفحش أنواع الكفر، ومنها: أنّ قوله تعالى ﴿كَانَ﴾ يدل على أنّ هذه حرفته من قديم الزمان). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنّص على معاندة الوليد بن المغيرة في أمور كثيرة وأن العناد صفة لازمة له، بدلالة قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ وذلك أنّ قوله تعالى ﴿كَانَ﴾ يدل على أنّ هذا ديدنه من قديم الزمان، كما نصَّت الآية أنّ كفره كان كفر عناد، وكفر العناد أشنع أنواع الكفر؛ لأنه كان يعرف الآيات بقلبه وينكرها بلسانه. فكان مُعانداً للحق مُجانباً له، يعاند في دلائل التوحيد، وصدق النبوّة، وصحة البعث منكراً للكل بدلالة قوله ﴿لِآيَاتِنَا﴾ فخصَّ الآيات بجحوده وعناده لا غيرها. وممن نصَّ على هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والخازن، وغيرهما. (٢) قال الرازي في تفصيل وجه استنباط هذه الدلالة: (في هذه الآية إشارة إلى

стр. 772

أمور كثيرة من صفاته، أحدها: أنه كان معانداً في جميع الدلائل الدالة على التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة، وصحة البعث، وكان هو منازعاً في الكل، منكراً للكل، وثانيها: أن كفره كان كفر عناد، كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه، وثالثها: أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة، ورابعها: أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيداً، لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركاً للعناد في سائر الأشياء، يدل على غاية الخسران). (١) فجاءت دلالة الآية على ملازمة صفة العناد له، ليس في سائر أحواله بل فيما يتعلَّق بآيات الله على وجه الخصوص، وأن معاندته للحق ومبارزته لله ولرسوله بالمحاربة وأذيته لهما صفة قديمة فيه، واختصار هذه المعاني كلها في هذه الآية الواحدة من محاسن بلاغة هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، وهي إشارة لطيفة من الآية، والله تعالى أعلم.

стр. 773

صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثَمَّ شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة صحة الشفاعة ونفعها لعصاة المؤمنين؛ لأنّ تخصيص هؤلاء المذكورين بأنهم يومئذ لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة، وإلا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه. قال الزجاج: (وفي هذا دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة بعضهم لبعض). (٢) وقال ابن عطية: (أخبر تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم، فتقرر من ذلك

стр. 774

أن ثم شافعين) (١). وقال بهذا الاستنباط من المفسرين غير الزجاج، وابن عطية: ابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) فثبت أن للمذنبين شفاعة كما دلّ له مفهوم هذه الآية، وأن نفع الشفاعة لمن آمن، وهو دليل قوي على صحة عقيدة أهل السنة، وفساد مذهب المعتزلة الذين تمسكوا بهذه الآية وغيرها في نفي الشفاعة للعصاة (٣)، وقولهم لاشك مردود؛ لأن المنفي هنا شفاعة الكفار دون المؤمنين، بدليل الأخبار الواردة في ذلك (٤)، وأيضاً فإن الله تعالى أثبت الشفاعة لأقوام، ونفاها عن أقوام، فقال في صفة الكافرين ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وقال ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. فظهر بهذا أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 775

سورة النازعات فائدة نسبة الماء إلى الارض في قوله تعالى (ماءها). قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١، ٣٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي: الأرض ﴿مَاءَهَا﴾ أي: بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها). (١) الدراسة: استنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على مناسبة نسبة الماء إلى الارض في قوله تعالى ﴿مَاءَهَا﴾ وهي الدلالة على أنَّ أصله يعود إلى باطنها وأنه مودوع فيها، فنسب الماء والمرعى إليها لأنهما يخرجان منها. (٢) قال ابن عطية: (نسب الماء والمرعى إلى الأرض، حيث هما يظهران فيها). (٣) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: ابن عطية، وابن جزي، وابن كثير، والشوكاني وغيرهم. (٤) قال ابن كثير: (دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها). (٥)
следующие страницы →