Полный текст (236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ولا يرى شخصه. واستدعى أبو نؤاس أن يكثر المكاتب له المحو في كتابه فقال:
أكثري المحو في الكتاب ومحي ... هـ بريق اللسان لا بالبنان
وأمري كلما مررت يسطر ... فيه محو لطعته بلساني
فأرى ذاك قبلة من بعيد ... أسعدتني وما برحت مكاني
وقال أبو نؤاس:
يا ذا الذي قبلته فمحاه ... أخشيت أن تقرا حروف هجاه
ظبي يرى التقبيل فيه مؤثرا ... فتراه منه كيف يمسح فاه
ويظنه لكتابه في لوحه ... يبقى بقاءً دائما فمحاه
عرض الكتاب
يقال: عرضت الكتاب أعرضه عرضاً، إذا أمررته على طرفك بعد فراغك منه، لئلا يقع خطأ، وكذلك عرضت الجند. ولا تقل
стр. 107
أعرضت الجند لأن الإعراض انصرافك بوجهك عن الشيء، وحقه في اللغة أنك وليته عرض وجهك قال عمرو بن كلثوم:
وأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسياف بأيدي مصلتينا
ويقول: صرنا إلى موضع رأينا منه عرضها أي جانبها فكأنها هي أريناه. وقد عرضت ما قلت على قلبي. وهذا خلاف العرض على العين، إنما يريد أفكرت فيما قلت. وعرض الرجل على ماله فهو عارض وعرض على فلان فهو معروض عليه.
وقال ابن الأحنف:
كأن خروجي من عندكم قدراً ... وحادثاً من حوادث الزمن
من قبل أن أعرض الفراق على ... صبري وأن أستعد للحزن
أنشد هذين البيتين محمد بن يزيد المبرد وقال: عمك إبراهيم بن العباس أحزم رأياً من خاله العباس بن الأحنف حين قال:
وناجيت نفسي بالفراق أروضها ... فقالت: رويداً لا أعزك من صبري
فقلت لها: فالبين والهجر راحت ... فقالت: أمني بالفراق وبالهجر
فقلت له: إنه أخذهما أيضاً ابن الأحنف:
عرضت على قلبي السلو فقال لي: ... من الآن فتش لا أعزك من صبر
إذا صد من أهوى رجوت وصاله ... وفرقته جمر أحر من الجمر
وأما قوله : " وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً "، فإنه يقول : أظهرناها لهم وأبرزناها، هكذا قال المفسرون. وعرضت المتاع على المشتري أبرزته له. وعرضت الحوض على
стр. 108
الناقة إذا امتحنت عطشها. وقد قلبوا فقالوا: عرضت الناقة على الحوض كما قالوا:
كانت عقوبة ما فعلت كما ... كان الزناء عقوبة الرجم
فأما معارضة الكتاب فعرض واحد على الآخر حتى يستويا.
اللحن في الكتاب
قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا محمد بن عباد عن أبيه، قال: لحن أيوب في حرف فقال أستغفر الله.
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري وقد قرأ في كتابه لحنا: قنع كاتبك سوطا.
حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: كان ابن قادم مع إسحاق بن إبراهيم المصعبي فكتب كاتبه ميمون بن إبراهيم إلى المأمون كتاباً فيه: " وهذا المال مالاً يجب على فلان "، فخط المأمون على " مالاً " ووقع بخطه في حاشية الكتاب: أتكاتبني بلحن يا إسحاق؟! فاشتد ذلك عليه.
قال: فحدثني ابن قادم، قال: أتاني ميمون فقال: الله الله في احتل لي. فحضرت فسألني إسحاق عن الحرف فقلت: الوجه وهذا المال مال، ومالاً يجوز على تأول، لأخلص الكاتب. فقال إسحاق لكاتبه: قد عفوت عنك فدعني من يجوز والزم صحيح الإعراب. قال: ثم أكب ميمون علي يقرأ النحو حتى فهم منه
стр. 109
شيئاً كثيراً.
حدثني أبو عبد الرحمن الألوسي العباس بن عبد الرحيم قال: سمعت عبد الله بن قتيبة يقول كتب إلي رجل من سر من رأى: قد قرأت كتابك المترجم بكتاب الكتاب وقد أعبت عليك فيه حرفاً. فكتبت إليه: وصل كتابك وفهمته وقد عبت عليك قولك وأعبت عليك والسلام.
قال أبو بكر: هذا شيء يتسع فيكثر فجئت منه بطرف لأنه وحده يكون كتاباً كبيراً لو ذكرته.
وقالوا: " اللحن في الكتاب، أقبح منه في الخطاب ".
وأكثر العلماء يلحن في كلامه لئلا ينسب إلى الثقل والبغض، فأما في الكتاب وإنشاد الشعر فإن ذلك قبيح غير جائز.
يقال: لحن يلحن لحناً فهو لاحن إذا أمال الصواب عن جهة إلى جهة أخرى. وأما قوله : " ولتعرفنهم في لحن القول "، فإن الكلبي يقول في لحنه في مداره. قال: وحقيقته في اللغة إمالة الشيء من جهته، إما لخطأ أو عمد، ليؤرى عن إرادته. قال القتال الكلابي:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... ووحيت وحياً ليس بالمرتاب
وحكى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أنه يستحسن من الجارية اللحن وتكره الفصاحة. قال ولذلك قال مالك بن أسماء الفزاري:
стр. 110
منطق رائع وتلحن أحيا ... ناً وأحلى الحديث ما كان لحنا
فذهب بهذا إلى لحن الخطأ، وهو قبيح من مثله وخطأ فاحش عليه أن يتأول هذا، ثم لم يرض حتى احتج له. والذي أراد مالك أنها فطنة تأتي بالشيء تريد غيره وتميل ظاهره عن باطنه. وقد قيل للجاحظ: غير هذا في كتابك فإنه قبيح، فقال: افعل، ولكن كيف لي بما سارت به الركبان.
ويقال من هذا: فلان ألحن بحجته من فلان، أبي ألحن بإمالة الباطل إلى الحق بفصاحته وعلمه. ويصدق ذلك قول رسول الله ﷺ : " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
قال أبو بكر: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثني الجاحظ عن أبي عبيدة قال: رآني أبي وأنا أكتب كتاباً فقال:
стр. 111
" يا بني اجعل فيه لحناً ليزول عنه حرفة الصواب ".
يقال: لحن الرجل يلحن لحناً إذا أخطأ بتسكين الحاء ولحن يلحن لحناً إذا أمال الشيء إلى الجهة التي يريدها. ويجعلون هذا مكان هذا، إلا أن الاختيار في الثاني فتح الحاء. قال ابن أم صاحب فحرك الحاء:
غمست عنهم وما ظني مخافتهم ... وسوف يعرفهم ذو اللب واللحن
غمست عميت. حدثنا أبو العيناء قال: قدم أبو علاء المنقري. من الأهواز فقال لي: يا أبا عبد الله ما أكبر دباءها وما أبخل أهلها! قلت: وما أكثر اللحن فيها! قال: كثير جداً. وكان فصيحاً على لحنه.
حدثنا جبلة بن محمد الكوفي، قال: حدثني أبي قال: عاد بن أبي ليلى بعض أشراف الكوفة، وكان له أخ لحان، فجعل يقول: " يا أخي افتح عيناك حرك شفتاك كلم أبي عيسى ". فقال له ابن أبي الحي: " أظن علة أخيك استماع لحنك ".
قال الصولي: وحدثنا أبو العيناء قال: قال رجل لأبي شيبة القاضي: علي كفارة يمين فبأي شيء أكفر. بدقيقا بسويقا. فقال الرجل: ما لحنت أطيب من لحنك. وقال له بن مصقلة: لو كان لحنك من الذنوب لكان من الكبائر.
وقال أبو بكر وأنشدني عون بن محمد:
لقد كان في عينك يا حفص شاغل ... وأنف كمثل العود عما تتبع
стр. 112
تتبع لحناً من كلام مرقش ... وأنفك كمثل إيطاء وأنت المرقع
حدثنا الباجي قال: كتب ابن الرومي كتاباً بخطه فلحن فيه إلى أبي الحسن محمد بت أبي سلالة وقد كان احتبس عن ابن الرومي فكتب إليه ابن الرومي وقد علم بذلك:
ألا أيها الموسوم باسم وكنية ... وجدناهما اشتقا من الحمد والحسن
أتبخل بالقرطاس والخط عن أخ ... وكفاك أندى بالعطاء من المزن
أيغلق عني علمه بكتابه ... أخ لي وقلبي عنده علق الرهن
عطفناك فاعطف إن كل ابن حرة ... أخو مكسر صلب وذو معطف لين
وإن سقطاتي في كتابي تتابعت ... فلا تلحني فيما جنيت على ذهني
حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال: حدثني الأصمعي قال: دخلت على مالك بن أنس بالمدينة، فما هبت عالماً قط هيبتي له، فتكلم فلجن فقال: مطرنا البارحة مطراً وأي مطراً، فخف في عيني فقلت له: يا أبا عبد الله قد بلغت من العلم هذا المبلغ فلو أصلحت من لسانك! فقال لي: فكيف لو رأيت ربيعة بن عبد الرحمن؟! قلنا له: كيف أصبحت؟ فقال: بخيراً بخيراً.
وما أحسن ما قال بعض الزهاد: " أعربنا في كلامنا فما لحن، ولحنا في كلامنا فما أعرب ".
стр. 113
التوقيع والإيجاز
يقال: وقعت في الشيء أوقع توقيعاً وكتاب موقع فيه ورجل موقع فإذا أمرت قلت: وقع فيه. وحقه في اللغة التأثير القليل الخفيف، يقال: دف هذه الناقة موقع إذا أثرت فيه حبال الأحمال - والدف الجنب - تأثيراً خفيفاً.
وحكى العتبي أن أعرابية قالت لخل لها: حديثك ترويع وزيارتك توقيع.
وقال جعفر بن يحيى لكتابه " إن استطعتم أن تكون كتبكم كالتوقيعات فافعلوا ". يريد بذلك حضهم على الإيجاز والاختصار.
وحدثني أحمد بن إسماعيل قال: حدثني أحمد بن محمد بن إسماعيل بن صبيح قال: كان أبو سلمة يوقع في الكتب: " آمنت بالله وحده ". فخرجت لأبي اللفائف الكوفي صلة بكتاب من السفاح فجاء يناشد أبا سلمة وقد تأخر تعليمه فيه:
قل للوزير: أراه الإله في الحق رشده
الباذل النصح طوعاً ... لآل أحمد جهده
أطلت حبس كتابي ... وحمله ثم رده
يا واحد الناس وقع ... آمنت بالله وحده
يقال أوجز في كلامه وكتابه وفعاله يوجز إيجازاً إذا أسرع وخفف. وموت وجيز وحي سريع. ورجل موجز إذا كان يفعل ذلك. ووجز الكلام بنفسه يجز وجزأ. قال رؤبة:
ها وجز
стр. 114
معروفك بالرماق
التعليم في الكتاب
يقال: علمت في الكتاب أعلم تعليماً إذا وقعت فيه خطاً تعرفه به ويعرفه غيرك. ولا تقل أعلمت فيه. ولا أعلمت عليه. ولا تعلمت فيه. ومن العرب من يقول: أعلم كذا وتعلم كذا بمعنى. وقال:
تعلم أن سر الناس حي ... تنادي في شعارهم يسار
فتعلم بمعنى إعلم.
الإملاء
يقال: أمليت الكتاب وأمللت. وقد نزل القرآن باللغتين جميعاً قال الله : " وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه ". وقال جل وعلا: " فليملل وليه بالعدل ". وقال الهذلي:
وإني كما قال: تملي الكتا ... ب في الرق أو خطه الكاتب
وأصله في اللغة من الإطالة. ومنه الملوان الليل والنهار. ومنه: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ". وإنما أخرهم الله ليتوبوا فلما كان تأخيرهم سبب إثمهم وآلته آل أمرهم بسبب التأخير والإملاء إلى الإثم. وكما قال : " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ". وهم لم يلتقطوه لذلك ولكن لما آل أمره إلى أن كان لهم عدواً نسب الالتقاط إلى المآل.
وأنشد التنوخي:
стр. 115
وكان لنا قيدان قد أمليا لنا ... وفي الدهر والأيام للمرء زاجر
طي الكتاب ودرجه
يقال طوى الكتاب يطويه طياً وطية واحدة وطواه طية فقال ذو الرمة:
من دمنة نسفت الصبا كدرا ... كما تنشر بعد الطية الكتب
ومضى لطيته إذا سافر. وقالوا: الطية البعد، وهو عند بعضهم من طي المنازل.
وقد قيل: إن طيئاً سمي بطيه للمنازل، وهذا خطأ عند أكثرهم، يقولون: فمن أين جاءت هذه الهمزة؟ وأصله من الطي. والمحققون في اللغة يقولون: كان كثير القرى وطي المنزل فسمي بهذا.
فعلى هذا طي الكتاب سرعة إدراجه. وكذلك أدرج الكتاب معناه أسرع طيه فدرجه إدراجاً. وقال أبو عبيدة: مدرجة الطريق التي يسرع الناس فيها. وناقة دروج سريعة. ورجع فلان على أدراجه إذا رجع في الطريق الذي جاء فيه. وسالت أبا تذكوان عن هذه اللفظة فقال: حقيقتها أن الكتاب إذا أدرج فهو على مطاو، فإذا نشر رجعت تلك المطاوي إلى ما كانت عليه. وقال ابن حذاق في أدرج:
وغسلوني وما غسلت من تفل ... وأدرجوني كأني طي مخراق
стр. 116
والمشق في اللغة تأثير الشيء بسرعة. قال ذو الرمة:
فكر يمشق طعناً في جواشنها ... كأنه الأجر في الإقبال يحتسب
وكثر ذلك في كلامهم حتى صار كل مستلب شيئاً قد مشقه. قال الأخطل:
والخيل تمشق عنهم أسلابهم ... في كل معترك وكل مغار
وقالوا: درج يدرج درجاً بمعنى أدرج وليست بالجيدة وكله من الإسراع، ومنه درج الرجل إذا مات ولا نسل له.
يقال: طمست الكتاب أطمسه طمساً إذا عميت خطه حتى لا يقرأ. وقيل: طمس وطمس بمعنى واحد، كما قيل جبذ وجذب. وطمس الله بصره إذا أذهب نوره وأخفاه. قال القطامي:
وليلة قد بت ما أناملها ... في بلدة طامسة أعلامها
وقوله : " من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها ". قال المفسرون: نجعلها كأقفائها منبتاً للشعر مثل وجوه القردة، وقد نجعل وجوههم إلى ظهورهم مكان القفا. وطمست الأثر محوته، عن أبي زيد والأصمعي. وطلس الكتاب وطلسه أيضاً محاه. والطلسة السواد. وبعض أهل اللغة يقولون: هو لون يقارب السواد. وأكثر ما يوصف بالطلسة الذئب، يقولون: ذئب أطلس. والرياح الطوامس التي تذهب بمعالم المنازل تطمسها. ويقال: درس ما في الكتاب يدرس، إذا خفي شيء بعد شيء، حتى يذهب
стр. 117
أثره، ومنه درس البعير إذا جرب كأنه يلي بعض جربه بعضاً. وثوب درس أي مخلق لأنه يخلق حالاً بعد حال وشيء في أثر شيء. واختاروا في تعفي الأثر وفي الجرب درس دروساً وفي الثلاثة درس درساً.
درس الكتاب وسرده
درس الكتاب والقرآن يدرسه درساً إذا قرأه قراءة متصلة يعضها ببعض أو في أثر بعض. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو عمروا وأهل المدينة: " وليقولوا درست "، قال المفسرون: يقولوا تعلمت ذلك من اليهود ودرسته معهم. وقرئ دارست، يريد دارستهم ذلك. وقرأ الحسن درست أي أخلقت، يقولون: هذا الذي تأتي به قد جاء غيرك بمثله وهذا من الدروس لا من الدرس. وقال التوجي: درس الشيء إذا أكثر قراءته وتردد فيه ومنه طريق مدروس تدرسه الناس كثيراً.
وكذلك سرد الكتاب يسرده سرداً شبيه بقوله درسه درساً، ودرع مسرودة بعضها يتلو بعضاً حتى تتم. قال أبو ذؤيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
يعني درعين منسوجتين وقضاهما عملهما. وقال المفسرون في قوله : " وقدر في السرد " أي في نسج الحلق ونظمه. وقال مسرودة مسمورة بالحلق.
стр. 118
الخاتم وسببه وما قيل فيه
حدثنا إبراهيم بن عبد الله اللجي قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن المغيرة بن زياد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب فلبسه ثلاثة أيام ففشت خواتيم الذهب في أصحابه، فرمى به واتخذ خاتماً من ورق نقش عليه: " محمد رسول الله " فكان في يده ﷺ حتى مات. وفي يد أبي بكر حتى مات وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين، فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار ليختم به فأتى قليباً لعثمان ﵀ فسقط الخاتم في القليب فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتماً من ورق ونقش عليه " محمد رسول الله ".
ولم يتخذ ﷺ الخاتم حتى احتاج إلى مكاتبة الملوك، منصرفة من الحديبية سنة ست فقيل له: إن الملوك لا تقبل الكتاب إلا أن يكون مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة ونقش عليه: " محمد رسول الله " محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
وحدثنا محمد بن أبي قريش، قال: حدثنا محمد بن عبد الله
стр. 119
الأنصاري قال: حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ كتب إلى ملك الروم " فكتب ملك الروم " لا نقبل كتاباً إلا مختوماً فاتخذ خاتماً ونقش عليه محمد رسول الله محمد سطر وسول سطر والله سطر.
ويقال: ختمت الكتاب بغير ألف، ولا يقال: اختمت، فإذا أمرت قلت اختم كتابك وهو الخاتم والخاتم والخاتام والخيتام وجمعه خياتيم. وختم فهو خاتم مثل ضرب فهو ضارب. ويجمع خاتم خواتم وخواتيم. وختمت الكتاب ختماً وختاماً ويجمعونه ختم.
وختمت الكتاب وطبعته بمعنى قطعته بآخر العمل فيه. ومنه " الأعمال بخواتيمها " أي بأواخرها التي ينقطع العمل بها. وفلان خاتم القوم وخاتمتهم أي آخرهم.
وقيل: الختم الحظر وقد حكي عن أعرابي أنه قال: ختمت على العيون أن تراها، يريد امرأة، المعنى حظرت. " وختامه مسك " قال المفسرون: مقطعه يوجد معه رائحة المسك. واختم أمرك بكذا أي اقطعه به. ويروى عن ابن عباس أنه قال: كل كتاب غير مختوم فهو أقلف.
وقال عمر بن الخطاب ﵀ يوصي بالختم: " طينه خبر من طنه ". وفسروا قول الله : " إني ألقي إلي كتاب كريم "، أي مختوم.
стр. 120
والذي عليه الكتاب الحذاق أن الرئيس والنظير يختم رقاعه وتوقيعاته إن شاء وأن من دونهم لا يختم، وإن ختم وهو دون الرئيس والنظير، لزمه إثبات اسمه على جانب كتابه الأيسر تضاؤلاً وتواضعاً. وكتب بعض الكتاب إلى رئيس له: أنت - أيدك الله - تختم رقاعك لأنها مطايا بر، ولا أختم رقاعي نها حوامل شكر.
وأحسن ما ختم به الرؤساء كتبهم ما عليه اسم الرئيس واسم أبيه.
وقال بعض الكتاب: الوزارة الختم والخاتم، لأن سائر الأعمال يباشرها بعض الكفاة إلا الختم فإنه لابد أن ينتهي الكتب إلى الوزير وتعرض عليه فيختمها بخاتم الملك.
وقال إبراهيم بن العباس الصولي: الكتب موات ما لم يوقع فيها توقيع الختم وتختم، فإذا فعل ذلك بها عاشت. وقال عمر بن مسعدة: الخط صور الكتب ترد إليها أرواحها.
وكان محمد بن عبد الملك الزيات، إذا أراد أن يختم الكتب دعا بدرج فيه الخاتم، فإذا جيء به وهو خاتم الملك، قام قائماً فأخذه إجلالاً له ثم جلس فأخرجه وختم به ورده إلى الدرج وختم عليه.
وكانت بعض الكتاب في أن الختم والتوقيع إلى الرؤساء:
حتام لا أنفك حارس سلبه ... أدعى فأسمع مذعناً وأطيع
يتداول الناس الرياسة بينهم ... وأروم حظهم فلا أستطيع
وأكلف العبء الثقيل وإنما ... يبلى به الأتباع لا المتبوع
стр. 121
وعليهم الأثقال يحتملونها ... وعلى الرئيس الختم والتوقيع
فقال آخر:
يا أيها الملك المنفذ أمره شرقاً وغرباً
امنن بختم صحيفتي ... ما دام هذا الطين رطبا
واعلم بأن جفافه ... مما يعيد السهل صعبا
وقال آخر:
قل للخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به تمضي الخواتيم
وقال آخر في الخواتم:
أناس أبو العاصي أبوهم توارثوا ... خلافة مهدي وخير الخواتم
وقال آخر في الخاتام:
لو كان عندي مائتا درهام ... لجاز في أرضهم خاتامي
وفال أعرابي:
يا مي ذات المعجر المنشق ... أخذت خاتامي بغير حق
وحدثني عمرو بن تركي القاضي قال: حدثنا القحذمي قال: كان على خاتم البريد للأسرة صورة ذباب، يريدون بذلك أن لا يحجب كما أن الذباب لا يمكن أحداً أن يحجبه.
стр. 122
قال: وكانت الخواتم في خزائن الملوك لا تدفعها إلى الوزراء، فأطرد الأمر على ذلك حتى ملك بنو أمية، وأفرد معاوية ديوان الخاتم، وولاه عبيد بن أوس الغساني وسلم الخاتم إليه، وكان على فصه " لكل عمل ثواب ". وكان سبب ذلك أنه كتب لعمرو بن الزبير إلى بعض عماله بمائة ألف درهم ففرق عمرو الهاء وجعلها ياء وأخذ مائتي ألف درهم، فلما مرت بمعاوية ذكر أنه لم يصله إلا بمائة الف درهم، فأحضر العامل الكتاب فوقف معاوية على الأمر فاتخذ ديوان الخاتم.
العنوان
يقال عنوان الكتاب وعنونته وهي اللغة الفصيحة. وبعضهم يقول: علونت فيقلب النون لاماً لقرب مخرجهما من الفم، لأنهما يخرجان من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وقد قيل: العلوان فعوال من العلانية لأنك أعلنت به أمر الكتاب وممن هو وإلى من هو. وسمعت أحمد بن يحيى يقول: أعلن أمرنا علوناً وعلناً.
والعنوان العلامة كأنك علمته حتى عرف بذكر من كتبه ومن كتب إليه. قال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان ﵁:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
وقال المأمون لرجل رآه في موكبه فلم يعرفه، وكان جسيماً: ما هذه الجسامة؟ قال: " عنوان نعمة الله ونعمتك يا أمير المؤمنين ".
ويروى أن معاوية قال لبعض العرب مثل ذلك، فأجيب
стр. 123
بهذا الجواب.
وأول من كتب " من عبد الله فلان أمير المؤمنين ". كان يقال لأبي بكر ﵁ وهو أول من سمي " أمير المؤمنين ". كان يقال لأبي بكر ﵁ " خليفة رسول الله "، ثم قيل لعمر: " خليفة رسول الله "، فدخل المغيرة بن شعبة على عمر فقال: " السلام عليك يا أمير المؤمنين "، قال عمر: وما هذه؟ قال: ألسنا المؤمنين وأنت أميرنا؟ فكان أخف من الأول فجروا عليه.
وكانوا يكتبون في العنوان " بسم الله الرحمن الرحيم " مثل ذكر من كاتب ثم ترك.
قالوا: والأحسن في عنوان الكتاب إلي الرئيس، أن يعظم الخط ويفخمه، إذا ذكرت كنيته أو نسبته إلى شيء، وأن تلطف الخط في اسمك واسم أبيك وتجمعه. وقال المحققون من الكتبة: إن في ذلك إخلالاً للمكتوب له وفي مخالفته غض منه وتطاول عليه. وإن كانت آخر الكلمة ياء مثلاً، كأبي علي وأبي عيسى وأبي يحيى وأبي يعلى، غرقت الياء إلى قدام، ولم تردها إلى خلف، فقد حكي في ذلك شيء مليح.
حدثني أبو المرزيان قال: قال لي محمد بن يزيد الأموي الشاعر: استحسنت من عيسى بن فرخانشاه شيئاً، رأى كاتباً له قد كتب اسمه عيسى، فرد الياء إلى خلف عيسى، فقال: قولوا لهذا الكاتب لا تعد لمثل هذا، فإن أيسر ما فيه أن الياء إذا كانت إلى قدام كان ذلك فألا للإقبال، وفي ردها فأل
стр. 124
لللإدبار، وقالوا: مع هذا فهو أبهى للخط وأفسح للشكل.
ويعنون إلى الأمير بالإسم والتأمير، بغير دعاء ولا كنية اكتفاء بجلالة التأمير، والإسم مع التأمير أجل من الكنية لأنه أشبه بمكاتبة الخلفاء لأنهم يقولون في التصدير للإمام " لعبد الله فلان الإمام أمير المؤمنين "، ولا يأتون بكنية فكذلك شبهوا هذا به، فكان الإسم مع التأمير أجل من الكنية. ثم يكتبون في التصدير للإمام " لعبد الله فلان الإمام أمير المؤمنين ". ولولي العهد للأمير أبي فلان فلان بن فلان، كناه الإمام أو لم يكنه فرقوأ بينه وبين الإمام.
وقد يذكر الإمام في سكة الضرب باسمه، ويذكرون ولي العهد يكنيته كما ذكرت لك. وقولهم لأبي فلان حقيقتها إلى أبي فلان، والأصل من فلان إلى فلان، فلما قدم ذكر المكتوب إليه أقاموا اللام مقام إلىن وقد قال الله : " بأن ربك أوحى لها " أي أوحى إليها. وحروف الخفض ينقل بعضها من بعض قال الله : " ولأصلبنكم في جذوع النخل " أي على جذوع النخل.
وقال الشاعر:
إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وهذا كثير جداً. وقال بعض الكتاب: اللام لمخاطبة الجليل، وإلى لمخاطبة الأدنى فالأجل يكتب من فلان بن فلان إلى فلان
стр. 125
بن فلان، والنظراء ومن دون يكتبون لأبي فلان من فلان.
وقد عنون أحمد بن يوسف كتابه بشعر، فكتب إلى طاهر بن الحسين:
للأمير المهذب ... المكنى بطيب
ذي اليمنين طاهر بن الحسين بن مصعب
وكتب عقال بن شيبة إلى المسيب بن زهير الصبي:
للأمير المسيب بن زهير ... من عقال بن شبة بن عقال
وكتب آخر إلى نصر بن حمزة الخزاعي:
لأبي القاسم بن حمزة نصر ... من فتى قائم بحمد وشكر
وكتب إليه ابن الحباب:
لأبي الفضل شبة الغسان ... المرجى لدفع ريب الزمان
من أخ لم يزل يجد له الوص ... ل على حين جفوة الإخوان
وعنون أبو نواس كتاباً له:
هذا كتاب بدمع عيني ... أملاه قلبي على لساني
إلى حبيب كنيت عنه ... أجل ذكر اسمه لساني
حدثنا اليزيدي قال: كتب أحمد بن إسماعيل إلى عرام، وهو بالكوفة مع مولاه كتاباً عنوانه:
دموع العين مذروفه ... ونفس الصب مشغوفه
من المشوق إلى البدر ال ... ذي يطلع بالكوفه
стр. 126
وحدثني أحمد بن محمد الأسدي، قال: كتب رجل إلى المهدي كتاباً عنوانه " عبده فلان "، فقال: لا أعلمن أحداً نسب نفسه إلى عبودة في كتاب أو عنوان، فإنه ملق كاذب وليس يقبله إلا غبي أو متكبر.
وحدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: رأى طاهر بن الحسين رقعة، كتبها ابنه عبد الله بن طاهر إلى المأمون، عليها " عبده " فقال: يا بني سميتك عبد الله وكذلك أنت، فلا تشركن في الملك أحداً، فإنه جعلك بإنعامه حراً لا مولى لك سواه.
وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل يرثي أخاه:
قد كنت عنوان كرام مضوا ... فمت فاختلت أصول الكرام
وحدثنا أبو ذكوان عن التنوخي، قال: يقال: عنوان الكتاب وعينانه وعلوانه. والعنوان الأثر الذي يعرف به الشيء. وتقول العرب: ما عنوان بعيرك؟ أي ما أثره الذي يعرف به. وتقول علونت الكتاب أعلونه علونة وعلواناً، فإذا أمرت قلت: علون يا معلون، وعنونته عنونة وعنواناً، فإذا أمرت قلت: عنون يا وعنون. ومن قال: عنيت الكتاب قال: عنن. ومن قال: عنيت الكتاب أبدل مكان إحدى النونان ياء، فقال: عنِّ يا معنى مثل غنِّ يا مغني.
قال أبو بكر: حدثنا أحمد حدثنا أحمد بن يحيى قال: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فكتب إليه الزبير:
ما غير الدهر وداً كنت تعرفه ... ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا
ولا حمدت وفاء من أخي ثقة ... إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا
стр. 127
المقادير التي يكتب فيها من القراطيس
قال أبو بكر: سمعت أحمد بن إسماعيل بن الخصيب الكاتب يقول: الأئمة يوقعون في السجلات، ويكتب الإمام في الثلثين من الطومار إلى ملوك الملك وإلى عماله، ويكتب عماله إليه في مثل ذلك، ويكاتبه وزيره في النصف في أمور العامة الديوانية.
فأما الخاص الذي يكتبه بخطه، أو يكتب بين يديه بإملائه، ففي خمسين، ويكاتبونه في مثل ذلك في الخاص والعام، إلا من كان منهم في أدنى الطبقات، فإنه لا يكاتب إلا في النصف في الحالتين جميعاً.
وتتكاتب الأكفاء في الأثلاث والأرباع وتتحمل المودة بينهم كل شيء حملته من التسمح في ذلك، والأسداس للتوقيعات.
وقال بعض الكتاب:
أنت لما ابتدأت تكتب في الأن ... صاف خفنا من قلة الإنصاف
وعلمنا بأن مثلك لا يج ... مع بين الإنصاف والأنصاف
وقال آخر وكتب إليه في سدس:
تكاتبني بالسدس جهلاً بقدره ... لئن كان في التعريف يكتب بالأمس
إذا ما التعاويذي فارق رسمه ... فليس بمأمون التغير والنكس
ولولا حنين هاجه مثل سائق ... إلى الخط في التعويذ لم يعن بالسدس
стр. 128
إذا صح حس المرء صح قياسه ... وليس يصح العقل من فاسد الحس
واحتج آخر في أن كتب في ظهر فقال:
كتبت إليك في ظهر لعلمي ... ومعرفتي بحبك للظهور
فقلبه ابن الرومي فقال:
عشقك الغلمان ما أم ... كنك النسوان أفن
إنما يكتب في الظه ... ر إذا أعوز بطن
وقد كره الناس الظهور، وأمر بترك استعمالها في النسخ وإنشائها، فكيف في المكاتبة. وقيل هي تفسد النيات، وتذيع الأسرار بما في باطنها، وتشعث الخطوط، وتغض من سمو الدولة، وتحقر من قدر المعنى أكثر مما بقدر منها من الارتفاق والقيمة بينها وبين النقي. وأكثر ما يكون إنصاف كتب مقطوعة، وإذا كانت كذلك كانت جنونا، ولهذا قال أبو تمام:
عذل شبيه بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء سطر كتاب
واعتذر آخر من كتابته في الظهر فقال:
إن كتابي لك في الظهر ... يخبر أني ظاهر الفقر
فاعذر بنفسي أنت من سيد ... فالعذر أولى بالفتى الحر
واعلم وإن كنت الذي علمه ... يفوق علم البدو والحضر
إن الغنى يصلح دين الفتى ... والفقر سواق إلى الكفر
стр. 129
الدعاء في المكاتبة وترتيبه والزيادة والنقص فيه
قال أبو بكر: اختار مشائخ الكتاب، أن تكون كتب الوزراء النافذة عن الخلفاء بغير تاء المخاطب، ولا نون الجمع، فيقول عنه: " فعلت كذا أو فعلنا كذا " بل يقول في كتبه عنه وتوقيعاته " فعل أمير المؤمنين كذا فامتثل ما أمر به أمير المؤمنين " وقد ذكرنا في التكاتب ما يغني عن إعادته.
ويكاتب الوزير الناس على مقاديرهم ورتبهم في السيف والقلم ومنازلهم، فدعاؤه لأمراء الأقاليم الكثيرة، المجموع لهم حربها وخراجها وسائر أعمالها كدعاء النظير إذا نقص قليلاً في صدور كتبه ويختمها بمثل ذلكن ولا بأس عندهم إن ذكر فيها تفدية. فأما دعاؤهم له فاختاروا أن يكون بغير التصدير وبالوزارة على حسب قوة أمرهم وتعززهم ومواقعهم من حسن رأي إمامهم. ومنهم من يدعو بالتوزير راغباً وراهباً.
وكان عبيد الله بن سليمان نقص خمارويه بن طولون في دعائه، فرد عليه مثله. فأجابه عبيد الله بتمام الدعاء وأحال بالذنب على كاتبه.
وكان القاسم بن عبيد الله - لما استوزر مكان أبيه - يكاتب الأمير بعد بالتأمير والدعاء التام، فيكاتبه بعد بالتوزير ويتمم الدعاء له.
ومن الوزراء من يدعو لبعض هؤلاء: " أطال الله بقاءك "،
стр. 130
أو " أدام عزك "، ومنهم: " أدام الله عزك وأطال بقاءك ". فأما من دون هؤلاء فيكاتبهم: " أعزك الله وأمد في عمرك ". وإلى من دون هؤلاء: " مد الله في عمرك وأكرمك وأبقاك " وإلى من دون هؤلاء: " وأبقاك الله وحفظك ".
قال: وأول من كتب: " عافانا الله وإياك من السوء " معاوية.
وكتب عبد الحميد إلى صديق له: " جعلت فداك من السوء كله ".
وحدثني أبو القاسم إسماعيل المحاملي قال: حدثنا أبو العيناء قال: كتبت إلى صديق لي: " جعلت فداك من السوء كله "، فلقيني بعد ذلك فقال لي: أنا أستفيد منك أبداً لا عدمت ذلك، وقد كتبت إلي: " جعلت فداك من السوء كله ". فلقيني بعد ذلك فقال لي: أنا أستفيد منك أبداً لا عدمت ذلك، وقد كتبت إلي: " جعلت فداك من السوء كله "، أعزك الله ما السوء كله؟ قال: فعجبت وضحكت وقلت: نلتقي بعد هذا وتقع الفوائد.
ولا يتسمى الوزير ولا يتكنى على عنوان كتابه إلى أمثال هؤلاء، ولكن يجعل العلوان: " لأبي فلان " في أحد سطريه، وفي السطر الآخر: " فلان بن فلان ".
وقال طاهر بن الحسين - وهو يحارب الأمين، وكان أبو عيسى بن الرشيد معه - لكتابه: اكتبوا إلى أبي عيسى كتاباً تتقربون به إليه وتتباعدون، ولا تطعموه ولا تؤيسوه. فقلوا: إن رأى الأمير أن يعلمنا كيف ذلك ويحد لنا. فقال اكتبوه: بسم الله الرحمن الرحيم.
حفظك الله وأبقاك وأمتع بك، وعزيز علي أن أكتب إلى صغير منكم أو كبير بغير التأمير، وقد بلغني عنك ممالأة للمخلوع!
стр. 131
فإن كان ذلك منك ميلاً على أمير المؤمنين فقليل ما أكاتبك به كثيرا، وإن كنت كما قال الله: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
وقال بعض الكتاب: ما أدري ما معنى المصارفة في تقديم إطالة البقاء في " أطال الله بقاك وأعزك "، وتأخيره في " أعزك الله وأطال بقاك " الأفضل التقديم والتأخير في أنفسهم، وإلا فالعطف بالواو، وهي تجيء للاشتراك فيدخل الثاني من الدعاء في معنى الأول، وقد قدم الله ، لما كان العطف بالواو مؤخراً على مقدم، فقال: " واسجدي واركعي مع الراكعين "، وقال: " يا معشر الجن والإنس:..
وعلى أن المؤخر قد قدم، وأخر المقدم بغير الواو من حروف العطف، قال الله : " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون "، قالوا: وإذا تولى لم يعرف شيئاً والمعنى مقدم ومؤخر كأنه فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وقال : " من بعد وصية يوصى بها أو دين " والدين قبل الوصية، وهذا كثير في الشعر واللغة، قال: فلم تستن الكتاب بذلك، وصارت التقدمة لحرف على حرف تزول، إذ قدم الثاني من اللفظ على الأول.
وقال بعضهم: لا أعرف الصرف بين " أطال الله بقاك " وبين " مد الله في عمرك " إلا ما رتبوه واستعملوه ورسموه. ومن يصارف في القليل من هذا ويشح عليه أكثر.
وكان أحمد بن ثوابة أشد الناس في هذا، كتب إليه ابن أبي خالد
стр. 132
رقعة يؤانسه فيها ذكر أولادهما فقال: " ولو كانوا بني وبنيك ". فقال: يقدم ذكر بنيه على بني لا كاتبته أبداً.
واجتنبوا أن يقولوا للوزير في الدعاء " جعلني الله فداءك " من أجل أن الشيء إنما يفدى بمثله أو بأجل منه، وليسوا كذلك. وفي هذا الذي ذهبوا إليه خبر مليح اعترضني حدثنا به أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: كتب إلي بعض إخواني من البصرة وقد تأخير عنه كتاباً أوجز فيه وملح: أطال اله بقاك كما أطال جفاك، وجعلني فداك إن كان في فداؤك، وقال:
كتبت ولو قدرت هوى وشوقاً ... إليك لكنت سطراً في الكتاب
قال محمد بن يحيى الصولي: والبيت لأبي تمام.
وكتب آخر إلى أحمد وإبراهيم ابني المدبر، وقد نالتهما محنة وردفتهما نعمة: بسم الله الرحمن الرحيم:
لو قبلت عنكما، أو دانيت قدركما، لقلت: جعلني الله فداءً لكما. ولكني لا أجزي عنكما، ولا أقتل بكما. وقد بلغني المحنة التي لو مات إنسان بها لكنته، ثم اتصلت بي النعمة التي لو طال إنسان فرحاً بها لكنته. وتحت هذه:
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدما
стр. 133
حدثنا بذلك إبراهيم بن المدبر، وهذا رأي لم يكن القدماء يرونه، بل كانوا يخاطبون الخلفاء بالتفدية فضلاً عن الوزراء.
وحدثني محمد بن يزيد المبرد قال: سأل المأمون أبا محمد يحيى بن المبارك عن شيء فقال له: " لا، وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين "، فقال: لله درك ما وضعت واواً قط موضعاً أحسن من موضعها في لفظك. ووصله وجمله.
قال: وهذا لفضل أدب المأمون، علم أن الفدية من أخلص الدعاء، والطف التوسل، وأن غاية موجود الإنسان، وأنفس ذخائره نفسه، جلت أم قلت. وقد قرئ في الكتاب خير الأولين والآخرين، وأجلهم قدراً، وأعظمهم خطراً، محمد ﷺ قال له بن ثابت في جوابه لأبي سفيان بن حرب:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء
стр. 134
فإن أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وفاء
وقد اختار الكتاب أن يسقطوه من مكاتبة القضاة هذا الدعاء، وذهبوا إلى انه ليس من أبواب حقيقة الجد. وقال قمامة كاتب عبد الملك بن صالح: يجب أن يوفر التأييد على أصحاب السيوف دون القضاة، لأنهم أولى بأن يدعى لهم بالقوة. قال له عمرو بم مسعدة: القضاء إلى التأييد في أحكامهم أحرج، لأنها في الدماء تمضي وفي الفروج والأموال.
وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر إليه من تركه مكاتبته بالنقدية: " الله يعلم - وكفى به عليما - لقد أردت مكاتبتك بالتفدية فرأيت هيباً أن أفديك بنفس لابد لها من الفناء، ولا سبيل لها إلى البقاء. ومن أظهر لك شيئاً يضمر خلافه فقد غش وألام، إذ كانت الضرورة توجبه، وتحقق أنه ملق لا يتحقق، وعطاء لا يتحصل؛ وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلاً من دلالات الاجتهاد وطريقاً من طرق التقرب ".
وكتب ابن القرية إلى بعض أصحابه، وذكر نفسه فقال: " وجعلها فداءك طيبة لك بذلك ".
وما أحسن كتاباً كتبه أحمد إسماعيل إلى بعض الكتاب، وقد نال رتبة فنقص إخوانه في الدعاء: " الكبر أعزك الله معرض يستوي فيه النبيه ذكراً، والخامل
стр. 135
قدراً. ليس أمامه حجاب يمنعه، ولا حاجز يحظره. والناس اشد تحفظاً على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبعاً لمعائبه، وتصفحاً لأخلاقه، وتنفيراً عن خصاله؛ منهم عن خامل لا يعبأ به، وساقط لا يكترث به. فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذنب يكبر منه، وقليل الذم يسرع إليه. والحال التي جددها الله لك، وإن كنت أراها دون حقك، وناقصة عن همتك، وأرضاً عند سمائك؛ حال الحاسد عليها كثير، وآمال المنافسين إليها تسير.
والمودة تقتضي النصيحة، والمقة تدعو إلى صدق المشورة. وليس يحرس النعمة ويحوطها، ويحسم الأطماع ويصرفها، ويستجيب القلوب النافرة ويطلقها؛ إلا ترك ما أراك تستعمله في ترتيب المكاتبة، وتمييز المخاطبة، والمحاضة في الفاظ الدعاء، والبخل بيسير الثناء. وتطبيق إخوانك فليس من حقك أن تحطهم حال رفعتك، وأن تنقصهم دولة زادتك. كما ليس من حقك عليهم أن يغالطوك فيمسكوا عن خطابك، ويتحاموا عن عتابك ".
تحرير الكتاب
قال أبو بكر تحرير الكتاب خلوصه كأنه خلص من النسخ التي حرر عليها: وصفا عن كدرها. وقال الله تعالى: " إني نذرت لك ما في بطني محرراً "، قال المفسرون: جميعاً خالصاً لبيت المقدس لا تشغله بغير خدمته، وحررت الغلام جعلته حراً بين الحرية
стр. 136
والحرار.
قال الشاعر:
فما رد تزويج عليه شهادة ... ولا رد من بعد الحرار عتيق
قد صار الغلام حراً خلص من العبودية. ورجل حر خالص من العبودية. ورجل حر خالص من العيوب. وطين حر خالص من الحمأة والرمل.
وسأل أعرابي فقال: " أما تتفضل على حر كريم الحرورية، أو مولى كريم المولوية، أو عبد كريم العبودية ".
وقال بعض الكتاب: ليس الكتاب كل وقت على غير نسخة، ويحرر بصواب، وكل أوان، لأنه ليس أحد أولى بالأناة والروية وتوقي الاغترار، من كاتب يعرض عقله وينشر بلاغته، فينبغي له أن يعمل النسخ ويخمرها، ويقبل عفو القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس له أعداء علماء بكتابه متفرغون له، منتقدون عليه.
وقال آخر: إن الابتداء بنظم الكلام ونثره فتنة تروق، وحدة تعجب. فإذا سكتت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءتهن فقد قال الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبي: نبايعك الساعة فقد رأينا ذاك. فقال: " دعوا الرأي يبلغ أناه، ولا خير في الرأي الفطير ". وقال معاوية لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلي بنومة القائلة، ثم أروح فأقول بعد تأملي بما عندي. وقال الشاعر:
إن الحديث يقف القوم خلوته ... حتى يعبره بالسبق مضمار
стр. 137
فعند ذلك تستعلي بلاغته ... أو يستمر به عي وإكثار
وكان قلم ابن المقفع يقف كثيراً فقيل له في ذلك فقال: " عن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لتحيره ".
والكتاب يتصفح أكثر من الخطاب لأن الكاتب والمخاطب مشافه مضطر، ومن يرد عليه كتابك ليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت، وإنما ينظر أصبت أم أخطأت، أو أحسنت أم أسأت؟ فإبطائك غير قادح في إصابتك، كما أن إسراعك غير معيب على غلطك.
ووصف بعض الكتاب النسخ فقال: ينبغي أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تحرر على ثقة تصحبها، وتتأمل بعد التحرير من أولها إلى آخرها. فقد كتب للمأمون مصحف اجتمع عليه عليه، فكتب: بسم الله الرحيم وأغفل الرحمن فإن العين لم تعتبر ذلك حتى فطن هو.
وقال محمد بن عبد الملك للحسن بن وهب: حرر هذه النسخة وبكر بها فتصبح بها. فقال له محمد: قد كانت النسخة تامة فلم تصبحت. فقال: حتى تصفحت.
وحدثني أحمد بن إسماعيل قال: كان بعض الأغبياء ينظر في نسخة بعد نفوذ الكتاب فقيل له:
مستلب اللب معنى الشباب ... عذبه الهجر أشد العذاب
يؤمل الصبر وأنى له ... به وقد مكن منه التصاب
كناظر في نسخة يبتغي ... صلاحها بعد نفوذ الكتاب
стр. 138
قال بعض الكتاب: كانوا يسمون المحرر الإمام لأنه يأتي من الخط بما يؤتم. به قال: ومن هذا كتب الصبي أمامه إنما هو ما يأتم به ويتعلم عليه.
من زيد في دعاء المكاتبة له فشكر
قال الصولي حدثنا محمد بن زياد أبو عبد الله الزيادي قال: كان العتبي محمد بن عبيد الله صديقاً لعمرو بن عثمان القيني فكتب إليه العتبي كتاباً فزاده في الدعاء فكتب إليه عمرو:
يا ابن الذوائب من قريش والذرى ... وسليل سادة ساكني البطحاء
حاشا لمثلك أن يراني قائلاً ... بكرامة تزري لديه برائي
لم ترض إذ كنيتني وبدأت بي ... حتى دعوت الله لي ببقائي
ولو اقتصرت على التي هي قيمتي ... فيما بتت قضية الحكماء
لكتبت لي عمرو بن عثمان ولم ... تتبعه في العنوان حرف دعاء
فاترك جعلت فداك إكرامي بماأخشى به عند الورى استغباني
فالعين تصغر أن تقدمها على ... أولاد حرب السادة الكبراء
حلوا من العز المنيع نيافة ... يحمون غيرهم ذرى العلياء
حدثني أحمد بن يحيى الأسدي قال: كتب إلي الحسين بن سعد فنقصني في الدعاء في الدعاء، فكتبت إليه: قد علمت أعزك الله أن السبب في العداوة بين محمد بن عبد الملك الزيات وإبراهيم بن العباس الصولي، أنه لما ولي وزارة المعتضد، نقص إبراهيم عما يستحقه من الدعاء، فلم تحتمل ذلك نفسه ورياسته وموضعه من الصناعة والدولة، فعاتبه في ذلك فلم
стр. 139
يعتبه، فألهب له نار هجاء لا يطفيها الدهر، وعلامة ذلك قوله في كلام منثور قد ذكره ولي هذا الأمر، فما ظن أن الرياسة تنجذب إليه، ولا أن العز يتحصل له بحط إخوانه عن منزلتهم، ونقصهم عن مرتبتهم، فبخسني في المكتابة، وأساءني في المعاملة، في كلام له طويل، ثم نظم ذلك في شعر فقال:
من رأى في الأنام مثل أخ لي ... كان عوني على الزمان وخلي
رفعته حال فحاول حطي ... وأبى أن يعز إلا بذلي
وكان الخطاب في أول الأمر، ثم أنحى عليه بالهجاء.
فافتقد - أعزك الله - إنصاف إخوانك وتجنب ظلمهم يصف لك غدير ودهم.
وحدثنا محمد بن العباس الشلمغاني، قال: لما ولي ابن بشر المرثدي كتابة الموفق بالله نقص أحمد بن علي المازراني في الدعاء حين كاتبه فكتب إليه:
كلما رمت أن أخلف من كا ... ن أمامي خلفت عمن ورائي
انقصت الدعاء لي منك لما ... زادك الله رفعة في دعائي
فلئن تم ما أراه وأصبح ... ت: وزيراً لتطعمني جزائي
قال: فاعتذر إليه وزاده في الدعاء.
وكان هذا في كلام منثور لمن كان قبل المازراني: وكنت آمل لك الرفعة، ولم أدر أنها تكسيني الضعة، وأرجو لك الثروة ولم أدر أنها تؤديني إلى الإضافة، فكان المنى طرد العنى، والدعاء سبب الثراء.
وكتب أبو حفص عمر بن أيوب إلى أبي الحسين أحمد بن محمد بن المدبر يعاتبه في أن دعا له " مد الله في عمرك ":
стр. 140
يا جواداً بالثنا ... وبخيلاً بالعطا
إن " مد الله في عمرك " من كتب الجفا
ليس يستعمل هذا الصدر بين الأصفيا
فتفضل يا فتى الناس بتفخيم الدعا
وكتب أحمد بن إسماعيل إلى صديق له نقصه في دعائه ولحن في كتابه:
وما أنا والكتاب إلى صديق ... أدين من الوفاء بغير دينه
أعظمه ويحقرني وأدعو ... له باللفظ يدعو لي بدونه
وينقصني ولم أنقصه حقاً ... ويخشن لفظه من بعد لينه
فقام كتابه بالرد عني ... لكثرة ما تضمن من لحونه
وقال أيضاً لآخر فعلبه مثل فعله:
رأيت الرياسة مقرونةً ... بلبس التكبر والنخوه
إذا ما تقمصها معجب ... تتايه في الجهل والخلوه
ويقعد عن حق إخوانه ... وكلهم مسرع نحوه
قالوا: وكما أن النقص عن الرتبة مذموم فكذلك طلب الزيادة مكروه، لأن من طالب من الدعاء بما فوق محله، تعرض لحطيطته من استحقاق. وإسقاط الترتيب جحد للحقوق، وإلحاق للجليل بالدقيق. قال: وأنشدني علي بن محمد بن نصر لنفسه في رجل نقصه في الدعاء:
لساني بالثناء عليك رطب ... وبالمكروه إن أحببت عضب
أتنقصني الدعاء وذلك شيء ... على مثلي من الأحرار صعب
فإن عاودته فأجبت عنه ... فما لك إن أسأت إلي ذنب
وكتب عبد الصمد بن المعدل إلى صديق له كتاباً فيه: " وأمتع
стр. 141
بك " فكتب إليه عبد الصمد، وقد روي هذا لغيره:
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكاً فتهت في كتبك
أم هل ترى أن في مكاتبتي ال ... إخواني نقصاً عليك في حسبك
إن جعا كتاب ذي أدب ... يكون في صدره: وأمتع بك
أتعبت كفيك في مكاتبتي ... حسبك مما يزيد في تعبك
ويروى هذا الجواب عن هذا:
كيف يحول الإخاء يا أملي ... وكل خير أنال في سببك
إن كان ذنباً جناه ذو ثقة ... فعد بفضل عليه من أدبك
فاعف فدتك النفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في كنفك
وقد يزيد الرئيس تابعه في الدعاء إذا كان مغيظاً عليه لشيء ضره أو خالفه فيه، فيجري ذلك مجرى الاستهزاء به وليس ذلك مما ذكرناه أولاً.
وكتب بعض الكتاب إلى بعض الأخلاء من إخوانه، وقد زاده في الدعاء: " علي - أعزك الله - الإعظام والهيبة في هذه
стр. 142
الحال، إلى ما لا لم أزل عليه قبلها من الإخلاص والطاعة، وعليك أن لا يمنعك النظر إلي بعين المودة، من الأخذ مني لنفسك بحق الرياسة، ومن أطاعك لها رجاء أو هيبة فإني أطيعك لها وداً ومحبة ".
ما يتكاتب به الناس اليوم
يكتب الإمام إلى ولي عهد المسلمين: " من عبد الله أبي فلان الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى فلان ابن فلان. سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد وآله "، ثم يكتب بما يراد، ثم يقال: " فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وكتب فلان ابن فلان باسم الوزير وباسم أبيه يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ".
ويكتب عن ولي العهد مثل ذلك، إلا أنه يجعل مكان أمير المؤمنين ولي عهد المسلمين.
وكذلك كتب الإمام الديواني إلى الوزير.
وأما مكاتبة الوزراء، أمراء الناحية الأجلاء، المساوين والمقارنين، فهي: " أطال الله بقاءك، وأدام عزك وكرامتك، وأتم نعمته عليك، وإحسانه إليك وعندك ". وربما زيدت لفظة ونقصت لفظة ودون هذا قليلاً " أطال الله بقاءك وأعزك أكرمك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك ".
وأول من كتب: " أطل الله بقاء أمير المؤمنين وأدام عزه " سليمان بن وهب، وكان: " وأعزه ". ودون هذا: " أدام الله عزك
стр. 143
وأطال بقاءك وأدام كرامتك وأتم نعمته عليك وأدامها لك ". ودون هذا: " كرمك اله وأبقاك وأتم نعمته عليك وأدامها لك ". ودون ذلك هذا الدعاء بإسقاط: " وأدامها "، ودون ذلك: " حفظك الله وأبقاء وأمتع بك "، ودونها: " عافان الله وإياك من السوء برحمته ". فأما مكاتبات الناس إلى الإمام أو إلى ولي العهد أو إلى الوزير، فيكتب: " لعبد الله فلان بن فلان، إلى كذا أمير المؤمنين، سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فإني أحمد إلى أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ "، ويكون ذلك في سطرين وبعض آخر، ثم يقال: " أما بعد أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام عزه وتأييده وكرامته، وسعادته وحراسته، وأتم نعمته عليه، زاد في إحسانه إليه، بفضله عنده وجميل بلائه لديه، وجزيل قسمه له "، ويكون في سطرين. ثم يقال بعد ذلك: " فقد كان كذا "، لأن جواب " أما بعد " بالفاء فقد كان كذا وكذا.
فإذا أتى على جميع المعاني المحتاج إلى المكاتبة فيها، فبلغ إلى الدعاء قال: " أتم الله على أمير المؤمنين نعمه وهناه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته، وأمنه وسلامته، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وكتب فلان ابن فلان يوم كذا في شهر كذا ".
وإلى ولي العهد والوزير مثل ذلك، إلا أن الفرق بين الإمام وبينهما أن يكتب إلى الإمام مع السلام " وبركاته " وفي آخر الكتابة مثل ذلك، ويحذف " وبركاته " إلى هذين في التصدير ويثبت في آخر الكتاب، وقد ذكرت لك فيما تقدم.
стр. 144
ويكاتب الوزير أيضاً الإمام لغير تصدير، إذا لم تكن الكتب منشأة من الدواوين. ويكاتب الوزير في الحوائج لغير تصدير، وإذا كوتب أمير أو قاض: " أطال الله بقاء الأمير أو القاضي "، لم يقل: أما بعد ولا سلام على أحدهما.
ومكاتبة النظراء تحتمل كل شيء على حسب المودة.
قراءة الكتاب بعد كتبه وما جاء في ذلك .
قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عتاب قال: حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: حدثنا عبد الله بن يحيى، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن جده، قال: " كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ ، وهو يملي علي، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه فإن كان فيه سقط أقامه ".
وقال بعض الكتاب:
المح كتابك حين تكتبه ... واحرسه من وهم ومن سقط
واعرضه مرتاباً لصحته ... ما أنت معصوم من الغلط
وروي عن الأوزاعي أنه قال: العجم نور الكتاب، وإذا لم يعرض الكتاب، فمثله مثل رجل دخل الخلاء فلم يستنج.
ما جاء في رد جواب الكتاب والحض على التكاتب
قال الصولي: حدثنا أبو القاسم محول المستملي، قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا عتبة عن العباس بن
стр. 145
دريح عن الشعبي عن ابن عباس قال: أرى رد الجواب - جواب الكتاب - كرد السلام.
أنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
حق التنائي بين أهل الهوى ... تكاتب يسخن عين النوى
وفي التداني لا انقضى عمره ... تزاور يشفي غليل الجوى
ونحوه لغيره:
إذا الإخوان فاتهم التلاقي ... فلا صلة بأحسن من كتاب
إذا جاء الكتاب إلى صديق ... فحق واجب رد الجواب
ومن مليح ما قيل في التكاتب:
هل تذكرين إلى التجاوز بيننا ... ثمر على الشجر الذي لم يغرس
إذ سر قلبي في يديك ومثله ... لك في يدي من الفصيح الأخرس
ومن مليح ما قيل في استبطاء الجواب، أبيات كتبت بها في صدر قصيدة لي سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وهو إذ ذاك أمير:
ليس يأتي من الأمير كتاب ... ابتداء ولا يرد جواب
فإذا ما شكوت ذاك وعاتب ... ت: أتاني على العتاب عتاب
وأطاف الملام بي في الذي قل ... ت: ولم يأتني له إعتاب
ولسان الذي يغيب كتاب ... ناطق عنه حين عز الخطاب
فإذا أبطأ الجواب عليه ... فهو كالناطق الذي لا يجاب
وكمن رده وقد عرفوا منه حضوراً تجهم وعتاب
عذت بالأعذار إن كان ذنب ... دية الذنب عذرة ومتاب
ولما خرج يحيى بن عمر من المدينة إلى الكوفة فأقام بها كتب إليه أخوه احمد بن عمرك
أيا سيداً قد رماني البعا ... د منه بأمر فظيع عجاب
следующие страницы →