← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 16083

المسائل الفقهية المستجدة في النكاح مع بيان ما أخذ به القانون الكويتي

بدر ناصر مشرع السبيعي

Полный текст (299 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : «أنظرت إليها؟ "، قال: لا، قال: "فاذهب فانظر إليها؛ فإنه في أعين الأنصار شيئًا» (١). وجه الاستدلال من الحديث: أمر النبي ﷺ الرجل بالنظر إلى عينها، وما ذلك إلا لعيب فيها: المراد صغرها، وقيل: زرقة، وما هذا إلا فحص أولى بسيط للمخطوبة (٢). الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة (٣)، ولا صفر، وَفِرَّ من المجذوم (٤) كما تفر من الأسد (٥)».

стр. 107

وجه الدلالة من الحديث: مثل وجه الدلالة في الدليل الرابع. الدليل السابع: القاعدة الفقهية «المشقة تجلب التيسير» (١). يمكن القول بأن وجه ارتباط هذه القاعدة بالفحص الطبي، أن المشقة التي تحصل للمكلف بسبب الزواج من المرض تُرفع بإلزام الناس بالفحص الطبي، وأن هناك من الأمراض المخيفة التي يُخشى على الزوجين منها، والإقدام على الزواج دون معرفة تلك الأمراض يهدد كيان الأسرة، وإذا علم أحدهما بأن الآخر مصاب بأحد هذه الأمراض المزمنة أو الخطيرة أو الوراثية، فينبغي له أن يمتنع عن الزواج دفعًا للضرر (٢). الدليل الثامن: القاعدة الفقهية تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (٣). وجه الدلالة بهذه القاعدة: أن تصرف الإمام ونوابه على الشعب متعلق بالمصلحة والمنفعة لهم، ومن ثم إذا رأى ولي الأمر أن المصلحة والمنفعة في إلزام الناس بالفحص الطبي قبل الزواج كان له ذلك؛ درءًا للضرر، وجلبًا للنفع، أما إذا انتفت المصلحة والمنفعة للناس، فلا يجوز الإلزام، وأن فعل الإمام يتعلق بالأمور العامة، ولابد أن يكون موافقًا

стр. 108

للشرع؛ بألا يخالف نصوصه ولا القواعد الكلية والمبادئ العامة (١). الدليل التاسع: القاعدة الفقهية «الدفع أقوى من الرفع» (٢). وجه الدلالة بهذه القاعدة: أنه إذا أمكن دفع الضرر باكتشاف الأمراض وعلاجها قبل الدخول في مداخل الزواج، فهذا أولى وأفضل من اكتشافها بين الأفراد بعد الدخول في مراحل الزواج، ومحاولة علاجها والسيطرة عليها (٣) (٤). الترجيح: الراجح- والله أعلم- القول الثاني، وهو القول بإلزام الناس بالفحص الطبي قبل الزواج؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - وضوح استدلاله من النصوص الشرعية. ٢ - موافقته للقواعد الفقهية ومقاصد الشريعة. ٣ - فيه الجمع بين القولين؛ بحيث إن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل وحسن الظن بالله.

стр. 109

٤ - صحة شرط إجراء الفحص الطبي قبل الزواج؛ لأنه من الشروط التي تحقق منفعة لأحد المتعاقدين أو لكليهما، فضلاً عن أنه شرط لا يتعارض مع نص، بل إنه يحقق الاستعداد والاستمرار المنشودين لعقد الزواج في الشريعة الإسلامية (١). الفرع الرابع: رأي القانون الكويتي في الفحص الطبي قبل الزواج: أخذ القانون الكويتي بإلزام الراغبين في الزواج بإجراء الفحص الطبي، وإخراج شهادة تشهد بذلك، حيث جاء في القانون رقم (٣١) لسنة ٢٠٠٨، بشأن الفحص الطبي للراغبين في الزواج قبل إتمام الزواج، في المادة الأولى ما يلي: على راغبي الزواج إجراء الفحوصات الطبية التي تفيد خلوهم من الأمراض المعدية والوراثية، ويثبت ذلك بشهادة صحية يبين فيها أن الزواج آمن أو غير آمن، تصدرها وزارة الصحة (٢). الأمراض التي يُفحص عنها الراغبون في الزواج هي: ١ - الزهري (٣): وهو مرض تناسلي معدٍ ومزمن يصيب جميع أجزاء الجسم؛ حيث تحدث به إصابات مختلفة ذات صور متعددة، وهو ناتج عن الإصابة ببكتريا حلزونية الشكل تشبه الخيط الرفيع.

стр. 110

٢ - التهاب الكبد الفيروسي (١): وهو التهاب فيروسي يصيب خلايا الكبد، ويؤدي إلى تدمير الخلايا، وتقليل كفاءة عمل وظائف الكبد، مما يسبب تليُّف الكبد. ٣ - الإيدز (٢): وهو مرض يسببه فيروس يهاجم خلايا الجهاز المناعي المسئولة عن الدفاع عن الجسم ضد أنواع العدوى المختلفة، وأنواع معينة من السرطان. ٤ - الأنيميا المنجلية (٣): وهي إحدى أمراض الدم الوراثية، وينتج عنها تغيير في شكل كريات الدم الحمراء، حيث تصبح هلالية الشكل، وينتج عنها نقص نسبة الأكسجين فيها. ٥ - الثلاسيميا (٤): وهو أحد أمراض الدم الوراثية التي تتميز بانخفاض نسبة خضاب الدم، وقِصَر عمر كريات الدم الحمراء، فينتج عن ذلك فقر دم (أنيميا).

стр. 111

الفصل الثاني المسائل المستجدة في أنواع عقود النكاح وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: حكم إجراء عقد الزواج عبر شبكة الاتصال الدولية (الإنترنت) المبحث الثاني: حكم الزواج للحصول على امتيازات مادية المبحث الثالث: الزواج العرفي المبحث الرابع: زواج الفرند (زواج الأصدقاء) المبحث الخامس: الزواج السياحي المبحث السادس: الزواج المدني المبحث السابع: زواج المسيار المبحث الثامن: عقد الزواج عن طريق المراكز الإسلامية للأقليات المسلمة

стр. 112

المبحث الأول حكم إجراء عقد الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت) المطلب الثاني: حكم الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة المطلب الثالث: رأي القانون الكويتي

стр. 113

المطلب الأول تعريف وسائل الاتصال الحديثة وَسَل: الرغبة والطلب، والواسل: الراغب إلى الله ، والواسلة: المنزلة عند الملك، والدرجة، والقُربة، والوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها معنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ (١). وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة (٢). الاتصال: مأخوذ من وصل، قال ابن فارس: «الواو والصاد واللام أصل واحد يدل على ضم شيء إلى شيء حتى يعلقه» (٣). والاتصال: اتحاد الأشياء بعضها ببعض كاتحاد طرفي الدائرة، ويضاد الانفصال، ويستعمل الوصل في الأعيان وفي المعاني (٤). والحديثة: قال ابن فارس: «الحاء والدال والثاء أصل واحد،

стр. 114

وهو كون الشيء لم يكن، يقال: حدث أمرٌ بعد أن لم يكن» (١). والحداثة نقيض قدم، وحدث الشيء حدوثًا: تجدد وجوده، ويقال: حدث به عيب: إذا تجدد وكان معدومًا قبل ذلك (٢). الإنترنت: وهو مركب من كلمتين باللغة الإنجليزية، وهما: (إنتر Inter) وتعني: دولي، و (نت Net) وتعني: شبكة، فهي اختصار لكلمة (international) (٣) . اصطلاحًا: هي شبكة كمبيوتر شاملة تتكون من آلاف الشبكات (٤). وإنما ذكرت الإنترنت بعد وسائل الاتصال الحديثة من باب ذكر الخاص بعد العام؛ ولأن وسائل الاتصال الحديثة أنواع متعددة ومختلفة في الأسماء والاستعمال، والإنترنت يجمع أغلبها إن لم يكن كلها في الأداء، ففيه البرامج الكتابية فقط، وفيه البرامج الشفهية، أي المحادثة الصوتية، وفيه البرامج بالصوت والصورة، وقد تفرقت في وسائل الاتصال الحديثة الأخرى، وسأبين- بإذن الله- أحكام تلك الحالات.

стр. 115

المطلب الثاني حكم الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة مما سبق يتبين لنا أن حكم الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت) لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يكون عقد النكاح عن طريق الكتابة (١). وقد اختلف العلماء فيه، فهي مسألة بحثها العلماء قديمًا، والجديد فيها السرعة فقط. صورة المسألة التي ذكرها بعض المعاصرين: الصورة الأولى: أن يكتب الولي إيجابه على النكاح، ثم يرسله عبر البريد الإلكتروني إلى القابل، فيصدر قبوله كتابة، ثم ترسل هذه الورقة عبر البريد إلى اثنين حتى يشهدا عليها (٢)، أو يكون عنده

стр. 116

شاهدان فيقرؤها عليهما، ثم يصدر قبوله، ويرسله إلى الولي. الصورة الثانية: أن يكون الإيجاب والقبول بالتخاطب بين أطراف العقد كتابةً، فيقوم أطراف عقد النكاح بإبرام العقد، ثم يقوم اثنان من المتواجدين بالشهادة على هذا العقد (١). أقوال العلماء في المسألة: القول الأول: جواز عقد النكاح بالكتابة بين غائبين. وهو مذهب الحنفية (٢) (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أم حبيبة ﵂، أنها كانت تحت عبيد الله بن

стр. 117

جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي للنبي ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حَسَنة (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كتب إلى النجاشي يخطب أم حبيبة ﵂، فزوجها النجاشي منه، وكان النجاشي وليها بالسلطة (٢). الدليل الثاني: أن الكتاب من الغائب ينعقد؛ لأن الكتاب من الغائب يعتبر خطابًا (٣). الدليل الثالث: كما أن النكاح ينعقد بألفاظ بطريق الأصالة، فكذلك ينعقد بطريق النيابة بالوكالة والرسالة (٤). القول الثاني: عدم جواز عقد النكاح بين غائبين. وهو قول المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).

стр. 118

الدليل الأول: وقولهم هذا مبني على اشتراطهم اجتماع الإرادتين، حيث يُجرى العقد في وقت واحد، ويعبرون عنه بالإيجاب والقبول، وهذا محل اتفاق بينهم، واختلفوا في المدة، فأجاز مالك التراخي (١)، وفرق بين الطويل والقصير، وقال الشافعية بوجوب الفورية (٢)، ولم يشترط الحنابلة الفورية، وقالوا: يصح التراخي ما داما في مجلس العقد ولم يتشاغلا عنه بغيره؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد (٣). وهم بهذا القول يقيسون النكاح على البيع، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وثبوت الخيار في عقود المعاوضات (٤). ويمكن أن يناقش استدلالهم بأنه قياس مع الفارق، فقد ثبت دليل في هذه المسألة، وهو زواج النبي ﷺ من أم حبيبة (٥). الدليل الثاني: لا ينعقد النكاح بالكتاب؛ لعظم خطر النكاح، فيُحتاط له ما لا يحتاط لغيره (٦). مناقشة الدليل: أن النبي ﷺ أمر بتبليغ الرسالة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (٧)، وقد بلغ

стр. 119

النبي ﷺ تارة بالكتابة، وتارة باللسان، فقد كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الدين، وكان ذلك تبليغًا تامًّا، فكذلك في النكاح: الكتاب بمنزلة الخِطاب (١). الدليل الثالث: أن الكتابة كناية، والعقود التي تحتاج إلى قبول كالبيع والإجارة والنكاح لا تنعقد بالكناية (٢). مناقشة الدليل: لا نسلم ل كم، بل قد قال بعضهم بصحة العقود بصيغة الكتابة (٣). الترجيح: القول الراجح عندي- والعلم عند الله تعالى- القول الأول، وهو القائل بجواز عقد النكاح بالكتابة لما يلي: ١ - صحة أدلة هذا القول. ٢ - ضعف أدلة القول الثاني، ومناقشتها من أصحاب القول الأول. الحالة الثانية: وهي العقد مشافهة بوسائل الاتصال الحديثة: وقد اختلف فيها العلماء المعاصرون على قولين: القول الأول: منع إجراء عقد النكاح بوسائل الاتصال الحديثة اللفظية. وهو قول اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية

стр. 120

السعودية (١)، وصدر به قرار في مجمع الفقه الإسلامي بجدة (٢) (٣). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن هذه الطريقة، أي الهاتف، يدخل فيها الخداع والغش بين طرفي العقد، وعقد الزواج يجب أن يحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ الأعراض (٤). الرد على الدليل: صحيح أنه يجب أن يحتاط فيه، ولكن الاحتياط لا يمنع العقود، بل يضمن إجراءات تُلزم سلامة العقد، ويمكن مع التقنية العالية والمتجددة أن يرى المتعاقدان بعضهما البعض (٥)، وكذلك يمكن ضبط الخداع مع التطور السريع، أو معرفة ما يعرض للأجهزة من اختراق أو غيره عن طريق البرامج المتخصصة. الدليل الثاني: أن عقد الزواج يشترط الإشهاد فيه (٦).

стр. 121

الرد على التعليل: أن الشهود موجودون يسمعون الخطاب، ويشهدون على ما سمعوا وهم على معرفة بالعاقدين، ويمكن أن يُطلب من العاقدين معلومات عن هويتيهما للتثبت؛ بذكر رقم الهوية، وتاريخها، ومكان صدورها، وأسئلة أخرى (١). القول الثاني: جواز إجراء عقد الزواج مشافهة بواسطة الاتصال الحديثة. وهو قول الدكتو ر عمر الأشقر (٢)، والدكتور محمد عقلة (٣)، والدكتور محمد النجيمي (٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (٥)، وغيرهم (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشًا ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينما عمر يخطب إذ جعل ينادي:

стр. 122

يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل، ثلاثًا، ثم قدم رئيس الجيش فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، بينما نحن نقاتل العدو إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية، الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله» (١). وجه الاستدلال: قال ابن بدران (٢): «وجه الاستدلال بها أن سارية سمع عمر وهو بنهاوند- كما في بعض الطرق- وعمر كان في المدينة، فعمل سارية بما سمعه من الصوت» (٣). الدليل الثاني: أن إجراء العقد مشافهة عبر وسائل الاتصال الحديثة تتوفر فيه شروط عقد النكاح من الإيجاب والقبول، وسماع الشهود للعاقدين، والموالاة بين الإيجاب والقبول (٤). الدليل الثالث: أن المقصود من العقود هو الرضا؛ لكي يتمكن مَن عُرض عليه الإيجاب من المتعاقدين أن يتدبر أمره، فيقبل

стр. 123

الإيجاب أو يرفضه، وهذا متوفر في العقد مشافهة (١). يمكن أن يرد على الدليل بأن اتحاد مجلس الإيجاب والقبول شرط، وهنا لم يتحقق الاتحاد؛ لأن أحد المتعاقدين غير حاضر (٢). مناقشة الرد: يمكن أن يرد عليه بأنه لا يوجد دليل يمنع من إجراء العقود مع اختلاف المجلس، وقد قال الفقهاء: «إن المجلس يجمع المتفرقات» (٣). الترجيح: الراجح- والله أعلم- القول الثاني القائل بجواز إجراء العقود مشافهة عبر وسائل الاتصال الحديثة؛ لما يلي: ١ - قوة أدلة القول الثاني. ٢ - أن الإشهاد على العقد مشافهة ممكن. ٣ - إمكان التحرز من الخداع والغش لتطور وسائل الاتصال الحديثة. الحالة الثالثة: أن يكون العقد بالصوت والصورة عن طريق الإنترنت: ففي هذه الحالة يجوز عقد الزواج ولو تباعدا في الحقيقة، مع

стр. 124

وجود الزوج والولي والشهود، فإنهم في حكم المجلس الواحد حكما، فيسمعون الكلام كلهم في الوقت نفسه، فيكون الإيجاب، ويليه فوراً القبول، والشهود يرون الولي والزوج ويسمعون كلامهما في الوقت نفسه، فهذا العقد صحيح، لعدم إمكان التزوبر أو تقليد الأصوات (١).

стр. 125

المطلب الثالث رأي القانون الكويتي الحالة الأولى: نص القانون الكويتي على مسألتين؛ حيث جاء في المادة التاسعة، الفقرة (ب): «يجوز أن يكون الإيجاب بين الغائبين بالكتابة، أو بواسطة الرسول» (١). الحالة الثانية: رأي القانون الكويتي في إجراء العقد عبر وسائل الاتصال الحديثة مشافهة. لم ينص القانون الكويتي عليها نصًّا، لكن قد تفهم من سياقه، حيث جاء بالمادة التاسعة، الفقرة (ج): «وعند العجز عن النطق تقوم مقامه الكتابة، فإن تعذرت فبالإشارة المفهمة» (٢). وهو ما فهمه بعض شراح القانون (٣). الحالة الثالثة: رأي القانون الكويتي في مجلس العقد إذا كان العقد بالصوت والصورة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة. جاء في المادة العاشرة: ج_ اتحاد مجلس العقد للعاقدين الحاضرين. وهذا نص من القانون بأن يكونا حاضرين مجلس العقد، وخرج بذلك هذه الحالة وإن كانا في حكم الحاضرين.

стр. 126

المبحث الثاني حكم الزواج للحصول على امتيازات مادية وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المراد بالامتيازات المادية المطلب الثاني: حكم الزواج للحصول على امتيازات مادية المطلب الثالث: رأي القانون الكويتي

стр. 127

المطلب الأول المراد بالامتيازات المادية وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف الامتيات المادية لغة لغة: ميز مِزْتُه ميزًا: عزلته وفصلته من غيره، والتمييز: الفصل بين المتشابهات، نحو قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١)، وبين المختلطات، نحو قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ﴾ (٢)، وكما أن التمييز للفصل، كذلك يقال للقوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، فيقال: فلان لا تمييز له (٣). المادة: كل شيء يكون مدداً لغيره وكل جسم ذي امتداد ووزن ويشغل حيزاً من الفراغ، ومادة الشيء أصوله وعناصره التي منها يتكون، حسية كانت أو معنوية كمادة الخشب ومادة البحث العلمي. ومادة اللغة ألفاظها ومواد العلم مباحثه، ومواد القانون الجمل التي ننضمن أحكامه.

стр. 128

المادية: مذهب يسلم بوجود المادة وحدها وبها يفسر الكون والمعرفة والسلوك (١). الفرع الثاني: تعريف الامتيازات المادية اصطلاحا واصطلاحًا: عقد الزوجين أو أحدهما لمصلحة مادية. المراد من التعريف أن دول الخليج غالبًا ما تصرف مالاً لمواطنيها بمجرد أن يعقدوا على مواطنة؛ دعمًا للزوج، بعضه إعانة من الدولة، والآخر يسدد أقساطًا؛ وهذا لحث الشباب أن يتزوجوا من المواطنات. فإذا عُقد الزواج لأجل الحصول على المال، وكان باتفاق بين الرجل والمرأة أن يعطيها الرجل الربع أو الثلث، ثم يطلق أو يعقد دون علم الزوجة، ونيته الحصول على المال، ثم يطلقها، فما الحكم؟ وكذلك إذا كانت نية المرأة من الزواج الحصول على الجنسية أو الإقامة ثم تهرب أو تخالعه أو تطلب الطلاق؟

стр. 129

المطلب الثاني: حكم الزواج للحصول على امتيازات مادية . هذه المسألة المعاصرة لم يذكرها العلماء المعاصرون، وعند دراستي للمسألة وجدت أنه يمكن تخريجها على الحيل، وأصلها من الحول، وقد تكلم العلماء قديمًا على الحيل، فالحيلة لغة لها عدة معانٍ، منها: الحذق في تدبير الأمور، وجودة النظر، والقدرة على التصرف، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، ومنها الاحتيال، وهو تحول المرء عما يكرهه إلى ما يحبه، وما يتوصل به إلى حالةٍ ما في خُفية، وأكثر استعمالها فيما فيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة (١). وأما اصطلاحًا، فقد اختلف فيها العلماء، وقريب معناها اللغوي من الاصطلاحي: التعريف الأول: «ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي» (٢). التعريف الثاني: «التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلاً أو عادة» (٣).

стр. 130

التعريف المختار- والله أعلم- التعريف الأول، لما يلي: ١ - لأنه يبين الماهية من التعريف. ٢ - ولأن فيه خفية. ٣ - ولاتفاق عالمين جليلين على هذا التعريف، وهما شارحا البخاري: ابن حجر (١)، والعيني (٢). ٤ - وأن التعاريف الأخرى لا تخلو من إمكان نقدها، مثل ذكر الحكم في التعريف، كما في التعريف الثالث والسادس، والدور كما في الثاني، وأن الأول أشبه بتعريف المصلحة، ولا يلزم التلطف بالحيل، وأما الرابع فهو مشابه في المعنى للتعريف المختار، والمختار أدق منه. حكم الحيل: اختلف العلماء في حكمها على قولين، وقد نظمهما ابن عاصم الأندلسي (٣): وجل أهل العلم يمنع الحيل ... لقلب حكم أو لإسقاط عمل

стр. 131

ما لم يك الشرع يراعيه فذا ... فيه الجواز باتفاق يحتذى كمثل ما روعي فيمن يكره ... فاحتال أن يفعل شيئًا يكره إلى أن قال ملتمسًا العذر لمن أجاز الحيل: ومن أجاز فأدى اجتهاده ... أدَّى لذا والخلف في شهادة ولا يقال إنه تعمدا ... خلاف قصد الشرع فيما اعتمدا وواجب في مشكلات الحكم ... تحسيننا الظن بأهل العلم (١) تحرير محل النزاع: قال ابن حجر: «والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل ... » (٢). القول الأول: أن الحيل حرام، وأن تحريمها قطعي، وليست من مسالك الاجتهاد. وهو قول ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) والشاطبي (٥).

стр. 132

أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (١). وجه الاستدلال من الآية: أن المنافقين يخدعون أنفسهم، وأن الله خادع من يخدعه، والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه لتحصيل المقصود (٢). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). وجه الاستدلال من الآية: أنهم احتالوا على الصيد يوم السبت بحيلة تحيلوا بها، وفي ظاهرها أنهم لم يصيدوا يوم السبت (٤). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ (٥).

стр. 133

وجه الدلالة من الآية: أن الله حرم إرجاع المرأة بقصد مضارتها، مثل أن يطلقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها، ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة، وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها (١). الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢). وجه الاستدلال من الآية: أن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لوارث احتيالاً على حرمان بعض الورثة (٣). الدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى ... » (٤). وجه الاستدلال من الحديث: قال ابن حجر: «الاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع، وإبطال الحيل من أقوى الأدلة» (٥).

стр. 134

المناقشة: هو دليل للفريقين؛ لأن المرجع هو نية العامل (١). الدليل السادس: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلاَّ أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» (٢). وجه الاستدلال من الحديث: استدل به الإمام أحمد، وقال: فيه إبطال الحيل؛ لأنه حكم بتمام البيع إذا تفرقا على السلامة وجاري العادة، وتحريمه التفريق على من أراد الحيلة والخديعة (٣). الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، وتستحلون محارم الله بأدنى الحيل» (٤).

стр. 135

وجه الاستدلال من الحديث: قال ابن قيم الجوزية: «وهو نص في تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل» (١). الدليل الثامن: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا؛ ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (٢). وجه الاستدلال من الحديث: أنهم أذابوا الشحم حتى زال عنه اسم الشحم، ثم جملوها وباعوها حيلة (٣) (٤). القول الثاني: أن الحيل جائزة. وهو قول الحنفية (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ (٦).

стр. 136

وجه الاستدلال في الآية: فيها تعليم لأيوب ﵇ لكي يخرج من اليمين التي حلف بها ليضربن زوجته (١). مناقشة وجه الاستدلال: قد جعل الله له مخرجًا بالكفارة عن يمينه، ويجب عليه أن يكفر ولا يعصي الله بالبر في يمينه (٢). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٣). وجه الاستدلال من الآية: وهذه حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذٍ؛ لوقف أخوته عن مقصودهم (٤).

стр. 137

مناقشة أوجه الاستدلال: هذه حجة عليكم لا لكم؛ لأنكم لا تجوزون شيئًا مما في هذه القصة، ولا تجوز في شريعتنا بوجه من الوجوه، فكيف يحتج المحتج بما يحرم العمل به؟ (١). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٢). وجه الاستدلال في الآية: أراد بالحيلة التحيل على التخلص من الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها مَن عمِلها (٣). الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٤). وجه الاستدلال من الآية: فقد جوَّز الله المعاريض، ونهى عن التصريح بالخطبة، وهي من الحيل (٥).

стр. 138

مناقشة وجه الاستدلال: لا نسلم لكم أن المعاريض جائزة إذا تضمنت استباحة الحرام، وإسقاط الواجبات، وإبطال الحقوق. بل تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلص من ظالم، أو نصرة للحق، أو إبطال باطل (١). الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٢). وجه الاستدلال من الآية: قال غير واحد من المفسرين: (مخرجًا) مما ضاق على الناس (٣)، ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس (٤). القول الراجح- والله أعلم- التفصيل: إنَّ ما كان من الحيل فيه خداع ومكر وكذب؛ فلا يجوز، وكذلك ما كان فيه ظلم أو إسقاط حق لأحد؛ فلا يجوز، أما ما كان من الحيل لأخذ حقه، وبطريق مشروع، وكذلك ما كان لدفع ظلم عنه؛ فيجوز، ويتبين سبب الترجيح في تقسيم العلماء للحيل. وبهذا يتبين عدم الجواز في مسألتنا؛ لأن فيها خداعاً وكذباً

стр. 139

لأخذ المال دون قصد الزواج، ويأثم الاثنان إن كانا متفقين على ذلك، وإلا أثِم منهما من أراد الحيلة في زواجه سواء كان الزوج لأخذ المال، أو الزوجة للإقامة أو الجنسية. أقسام الحيل: اختلف العلماء في تقسيم الحيل، فذهب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية إلى تقسيمها أقسامًا، منها: القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرمًا في نفسه، فحرام باتفاق المسلمين، وصاحبه فاجر آثم ظالم، ويسمى صاحبه مكَّارًا وداهية، كالتحيل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال، وفساد ذات البين، وحيل الشيطان في إغواء بني آدم، وحيل المجادلين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل. فكل ما هو محرم في نفسه، فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية، بل الخفية أعظم إثمًا؛ لأنها أخدع. وتحت هذا القسم نوعان: النوع الأول: ما يظهر أن مقصود صاحبه الشر؛ كحيل اللصوص، فحكم هذا واضح، قال فيه شيخ الإسلام: «ولا مدخل لهذه في الفقه». النوع الثاني: ما لا يظهر فيه قصد المحتال، بل يظهر قصد الحل في الظاهر، وقد لا يمكن الاطلاع على مقصوده غالبًا، ففي

стр. 140

مثل هذا قد تسد الذرائع إلى تلك المقاصد الخبيثة (١). القسم الثاني: أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل (٢)، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٣): ١ - أن يكون الطريق محرمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، مثل أن يكون على رجل حق فيجحده ولا يبينه له، فيقيم صاحب الحق شاهدي زور يشهدان به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق. وهذا قال فيه شيخ الإسلام: «فهذا محرم ... قبيح» (٤). ٢ - أن تكون الطريقة مشروعة، وما تفضي إليه مشروع، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها؛ كالبيع والإجارة وغيرهما، وليس هذا من باب الحيل وإن أخذ اسمه، كما قال بعض السلف: الأمر أمران: أمر فيه حيلة، فلا يعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه، فلا يجزع منه (٥). والحكم في هذا واضح. ٣ - أن يحتال على التوصل إلى الحق، أو على دفع الظلم بطريق مباحة (٦) لم توضع موصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون قد وضعت

стр. 141

له، لكن تكون خفية ولا يفطن لها، فيجوز هذا القسم. وقد مثل له ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (١) بمائة وسبعة عشر مثالاً، وفي "إغاثة اللهفان" (٢) بثمانين مثالاً. القسم الثالث: أن يقصد حل ما حرم الشارع، أو سقوط ما أوجبه، وقد أباح لهما أسبابًا على سبيل التبع والضمن، فيأتي المحتال فيقصد هذا السبب التابع، ليقصد به أمرًا محرمًا مقصودًا اجتنابه، فهذا حرام من وجهين: ١ - من جهة مقصوده: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الشارع، وإسقاط ما أوجبه. ٢ - من جهة سببه: أنه قصد بالسبب ما لم يشرع لأجله. قال شيخ الإسلام: «وهذا القسم هو الذي كثُر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى، وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه؛ فإنه قد اشتبه أمره على المحتالين» (٣). ثم ذكر تحت هذا القسم أنواعًا: الأول: الاحتيال لحل ما هو محرم في الحال؛ كنكاح المحلل. الثاني: الاحتيال على ما انعقد سبب تحريمه، وهو ما يحرم إن تجرد عن الحيلة؛ كالاحتيال في حل اليمين، فإن يمين الطلاق

стр. 142

يوجب تحريم المرأة إذا حنث، فالمحتال يريد إزالة التحريم مع وجود السبب المحرم، وهو الفعل المحلوف عليه. الثالث: الاحتيال على إسقاط واجب قد وجب، مثل أن يسافر في أثناء يوم من رمضان ليفطر. الرابع: الاحتيال على ما انعقد سبب وجوبه؛ مثل الاحتيال لإسقاط الزكاة، أو الشفعة، أو الفطر في رمضان، وفي بعضها يظهر أن المقصود خبيث، مثل الاحتياط لإسقاط الزكاة، أو صوم الشهر بعينه، لكن شبهة المرتكب أن هذا منع للوجوب لا رفع له، وكلاهما في الحقيقة واحد، وفي بعضها يظهر أن السبب المحتال به لا حقيقة له (١). القسم الرابع: الاحتيال على أخذ بدل حقه، أو تعيين حقه بخيانة؛ مثل أن يأخذ مالاً قد اؤتمن عليه، زاعمًا أنه بدل ماله، أو أنه يستحقه مع عدم ظهور سبب الاستحقاق، أو إظهاره. فهذا حرام (٢). وذهب الشاطبي في تقسيم الحيل إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: لا خلاف في بطلانه؛ كحيل المنافقين والمرائين. القسم الثاني: ما لا خلاف في جوازه؛ كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها، وكلا القسمين بالغ مبلغ القطع.

стр. 143

القسم الثالث: وهو محل الخلاف للإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النظار، من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثاني ولا تبين للشارع فيه مقصد يتفق على أنه مقصود له ولا ظهر أنه على خلاف المصلحة التي وضعتها الشريعة، فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازع فيه (١). ومما سبق من التقاسيم يتبين لنا أن الشاطبي قسم الحيل إجمالاً، بينما ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية فصَّلوا فيها، وذكروا تحت كل قسم ما تحته من أنواع.

стр. 144

المطلب الثالث رأي القانون الكويتي بالنسبة للقرض الاجتماعي الذي يُعطى للمواطنين المتقدمين للزواج فقد جعل له بنك التسليف شروطًا، منها: ١ - أن تكون الزوجة كويتية، وإذا كان طالب القرض معاقًا بالدرجة الشديدة أو المتوسطة، فقد يجوز منحه قرضًا للزواج حتى لو كانت الزوجة غير كويتية. ٢ - ألاَّ يكون مضى على تاريخ عقد الزواج أكثر من ثلاث سنوات. ٣ - ألاَّ يكون سبق له الزواج من كويتية. ٤ - يجوز تقديم قرض اجتماعي للزواج لمدة سنة لمن تُتَوفَّى زوجته الوحيدة ويتزوج بأخرى، بشرط توافر الشرطين السابقين (١، ٢)، فإذا كان طالب القرض مدينًا بالقرض السابق، فيستمر تحصيل الأقساط مضاعفة، ويجوز سداد رصيد القرض السابق؛ حتى لا تتم مضاعفة القسط عند حصول المقترض على القرض الجديد. ٥ - يكون الحد الأقصى لقرض الزواج أربعة الآف دينار، تسدد وزارة المالية ألف دينار كهبة، ويسدد المقترض الباقي على أقساط شهرية متساوية، وبدون فائدة.

стр. 145

٦ - يبدأ تحصيل الأقساط بعد ثلاثة أشهر من تاريخ تسليم الشيك، ويكون الحد الأدني للقسط أربعين دينارًا (١). ويلاحظ من الشروط عدم تطرقها للحيل أو التلاعب بهذا القرض، وبمجرد توفر الشروط فإن للمواطن حق الاستفادة من القرض. وأريد أن أنبه إلى أن من يأخذ القرض بحيلة أو بأخرى، فإنه قد يحتاجه يومًا للزواج، فلا يستطيع، لهذا؛ فإن صاحب الحيلة يضر نفسه.
следующие страницы →