الدليل الرابع:
أن هذا الزواج يتوافق مع ظروف الشباب المسلم الذي يعيش في الغرب، ويجنبه الوقوع في العلاقات الجنسية المحرمة، وهذا يوافق ظروف حياة الأقليات المسلمة (١).
الرد على الدليل الرابع من وجهين:
الوجه الأول:
الأصل أن الشباب المسلم يجب عليه أن يذعن للأحكام الشرعية الصافية في أي بلد، وتحت أي ظرف، وألاَّ يتتبع الرخص؛ لأنها تدفع الإنسان المسلم إلى ظلمات المهالك، حتى قال أهل العلم: من تتبع الرخص فقد ضل وهلك (٢)(٣).
الرد على الوجه الأول:
نسلم لكم بأنه يجب على كل مسلم أن يتبع تقاليد الإسلام، ومن وجهة نظرنا أنه لم يخالف تعاليم الإسلام إن تنازل أحد عن حقه، فهو صاحب الشأن، وأما تتبع الرخص، فالمقصود به التلفيق عند العلماء، بأن يأخذ من كل مذهب ما يوافق هواه، وهذا غير وارد على مسألتنا؛ لأننا لم نتتبع الرخص، بل الأركان والشروط موجودة في هذا العقد، وكل ما في الأمر أن المرأة تنازلت عن حقها، وإن سلمنا لكم بأنها من باب تتبع الرخص، فقد اختلف فيه
стр. 177
العلماء كذلك بين مجيز ومانع (١).
الوجه الثاني:
علينا أن نطوع الشباب المسلم لتعاليم الدين الحنيف، فكله محاسن وأخلاق ورحمة، وألاَّ نطوع القواعد الفقهية للشباب ليحصلوا على ما يبتغون ولو كان فيه خدش للمقاصد (٢).
الرد على الوجه الثاني:
ويمكن الرد عليه بأنه صحيح، بل يجب على الشباب وغير الشباب أن ينقاد إلى تعاليم الإسلام، وأن هذا الدين جاء بجلب المصالح، ودفع المفاسد، ومصلحة المسلم أن يقصد أحد مقاصد الشريعة، وهو أن يُعفَّ نفسه عن الحرام، لاسيما أنه لم يخالف نصًّا، ولم يترك ركنًا ولا شرطًا من النكاح، فلذلك لا نُسلِّم أن فيه خدشًا للمقاصد إذا كان عن رضًا، ولا أننا نكيف لهم قواعد الشريعة على هواهم.
القول الثاني:
أن زواج "الفرند" حرام، وهو قول الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر السابق، والدكتور محمد الطبطباني، عميد كلية الشريعة في الكويت سابقًا، وغيرهما (٣).
стр. 178
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن هذا الزواج فيه مخالفة لما حث عليه النبي ﷺ ، الشباب من الزواج الكامل بكافة التزاماته الشرعية، والعاجزُ عليه الاستعفافُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وعليه أن يصوم؛ لحديث: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» (٢)، ولا وسط بين هذين التوجيهين (٣).
الرد على هذا الدليل:
سبق الرد على هذا الدليل في الرد على الدليل الثالث من القول الأول (٤).
الدليل الثاني: شرع الله الزواج ليكون رباطًا وثيقًا بين الرجل والمرأة يقوم على المودة والرحمة، ومن مقاصده الأساسية السكن والمودة، فإذا لم تتحقق هذه المقاصد فقد الزواج قيمته الأساسية، وأصبح مجرد شهوة (٥).
الرد على الدليل:
لا نسلم لكم بعدم تحقق السكن إلى بعضهما البعض ولا المودة؛ لأنها أمور قلبية قد توجد وإن لم يوجد سكن، وإن سلمنا لكم بتقصير في المقاصد مع توفر الأركان والشروط، فيكون
стр. 179
غاية ما فيه الكراهة لا التحريم (١).
الدليل الثالث: لا يوجد في الإسلام زواج موصوف بصفة خاصة، وإنما ورد لفظ الزواج في القرآن والسنة غير مقيد بأي صفة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢)(٣).
الرد على الدليل الثالث: ليس من المهم أن يقيد أو يطلق لفظ الزواج بصفة أو غيرها طالما أنه استوفى أركانه وشروطه، ولا مشاحَّة في الاصطلاح إذا عرف المعنى والمراد (٤).
الدليل الرابع: أن هذا النوع من النكاح سيكون مدخلاً للفساد والإفساد، فإنه من السهل أن يتزوج، وسهل عليه أن يطلق، ويؤدي ذلك إلى استغلال الرجل للمرأة لمجرد أن يلبي رغباته الجنسية (٥).
الرد على الدليل الرابع: صحيح هذا، وأنه محتمل أن يقع الفساد، وليس متيقنًا، والأحكام الشرعية تبنى على صحة أركانها وشروطها ليس إلاَّ (٦).
والقول المختار- والله أعلم- القول الأول القائل بالإباحة،
стр. 180
ولو قيد بالضرورة والحاجة لكان أحسن، وقد أجازه المجمع الفقهي الإسلامي (١)، وذلك لما يلي:
١ - أنه استوفى شروطه وأركانه- وهو المهم-.
٢ - أن فيه تيسيرًا على المسلمين، لاسيما في الغرب.
٣ - أن أصحاب القول الثاني ليس لديهم دليل صريع لنحمله على الحرمة.
стр. 181
المطلب الرابع
رأي القانون الكويتي
جاء في قانون الأحوال الشخصية في المادة الرابعة والسبعين: "تجب النفقة للزوجة على زوجها بالعقد الصحيح ولو كانت مُوسرة، أو مُختلِفة معه في الدِّين، إذا سلمت نفسها إليه ولو حكمًا" (١).
وقد فُسرت النفقة على الزوجة في قانون الأحوال الشخصية في المادة الخامسة والسبعين، لتشمل النفقة: الطعام، والكسوة، والسكن، وما يتبع ذلك من تطبيب وخدمة وغيرهما حسب العرف (٢).
ومما سبق يتبين لنا حكم النفقة في القانون، وهو الوجوب، ويدخل في النفقة المسكن، وهو ما لا يوجد في زواج "الفرند"، هذا من جهة الحكم، وأما من جهة الشروط، أي إذا ذكرت في الشروط، فقد قسم قانون الأحوال الشخصية الكويتي، الشروط في العقد إلى أقسام، كما في المادة الأربعين:
أ- إذا اقترن عقد الزواج بشرط ينافي أصله بطل العقد.
ب- وإذا اقترن بشرط لا ينافي أصله، ولكن ينافي مقتضاه، أو كان محرمًا شرعًا بطل الشرط، وصح العقد.
стр. 182
ج- وإذا اقترن بشرط لا ينافي أصله ولا مقتضاه، وليس محرمًا شرعًا؛ صح الشرط، ووجب الوفاء به، فإن لم يوفِ به كان للمشروط له حق طلب الفسخ" (١).
زواج الفرند داخل في الفقرة (ب)؛ لأنه ينافي مقتضى العقد الذي يوجب عليه النفقة على زوجته بمجرد الدخول بها، فلهذا يبطل الشرط مع صحة العقد، على رأي القانون. وهذا في حال ذكر الشرط في العقد، والغالب عدم ذكره، وإنما يكون الاتفاق عليه قبل العقد، ولا يُذكر في العقد.
стр. 183
المبحث الخامس
الزواج السياحي
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الزواج السياحي، وفيه فرعان:
المطلب الثاني: الفرق بين الزواج السياحي والزواج الشرعي
المطلب الثالث: حكم الزواج السياحي
المطلب الرابع: رأي القانون الكويتي
стр. 184
المطلب الأول
تعريف الزواج السياحي
وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف الزواج السياحي لغة:
السياحي لغةً:
قال ابن فارس: "السين والياء والحاء أصل صحيح، ساح في الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ " (١)(٢).
والسيح: الماء الجاري، والسيح: العباءة المخططة، وسميت بذلك تشبيهًا لخطوطها بالشيء الجاري، والسيح: الماء الظاهر على وجه الأرض، والسيح: ضرب من البرود، والمساييح ليس من السياحة، ولكنه من التسييح، والتسييح في الثوب: أن تكون فيه خطوط مختلفة ليست من نحو واحد، والمساييح هم الذين يسيحون في الأرض بالنميمة والشر (٣).
стр. 185
قال الأزهري (١): «ساح الماء يسيح سيحًا: إذا جرى على وجه الأرض، والسياحة: ذهاب الرجل في الأرض للعبادة والترهب، وسياحة هذه الأمة الصيام ولزوم المساجد» (٢).
ومما سبق يتبين لنا أن معنى السياحة في اللغة: المشي في الأرض، وأن الأصل في السياحة للمسلم أن تكون في طاعة الله، وبذلك جاءت النصوص التي تدل على السياحة، قال تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٤).
قال ابن منظور: "قال الزجاج: السائحون في قول أهل التفسير واللغة جميعًا: الصائمون) (٥). وقد صرفت في زماننا المعاصر إلى التنزه والترفيه وضياع الوقت، ولا يمنع أن تكون سياحة الإنسان في طاعة الله تعالى، وتدخُل تبعًا في التنزه وغيره، بحيث يكون الأصل عند المسلم أنها في طاعة الله.
стр. 186
الفرع الثاني: تعريف الزواج السياحي اصطلاحًا:
تعريف الزواج السياحي اصطلاحًا:
التعريف الأول: هو الزواج الذي يتم بين رجل وامرأة، ويستند إلى مقومات الزواج الأساسية من حيث سلامة العقد والمهر وموافقة الأهل، إلاَّ أنه لا يستمر لمدة طويلة (١).
التعريف الثاني: أن يتزوج الرجل المرأة وفي نيته طلاقها بعد انتهاء دراسته، أو إقامته، أو حاجته (٢).
التعريف الثالث: هو زواج يتوفر فيه الإيجاب والقبول والولي والشاهدان وغير ذلك من الأمور المعتبرة في صحة النكاح، إلا أن الزوج يضمر في نفسه طلاقها بعد مدة معلومة كانت أو مجهولة (٣).
التعريف الرابع: هو الزواج الذي تتوفر فيه أركان وشروط الزواج الشرعي من الإيجاب والقبول والولي والشهود ونحوها، ويكون طرفه أحد السياح، ويقوم به خلال إجازته التي غالبًا ما تكون
стр. 187
الإجازة الصيفية، مع تبييته النية بالطلاق بعد انتهاء هذه الإجازة، وقد يصرح بذلك (١).
التعريف المختار: «أنه الزواج المستكمل للأركان والشروط، ولكن الزوج يضمر في نفسه الطلاق، سواء كانت معلومة أو غير معلومة»، وذلك لما يلي:
١ - أن جميع التعاريف السابقة اتفقت على أنه زواج استكمل شروطه وأركانه، إلا أنه يضمر فقط نية الطلاق.
٢ - التعريف الرابع حاول أن يقيد الزواج بنية الطلاق على السياحي، أي على زواج السياح في أثناء الإجازة فقط، مع أنه لا يختلف عن سابقيه، وإلا لجعلنا زواجًا صيفيًّا، وزواجًا دراسيًّا، وزواج سفر، وغير ذلك من المسميات؛ لأن المقصود المعاني من العقود وليس المسميات.
стр. 188
المطلب الثاني
الفرق بين الزواج السياحي والزواج الشرعي
الفرق الأساسي بين الزواج السياحي والزواج الشرعي هو نية الزوج بالطلاق المبيتة، أي أنه لا يريد به الاستمرار والدوام، ولكن يريد التأقيت.
أما ما حاول به بعض المعاصرين التفريق بين الزواج السياحي والزواج بنية الطلاق، فيمكن أن يرد عليه:
الفرق الأول: أن الزواج السياحي السفر مقصود به الزواج، أما الزواج بنية الطلاق فالسفر كان لحاجة معينة (١).
لا نسلم لكم بهذا القول؛ لأن الواقع يحكي خلافه، فإن في الناس من يسافر ويتزوج، وإذا رجع لا يطلق، ويرجع على زوجته ويتردد عليها إلى أن يطلق بعد فترة، وإن سلمنا لكم بهذا، فهل نسمي زواج الطلبة زواج دراسة، وزواج التجار زواج تجارة، وغير ذلك من المسميات؟ لم يقل أحد بهذا القول. صحيح قد يتفقان في أمور، ويختلفان في أمور، لكن الأساس أنه ينوي الطلاق، حتى إن العلماء قالوا: الأصل في العقود المعاني، ليس الألفاظ والمباني (٢).
стр. 189
والفرق الثاني: أن الزواج السياحي معروف مسبقًا في الغالب، وأنه محدد ودقيق، والزواج بنية الطلاق لا يكون بهذا التحديد (١).
لا أثر لهذا، بل هو في السياحي أقوى، بحيث قربه ومشابهته للمتعة أكثر من حيث التحديد، وبهذا يكون الزواج بنية الطلاق أهون منه، إن سلمنا لعملية التحديد؛ لأنه من السياح من لا يتقيد بتحديد السفر.
والفرق الثالث: أن الزواج السياحي غالبًا ما تدفع إليه الحاجة المادية للزوجة وأهلها، مع علمهم بطريقة غير مباشر بنية الطلاق، وأما الزواج بنية الطلاق، فقد يكون الدافع ذلك، وقد يكون غيره من إرادة الإنجاب أو الإعفاف أو غيرهما (٢).
الواقع أن أغلب من يزوج من الخليجيين وميسوري الحال لأجل الحاجة يزوجونهم، وإلا إن علموا بنية الطلاق فلا يزوج، وما ذكر في الحقيقة ليس بفرق، بل هو توافق بين الزوجين، مع أن الباحث في بحثه عن الحكم ينقل كلام أغلب العلماء على أنه زواج بنية الطلاق، وبعد كل هذا الرد على التفريق بين السياحي وبنية الطلاق، فقد سبقني إلى ذلك الدكتور أحمد يوسف الدريويش، أستاذ الفقه في جامعة الإمام محمد بن سعود- الرياض (٣).
стр. 190
المطلب الثالث
حكم الزواج السياحي
اختلف العلماء في حكمه على ثلاثة أقوال:
تحرير محل النزاع:
إذا نصَّ على الوقت في العقد فهو نكاح المتعة المُحرَّم (١).
وإذا لم يحدد الوقت، ولكن نوى بقلبه أن يطلق بعد مدة، فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز النكاح بنية الطلاق. وهو قول الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن قدامة (٥)
стр. 191
وابن تيمية (١) من الحنابلة، وقال به الطنطاوي وتقي الدين العثماني (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن العقد اكتملت فيه جميع أركانه وشروطه، والنية المستقبلية للتطليق لا تضر، فهي احتمالية، فربما يتغير رأيه فيُبقي على زوجته (٣).
الرد على الدليل من وجوه:
الوجه الأول: المجيزون نقضوا هذا الأصل الذي جروا عليه هنا من الحكم بالظاهر، وعدم تأثير النية، فقد قال ابن قدامة: «وإن نوى التحليل من غير شرط؛ فالنكاح باطل» (٤)، مع أن الصورة الظاهرة التي عقد عليها المحلل مستوفية لمتطلبات الصحة، إلا أن النية أثرت على العقد بالبطلان، فلزمهم تأثير النية في الزواج بنية الطلاق، لاسيما ومدار البطلان على نية التوقيت والناكحان مشتركان فيه (٥).
стр. 192
الوجه الثاني: اتفاق أهل الملة على تحريم الغش والخداع وارتكاب الحيل لنيل الشهوات (١).
الوجه الثالث: أن الإرادة الجازمة يؤاخذ بها المرء في الأفعال كما في الحديث: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢)، فأدخل العزمُ على القتلِ صاحبَه في النار (٣).
الدليل الثاني: أن النكاح بنية الطلاق لا ينطبق عليه تعريف نكاح المتعة الذي ينكح فيه الزوجة إلى أجل، ومقتضى ذلك أنه إذا انتهى الأجل انفسخ النكاح، ولا خيار فيه للزوج ولا للزوجة، وليس فيه رجعة؛ لأنه ليس طلاقًا، بل هو انفساخ وإبانة للمرأة (٤).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد عليه بأنه صحيح أن هناك فرقًا بين الزواج بنية الطلاق، فإنه فيه طلاق، والمتعة فسخ، ولكنهما يشتركان في التوقيت.
стр. 193
الدليل الثالث: أن الزواج بنية الطلاق يحقق مصالح حتى لو قيل بعدم جوازه خصوصًا للمغتربين (١).
الرد على الدليل: دعوى أنه يحقق مصالح قد تضيع غير مُسلَّمٍ؛ لأن مفاسده وآثاره السيئة تربو بكثير على المصلحة، لتأثيره على أهداف الزواج السامية ومقاصده، فلا مودة ولا رحمة ولا نسل ولا تعاون على بناء كنوز المستقبل (٢).
الدليل الرابع: الزواج بنية الطلاق لم يرد في حكمه نص شرعي يدل على تحريمه ولا على إباحته؛ لكونه من الأحكام المستجدة، وعليه فإن الحكم في هذه المسألة اجتهادي (٣).
الرد على الدليل الرابع:
لا نسلم لهذا الكلام، بل قد نص عليه بعض العلماء المتقدمين، كما سنذكر في القول الثاني (٤)(٥)، ثم قد سبق الكلام على النية وتأثيرها عند الرد على الدليل الأول (٦).
الدليل الخامس: أن الزواج بنية الطلاق قال الأئمة الأربعة بجوازه، وكذا جمهور السلف، وعلماء الاجتهاد قديمًا وحديثًا (٧).
стр. 194
الرد على الدليل الخامس:
أما قولك قال به الأئمة الأربعة، فغير صحيح؛ فقد خالف الإمام أحمد (١)، وكذلك السلف منهم من خالف، وكذلك الحال في العلماء والمعاصرين (٢).
الدليل السادس: أن الزواج بنية الطلاق فيه طلب للحصانة والعفة، وإشباع الرغبة الجنسية بطريق مشروع، ومن المعلوم شرعًا أن الإسلام يكره العزوبة، وينهي عن التبتل (٣).
الرد على الدليل السادس من وجوه:
الوجه الأول: الحصانة والعفة لا يتمخضان عن زواج شهر أو أيام، وإنما ينتجان عن الزواج الدائم الذي رتَّب الله عليه الأحكام، وبنَى عليه المقاصد، بل إن من وقع في مثل هذا فإنه في الغالب تفسد طبيعته، بحيث يريد زوجة جديدة كل فترة، ولا يصبر أن يقتصر على أم أولاده، بل كل فترة يريد واحدة، وهذا هو الواقع لمن يفعلون مثل هذه النوع من الزواج (٤).
الوجه الثاني: إشباع الرغبة الجنسية ليس له إلا طريقان؛ الزواج الشرعي الدائم الذي تترتب عليه الأحكام، أو التسري بما ملكت اليمين من الإماء- إن وجد- وما سوى ذلك ليس طريقًا
стр. 195
شرعيًّا لإشباع الرغبة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ (١)(٢).
الوجه الثالث: صحيح أن الدين نهى عن التبتل، ولكنه لم يدُع إلى المتعة العارضة، واللذة المؤقتة لكسر طوق الرهبنة والعزوبية، بل أمر بالزواج الدائم الذي تترتب عليه المقومات الأساسية، والمقاصد الشرعية (٣)، والزواج بنية الطلاق ليس حلاًّ، بل هو مشكلة؛ لأن في الغالب لا ينتهي صاحبه عما يفعل بكثرة الزوجات، وهو في الواقع لا يرضى ذلك على أخته أو ابنته أن تتزوج فترة محددة ثم تُطلَّق.
القول الثاني: أن الزواج بنية الطلاق حرام، وهو مذهب الحنابلة في المشهور (٤)، وقول الأوزاعي (٥)(٦)، ومن المعاصرين: الشيخ رشيد رضا (٧)، والشيخ محمد صالح العثيمين (٨)، واللجنة
стр. 196
الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية (١)، والمجمع الفقهي الإسلامي (٢)، والشيخ صالح محمد اللحيدان، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني (٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: الزواج بنية الطلاق نكاح متعة أو شبيه به، فتشلمه أدلة تحريم المتعة (٤).
الرد الأول على الدليل الأول:
الزواج بنية الطلاق يخالف المتعة في التعريف، وأنه طلاق، أما المتعة ففسخ بعدها (٥).
مناقشة الرد على الدليل الأول:
سبق مناقشته في الرد على الدليل الثاني (٦)، وأنهما يشتركان في التأقيت الذي ترتب عليه الحكم، وإن اختلفا في أن أحدهما طلاق، والآخر فسخ.
الرد الثاني على الدليل الأول:
قال شيخ الإسلام: «ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه
стр. 197
قاصد للنكاح وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه، وهذا ليس بشرط؛ فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها، فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف المتعة» (١).
الرد على الرد الثاني من وجوه:
الوجه الأول: أما قوله: "ليس بنكاح متعة ولا يحرم" إلى قوله "دوام المرأة معه"، فنعم صحيح، ولكنه ليس قاصدًا للدوام والاستمرار، وهل مقصود الشارع من شرعه للنكاح كونه قاصدًا وراغبًا فيه، كلا، وإنما المقصود من النكاح دوامه واستمراره، وذلك لما يترتب على الدوام من فوائد عظيمة يحبها الله تعالى، ولذلك رغب الشارع فيه، ونهى عن التبتل، وشرح الوسائل التي يكون بها دوام النكاح، وحذر من الطلاق، وأمر بإمساك المرأة مع كراهتها، قال تعالى: فَإِنِ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (٢)، وأما قصده للنكاح دون قصد الدوام، فيشاركه فيه نكاح المتعة والتحليل، حيث إن كلاًّ منهما قاصد للنكاح وراغب فيه، ولكن لا يريد الدوام، فلو كانت الرغبة قصد النكاح وحدها مسوغًا، لجاز نكاح التحليل والمتعة أيضًا (٣).
الوجه الثاني:
أما قوله ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب، بل له أن يطلقها.
стр. 198
نعم، صحيح ليس بشرط، ولكن وجوده يضر بالمقصد الأصلي الذي من أجله شرع النكاح، أما دوام المرأة معه، ففرق بين أن يتزوج إنسان بنية دوام العشرة ثم لا يوفق؛ لأن القلوب بين يدي الله، وبين إنسان تزوج ونيته عدم الدوام، بل أراده ليقضي منها وطرًا عاجلاً أو منفعة ثم يطلقها، ليذهب إلى أخرى؛ فالأول لا أحد يقول بعدم صحة نكاحه، ومشروعية طلاقه، والثاني كيف نقول بجواز نكاحه ونية الطلاق موجودة قبل العقد ومع العقد (١).
الوجه الثالث: قصد أمرًا جائزًا.
بل هو غير جائز؛ لأنه شبيه بالمتعة من حيث قصد كل منهما الطلاق بعد مدة، وغاية ما في الأمر أن المتعة صرح فيها بالمدة، وعدم التصريح بمدة لا يجعل العقد مشروعًا، ولابد من اكتمال الشروط، وانتقاء الموانع، والزواج بنية الطلاق وُجد فيه مانع يمنع كونه مشروعًا، ألا وهو النية التي تنافي مقصد الشارع، فالنية كافية في تحريمه (٢).
الدليل الثالث: كتمان النية المستقبلية عن الزوجة أو أهلها يعتبر من الخداع والخيانة والغش، مما يجعله أجدر بالبطلان من العقد المؤقت والمتعة (٣).
стр. 199
الرد على الدليل:
ويمكن الرد عليه بأننا نسلم لكم بالغش والخداع والخيانة، ولماذا تصل إلى البطلان؟ ولِمَ لا يكون صحيحًا مع حرمة ما نواه؟ .
الدليل الرابع: تحريم الزواج بنية الطلاق يدخل تحت القاعدة الفقهية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام (١)(٢).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نسلم لكم بأنه حرام حتى يدخل تحت القاعدة، وإن سلمنا فلِمَ يلزم بطلان العقد؟ لما لا نقول: الفعل حرام، والعقد صحيح؟
الدليل الخامس: ومما يرجح تحريم الزواج بنية الطلاق قاعدة: الخروج من الخلاف مستحب (٣)(٤).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نخالف في هذه القاعدة، بل هي موافقة لقولنا، ودليل لنا في الحقيقة؛ لأن العلماء يرون الكراهة في هذه القاعدة إذا خالف، وليس التحريم.
الدليل السادس: استدلوا بجملة من القواعد الفقهية، مثل: إذا
стр. 200
تعارض المانع والمقتضي قدم المانع (١)، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح (٢)، وقاعدة سد الذريعة (٣)(٤).
الرد على الدليل:
سبق الرد على مثل هذه الأدلة في الرد على الدليل الرابع سواء بالتسليم وعدم التسليم.
الدليل السابع: من الأدلة على تحريم الزواج بنية الطلاق قاعدة: لا ضرر ولا ضرار (٥)(٦).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد عليه بأنه نسلم لكم إذا ثبت الضرر على من يتزوج بنية الطلاق، وإلا لم يدخل تحت هذه القاعدة.
стр. 201
القول الثالث: أن الزواج بنية الطلاق مكروه. وهو قول لمالك (١)، ومذهب الشافعية (٢).
أدلة القول الثالث: مثل أدلة القول الثاني ترى التحريم، غير أنهم حملوا التحريم على الكراهة، سواء التنزيهية أو التحريمية (٣).
القول الراجح- والله أعلم- القول الثاني، وهو التحريم، وذلك لما يلي:
١ - أن العبرة في العقود بالمقاصد لا بالألفاظ والمباني، وأن هناك أمورًا اكتملت أركانها وشروطها وقد حرمها الشارع، مثل: بيع السلاح في وقت الفتنة، وقد ظهر المقصود بهذا النكاح عيانًا للناس، ولا يرضاه أحد لبناته أو أخواته (٤).
٢ - لتأثير النية على العقد صحةً وبطلانًا، كما في الحديث السابق: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه (٥)، فأثرت النية عليه مع أنه لم يعمل.
٣ - ظهور فساد هذا الزواج واقعيًّا، حتى إنه قد يصل إلى ليلة واحدة، وهذا من استغلال هذا النوع من الزواج في الواقع للشهوة وقضاء وطره.
стр. 202
٤ - أن النكاح المؤقت أسوأ حالاً من نكاح المتعة؛ لأنه بني على الخداع والغش والتدليس والتحايل على مقصود الشارع في أضيق الأبواب، فكان القصد حرامًا، والوسيلة باطلة، أما نكاح المتعة فإن كلا الطرفين قد عرف حاله ومآله (١).
٥ - مبنى العقود زواجًا أو غيره على التراضي وعدم الغش، وإن احتال أحد المتعاقدين بحيلة خفية لا يفطن لها الطرف الآخر ثبت الخيار، وأمثلته كثيرة، مثل: بيع المصراة وغيرها، وإذا كان هذا في البيوع محرمًا، ويثبت الخيار، فكيف بمن يدلس في الأبضاع التي فيها مزيد من الاحتياط؟ فهل رضا المرأة وأوليائها متحقق إن أطلعهم على عزم فراقها؟ (٢).
٦ - المحتال بالباطل يعامل بنقيض قصده شرعًا وقدرًا، وهو تحايل على الشرع ليتوصل بحيلته إلى ما لا يجوز له فعله، وإلى ما لا ترضاه المرأة ولا أولياؤها لو علموا الحال، وهذا من الممقوت شرعًا (٣).
стр. 203
المطلب الرابع
رأي القانون الكويتي
جاء في قانون الأحوال الشخصية في المادة الحادية عشرة: "يشترط في الإيجاب والقبول:
أ- أن يكونا مُنجزين غير دالَّين على التوقيت.
ب- موافقة القبول للإيجاب صراحة أو ضمنًا (١) ".
هذا في حال ذكر التوقيت في العقد، أما الواقع في الزواج السياحي، فهو عدم ذكر التوقيت في العقد، بل هو مجرد نية الطلاق عند الزوج، وعدم معرفة أهل الزوجة بذلك، ولم تتعرض قوانين الأحوال الشخصية لذكر الزواج بنية الطلاق صراحة.
стр. 204
المبحث السادس
الزواج المدني
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الزواج المدني.
المطلب الثاني: الفرق بين الزواج المدني والزواج الشرعي
المطلب الثالث: حكم الزواج المدني
المطلب الرابع: رأي القانون الكويتي
стр. 205
المطلب الأول
تعريف الزواج المدني
الفرع الأول: تعريف الزواج المدني لغة:
مدن لغة: المدينة اسم لمدينة رسول الله ﷺ خاصة، وكل أرض يُبنى بها حصن في أطمتها فهي مدينة، والنسبة إليها مدني، ويقال للرجل العالم بالأمر: هو ابن مدينتنا، أي عالم بأمرها، ومدن الرجل إذا أتى المدينة، وتمدَّن أي عاش عيشة أهل المدن، وأخذ بأسباب الحضارة، والمدنية: الحضارة والاتساع (١).
الفرع الثاني: تعريف الزواج المدني اصطلاحًا:
التعريف الأول: هو الشركة التي تجمع بين الرجل والمرأة لاستمرار بقاء النسل، وليساعد كل منهما الآخر بالمعونة المتبادلة لحمل أعباء الحياة، وليتقاسما أقدارهما المشتركة (٢).
стр. 206
التعريف الثاني: الاتفاق الذي بواسطته يتحد شخصان من جنسين مختلفين في مقاديرهما مدى الحياة تحت لواء الزواج (١).
التعريف الثالث: عقد بواسطته يؤسس الرجل والمرأة فيما بينهما اتحادًا يتولاه القانون، ولا يستطيعان أن يفصماه برغبتهما المطلقة (٢).
التعريف الرابع: عقد مدني واتسامي يتحد به الرجل والمرأة قصد الحياة معًا، وقصد تبادل المساعدة والتعاون تحت إدارة الرجل رئيس الأسرة (٣).
ومما سبق يلاحظ اختلاف الغربيين في تعريف الزواج المدني:
١ - التعريف الأول: اعتمد على النسل، وركز عليه وعلى أهميته.
٢ - والثاني أراد الإعانة بين الزوجين على المعيشة.
٣ - والثالث ركز على التوثيق، وأن يتولاه رجل القانون.
٤ - والرابع أشار إلى سيادة وقوامة الرجل في قوله: "تحت إدارة الرجل رئيس الأسرة" (٤).
وبهذا يتبين أن التعاريف مختلفة، ويمكن أن أجمع بينهم في
стр. 207
تعريف اختاره، وهو: الزواج الذي يتم وفقًا لما حددته دولة ما في تشريعاتها القانونية بعد أن أقصت أي شرط ديني (١)، أو تدخل ديني في الزواج، لا من حيث صلاحية إبرامه فقط، بل من حيث شروطه وأركانه ومواصفاته الأخرى (٢).
وبعد هذا، أحب أن أشير إلى ما عرَّفه به العلماء والباحثون، من وجهة نظرهم لهذا العقد.
التعريف الأول: هو العقد الذي يجري في دوائر الدولة دون موافقة الولي، ولا يشترط حضور الشهود (٣).
التعربف الثاني: عرفه وهبه الزحيلي بأنه: مجرد رباط كبقية العقود المالية، ويخلو من مراعاة الشروط التي تتناسب مع كرامة الإنسان، وهو في الواقع خال من الالتزام بحقوق الزوجية السليمة، وحقيقة هذا الزواج أنه اتفاق على مجرد الارتباط في قسم الشرطة مثلاً، دون الالتزام بأحكام الزواج وآثاره، لا عند الانعقاد، ولا عند الفسخ والانهيار، وفيه مخالفات شرعية إسلامية صارمة، إذ يمكن أن يقوم هذا الزواج بين امرأة مسلمة وغير مسلم؛ بحجة إلغاء الطائفية، وصهر الفوارق الدينية (٤).
стр. 208
المطلب الثاني
الفرق بين الزواج المدني والزواج الشرعي
يختلف الزواج المدني عن الزواج الشرعي في أمور أساسية، منها:
١ - أن من شروط قبول أوراق المتقدم للزواج ألاَّ يكون متزوجًا، فالتعدد يعتبر مانعًا من موانع الزواج، ولابد أن يقدم شهادة يثبت فيها عدم ارتباطه بامرأة أخرى، وإلا لم تقبل أوراقه، وهذا مأخوذ من القانون الكنسي الروماني؛ أخذ من القانون الفرنسي وعمل به (١)، بخلاف الزواج الشرعي، فله الحق في التعدد، ولا يمنع من التزوج إلا بما فوق الأربع.
٢ - يتفق المدني والشرعي في الرضا، ويختلفان في الصيغة، فالمدني يعتمد صيغة الاستفهام (٢)، بينما الشرعي يعتمد صيغة الماضي أو المضارع.
٣ - الزواج المدني لا يعتد بالصداق، وليس له ذِكْر فيه، ولا حق للمرأة فيه (٣)، بخلاف الزواج الشرعي الذي لابد من ذِكْر الصداق فيه.
стр. 209
٤ - الزواج المدني لا يرى بالولي، وليس له ذكر فيه (١)، بخلاف الزواج الشرعي؛ فإنه لابد من الولي في البكر، واختلفوا في الثيب، والجمهور على وجوب الولي.
٥ - لم يعتد الزواج المدني بالديانة (٢)، وجعل لكلٍّ الحق في الزواج من كل دين، فللمسلم أن يتزوج كافرة كتابية أو غيرها، وللمسلمة كذلك، بينما الزواج الشرعي يرى عدم زواج المسلمة بالكافر.
٦ - الزواج المدني اشترط الشهود في السابق، ثم جعل الشهود اختياريًّا، فمن أراد أحضر الشهود، ومن لم يرد فليس عليه شيء (٣)، بخلاف الزواج الشرعي الذي اشترط الشهود.
٧ - عدالة الشهود ليس لها ذكر في الزواج المدني (٤) لمن اختار أن يُحضر الشهود، أما في الزواج الشرعي فلابد من عدالة الشهود.
٨ - الطلاق في الزواج المدني بيد القاضي، وجعل له أسبابًا ثمانية فقط: الزنى، والإيذاء الجسدي المقصود، والحبس مدة سنتين على الأقل، والجنون شرط مرور سنة على جنونه، والهجر غير
стр. 210
المبرر أكثر من ثلاث سنوات، والغيبة المنقطعة من خمس سنوات فأكثر، وانعدام القدرة على تحمل واجبات الزواج، والاضطراب في الحياة الزوجية واستحالة الاستمرار، خلافًا للزواج الشرعي (١).
٩ - عدة الطلاق في الزواج المدني ثلاثمائة يوم، عدا الحامل حتى تضع، بخلاف الزواج الشرعي (٢).
١٠ - إباحة التوارث بين المسلمين والكفار في الزواج المدني، بخلاف الزواج الشرعي (٣).
١١ - الرضاع ليس من موانع الزواج في الزواج المدني، بخلاف الزواج الشرعي (٤).
стр. 211
المطلب الثالث
حكم الزواج المدني
بعدما مرَّ من الفروق بين الزواج المدني والزواج الشرعي، فإن هناك مسائل كثيرة، وسأتطرق إلى أهمها، وهو عدم اشتراط الدِّين، وعدم اشتراط الشهود، أما مسألة الولي فستأتي في آخر البحث- إن شاء الله- وذلك حتى لا أطيل، والله الموفق.
مسألة عدم اشتراط الدِّين:
أجمع العلماء على تحريم النكاح بين المسلمين والمشركين ممن لا كتاب لهم،
ويحرم كذلك زواج الكافر بالمسلمة مطلقًا، سواء كتابيًّا أم لا (١)؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (٢).
وأما زواج المسلم بالكتابية، فالجمهور على جوازه من السلف
стр. 212
والخلف (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢).
وخالف ابن عمر ﵄ وقال بحرمة نكاح المسلم للكتابية (٣).
دليل القول:
عن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية يقول: «إن الله تعالى حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى. وهو عبد من عباد الله» (٤).
وجه الدلالة:
حمل بعض العلماءِ قولَه على الكراهة، وأنه كان متوقفًا في ذلك (٥).
الرد على وجه الدلالة:
على فرض ثبوته فهو فهمٌ منه واجتهادٌ، ولا يقوى على
стр. 213
معارضة الآية التي صرحت بإباحة نساء أهل الكتاب (١).
وبهذا يتضح أن الراجح- والله أعلم- قول الجمهور؛ لأن الآية عامة، فلا تصرف عن عمومها إلا بدليل صريح، والذي روي عن ابن عمر ﵄ مرة بالكراهة، ومرة بالتحريم، فعلم من ذلك أنه اجتهاد منه (٢).
المسألة الثانية: الشهود لم يتطرق لهم عقد النكاح المدني:
تحرير محل النزاع:
اتفق أهل العلم على بطلان النكاح الذي يتم بغير شهود ولا إعلان.
قال ابن تيمية: «نكاح السر الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحدًا، باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح» (٣).
واتفق أهل العلم على صحة النكاح الذي شهد عليه رجلان فصاعدًا، وتم الإعلان عنه.
قال ابن تيمية: «إذا اجتمع الإشهاد والإعلان؛ فهذا لا نزاع في صحته» (٤).
стр. 214
واختلف العلماء في النكاح الذي شهد عليه الشهود، ولكنهم لم يعلنوه للناس، وتواصوا بكتمانه، واختلفوا في النكاح الذي أعلن عنه ولم يحضر أحد الشهود.
وقبل أن أدخل في الخلاف بالمسألة، أود أن أشير إلى قول ابن رشد (١) ﵀: «واتفقوا على أن الشهادة من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول، أو شرط صحة يؤمر به عند العقد؟ » (٢)، وعلى ذلك متأخري المالكية (٣)، أن الإشهاد ركن من عقد النكاح لا يصح النكاح بدونه، وبهذا فلا خلاف بينهم وبين الجمهور، وقال بعض المالكية: إن مذهب مالك عدم الإشهاد، وإنه يكتفي بالإعلان (٤).
القول الأول: يصح عقد الزواج من غير إشهاد، وإنما هو شرط كمال وفضيلة، ويُكتفى بالإعلان. وهو وقول المالكية (٥) ورواية عن أحمد (٦).
стр. 215
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن البيوع ذكَر الله الإشهاد عليها، وقام الدليل على الإشهاد فيها، والنكاح لم يذكر الله فيه الإشهاد، فأحرى ألاَّ يكون الإشهاد فيه من شروطه وفرائضه، وأنه مما تعم به البلوى (١).
الرد على الدليل الأول:
ورد في الحديث: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٢).
الدليل الثاني:
لم يثبت عن النبي ﷺ دليل في الإشهاد على الزواج، فتبين أنه ليس مما أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم، وإنما الذي ورد في نكاح لم يحضره إات رجل وامرأة (٣).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد أن الدليل قد صحَّ في الشهود.
الدليل الثالث:
عن أنس ﵁ قال: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلا بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: