له، لكن تكون خفية ولا يفطن لها، فيجوز هذا القسم. وقد مثل له ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (١) بمائة وسبعة عشر مثالاً، وفي "إغاثة اللهفان" (٢) بثمانين مثالاً.
القسم الثالث: أن يقصد حل ما حرم الشارع، أو سقوط ما أوجبه، وقد أباح لهما أسبابًا على سبيل التبع والضمن، فيأتي المحتال فيقصد هذا السبب التابع، ليقصد به أمرًا محرمًا مقصودًا اجتنابه، فهذا حرام من وجهين:
١ - من جهة مقصوده: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الشارع، وإسقاط ما أوجبه.
٢ - من جهة سببه: أنه قصد بالسبب ما لم يشرع لأجله.
قال شيخ الإسلام: «وهذا القسم هو الذي كثُر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى، وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه؛ فإنه قد اشتبه أمره على المحتالين» (٣).
ثم ذكر تحت هذا القسم أنواعًا:
الأول: الاحتيال لحل ما هو محرم في الحال؛ كنكاح المحلل.
الثاني: الاحتيال على ما انعقد سبب تحريمه، وهو ما يحرم إن تجرد عن الحيلة؛ كالاحتيال في حل اليمين، فإن يمين الطلاق
стр. 142
يوجب تحريم المرأة إذا حنث، فالمحتال يريد إزالة التحريم مع وجود السبب المحرم، وهو الفعل المحلوف عليه.
الثالث: الاحتيال على إسقاط واجب قد وجب، مثل أن يسافر في أثناء يوم من رمضان ليفطر.
الرابع: الاحتيال على ما انعقد سبب وجوبه؛ مثل الاحتيال لإسقاط الزكاة، أو الشفعة، أو الفطر في رمضان، وفي بعضها يظهر أن المقصود خبيث، مثل الاحتياط لإسقاط الزكاة، أو صوم الشهر بعينه، لكن شبهة المرتكب أن هذا منع للوجوب لا رفع له، وكلاهما في الحقيقة واحد، وفي بعضها يظهر أن السبب المحتال به لا حقيقة له (١).
القسم الرابع: الاحتيال على أخذ بدل حقه، أو تعيين حقه بخيانة؛ مثل أن يأخذ مالاً قد اؤتمن عليه، زاعمًا أنه بدل ماله، أو أنه يستحقه مع عدم ظهور سبب الاستحقاق، أو إظهاره. فهذا حرام (٢).
وذهب الشاطبي في تقسيم الحيل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا خلاف في بطلانه؛ كحيل المنافقين والمرائين.
القسم الثاني: ما لا خلاف في جوازه؛ كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها، وكلا القسمين بالغ مبلغ القطع.
стр. 143
القسم الثالث: وهو محل الخلاف للإشكال والغموض، وفيه اضطربت أنظار النظار، من جهة أنه لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثاني ولا تبين للشارع فيه مقصد يتفق على أنه مقصود له ولا ظهر أنه على خلاف المصلحة التي وضعتها الشريعة، فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازع فيه (١).
ومما سبق من التقاسيم يتبين لنا أن الشاطبي قسم الحيل إجمالاً، بينما ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية فصَّلوا فيها، وذكروا تحت كل قسم ما تحته من أنواع.
стр. 144
المطلب الثالث
رأي القانون الكويتي بالنسبة للقرض الاجتماعي الذي يُعطى للمواطنين المتقدمين للزواج
فقد جعل له بنك التسليف شروطًا، منها:
١ - أن تكون الزوجة كويتية، وإذا كان طالب القرض معاقًا بالدرجة الشديدة أو المتوسطة، فقد يجوز منحه قرضًا للزواج حتى لو كانت الزوجة غير كويتية.
٢ - ألاَّ يكون مضى على تاريخ عقد الزواج أكثر من ثلاث سنوات.
٣ - ألاَّ يكون سبق له الزواج من كويتية.
٤ - يجوز تقديم قرض اجتماعي للزواج لمدة سنة لمن تُتَوفَّى زوجته الوحيدة ويتزوج بأخرى، بشرط توافر الشرطين السابقين (١، ٢)، فإذا كان طالب القرض مدينًا بالقرض السابق، فيستمر تحصيل الأقساط مضاعفة، ويجوز سداد رصيد القرض السابق؛ حتى لا تتم مضاعفة القسط عند حصول المقترض على القرض الجديد.
٥ - يكون الحد الأقصى لقرض الزواج أربعة الآف دينار، تسدد وزارة المالية ألف دينار كهبة، ويسدد المقترض الباقي على أقساط شهرية متساوية، وبدون فائدة.
стр. 145
٦ - يبدأ تحصيل الأقساط بعد ثلاثة أشهر من تاريخ تسليم الشيك، ويكون الحد الأدني للقسط أربعين دينارًا (١).
ويلاحظ من الشروط عدم تطرقها للحيل أو التلاعب بهذا القرض، وبمجرد توفر الشروط فإن للمواطن حق الاستفادة من القرض. وأريد أن أنبه إلى أن من يأخذ القرض بحيلة أو بأخرى، فإنه قد يحتاجه يومًا للزواج، فلا يستطيع، لهذا؛ فإن صاحب الحيلة يضر نفسه.
стр. 146
المبحث الثالث
الزواج العرفي
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الزواج العرفي.
المطلب الثاني: الفرق بين الزواج العرفي والزواج الشرعي
المطلب الثالث: حكم الزواج العرفي
المطلب الرابع: رأي القانون الكويتي
стр. 147
المطلب الأول
تعريف الزواج العرفي
الفرع الأول: تعريف الزواج العرفي لغة:
العرف في اللغة يطلق على معانٍ متعددة، وقبل ذكرها نذكر الأصل الذي يطلق عليه العرف، قال ابن فارس: (حرف العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض، والآخر يدل على السكون والطمأنينة) (١).
ومن معانيه:
- الجود: اسم ما تبذله وتعطيه الرائحة الطيبة؛ لأن النفس تسكن إليها، يقال: ما أطيب عَرْفه، قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ (٢).
- المعروف والعرفان: تقول عَرَفَ فلان فلانًا عرفانًا ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهو أخص من العلم، ويضاده الإنكار.
- الصبر: العارف: الصابر، يقال: أصابته مصيبة فوجد عروفًا، أي صابرًا.
- الاعتراف والإقرار: تقول له عليّ ألف عرفًا، أي: اعترافًا.
стр. 148
- ويطلق على كل مرتفع عالٍ ظهره، ويقال: عرف الأرض: ما ارتفع منها، وأعراف الرياح والسحاب: أوائلها وأعاليها (١).
العرف في اصطلاح الأصوليين:
التعريف الأول: ما يغلب على الناس من قول أو فعل أو ترك (٢).
التعريف الثاني: عادة جمهور قوم في قول أو عمل (٣).
التعريف الثالث: ما ألفه المجتمع واعتاده وسار عليه في حياته من قول أو فعل (٤).
التعريف الرابع: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول (٥).
التعريف الخامس: ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه (٦).
стр. 149
التعريف المختار هو التعريف الأول، لأمور، هي:
١ - لعمومه؛ لأنه شمل القول والفعل والترك.
٢ - أن التعريف الثاني والثالث نصَّا على تعريف العرف بالعادة، وهذا فيه خلاف بين العلماء، والثالث فيه تكرار، وهو قوله: ألفه المجتمع وسار عليه واعتاده.
٣ - قوله في التعريف الرابع: "وتلقته الطبائع" فيه نظر؛ لأنه لا يلزم أن يتلقاه كل الناس؛ لأنه عرف الطباع، فدلت على العموم، ويكفي أغلب الناس أو الأكثرية ليكون عرفًا.
٤ - قوله في التعريف الخامس عرف العرف بما عرفه، وهذا ما يسميه الأصوليون الدور، وهو من أسباب نقض التعريف، وكذلك قوله: "وأقرهم الشارع عليه" يخرج العرف الفاسد.
- وهل العرف هو العادة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما مترادفان، فالعادة والعرف بمعنى واحد، والكثير من الأصوليين حينما يذكر العرف يقرنه بالعادة دون تمييز أو تفريق بينهما (١).
الثاني: ومن العلماء من قال: العادة هي المتكررة من دون علاقة عقلية، والعرف هو العملي، فالعادة هي العرف العملي، فهي أخص منه (٢).
стр. 150
الثالثة: أن العادة أعم من العرف، وبينهما العموم والخصوص المطلق، فالعادة أعم مطلقًا من العرف، والعرف عادة مقيدة، فكل عرف عادة، ولا عكس (١).
والإطلاق الثالث هو الصحيح، لما يلي:
١ - لموافقته للمدلولات اللغوية للمعنيين، فالعادة الأمر المتكرر مطلقًا.
٢ - الواقع والتطبيق: فإن هناك أمورًا تتكرر بصورة فردية ولا ينطبق عليها اسم العرف، بل يطلق عليها عادة، مثل عادة المرأة في حيضتها، أما العادة الجماعية قولية أو فعلية، فيصح أن يطلق عليها اسم العرف، كما يطلق اسم العادة (٢).
- حجية العرف: الاحتجاج بالعرف والعادة من الأمور المتفق عليها بين العلماء (٣) إذا كان لهما مجال، ولم يخالفا دليلاً شرعيًّا، وإنما الخلاف في تفاوتهم بالأخذ به بالكثرة والقلة، حتى قال العز بن عبد السلام (٤): إن دلالة العرف عليها- أي على المسائل الفقهية
стр. 151
التي ذكرها- كدلالة اللفظ (١)، وكذلك هل هو دليل مستقل أو تابع.
بعض الأدلة على مشروعية العرف:
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآية:
أن هذا أمر من الله بالأخذ بالعرف، وهو دليل على اعتبار العرف، وهو ما عرفته النفوس مما لا تردُّه الشريعة (٣).
الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤).
وجه الاستدلال من الآية:
أن الله أمر الرجال بأن يعاشروا زوجاتهم بما تعارف عليه الناس، مما من شأنه أن يحسن العِشْرة، فدلَّ على أن العرف حجة (٥).
الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٦).
стр. 152
وجه الدلالة من الآية:
أن الله أمر الزوج أن ينفق على زوجته وولده على قدر وسعه؛ حتى يوسع عليهما إن كان موسعًا عليه، وإن كان فقيرًا فعلى قدر الحاجة المتفق عليها بالاجتهاد، ومرجع ذلك العرف (١).
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن المعروف هو القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية (٣).
وغير ذلك من الأدلة التي تدل على مشروعية العرف.
الفرع الثاني: تعريف الزواج العرفي اصطلاحًا:
اختلف الباحثون في تعريف الزواج العرفي؛ لأنه من النوازل التي لم يذكرها العلماء المتقدمون، على أقوال:
التعريف الأول: (عقد يفيد وجود استمتاع لكل من العاقدين بالآخر، ولكنه على وجه غير مشروع) (٤).
стр. 153
التعريف الثاني: (اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية، سواء أكان مكتوبًا أو غير مكتوب (١).
التعريف الثالث: (هو عقد مستكمل شروطه الشرعية إلا أنه لم يوثق) (٢).
التعريف الرابع: (هو عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع) (٣). وغير ذلك من التعاريف.
أما عن التعريف المختار، فهو أنه: عقد نكاح بين رجل وامرأة مستكملاً لأركانه وشروطه الشرعية، غير موثق بوثيقة رسمية حكومية (٤)، وذلك لما يلي:
١ - أن التعريف الأول حكم على هذا النوع من الزواج، وذكر الحكم في التعريف منتقد؛ لأن التعريف لبيان الماهية.
٢ - أما الثاني فإنه عام في الزواج المستكمل الأركان والشروط وغير المستكمل، وإنما اهتم بالتوثيق فقط.
٣ - والتعريف الثالث ذكر أنه لم يوثق، والعرفي قد يوثق فيما بينهما، ولا تكون الوثيقة رسمية.
٤ - والتعريف الرابع عامٌّ في الزواج، ولم يتطرق إلى التوثيق الذي هو أساس الزواج العرفي.
стр. 154
المطلب الثاني
الفرق بين الزواج العرفي والزواج الشرعي
اختلف الباحثون في الفرق بين الزواج العرفي والزواج الشرعي، وذلك بحسب الصور التي يقع عليها اسم الزواج العرفي في منظورهم؛ فمنهم من يرى في صورته أنه يكون من دون ولي خلافًا للزواج الشرعي.
ومنهم من يرى في سريته خلافًا للزواج الشرعي الذي يؤمر فيه بالإشهار.
والأكثر يرون أنه غير موثق، وهذه هي النازلة، وإن كان مِن لازمها عدم الإشهار، فإن التوثيق لم يكن في السابق وظهر الآن، وأُلزم به الناسُ بعدما ضعف الدين، وخربت الذمم، ولما يترتب عليه من حقوق وواجبات للزوجة قد تضيع وتسقط في حال عدم توثيق العقد، فيكون مدعاة لإنكار الزوج وتخلصه من حقوق الزوجة، وتبعات الزواج.
والبعض يجعله بين الزوج والزوجة العقد دون ولي وشهود (١).
стр. 155
المطلب الثالث
حكم الزواج العرفي
سبق أن ذكرنا أن الزواج العرفي له صور متعددة، وكل واحدة مختلفة عن الأخرى، وسأقتصر هنا على صورة واحدة؛ لأنها نازلة في نظري، ولأهميتها، وهي أن يكون الزواج مكتمل الأركان والشروط، ولكن دون توثيق رسمي، وقبل أن أدخل في حكم المسألة سأبين ما هو التوثيق والوثيقة والموثق وما يرتبط بكل ذلك.
التوثيق لغة: قال ابن فارس: «الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام» (١)، ووثقت الشيء: أحكمته، وثُقَ الشيء وثاقة: قوي وثبت، فهو وثيق، أي ثابت محكم، وصار وثيقًا، أو أخذ بالوثيقة في أمره، أي بالثقة، كتوثق، والوَثاق- ويكسر-: ما يشد به، وأوثقه فيه: شدَّه، واستوثق منه: أخذ الوثيقة، ووثِقت به أثق ثقة: سكنت إليه، واعتمدت عليه (٢).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (٣).
قال القرطبي: «الميثاق: العهد المؤكد باليمين، مِفْعال
стр. 156
من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه، والجمع: المواثيق» (١).
وقال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، أي تحلفون بالعهود والمواثيق (٣).
ومما سبق يتبين لنا أن للتوثيق معاني:
- العقد والإحكام، والثبوت والتقوية، والعهد والأيمان، والشد والإحكام.
أما التوثيق اصطلاحًا:
التعريف الأول: (الأمر الذي يحصل به التقوِّي على الوصول للحق) (٤).
التعريف الثاني: (علم يبحث فيه عن كيفية سوق الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات في الرقاع والدفاتر؛ ليحتج بها عند الحاجة إليها) (٥).
التعريف الثالث: (علم باحث عن كيفية ثبت الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات على وجه يصح الاحتجاج به عند انقضاء شهود الحال) (٦).
стр. 157
ولعل التعريف المختار- والله أعلم- هو أنه: "علم يضبط أنواع المعاملات والتصرفات بين شخصين أو أكثر، على وجه يضمن تحقيق الآثار المترتبة عليها، ويكسبها قوة الإثبات عند القاضي» (١)، واخترناه لما يلي:
١ - أن التعريف الأول عام بين الحقوق واستيفاء الحقوق، ولم يبين أركان التوثيق.
٢ - التعريف الثاني والثالث لم يذكر فيهما أركان التوثيق، ولم يكونا جامعين مانعين.
٣ - أن التعريف المختار ذكر أركان التوثيق إضافة إلى الآثار المترتبة عليه.
ويسمى الفقهاء علم التوثيق بعلم الشروط والمحاضر والسجلات.
أما الوثيقة لغة: فإنها ترجع إلى المعنى السابق ذكره؛ لأنها من نفس مادة وثق.
وأما اصطلاحًا: فهي الورقة التي يُدوَّن فيها ما يصدر من شخص أو أكثر من التصرفات والالتزامات أو الإسقاطات أو نحو ذلك، على وجه يجعلها منطبقة على القواعد الشرعية، ومستوفية لجميع الشروط التي اشترطها الفقهاء لجعل هذا المدون بعيدًا عن الفساد (٢).
стр. 158
والمُوثِّق لغة: اسم فاعل معناه اللغوي لا يخرج عن المادة السابقة لأنها أصله.
واصطلاحًا:
التعريف الأول: (هو من يوثق العقود ونحوها بالطريق الرسمي) (١).
والتعريف الثاني: (هو من يقوم بالتوثيق، أي بكتابة العقد أو الإقرار أو التصرف ونحو ذلك) (٢).
التعريف الثالث: (قيام موظف رسمي مختص بتحرير العقد بنفسه، والتوقيع عليه، وذلك بعد تأكده من توافر أركانه وشروط صحته) (٣).
التعريف المختار هو الثالث، وذلك لما يلي:
١ - أن الأول والثاني أطلقا صفة الموثق على كل من يقوم بكتابة الوثيقة، فيدخل فيه العالم والعامي.
٢ - وأن الثالث أعطى الموثق صفة رسمية، وأنه مختص في هذه المهنة.
أما صفة الموثق أو الشروط التي يجب أن يكون عليها فقد نظمها بعضهم شعرًا فقال:
إن كنت للتوثيق من أبنائه ... ولبست من أوصافه جلبابا
стр. 159
وحفظت ما تحتاجه من آلة ... أدبًا وفقهًا يقتضيه صوابا
وسبكت ألفاظ الوثيقة بعضها ... بعضًا على نسق عجابا
وسلكت مسلك صالحي علمائنا ... تبغي بها سبل النجاة طلابا
متثبتا متحفظًا متحرزًا ... يقظان لا تخش الأنام عتابا
وقبلت ما أوتيت عنها أجرة ... عن طيب نفس قد أتاك لبابا
وحفظت دينك في الشريعة تابعًا ... سبل الكرام أولي النُّهى أوابا
فلسوف تدرك ما تؤمِّل دائمًا ... فضلاً من الله العظيم ثوابا (١)
وقد اختلف العلماء في حكم الزواج العرفي على أقوال:
القول الأول: يصح عقد الزواج العرفي؛ لأن الكتابة والتسجيل في الأوراق الرسمية ليست بشرط ولا ركن من أركان عقد الزواج، فلذلك يصح عقد الزواج، وتترتب عليه آثاره إذا توفرت الشروط والأركان، وهو قول الشيخ جاد الحق، والشيخ ابن جبرين، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان وغيرهم (٢).
стр. 160
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الزواج مكتمل الأركان والشروط الواجب توافرها في الزواج الصحيح.
مناقشة الدليل:
أن ولي الأمر أمر بتوثيق العقود، وطاعته واجبة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﵊: «إنما الطاعة في المعروف» (٢)، فما دام الإنسان يؤمر بمعروف، فيجب أن يطيع، فالطاعة لازمة وواجبة هنا (٣)، لاسيما أن فيه طاعة لله، وكذلك حفظ للحقوق من الضياع، وإثبات لأحكام الزوجية، خاصة إذا عم الفساد، وكثرت الفتن، وضعف الدين في الناس.
الدليل الثاني: أن توثيق الزواج بالكتابة ليس شرطًا ولا سُنة، وأنه يختلف من بلد إلى بلد، وأنه قد يعيق الزواج (٤)، وأنه لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ والصحابة ولم ينقل عنهم، ولا عن السلف من بعدهم كتابة عقد الزواج (٥)، بل اكتفوا بالإشهار والإعلان، مع
стр. 161
وجود الكتابة عندهم في المعاملات والبيوع، قال ابن تيمية: «ولم يكن الصحابة يكتبون صدقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر» (١).
مناقشة الدليل:
أن كتابة عقد الزواج لم تكن معروفة في عهد رسول الله ﷺ صحيح، ولكن كانت الكلمة تحترم وتعتبر ميثاقًا يُعتد به، أما الآن فقد أصبحت الذمم خربة، ولا تُحترم الكلمة، وغاب الضمير، وكثرت الحيل (٢)، وكذلك صحيح أن التوثيق ليس شرطًا ولا سنة، ولكن صار في وقتنا الحالي من الضروريات التي تحفظ العقد من التلاعب والتحايل والتزوير، وفيه حفظ للحقوق، ولا يعيق الزواج، بل تحفظ به الحقوق والواجبات (٣).
القول الثاني: أن العقد صحيح مع وجوب توثيق عقد الزواج بالكتابة والتسجيل رسميًّا، والذي لم يسجل يأثم ويعاقب بعقوبة يقدرها ولي الأمر، وهو قول علي الطنطاوي والقرضاوي وغيرهما (٤).
стр. 162
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن ولي الأمر أمر بهذا التوثيق، وألزم فيه، فيجب طاعته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، ولقول النبي ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلاَّ أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢).
وقد أمَر ولي الأمر بكتابة عقد الزواج رسميًّا، فكان ذلك واجبًا يأثم تاركه، ويعاقب فاعله (٣).
الدليل الثاني: لأجل إثبات الحقوق والأحكام الزوجية، وحفظ حقوق الولد، فلولي الأمر الحق بإلزام الناس بتوثيق العقود من باب السياسة الشرعية التي يسوس بها الرعية (٤).
الدليل الثالث: قياس توثيق عقد النكاح على توثيق الدَّين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥).
ففي الآية توثيق للمعاملات والحقوق، وهذا في المعاملات
стр. 163
المالية، ففي النكاح من باب أولى، خوفًا من ضياع الأولاد، وإنكار الزوجية.
القول الراجح- والعلم عند الله- القول الثاني القائل بوجوب توثيق عقد الزواج مع صحة العقد، وأنه يجب معاقبة المقصر، وذلك لما يلي:
١ - لقوة أدلته وصراحتها على الدلالة.
٢ - أن غاية ما عند القول الأول اكتمال الشروط والواجبات، ولا نخالفهم في هذا، ولكن هذا خاضع للمصالح والمفاسد التي تحصل بسبب الزواج العرفي.
٣ - لولي الأمر أن يُلزم بما فيه مصلحة الناس، وهو حق له من باب السياسة الشرعية.
стр. 164
المطلب الرابع
رأي القانون الكويتي
جاء في قانون الأحوال الشخصية الكويتي في المادة الثانية والتسعين، الفقرة (أ): لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية، أو سبق الإنكارَ إقرارٌ بالزوجية في أوراق رسمية (١).
ويلاحظ على قانون الأحوال الشخصية أنه يرفض سماع الدعوى في الزواج العرفي المقدمة إلى المحاكم في حالة الإنكار، ولم يصرح بأن هذا الزواج باطل، أو أن مثل هذه العقود يجب أن توجب عليه عقوبة لعدم توثيقه (٢)، بل اكتفت بعدم سماع الدعوى عند الإنكار، وهذا نوع من الاستنكار والاعتراض على مثل هذه العقود، وتبيين لخطرها.
стр. 165
المبحث الرابع
زواج "الفرند" (زواج الأصدقاء)
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف زواج "الفرند"، وفيه فرعان:
المطلب الثاني: الفرق بين زواج "الفرند" والزواج الشرعي
المطلب الثالث: حكم زواج "الفرند"
المطلب الرابع: رأي القانون الكويتي
стр. 166
المطلب الأول:
تعريف زواج "الفرند "
وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف زواج "الفرند" لغة:
عندما يتكلم العلماء في اللغة على مادة أثر يتطرقون إلى كلمة الفرند، وأثر السيف جوهره وأثر جودته، وهو: الفرند، وأثر السيف فرنده.
وأثر السيف: وَشْيُه الذي يقال له: الفرند، وهي كلمة فارسية معربة، وأصله برند بالباء (١).
ويطلق الفرند على الحرير، وأنشد ثعلب (٢):
يحله الياقوت والفرندا ... مع الملاب وعبيدًا صردا
стр. 167
ومما سبق يتبين لنا أنها كلمة غير عربية الأصل، وأن لها معنيين؛ الأول: أثر السيف، والثاني: الحرير.
أما المراد هنا في بحثنا فغير ذلك؛ لأنها كلمة إنجليزية (Friend)، ومعناها: صديق، أي زواج الصديق، وجاءت في مقابل "بوي فرند" (Friend boy)، و"جيرل فرند" (Girl - Friend) السائدة في الغرب، وبهذا يتبين أنها ليست تسمية حقيقية لهذا الزواج، بل في مقابل ما هو مشهور في الدول الغربية، وأول من تكلم بهذا هو الشيخ عبد المجيد الزبداني، وقد ذكره كحل لمشكلة المسلمين في الغرب، حينما اتخذوا صديقات، وشاع الفساد، فقالوا له: ما الحل؟ قال: الصديق "الفرند". ولم تكن فتوى، ثم شاع هذا الأمر، وتكلم الناس فيه، وبحثه العلماء وتطرقوا إلى حكمه (١)، ولما حصل عند الناس إشكالات واعتراضات لمسماه وما يحصل في الغرب، استبدل اسمه إلى الزواج الميسر أو اليسر، وهو السهولة واللين، ضد العسر، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (٢)، فطابق بينهما.
الفرع الثاني: تعريف زواج "الفرند" اصطلاحًا:
يمكن أن يعرف بأنه: تزوج الفتى والفتاة دون أن يشترط امتلاكه بيتًا، أو وجوب نفقة على الزوج في بلاد الغرب على أن
стр. 168
يوفر لها ذلك حين قدرته (١).
وقد قيده بعض المعاصرين بوصف "اللذين كانا صديقين" (٢). وهذا وإن كان صحيحًا، لكن أرى أن تحذف من التعريف؛ ليعم الحكم الصديق وغيره، والله أعلم.
стр. 169
المطلب الثاني
الفرق بين زواج "الفرند" والزواج الشرعي
الزواج الشرعي وزواج "الفرند" كلاهما مستكمل الشروط والأركان، وكلاهما موثق، ولكن في زواج "الفرند" تتنازل المرأة عن بعض حقوقها، مثل اشتراط النفقة، والسكن، كما أن طبيعة العقد تقتضي عدم قوامة الرجل على المرأة، فهي تتصرف في حياتها كما تشاء؛ لإقامتها في منزل أهلها (١)، فزواج "الفرند" بني على أساس رأي لحل مشكلة، بينما الزواج الشرعي بني على عهد النبي ﷺ لإقامة أسرة، وزواج "الفرند" قد يغلب عليه عدم الاستمرار؛ لطبيعته أنه مبني على الصداقة، بخلاف الزواج الشرعي، حيث الأصل فيه الإنجاب، وقد لا يُتصوَّر ذلك في زواج "الفرند" (٢).
стр. 170
المطلب الثالث
حكم زواج "الفرند ":
اختلف العلماء في حكم زواج الفرند على قولين:
القول الأول: يجوز زواج "الفرند" بشرط ألاَّ يُنصّ في العقد على تأقيته، أو يكون بنية الطلاق. وهو قول عبد المجيد الزبداني، وعبد المحسن العبيكان، المستشار بوزارة العدل في المملكة العربية السعودية وعضو مجلس الشورى، وعبد الحميد حمدي، عضو المجلس الإسلامي بالدانمارك، والشيخ علي أبو الحسن، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، والدكتور سليمان عبد الله الماجد، القاضي في محكمة الأحساء (١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أنه زواج مكتمل الأركان والشروط، من إيجاب وقبول وولي وشاهدين والزوجين الخاليين من الموانع (٢).
مناقشة الدليل:
صحيح نسلم لكم أن العقد صحيح، ولكن بما أنه مشابه لنكاح
стр. 171
الأخدان (١)، فأخشى أن يُستغل ويعمل به كالأخدان المُحرَّم إن لم توضع له ضوابط تحفظه (٢).
الدليل الثاني: أن النفقة والسكن وإن كانا من واجبات الزواج، إلا أنهما ليسا من العقد، وعدم توافرهما لا يبطله (٣)، فللمرأة حق التنازل عنهما ما دامت تستطيع أن تسكن إلى جانب أبيها وأسرتها (٤).
الرد على الدليل من وجوه:
الوجه الأول:
قولكم محل نظر وإن كان صحيحًا؛ لأننا كأننا نخفف من الواجبات الزوجية، ونجرده من مقاصده لنزوة جنسية بحتة، وعقدٍ مشبوهٍ لا يوفر المودة والرحمة لكلا الزوجين، لأن كلا الصديقين يدرك في قرارة نفسه أن هذا الزواج لا يدوم (٥).
مناقشة الوجه الأول:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نسلم لكم بأنه نزول إلى رغبة جنسية بحتة، وأنه ليس فيه مودة ورحمة؛ لأن الإنسان قد يكون فقيرًا
стр. 172
ويعمل لجمع المال لتوفير سكن لعائلته، وقد تصيبه فاقة في أثناء الزواج، فيجعل زوجته عند أهلها مدة قد تطول، ويأتيها على فترات عند أهلها إلى أن تتيسر أموره، ولم يقل أحد بحرمة هذه الصورة كزواج النهاريات والليليات.
الوجه الثاني:
لو لم يكن في منع هذا الزواج إلا سد الذريعة، وقطع دابر التحايل، للزم من هذا المنطلق تحريمه وذمه؛ حتى لا يفتح به الباب لأصحاب الأهواء والنزوات الذين استهوتهم المتع، ولعبت بهم الميول الدنيئة (١).
مناقشة الوجه الثاني:
يمكن مناقشة أن الحيل لا ترد كلها، بل فيها تفضيل كما سبق في تقسيم الحيل (٢)، ولا يمكن أن نحكم أنه للمتعة والشهوة؛ لأنه قد يكون لحاجة وفقر، ويريد مخرجًا للعفة والتحصين لنفسه ولغيره، لاسيما إذا كان في بلد غربي منحل أخلاقيًّا.
الوجه الثالث:
لا يلزم من كون الواجبات الزوجية ليست من أركان العقد حِليَّة النكاح، وإن صححنا العقد فقد يكون عقدُ النكاح مستوفيًا ظاهريًّا للأركان والشروط المطلوبة، ويعتريه التحريم من نواح أخرى؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن الفقهاء جميعهم يقطعون بالصحة مع الحرمة (٣).
стр. 173
مناقشة الوجه الثالث:
ويمكن مناقشته بأننا نسلم لكم بأنه إن اعتراه أمر ينافي مقاصد الزواج أو الغاية منه، أنه قد يحرم، ولكن لا نرى أنه اعتراه شيء يؤدي إلى حرمته، مع أن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة غير مسلم بها، فمِن العلماء من يرى أن الصلاة غير صحيحة (١)، فلا نسلم لكم بهذا الدليل.
الدليل الثالث:
يؤدي هذا الزواج في الغرب بين أبناء المسلمين إلى اتقاء شرور الفتن الأخلاقية، إذ من الممكن أن يرتبطا بعقد زواج شرعي من دون أن يمتلكا بيتًا في البداية، إلى أن يتم لهما تنظيم حياتهما (٢).
الرد على الدليل من وجوه:
الوجه الأول: أن اتقاء الفتن لا يكون في تغريب الإسلام، بل في أسلمة الغرب، وتطويع المغتربين من شبابنا لمفاهيم الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).
وفي الحديث: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» (٤)(٥).
стр. 174
الرد على الوجه الأول:
أن إسقاط المرأة حقها لا ينافي حقها من الزواج، وتشملها عموم الأدلة الدالة على طلب الزواج، مع أن الأولى الصبر والصوم إنْ قُدِر عليه، وإلا لا نستطيع تحريم نوع من أنواع الزواج لم ينص دليل صريح على تحريمه (١).
الوجه الثاني:
أن القواعد تدفع هذا العقد المشبوه؛ لمنافاته المقاصد الإسلامية من الزواج، وأن الشيخ الزبداني، الذي أفتى بهذه الفتوى، ذكر أن الولد يأتي إلى بيت أبيه ومعه صديقته ويعاشرها، والأب والأم يعلمان أنها صديقته، فرأى حل المشكلة بالعقد الشرعي، أي بدل أن تكون العلاقة آثمة تكون علاقة شرعية (٢).
الرد على الوجه الثاني:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نسلم لكم بأن العقد مشبوه إذا استكمل الأركان والشروط، وكذلك لا يوجد مانع يمنع أن تحول المعاملات أو العلاقات من محرمة إلى شرعية، بل الشرع يأمر بأن يكون كل أمر موافقًا للشريعة، وهذا هو الفقه، بأن ينظر العالم صاحب الأهلية في المعاملات أو العلاقات ويجعلها موافقة للشريعة، وإلا لم تسلم لنا كثير من المعاملات ولا العلاقات، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
стр. 175
الوجه الثالث:
أن واقع هؤلاء الطلبة المغتربين يدل على أنهم لا يتزوجون غالبًا إلا بنية الطلاق عندما تنقضي مهامهم (١).
الرد على الوجه الثالث:
ويمكن الرد عليه بأن هذا خارج محل النزاع، فنحن نتكلم على زواج "الفرند"، وأما الزواج بنية الطلاق فقد اختلف فيه العلماء، ومع ذلك فقد صححه بعضهم، فلا حجة في هذا الوجه.
الوجه الرابع:
أن هذه المرأة الصديقة ربما تكون غير مسلمة؛ كالمرأة الغربية مثلاً، وإن كانوا نصارى اسمًا، إلا أنهم آل بهم الأمر في هذا العصر إلى الإلحاد المطلق والإباحية (٢).
الرد على الوجه الرابع:
الأصل أن الكتابية يجوز نكاحها، وذكر الفقهاء شروطًا (٣) لذلك، ولكن لا نسلم لكم أنهم كلهم ملحدون، كما أن ليس كلهم متمسكين بدينهم، فمنهم من هو ملحد، ومنهم العاصي، ومنهم متمسك بدينه، كما هو حال المسلمين، والله المستعان، فإن خالفت شروط العلماء المذكورة، فنحرم نكاحها لا لزواج "الفرند"، بل لمخالفتها الشرع بعدم توفر الشروط والأركان التي هي الأصل عندنا.
стр. 176
الدليل الرابع:
أن هذا الزواج يتوافق مع ظروف الشباب المسلم الذي يعيش في الغرب، ويجنبه الوقوع في العلاقات الجنسية المحرمة، وهذا يوافق ظروف حياة الأقليات المسلمة (١).
الرد على الدليل الرابع من وجهين:
الوجه الأول:
الأصل أن الشباب المسلم يجب عليه أن يذعن للأحكام الشرعية الصافية في أي بلد، وتحت أي ظرف، وألاَّ يتتبع الرخص؛ لأنها تدفع الإنسان المسلم إلى ظلمات المهالك، حتى قال أهل العلم: من تتبع الرخص فقد ضل وهلك (٢)(٣).
الرد على الوجه الأول:
نسلم لكم بأنه يجب على كل مسلم أن يتبع تقاليد الإسلام، ومن وجهة نظرنا أنه لم يخالف تعاليم الإسلام إن تنازل أحد عن حقه، فهو صاحب الشأن، وأما تتبع الرخص، فالمقصود به التلفيق عند العلماء، بأن يأخذ من كل مذهب ما يوافق هواه، وهذا غير وارد على مسألتنا؛ لأننا لم نتتبع الرخص، بل الأركان والشروط موجودة في هذا العقد، وكل ما في الأمر أن المرأة تنازلت عن حقها، وإن سلمنا لكم بأنها من باب تتبع الرخص، فقد اختلف فيه
стр. 177
العلماء كذلك بين مجيز ومانع (١).
الوجه الثاني:
علينا أن نطوع الشباب المسلم لتعاليم الدين الحنيف، فكله محاسن وأخلاق ورحمة، وألاَّ نطوع القواعد الفقهية للشباب ليحصلوا على ما يبتغون ولو كان فيه خدش للمقاصد (٢).
الرد على الوجه الثاني:
ويمكن الرد عليه بأنه صحيح، بل يجب على الشباب وغير الشباب أن ينقاد إلى تعاليم الإسلام، وأن هذا الدين جاء بجلب المصالح، ودفع المفاسد، ومصلحة المسلم أن يقصد أحد مقاصد الشريعة، وهو أن يُعفَّ نفسه عن الحرام، لاسيما أنه لم يخالف نصًّا، ولم يترك ركنًا ولا شرطًا من النكاح، فلذلك لا نُسلِّم أن فيه خدشًا للمقاصد إذا كان عن رضًا، ولا أننا نكيف لهم قواعد الشريعة على هواهم.
القول الثاني:
أن زواج "الفرند" حرام، وهو قول الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر السابق، والدكتور محمد الطبطباني، عميد كلية الشريعة في الكويت سابقًا، وغيرهما (٣).
стр. 178
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن هذا الزواج فيه مخالفة لما حث عليه النبي ﷺ ، الشباب من الزواج الكامل بكافة التزاماته الشرعية، والعاجزُ عليه الاستعفافُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وعليه أن يصوم؛ لحديث: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» (٢)، ولا وسط بين هذين التوجيهين (٣).
الرد على هذا الدليل:
سبق الرد على هذا الدليل في الرد على الدليل الثالث من القول الأول (٤).
الدليل الثاني: شرع الله الزواج ليكون رباطًا وثيقًا بين الرجل والمرأة يقوم على المودة والرحمة، ومن مقاصده الأساسية السكن والمودة، فإذا لم تتحقق هذه المقاصد فقد الزواج قيمته الأساسية، وأصبح مجرد شهوة (٥).
الرد على الدليل:
لا نسلم لكم بعدم تحقق السكن إلى بعضهما البعض ولا المودة؛ لأنها أمور قلبية قد توجد وإن لم يوجد سكن، وإن سلمنا لكم بتقصير في المقاصد مع توفر الأركان والشروط، فيكون
стр. 179
غاية ما فيه الكراهة لا التحريم (١).
الدليل الثالث: لا يوجد في الإسلام زواج موصوف بصفة خاصة، وإنما ورد لفظ الزواج في القرآن والسنة غير مقيد بأي صفة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢)(٣).
الرد على الدليل الثالث: ليس من المهم أن يقيد أو يطلق لفظ الزواج بصفة أو غيرها طالما أنه استوفى أركانه وشروطه، ولا مشاحَّة في الاصطلاح إذا عرف المعنى والمراد (٤).
الدليل الرابع: أن هذا النوع من النكاح سيكون مدخلاً للفساد والإفساد، فإنه من السهل أن يتزوج، وسهل عليه أن يطلق، ويؤدي ذلك إلى استغلال الرجل للمرأة لمجرد أن يلبي رغباته الجنسية (٥).
الرد على الدليل الرابع: صحيح هذا، وأنه محتمل أن يقع الفساد، وليس متيقنًا، والأحكام الشرعية تبنى على صحة أركانها وشروطها ليس إلاَّ (٦).
والقول المختار- والله أعلم- القول الأول القائل بالإباحة،
стр. 180
ولو قيد بالضرورة والحاجة لكان أحسن، وقد أجازه المجمع الفقهي الإسلامي (١)، وذلك لما يلي:
١ - أنه استوفى شروطه وأركانه- وهو المهم-.
٢ - أن فيه تيسيرًا على المسلمين، لاسيما في الغرب.
٣ - أن أصحاب القول الثاني ليس لديهم دليل صريع لنحمله على الحرمة.