← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16232

منهج الإمام البخاري

أبو بكر كافي

Полный текст (357 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نافع ورفعها سالم (١) فمن الأئمة من رجح أحدهما على الآخر فيها ومنهم من لم يرجح أحدهما على الآخر ومن هؤلاء الإمام أحمد فقد سئل – فيما نقله عنه المروزي – إذا اختلف فلأيهما تقضي؟ قال: كلاهما ثبت، ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر (٢) ونقل عثمان الدرامي عن ابن معين نحوه (٣) . أما بالنسبة لخصوص هذا الحديث فقد رجح جماعة من العلماء رواية نافع منهم مسلم والنسائي (٤) . والإمام أحمد رجح في هذا الحديث قول نافع فيما نقله عنه المروزي (٥) . وكذلك رجح الدارقطني رواية نافع، قال – ﵀ – بعد أن ساق رواية سالم وقال نافع: " قال النسائي: سالم أجل في القلب والقول قول نافع" (٦) . ومقتضى هذا أن رواية سالم في رفع العبد وهم عندهم. وأما القرائن التي رجح بها هؤلاء النقاد رواية نافع وحكموا على سالم بالوهم، فتمثل فيما يلي: ١- إن نافعاً ميز بين المرفوع والموقوف مما يدل على حفظه. ٢- إن سالماً سلك فيه الجادة. قال الحافظ السخاوي – ﵀: "وكان سبب حكمهم عليه بذلك (أي بالوهم) كون سالم أو من دونه سلك الجادة، فإن العادة في الغالب أن

стр. 282

الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي قيل بعده عن رسول الله ﷺ فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظناً غالباً على أن ضبطه هكذا أتقن ضبطاً" (١) . وهناك من النقاد من رجح رواية سالم من هؤلاء: ابن المديني فيما حكاه الترمذي في جامعه وابن عبد البر (٢) . وكذلك صححها بعض المتأخرين كالنووي والداودي وغيرهما. قال النووي: "لم تقع هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر، ولذلك لا يضر فإن سالماً ثقة، بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة" (٣) . ونقل ابن التين عن الداودي: "هو وهم من نافع والصحيح ما رواه سالم مرفوعاً في العبد والثمرة" (٤) . قال ابن التين معقباً على قول الداودي: "لا أدري من أين أدخل الوهم على نافع، مع إمكان عمر أن يكون قال ذلك على جهة الفتوى مستنداً إلى ما قاله النبي ﷺ وقد سبق نقل الترمذي عن البخاري تصحيح الطريقين معاً (٥) . وعلى كل ليس القصد الخروج بحكم فاصل في هذا الحديث – وإن كنت أميل إلى إمكان تصحيح الروايتين معاً – ولكن القصد بيان أن نقاد الحديث قد تختلف أنظارهم واجتهاداتهم في ترجيح الوقف على الرفع أو العكس أو تصحيح الطريقين معاً.

стр. 283

بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث. والنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكم مطرد في مسالة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معاً، بحسب القرائن ظهوراً وخفاءً والله أعلم. المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي قد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعاً للقرائن بغض النظر عن أحوالهم. مثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال: "حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: "القتل القتل". وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة" (١) . وقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه "التتبع" وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمراً فقال: "أخرج البخاري حديث عبد الأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتقارب الزمان، ويلقى الشح،

стр. 284

وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" وقد تابع حماد بن زيد عبد الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله. ويقال إن معمراً حدث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعاً حديث حميد أيضا" (١) . وقال الحافظ ابن حجر مبيناً قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة) . " يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمراً في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميداً لا سعيداً، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعة أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته" (٢) . فواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمراً يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبد الأعلى. ويعتبر طريق عبد الرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمراً كان يروي هذا الحديث مسنداً غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق. إذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل

стр. 285

–حفظه الله- في تعليقه على التتبع (١) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان رسله وتارة يسنده. ومن القرائن التي اعتمد عليها أيضاً لتعليل رواية معمر، وهو أن معمراً كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (٢) . وهذه القرينة – فيما أرى – غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه. وهذا نصه كما في صحيح مسلم: "حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة" (٣) . فهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمراً كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟ هذه القرائن أشار إليها الدارقطني – ﵀ – وهي: ١- إن معمراً حدث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه. ٢- ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي

стр. 286

الزهري، وهؤلاء كلهم قد اتفقوا في سنده، ويروونه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، فهذا العدد أولى بالحفظ من الراوي المنفرد، ولو كان ثقة. ثم قال الدارقطني: وقد أخرجا جميعاً حديث حميد". يشير بذلك إلى أن حديث حميد متفق على صحته، إذا أخرجه البخاري ومسلم. أما حديث سعيد فقد رواه البخاري وأشار إلى علته، وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، فقد أورد طرق هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه (١) . ١- قال: حدثنا حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتقارب الزمان". ٢- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان ويقبض العلم" ثم ذكر مثل حديثهما. فواضح أن الإمام مسلم لما ذكر طرق هذا الحديث عن الزهري قدم حديث يونس ثم حديث شعيب لأنهما الأصح ثم ذكر في آخر الباب حديث معمر إشارة إلى تعليمه، لأن هؤلاء أحفظ واتفقوا على سنده.

стр. 287

وقد صرح الإمام الدارقطني أيضاً في علله، بتعليل حديث معمر حيث قال: "حديث يتقارب الزمان يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وخالفه يونس بن يزيد وإسحاق بن يحيى: فروياه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. وكذلك قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، والمحفوظ حديث حميد" (١) . إذاً تأكدنا من خلال هذه القرائن من صحة حديث شعيب ويونس ومن وافقهما، وخطأ حديث معمر. لكن هل البخاري يصحح الطريقين معاً؟ كما نص عليه الحافظ لما قال: "وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب ". الظاهر أن الإمام البخاري ذكر طريق معمر معللاً لها، ولا يقتضي أنه لما وصلها أنه يصححها لأنه ذكر الخلاف عقبها، فهذا الخلاف مع انضمام القرائن السابقة يقدح في صحة رواية معمر أما طريق شعيب فلا غبار على صحتها سواء أوصلها أم أشار إليها. وقول الحافظ: "كأنه ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث، فيكون عنده عن الشيخين ". هذا كله مبني على التجويز العقلي المجرد، والقرائن السابقة تدل على بطلانه.

стр. 288

المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه قد يجئ الحديث الواحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راو، ليس هو في الطريق الأخرى، فتارة يحكم النقاد على أن الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم وإتقانهم أو غيرها من القرائن، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعاً للقرائن والمرجحات، وأحياناً يظهر صواب الطريقين، وصحة الوجهين الزائد والناقص على حد سواء، وفي أحيان أخرى يتوقف الناقد في ترجيح إحدى الطريقين على الأخرى أو الحكم بصحتها معاً. فالأئمة النقاد ليس لهم عمل مطرد في الحكم على هذا النوع من الاختلاف من الرواة. وسأذكر فيما يلي نماذج وشواهد من صنيع الإمام البخاري توضح كل حالة من الحالات الأربع السابقة. الحالة الأول: ترجيح الناقصة والحكم على الزيادة بالوهم. المثال الأول: حديث خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيه رجيع". رواه عبده عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت (١) . وقال وكيع عن هشام، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة (٢) ، عن خزيمة بن ثابت (٣) .

стр. 289

وقال أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمر بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت (١) . قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح، ما روى عبدة ووكيع، وأبو معاوية أخطأ في هذا الحديث إذ زاد عن عبد الرحمن بن سعد" (٢) . وقال أبو زرعة – ﵀: "الحديث حديث وكيع وعبدة" (٣) . فهذا الحديث يرويه عبدة ووكيع، وأبو أسامة وابن نمير (٤) كلهم يقولون هشام بن عروة عن عمر بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت. إلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة. إلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة. وقد حكم البخاري على رواية أبي معاوية بالوهم والخطأ وذلك لما يلي: ١- أبو معاوية ضعيف في هشام بن عروة. قال الأثرم قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد) : أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ قال: لا ما هو بصحيح الحديث عنه (٥) . ٢- خالف من هو أكثر وأحفظ وأثبت في هشام.

стр. 290

قال الدارقطني – ﵀: "أثبت الرواة عن هشام بن عروة: الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الله بن نمير، والليث بن سعد" (١) . ٣- لأبي معاوية رواية (٢) يوافق فيها الحفاظ الأثبات عن هشام بن عروة مما يدل على وهمه في الرواية المخالفة لهم. لهذه القرائن حكم الإمام البخاري وغيره من النقاد على رواية أبي معاوية الزائدة بالوهم. المثال الثاني: حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم (٣) ، وعيسى بن يونس (٤) ، وصدقة بن خالد (٥) كلهم عن بسر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد. وخالفهم عبد الله بن المبارك فزاد يه أبا إدريس الخولاني بين بسر وواثلة (٦) وقد رجح الإمام البخاري الطريق الناقصة على الزائدة. قال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: حديث الوليد بن مسلم أصح، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن

стр. 291

جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع. قال محمد: "ويسر بن عبيد الله سمع من واثلة، وحديث ابن المبارك خطأ إذ زاد فيه عن أبي إدريس الخولاني" (١) . ولم ينفرد البخاري بهذا الحكم فقد وافقه فيه نقاد آخرون كأبي حاتم الرازي والدارقطني وغيرهما. قال ابن أبي حاتم: "قال أبي: يرون أن ابن المبارك، وهم في هذا الحديث، أدخل أبا إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وبين واثلة. ورواه عيسى بن يونس وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت واثلة يحدث عن أبي مرثد الغنوي عن النبي ﷺ . قال أبو حاتم بسر قد سمع واثلة، وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه، لأن أهل الشام أعرف بحديثهم" (٢) . الحالة الثانية: ترجيح الطريق الزائدة والحكم على الناقصة بالوهم: المثال الأول: حديث ابن عباس قال: مر رسول الله على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان" (٣) .

стр. 292

هذا الحديث قد ورد من طريقين: الطريق الأولى: منصور عن مجاهد عن عباس. الطريق الثانية: الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس. فالطريق الأخيرة فيها زيادة طاووس فهل هذه الزيادة صحيحة أم لا؟ قال الترمذي: "سالت محمداً عن حديث مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مر رسول الله على قبرين. فقال: الأعمش يقول عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس. ومنصور يقول: عن مجاهد عن ابن عباس، ولا يذكر فيه: عن طاووس. قلت أيهما أصح. قال: حديث الأعمش" (١) . لكن الإمام البخاري خرج حديث منصور أيضاً في صحيحه فهل تغير اجتهاده أم أخرجه ليبين علته. ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه يصح الطريق معاً، قال: "وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عندما، فيحمل على أن مجاهداً سمعه من طاووس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس" (٢) . وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الخلاف فيه، ولم يحكم بشيء (٣) .

стр. 293

والظاهر من صنيع البخاري في صحيحه أنه كان يرى صحة الطريين إذ إنه أخرج طريق منصور الناقصة في كتاب الطهارة، باب الكبائر أن لا يستتر من بوله معتمداً عليه وحده، ورواه أيضاً في كتاب الأدب، باب من الكبائر، معتمداً عليه وحده. وأما طريق الأعمش فلا شك في صحتها لإطباق الشيخين على تخريجها وباقي الأئمة الستة، ثم حكم البخاري لطريق الأعمش، وذلك لتصريحه الذي نقله عنه الترمذي في علله الكبير، وكتاب العلل أصله مأخوذ من كتاب الجامع للترمذي، أي أنه صنف الجامع أولاً، وكان يسأل فيه البخاري عن العلل ثم أفرده عن الجامع، ولذلك يسميه البعض بـ"العلل المفردة" وجامع الترمذي كان بعد تصنيف صحيح البخاري، فيكون هذا النص متأخراً وهو يقتضي ترجيح رواية الأعمش الزائدة. المثال الثاني: حديث أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب". قال البخاري – ﵀: "حدثنا عبد الله ابن يوسف: حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي ﷺ : "إذا زنت الأمة، فتبين زناها، فليلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر". تابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " (١) . وقد وقع في هذا الحديث اختلاف بين الرواة على أبي سعيد المقبري.

стр. 294

وحاصل هذا الاختلاف ما يلي: الليث يقول: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على زيادة "أبيه" محمد بن إسحاق" (١) . وإسماعيل بن أمية يقول: عن سعيد عن أبي هريرة، وقد وافقه على حذف "أبيه" عبيد الله بن عمر العمري (٢) وأيوب بن موسى (٣) وأسامة بن زيد (٤) ومحمد بن عجلان، وعبد الرحمن بن إسحاق (٥) فأي الطريق اصح، الطريق الزائدة أم الناقصة، وما هي قرائن الترجيح. لقد انتقد هذا الحديث الحافظ الدارقطني في "التتبع" وذكر الخلاف ولم يحكم فيه بشيء. والظاهر عند تأمل صنيع البخاري – ﵀ – أنه يرجح طريق الليث الزائدة وذلك لأنه أوردها متصلة معتمداً عليها في أول الباب، ثم أورد طريق إسماعيل بن أمية تعليقاً، وهذه قاعدة منهجية عند الإمام البخاري، نبه إليها الحافظ – ﵀ – فقال: " من عادة البخاري إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها، ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق الأخرى إشعاراً بأن هذا الاختلاف يضر. إما أن يكون للراوي فيه طريقان فيحدث فيه تارة عن هذا، وتارة عن هذا، فلا يكون ذلك اختلافاً يلزم منه اضطراب يوجب الضعف.

стр. 295

وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه، ولا يضر الطريق الصيحة الراجحة، وجود الطريق الضعيفة المرجوحة" (١) . وكذلك بالنسبة لصنيع الإمام مسلم في صحيحه فالظاهر منه أن يرجح طريق الليث الزائد على الطريق الناقصة. وذلك لأنه أوردها أولاً مصدراً بها الباب ومعتمداً عليها، ثم أورد بعدها الطريق الناقصة ليشير إلى الخلاف، ويبين العلة. وهذه الطريقة – ﵀ – في صحيحه فقد قال: "ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف اذكرها لك وهو أن نعتمد إلى جملة ما اسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة أقسام ثلاثة طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغني فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك" (٢) . ولم ينفرد الشيخان بهذا، فقد سبقهما إلى تعليل الطريق الناقصة وترجيح الطريق الزائدة –الإمام ابن المديني ﵀ – حيث قال: "حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها" رواه إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد، قال: سمعت أبا هريرة، فنظرت فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة. ورواه إسحاق والليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه أيوب بن موسى عن سعيد عن أبي هريرة.

стр. 296

والحديث عندي حديث سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وحديث عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد قال: سمعت أبا هريرة يقول:. وهم وأخاف ألا يكون حفظه" (١) . فالخلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري، والنقاد رجحوا رواية الليث بناء على أنه أثبت أصحابه وأحفظ لحديثه فيقدم عند الخلاف. قال الإمام أحمد: "اصح الناس عن سعيد المقبري: ليث بن سعد، يفصل ما روى عن أبي هريرة، وما رواه عن أبي عن أبي هريرة، وهو ثبت في حديثه جداً" (٢) . وقال ابن المديني: "الليث وابن أبي ذنب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" (٣) . فلكون الليث اثبت أصحاب سعيد المقبري وخاصة أنه يميز بين ما رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة مباشرة، وما يرويه عن أبي هريرة بواسطة "أبيه" قدم النقاد روايته المتصلة على الطريق الناقصة. الحالة الثالثة: ما يحكم فيه بصحة الطريقين معاً الزائدة والناقصة: أحياناً يرد الحديث من طريقين إحداهما زائدة، والأخرى ناقصة من حيث السند، فيظهر عند الراوي بالوجهين ظهوراً بيناً، بتصريحه بذلك ونحوه، وتارة يكون الحكم بصحة الطريقين معاً بحسب الظن القوي الذي يكون عند الناقد، وفيما يلي أمثلة توضح ما ذكرت، من صنيع الإمام البخاري.

стр. 297

المثال الأول: حديث المسيء صلاته، يرويه أبو هريرة، وهو يدور على الطرق التالية: ١- يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (١) . ٢- عبد الله بن نمر عن عبد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢) . ٣- أبو أسامة بن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة (٣) . ٤- ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٤) . ٥- عيسى ابن يونس عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٥) .

стр. 298

نلاحظ أن هذه الطرق كلها – ما عدا الأولى – تتفق في أن الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. بينما الطريق الأولى عن يحيى تجعل الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة فأي الطريقين اصح، أم كلاهما صحيح؟ لقد حكم الأئمة النقاد بصحة الطريقين معاً، ومن هؤلاء الإمام الدارقطني –﵀ قال: "قد خالف يحيى أصحاب عبيد الله كلهم، منهم: أبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس، وغيرهم، رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيد الله عن سعيد مرسلاً عن النبي ﷺ ، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين" (١) . وقال الحافظ بعد أن نقل كلام الدارقطني السابق: " وقال البزار: لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى. قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقتين" (٢) . يستخلص من كلام الحافظ أن النقاد قد اختلفوا في الحكم على هذا الحديث: - فالإمام البزار يرجح رواية الجماعة، ويرى أن يحيى خالف هؤلاء الحافظ بشيء لم يتابع عليه. - والإمام الترمذي يرجح رواية يحيى على رواية غيره، قال في جامعة – بعد روايته للحديث من طريق يحيى. "وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد

стр. 299

المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه عن أبي هريرة" (١) . ووجه ترجيح رواية يحيى أنه حافظ وقد زاد فتقبل زيادته. ويرى البخاري ومسلم والدار قني صحة الطريقين معاً، للقرائن التي أشار إليها الحافظ –﵀. المثال الثاني: حديث أبي هريرة "قيل يا رسول الله من أكر الناس؟ ". هذا الحديث رواه البخاري بإسنادين ناقص وزائد. قال: "حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع المعتمر عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ من أكرم الناس " (٢) . وقال "حدثني عبد الله بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ – قال: سئل رسول الله ﷺ بهذا" (٣) . ورواه أيضاً من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة – ﵁ الله عنه – قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس" (٤) .

стр. 300

وحاصل الاختلاف في هذا الحديث ما يلي: - أبو أسامة، وعبده ومعتمر يروونه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة. - ويحيى القطان خالفهم ورواه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد عن "أبيه". والظاهر من صنيع الإمام البخاري تصحيح الطريقين معاً، وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر (١) والحافظ العلائي (٢) أيضاً. لكن الإمام الدارقطني مال في علله إلى ترجيح طريق يحيى، فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة: "ويحيى يقول، والقول قول يحيى" (٣) . وقد ذكر في التتبع وبين الخلاف ولم يرجح شيئاً (٤) . الحالة الرابعة: وهو ما لا يترجح فيه إحدى الطريقين على الأخرى، ولا يغلب على الظن صحتها معاً، لكن يحتمل أن تكون صحيحتين معاً. قال – ﵀: "حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان – ﵁ الله عنه – عن النبي ﷺ قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان بن عفان – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ "إن أفضلكم من

стр. 301

تعلم القرآن وعلمه" (١) . وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب التتبع، وبين الخلاف فيه وحاصله ما يلي: أن هذا الحديث يرويه شعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان، وقد تابع شعبة على زيادة سعد بن عبيدة بين علقمة وأبي عبد الرحمن كل من: عبيد الله بن عيسى، ومحمد بن جحادة، وموسى بن قيس الحضرمي، والنصر بن إسحاق السلمي، ومحمد بن جابر وغيرهم عن علقمة. رواه سفيان الثوري عن علقمة عن أبي عبد الرحمن بإسقاط سعد بن عبيدة، وقد تابعه علي روايته على كل من: عمرو بن قيس، ومسعر، وأبو اليسع، وعمر بن النعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو حماد، وحفص بن سليمان، وأيوب بن جابر، وسلمة الأحمر، وغياث (٢) . فما موقف الحفاظ من هذين الطريقين؟ وهل كلاهما صحيح، أم يرجح أحدهما على الآخر، أم يحتمل أن يكون كلاهما صحيح؟ لقد مال بعض الحفاظ المتأخرين إلى احتمال صحة الطريقين معاً، ومن هؤلاء الحافظ العلائي. قال بعد أن ساق اختلاف سفيان وشعبة فيه: "أخرجه البخاري من الطريقين، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، وقد تابع كلاً من شعبة وسفيان جماعة على ما قال: فيحتمل أن يكون الحديث عند علقمة على الوجهين، ويحتمل أن يكون أرسله عن إسقاط سعد بن عبيدة" (٣) .

стр. 302

وقال الحافظ: "إن مثل هذا يخرجه البخاري على الاحتمال، لأن رواية الثوري عند جماعة من الحفاظ هي المحفوظة، وشعبة زاد رجلاً فأمكن أن يكون علقمة سمعه من سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن ثم لقي عبد الرحمن فسمعه منه" (١) . فاحتمال صحة الطريقين غير مستبعد، لأن كلاً من سفيان وشعبة قد تابعها جماعة من الثقات، ولم تقم قرينة على ترجيح أحدهما على الآخر. وفي تمام هذا المطلب نخلص إلى أن الترجيح بين الرواة إذا اختلفوا في زيادة راو في إسناد وحذفه، لا يلزم حالة واحدة مطردة بل يدور مع القرائن والمرجحات، فتارة يكون الحكم للزائد، وتارة يكون الحكم للناقص، وتارة يكون كلا الطرفين صحيحاً، وتارة لا يستطيع الناقد أن يرجح أحد الطريقين على الآخر مع احتمال كونهما صحيحين معاً. وأما ما يسلكه كثير من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين ومتأخري المحدثين من ترجيح الرواية الزائدة على الناقصة دائماً اعتماداً على أن الراوي الثقة إذا زاد تقبل زيادته، واحتمال أنه سمع من الشيخ بالواسطة ثم سمع منه مباشرة، كل هذا مخالف لمنهج النقاد القائم على النظر في الواقع الحديثي المدعوم بالقرائن والدلائل، ويحصل بالاتساع في الرواية والحفظ والفهم، وليس بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.

стр. 303

القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن قد سبق بيان الاختلاف الذي يقع بين الرواة في إسناد حديث من الأحاديث وأوجه هذا الاختلاف، وكيفية الحكم في كل حالة. وفي هذا المبحث نتعرض للاختلاف في المتن ونذكر أسباب هذا الاختلاف، مما يكون له أثر كبير في الحكم على الحديث صحة وتعليلاً، وتتمثل هذه الأسباب فيما يلي: الاختصار والرواية بالمعنى، والإدراج، وسأتناول هذه القضايا بأمثلة تطبيقية من صنيع الإمام البخاري. المطلب الأول: الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن قد يختلف الرواة فيما بينهم في سياق متن حديث ما، ويكون سبب هذا الاختلاف أن بعض الرواة ساق الحديث مختصراً، والآخر ساقه بتمامه، فهذا الاختلاف لا يقدح في الطريق التامة، وأما الطريق المختصرة فأحياناً تكون هي أيضاً صحيحة، وقد تكون خاطئة إذا كان الاختصار سبباً لتغيير معنى الحديث وفيما يلي أمثلة توضح ذلك.

стр. 304

قال الإمام البخاري في صحيحه: "حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ : "من أعتق شقيصاً من عبد ". حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "من أعتق نصيباً أو شقيصاً في مملوك فخلاصة عليه، إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه". تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة" (١) . وقد انتقد الإمام الدارقطني هذا الحديث فقال بعد أن ساق هذا الحديث من صحيح البخاري: "وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت من روى عن قتادة، ولم يذكرا في الحديث الاستسعاء، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من الحديث فجعله من رواية قتادة" (٢) . فهذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة. يرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وذكر فيه الاستسعاء، وتابعه على ذلك كل من: جدير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف. ورواه شعبة، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، فقد فصل الاستسعاء من الحديث فلم يرفعه، ووقفه على قتادة.

стр. 305

وقد اختلفت أنظار النقاد في الحكم على هذا الحديث. وقد نقل الإمام النووي بعض أقوال من رجح رواية شعبة وهشام لموافقة همام لهما فقال: " قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ما رواه همام وضبطه ففصل قول قتادة عن الحديث. وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت من الذين ذكروها" (١) . وقال أبو مسعود الدمشقي: "حديث همام حسن عندي، إنه لم يقع للبخاري ولا مسلم، ولو وقع لهما حكماً بقوله" (٢) . وقال الحاكم – بعد أن ساق الحديث بسنده عن سعيد عن قتادة، وذكر فيه الاستسعاء-: "حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد وهم من أدرجة في كلام رسول الله ﷺ " (٣) ثم ذكره من حديث همام مفصلاً ثم قال: "فهذا أظهر من الأول أن القول الزائد المبين المميز، وقد ميز همام، وهو ثبت" (٤) . وقد ذكر الحافظ أيضاً بعض من رجح رواية هشام وشعبة، فقال: "ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب.

стр. 306

فقال النسائي: بلغني أن هماماً رواه فجعل هذا الكلام (أي الاستسعاء) من قول قتادة. وقال الإسماعيلي: قوله (ثم استسعى) ليس في الخبر مسنداً، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام. وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن" (١) . فهؤلاء الحافظ يرون أن ذكر الاستسعاء مدرج في الحديث من قبل سعيد، وليس هو بمرفوع، وإنما هو قول قتادة. والقرائن التي استند إليها هؤلاء النقاد هي: - مخالفة سعيد لمن هو أحفظ منه وهما: شعبة وهشام. - تفرد سعيد بهذا الحديث. - اختلاط سعيد في آخر عمره. - قد ورد هذا الحديث من طريق همام مفصلاً، فجعل الحديث مرفوعاً، وجعل ذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وهمام ثقة. وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه التعليلات (٢) ، ونلخصها فيما يلي: ١- سعيد بن أبي عروة، أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصر من الحديث على بعضه (٣) وليس

стр. 307

المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره. ٢- سعيد لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه عليه جرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطأه (١) . ٣- أما تعليل الحديث بكون سعيد بن أبي عروبة اختلط فلا يصح الاعتماد عليه لأن هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع. ٤- أما بالنسبة لرواية همام المفصلة، فهمام قد انفرد بهذا التفصيل، وخالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين (٢) وهم جعلوه حكماً عاماً فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي. هذه أهم الردود على القرائن التي اعتمد عليها من أعل حديث سعيد. ولكن الإمام البخاري لم يعل هذا الحديث، ورأى صحة الطريقين معاً، كما نقل عنه الإمام الترمذي قال: "وسألت محمداً عن هذا الحديث (يعني حديث السعاية) فقلت أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثنا جميعاً صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلا شعبة، وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة، في أمره بالسعاية" (٣) . وقد ذكر الحافظ بعض القرائن التي اعتمد عليها البخاري في تصحيح رواية سعيد فقال:

стр. 308

" وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، أشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط. ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد. ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما. ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب على سؤال مقدر وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء (*) فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفاً لأنه أورده مختصراً، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد" (١) . والمقصود هنا بيان أن هذا الاختلاف الذي وقع بين أصحاب قتادة: شعبة وهشام من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، ومن تابعه من جهة أخرى، ليس سببه الوهم والخطأ المحتمل من أحد الجانبين، وإنما سببه أن بعض الرواة اختصر الحديث فخالف من ساقه بتمامه فلا تكون روايته سبباً في تعليل رواية من ساق الحديث بتمامه، ولو كان الذي اختصره أثبت وأحفظ إن كان اختصاره لا يغير معنى الحديث أي أنه يقتصر على بعضه ويترك بعضه، وأما إذا اختصر الراوي الحديث بحيث يتغير عن المعنى الأصلي، فإنه يكون سبباً لتعليل الرواية المختصرة، وإليك مثلاً من صنيع الإمام البخاري. قال البخاري – ﵀: "حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله فقال له الملك:

стр. 309

قل إن شاء الله فلم يقل ونسي. فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي ﷺ "لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته" (١) . وقد رواه غير البخاري عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا محمد على ابن طاوس عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" (٢) . فهذا المتن مغاير للمتن الأول، فأيهما الصحيح؟ قال الترمذي: "حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق عن معمر ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "م حلف فقال إن شاء الله لم يحنث". سألت محمد عن هذا الحديث فقال: جاء مثل هذا من قبل عبد الرزاق وهو غلط إنما اختصره عبد الرزاق من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن النبي ﷺ في قصة سيمان بن داود حين قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" (٣) . فالحديث المحفوظ بهذا الإسناد هو الحديث الوارد في قصة سليمان – ﵇ – وعبد الرزاق كان يرويه تارة تاماً كما سمعه وتارة يختصره. فلما اختصره جاء بمتن مخالف ومغاير في سياقه للحديث الأصلي، ورفعه للنبي ﷺ ، وهو قوله: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" فهذا المتن بهذا الإسناد لا يصح عن النبي ﷺ .

стр. 310

نعم قد ورد هذا الكلام بغير هذا السند في حديث نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال إن شاء الله فلا حنث عليه" (١) . واختلف في وقفه ورفعه والأرجح الوقف (٢) . ولقد اعترض ابن العربي على الحكم على عبد الرزاق بالخطأ بسبب اختصاره لهذا الحديث وذلك لأن ما جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية لا يناقض غيرها لأن ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النبي ﷺ في التعبير عنها، أي يخاطب كل قوم بما يكون أوصل لأفهامهم، وإنما ينقل الحديث على المعنى (٣) . قال الحافظ: "وأجاب شيخنا، في شرح الترمذي بأن الذي جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية ليس وافياً بالمعنى الذي تضمنته الرواية التي اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله ﷺ : "لو قال سليمان إن شاء الله لم يحنث " أن يكون الحكم كذلك في حق كل أحد غير سليمان وشرط الرواية بالمعنى عدم التخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم" (٤) . المطلب الثاني: الرواية بالمعنى وأثرها في التعليل كثيراً ما تختلف متون الأحاديث النبوية بسبب الرواية بالمعنى، وأحياناً لا يؤثر ذلك الاختلاف ولا يقدح في صحة الحديث، وأحياناً يؤثر في صحة

стр. 311

الحديث ويكون سبباً لتعليله، وأضرب لذلك أمثلة من صنيع الإمام البخاري ﵀. أمثلة لما تكون فيه الرواية بالمعنى سبباً للتعليل: المثال الأول: قال البخاري: "حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث مسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (١) . فهذا الحديث يرويه مالك (٢) وابن جريح (٣) وابن عيينة (٤) ، ويونس (٥) ومعمر (٦) كلهم عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم". إلا أن هشيماً رواه عن الزهري بالإسناد المذكور بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين" (٧) .

стр. 312

قال الحافظ: " وقد حكم النسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه، وعندي أنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب، فإن اللفظ الذي أتى به أعم من اللفظ الذي سمعه، وسبب ذلك أن هشيماً سمع من الزهري بمكة أحاديث ولم يكتبها وعلق بحفظه بعضها فلم يكن من الضابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشيخان عنه شيئاً" (١) . فالبخاري ومسلم لم يخرجا هذا الحديث لأنه معلول، وظهرت علته بمخالفة هشيم لسائر أصحاب الزهري ليست قوية، لأنه لم يكتب الأحاديث التي سمعها من الزهري، وإنما اعتمد على حفظه فكان أحياناً يروي على سبيل التوهم، أي يروي الشيء ويظن أنه يؤديه بالمعنى فيقع في الوهم والخطأ. وينبغي التنبيه هنا إلى أن هذا المتن " لا يتوارث أهل ملتين" قد ورد من غير هذا الطريق (فقد رواه الترمذي من حديث جابر (٢) ، ورواه أبو يعلى من حديث عائشة، ورواه أصحاب السنن الأربعة (٣) من طريقة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسند أبي داود فيه إلى عمر صحيح" (٤) . المثال الثاني: قال البخاري: "حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر – ﵄ " كانوا يستفتحون

стр. 313

الصلاة بالحمد لله رب العالمين" (١) . فهذا الحديث رواه أنس جماعة من الرواة منهم: قتادة (٢) ، وحميد الطويل (٣) ، وإسحاق بن أبي طلحة (٤) وغيرهم بهذا اللفظ. وفي رواية لمسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون باسم الله الرحمن الرحيم، في أول القراءة، ولا في آخرها" (٥) . فهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى في سياق متنها، إذ في الأولى إخبار بأن افتتاح القراءة كان بالحمد لله رب العالمين دون تعرض لنفي قراءة البسملة أو إثباتها، أما الرواية الثانية فهي نافية لرواية قراءة البسملة. فرواية الأوزاعي: من طريق الوليد بن مسلم مخالفة لرواية غيره كشعبة وأيوب وأبي عوانة وقد حكم كثير من الأئمة على رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بالوهم.

стр. 314

قال الدارقطني: "إن المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ليس فيه تعرض لنفي البسملة" (١) . وقال البيهقي: "إن أكثر أصحاب قتادة رووه عن قتادة كذلك، وهكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس" (٢) . وقال ابن عبد البر، بعد أن روى هذا الحديث من طريق أيوب وشعبة، وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة، وأبي عوانة "فهؤلاء حافظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط باسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب" (٣) . فهذه الرواية معلولة لأنها مخالفة للروايات الأخرى، مع قرائن انضمت إلى ذلك، وقد أشار إلى هذه القرائن بعض المتأخرين. قال العراقي: "إن رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي أخرجها مسلم معلولة لأن الوليد يدلس تدليس تسوية" (٤) . وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في ذلك، بأنه قد ورد تصريح الوليد بن مسلم بالسماع في طريق أخرى، وبين أن الأقوى تعليله بأن قتادة ولد أكمه، وهو لا يكتب، فيكون قد أمر غيره بالكتابة له وحينئذ فذلك الغير مجهول الحال عندنا، ولو كان قتادة يثق به، فلا يكفي ذلك في ثبوت عدالته إلا عند من يقبل التزكية على الإبهام" (٥) . وقال السيوطي: "إن لحديث مسلم السابق (حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي) تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في

стр. 315

لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابه، ومخالفة لما رواه عدد التواتر" (١) . إذن فرواية الوليد بن مسلم وهم، والسبب في وقوع هذا الوهم هو أن الراوي روى هذا الحديث بالمعنى الذي فهمه (فالراوي ظن حين سمع قول أنس – ﵁ – صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان – ﵃ – فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، نفيها بذلك فنقله مصرحاً بما فهمه، وقال ايذكون باسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها، وفي لفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله، وصار بمقتضى ذلك حديثاً مرفوعاً، والراوي لذلك مخطئ في ظنه" (٢) . وممن صرح بأن سبب الوهم من الراوي هو روايته لهذا الحديث بالمعنى، الإمام ابن الصلاح (٣) والحافظ ابن حجر (٤) . فهذا المعنى الذي فهمه الراوي خطأ، والمعنى الصحيح هو كما بينه الشافعي –﵀ قال: "معناه: أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم لا يقرؤون باسم الله الرحمن الرحيم" (٥) . وقد ورد في رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة فلم أسمع أحداً منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم (٦) ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع، بخلاف الرواية المتقدمة (٧) . ومن القرائن التي ذكرها الإمام ابن الصلاح وغيره من العلماء على أن

стр. 316

رواية الوليد بن مسلم وقع فيها وهم (أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئاً عن رسول الله ﷺ (١) . وهكذا يتضح لنا كيف تكون الرواية بالمعنى سبباً لوقوع الراوي في الوهم، فيكون حديثه معلولاً، لذا نرى أن الإمام البخاري تجنب رواية هذا الحديث في صحيحه. أما بالنسبة للإمام مسلم فإنه أورد هذا الحديث من طريق شعبة أولاً، مما يدل على أنه الأصح عنده ثم أورد حديث قتادة من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي. أمثلة لما لا تكون فيه الرواية بالمعنى سبباً للتعيل: هنا أحاديث رويت بالمعنى، ولم تتطرق إليها العلة، وذلك أن الرواية بالمعنى لم تغيرها عن سياقها، وهذا النوع الذي يختلف فيه الرواة، ولا يكون فيه تغيير للمعنى، وإثبات لحكم جديد، يورده الإمام البخاري في صحيحه، وفيما يلي أمثلة لذلك: المثال الأول: حديث ابن عمر – ﵁ – أنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فأمره ﷺ أن يفي بنذره، وفي رواية اعتكاف يوم، وهذه روايات هذا الحديث ي صحيح البخاري. قال البخاري: " حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرني نافع عن ابن عمر – ﵁ – أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك" (٢) .

стр. 317

وقال أيضاً: "حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أراه قال ليلة فقال له رسول الله ﷺ أوف بنذرك" (١) . وقال البخاري أيضاً: " حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسو الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك" (٢) . وقال أيضاً: "حدثنا أبو النعمان حدثنا محمد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به. ورواه معمر عن أيوب عن ابن عمر في النذر، ولم يقل (يوم) " (٣) . وحديث معمر هذا أورده البخاري في صحيحه قال: "حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر –﵁ – قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفائه" (٤) .

стр. 318

فقد اختلف على نافع في هذا الحديث، فعبيد الله بن عمر يقول: اعتكاف ليلة، وأيوب يقول: اعتكاف يوم في رواية حماد بن زيد عنه. أما معمر في روايته عن أيوب مجملة لم يذكر مدة الاعتكاف وهو اختصار لا يضر بأصل الحديث وكل من أيوب، وعبيد الله بن عمر من ثقات أصحاب نافع. وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب نافع فقال: "عبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب السخيتاني" (١) . فلما كان المختلفان حافظين ساق البخاري رواية كل منهما لأنه لا تعارض في المعنى بينهما. وبين الحافظ ابن حجر كيفية الجمع بين هاتين الروايتين فقال: "والتحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر – ﵁ – كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته فسال النبي ﷺ عنه فأمره بالوفاء به، فعبر بعض الرواة بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلته، وأراد يومها. والتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير من الاستعمال، فالحمل عليه أول من جعل القصة متعددة" (٢) . وقد ذهب الإمام النووي إلى أنها واقعتان: كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوماً بمفرده، فسأل عن هذا مرة، والآخر أخرى (٣) . وقد رد هذا على النووي كل من الحافظ العلائي وابن حجر وحملا ذلك على الرواية بالمعنى (٤) ، وهو الصواب – إن شاء الله -.

стр. 319

المثال الثاني: قال البخاري: "حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر – ﵄ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (١) . هذا أحد ألفاظ الحديث التي ساقها البخاري. وساقه بلفظ آخر ونصه كما يلي: " عن نافع أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت " (٢) . هذه ألفاظ هذا الحديث في صحيح البخاري، ويلاحظ أن فيها تغايراً في الألفاظ والعبارات كما يلاحظ اختلاف في التقديم والتأخير، حيث قدم الحج على الصوم في الرواية الأولى، بينما آخر في الرواية الثانية، وقدمت الزكاة عن الحج والصوم في الرواية الثانية، بينما أخرت على الصوم وقدمت على الحج في الرواية الثانية. وأما الإمام مسلم فقد ذكر هذا الحديث من طرق مختلفة: ١- عن أبي ملك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أو يوجد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج"، فقال رجال: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 320

٢- عن سعيد بن طارق قال حدثني: سعد بن عبيدة السلمي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". ٣- وعن عاصم (هو ابن محمد بن زيد بن عبيد الله ابن عمر) عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. ٤- ثم ساقه من رواية عكرمة بن خالد، ولفظه مثل لفظ البخاري (١) . ونلاحظ أيضاً أن فيها اختلافاً في الألفاظ، واختلافاً في التقديم والتأخير بين الحج والصيام. وقد حاول الإمام النووي كعادته أن يوفق بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أي أن ابن عمر سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين (٢) . وقد استبعد الحافظ هذا الحل فقال: "ولا شك ي أن مثل هذا هنا بعيد جداً، فإنه لو سمعه على الوجهين، لم ينكر على من قال أحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسياً أن النبي ﷺ قاله على الوجه الذي أنكره والظاهر القوي أن راوي هذه الطريق قدم فيها الحج على الصيام، ورواه بالمعنى فقدم وآخر ولم يبلغه نهي ابن عمر – ﵁ – عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من النبي ﷺ فهذا الحمل – وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر – ﵁ – أو الإنكار للفظ الذي سمعه النبي ﷺ " (٣) .
следующие страницы →