المتابعات والشواهد:
(أ) المتابعات:
تابع ابنَ لهيعة عليه: عمرو بن الحارث، كما سبق قريبا، لكن تبقى رواية دراج عن أبي الهيثم، فلم أجد من تابع دراجا عليه.
ومتابعة عمرو بن الحارث يرويها عبد الله بن وهب، واختلف عليه فيه على وجهين:
١ - الرفع:
ورواه عن ابن وهب بهذا الوجه:
(أ) يونس بن عبد الأعلى.
رواه الطبري ٢: ١٦٤، وابن أبي حاتم ١؛ ١٥٣ (٧٩٨)، كلاهما عن يونس، عن ابن وهب، به، مرفوعا.
(ب) حرملة بن يحيى.
رواه ابن حبان، كما في الإحسان ١٦: ٥٠٨ (٧٤٦٧)، عن ابن سلم، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، به، مرفوعا.
(جـ) بحر بن نصر.
رواه الحاكم ٤: ٥٩٦، والبيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٦٦).
(د) أحمد بن عبد الرحمن بن وهب،
رواه الحاكم ٢: ٥٠٧، والبيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٦٥).
(هـ) رشدين بن سعد.
رواه نعيم بن حماد في (زيادات الزهد) رقم (٣٣٤)، والبغوي في (شرح السنة) ١٥: ٢٤٧ رقم (٤٤٠٩).
فهؤلاء الخمسة رووه عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، به، مرفوعا.
٢ - الوقف.
رواه الحاكم ٢: ٥٣٤ - ومن طريقه: البيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٦٤) - من طريق هارون بن سعيد الأيلي، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، به، بنحوه، موقوفا على أبي سعيد ﵁.
стр. 142
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
وقد وقفت عليه من طريق: شريك، عن عمار الدهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعا، لكن بذكر الصعود فقط، دون الويل، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- عند قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].
(ب) الشواهد:
١ - عن عثمان بن عفان ﵁ عن رسول الله ﷺ : ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٧٩] قال: (الويل جبل في النار).
أخرجه الطبري ٢: ١٦٧، ١٦٤ قال: حدثني المثنى بن إبراهيم، قال ثنا إبراهيم بن عبدالسلام، قال: ثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان ﵁ فذكره.
وذكره السيوطي في (الدر المنثور) ١: ٤٣٣ وعزاه إلى ابن جرير فقط.
وقال عنه ابن كثير في تفسيره (١: ٣١٢): غريب جدا.
وأورده ابن رجب في (التخويف من النار) ص ٨٤ وقال: إسناده فيه نظر.
وشيخ الطبري، وشيخ شيخه، لم أقف على ترجمتهما.
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على تفسير الطبري ٢؛ ٢٦٩: "أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان -يعني كنانة-، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقبيصة بن المخارق، وهما متأخران كثيرا عن عثمان. وأيا ما كان؛ فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده".
وانظر ترجمة كنانة العدوي في (تهذيب الكمال) ٢٤: ٢٢٧.
٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في النار حجرا يقال لها ويل، بصعد عليه العرفاء، وينزلون فيه).
أخرجه البزار في مسنده (البحر الزخار) ٣: ٣٢٦ رقم (١١٢٣) قال: حدثنا إبراهيم ابن عبدالله بن الجنيد، قال: نا سعيد بن أسد بن موسى، قال: نا خالد بن سليمان الزيات،
стр. 143
رجل من أهل العراق، قال: نا هاشم بن موسى، قال: نا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه فذكره.
وذكره السيوطي في (الدر المنثور) ١: ٤٣٤ وعزاه إلى ابن مردويه أيضا.
وقال البزار عقبه: "وهذا الحديث، لا نعلمه يروى بهذا اللفظ، إلا عن سعد بهذا الإسناد".
والحديث أورده المنذري في (الترغيب والترهيب) ١: ٣٢١ مصدرا إياه بقوله: وروي، وشرطه في كتابه الذي ذكره ص ٣٧ أن كل حديث في إسناده كذاب أو متهم أو ضعيف، بحيث لا يتطرق إليه احتمال التحسين، فإنه يصدره بلفظ: روي.
وأورده ابن رجب في (التخويف من النار) ص ٨٤ وقال: إسناد مجهول.
وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٣: ٨٩ وقال: "رواه أبو يعلى، وفيه جماعة لم أجد من ذكرهم"، ولم أجده عند أبي يعلى، والله أعلم.
ومما يشهد له أيضا:
* ما جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: (ويل واد في جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار، جعل للمكذبين).
أخرجه سعيد بن منصور، وابن المنذر، كما في (الدر المنثور) ١: ٤٣٤.
وأخرجه البيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٦٧) من طريق سعيد بن منصور، ثنا خلاف ابن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود ﵁، به.
خلف بن خليفة؛ هو الأشجعي، صدوق اختلط في الآخر، ولم أجد ما يميز رواية سعيد بن منصور عنه.
ينظر: تهذيب الكمال ٨: ٢٨٤، التقريب ص ١٩٤، اختلاط الرواة الثقات ص ٧٤.
وأبو عبيدة؛ هو ابن عبد الله بن مسعود، قيل: اسمه عامر، وقيل: اسمه كنيته.
وهو ثقة، أخرج حديثه الجماعة، لكن الأكثر على عدم سماعه من أبيه، وجزم ابن حجر بأنه الراجح.
ينظر: تهذيب الكمال ١٤: ٦١، التقريب ص ٦٥٦.
стр. 144
لكن قال ابن رجب في (شرح العلل) ١: ٢٩٨: "قال ابن المديني -في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه- هو منقطع، وهو حديث ثبت.
قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يات فيها بحديث منكر".
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) ٩: ٢٦٠ رقم (٩١١٤) من طريق يحيى الحماني ثنا شريك، عن الأعمش، عن ذر، عن وائل بن مهانة، عن عبد الله ﵁ قال؛ ويل واد في جهنم، من قيح.
ويحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي.
طعن فيه أحمد، واتهمه بسرقة الحديث، بل وبالكذب. ولينه أبو حاتم، وضعفه النسائي، وترك أبو زرعة الرواية عنه. وفي التقريب: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث.
ينظر: تهذيب الكمال ٣١: ٤١٩، التقريب ص ٥٩٣.
وشريك، هو: ابن عبد الله القاضي، صدوق يخطىء كثيراً، كما في التقريب ص ٢٦٦.
ووائل بن مهانة؛ هو الكوفي، من كبار التابعن، وهو مقبول كما في التقريب ص ٥٨٠.
* وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: (الويل واد من قيح في جهنم).
أورده في (الدر المنثور) ١: ٤٣٤ وعزاه إلى: عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
الحكم على الحديث:
الحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
وأورده ابن حجر في الفتح ١: ٣٢٥ في الوضوء: باب غسل الرجلين، ولم يتكلم عليه، وهو صحيح أو حسن على شرطه الذي بينه في المقدمة (هدي الساري) ص ٦.
وأورده ابن كثير في تفسيره ٨: ٢٦٦ وقال: "فيه غرابة ونكارة".
وقال في تفسير سورة المرسلات ٨: ٢٩٨: "وقد قدمنا في الحديث، أن ويل: واد في جهنم، ولا يصح".
والذي يظهر أن الحديث من قبيل الضعيف المحتمل، والله أعلم.
*****
стр. 145
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣].
(٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين: الذي لا يجد غنى يغنبه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس).
تخريجه:
أخرجه مالك في (الموطأ) في صفة النبي ﷺ : باب ما جاء في المساكين، ومن طريقه: البخاري (١٤٧٩) في الزكاة: باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والنسائي ٥: ٨٥ في الزكاة: باب تفسير المسكين، وأخرجه مسلم (١٠٣٩) في الزكاة: باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه، كلهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به، بنحوه.
وقد رواه عن أبي هريرة ﵁ جماعة من الرواة، ومنهم:
١ - ٢ - عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة.
أخرجه البخاري (٤٥٣٩) في التفسير: باب تول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومسلم (١٠٣٩) في الزكاة: باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه، من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، أن عطاء ابن يسار، وعبد الرحمان بن أبي عمرة، قالا: سمعنا أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : (ليس المسكن الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرؤوا إن شئتم، يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
٣ - محمد بن زياد.
أخرجه أحمد ٢: ٢٦٠، ٤٥٧، ٤٦٩، والبخاري (١٤٧٦) في الزكاة: باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والدارمي رقم (١٦١٥) في الزكاة:
стр. 146
باب من المسكين الذي يتصدق عليه؟، من طرق عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ليس المسكن الذي ترده اللقمة واللقمتان، والكسرة والكسرتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى يغنيه، يستحيي أن يسأل الناس إلحافا، أو لا يسأل الناس إلحافا). واللفظ للدارمي.
٤ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
أخرجه أحمد ٢: ٢٦٠، وأبو داود (١٦٣٢) في الزكاة: باب من يعطى من الصدقة، والنسائي ٥: ٨٥ في الزكاة: باب تفسير المسكين، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ٨: ١٣٨، كلهم من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، قالوا: فمن المسكن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى، ولا يعلم الناس بحاجته فيتصدق عليه).
قال الزهري: وذلك هو المحروم. وهذا لفظ أحمد.
٥ - أبو صالح السمان.
أخرجه أحمد ٢: ٣٩٣، وأبو داود (١٦٣١) في الزكاة: باب من يعطى من الصدقة، وابن خزيمة في صحيحه ٤: ٦٦ رقم (٢٣٦٣) في الزكاة: باب ذكر صفة المسلمين الذين أمر الله بإعطائهم من الصدقة، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، أو التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسال الناس شيئا، ولا يفطن بمكانه فيعطى).
٦ - موسى بن يسار.
أخرجه أحمد ٢: ٤٤٩ من طريق محمد بن إسحاق، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المسكين ليس بالذي ترده التمرة ولكن المسكين الذي لا يسال الناس، ولا يفطن له فيعطى).
стр. 147
٧ - أبو الوليد، مولى عمرو بن خداش.
أخرجه الطيالسي ٤: ١٢٥ رقم (٢٤٩٢)، وأحمد ٢: ٥٠٥، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) ١: ٢٧، ٢: ٦٤، من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (ليس المسكين بالطواف عليكم أن تطعموه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا). واللفظ لأحمد.
٨ - همام بن منبه.
أخرجه أحمد ٢: ٣١٦، والبيهقي في (السنن الكبرى) ٧: ١١، وغيرهما من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : (ليس المسكن هذا الطواف الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل النَّاس، ولا يفطن له فيتصدق عليه).
فائدة:
ورد لفظ (المسكن) في القرآن بالجمع والإفراد، والتعريف والتنكير، في اثنين وعشرين موضعًا، وهي: سورة البقرة الآية رقم (٨٣)(١٧٧)(١٨٤)(٢١٥)، سورة النساء الآية رقم (٨)(٣٦)، سورة المائدة الآية رقم (٨٩)(٩٥)، سورة الأنفال الآية رقم (٤١)، سورة التوبة الآية رقم (٦٠)، سورة الإسراء الآية رقم (٢٦)، سورة الكهف الآية رقم (٧٩)، سورة النور الآية رقم (٢٢)، سورة الروم الآية رقم (٣٨)، سورة المجادلة الآية رقم (٤)، سورة الحشر الآية رقم (٧)، سورة القلم الآية رقم (٢٤)، سورة الحاقة الآية رقم (٣٤)، سورة المدثر الآية رقم (٤٤)، سورة الفجر الآية رقم (١٨)، سورة البلد الآية رقم (١٦)، سورة الماعون الآية رقم (٣).
*****
стр. 148
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠ ٢)﴾ [البقرة: ١٠٢].
(١٠) عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: (إن آدم ﵇ أهبطه الله تعالى إلى الأرض؛ قالت الملائكة: أي رب؛ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملاتكة حتّى بهبط بهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان قالوا: ربنا؛ هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدا، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبدا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها، قالت: لا ولله، حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتما حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا).
تخريج الحديث:
أخرجه أحمد ٢: ١٣٤ (٦١٧٨) قال: حدّثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر .. فذكره.
стр. 149
وأخرجه: عبد بن حميد في المسند (المنتخب) ٢: ٣٢ (٧٨٥)، والبزار (كشف الأستار) ٣: ٣٥٨ (٢٩٣٨)، وابن حبان كما في الإحسان ١٤: ٦٣ (٦١٨٦)، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص ٣٠٩ (٦٥٧)، والبيهقي في (السنن الكبرى) ١٠: ٤، وفي (شعب الإيمان) ١: ١٨٠.
كلهم من طريق ابن أبي بكير به، بنحوه.
الحكم على الإسناد:
إسناده قابل للتحسين، لولا ما قيل في زهير بن محمد، وهو التميمي، فإنهم تكلموا فيه من جهتين:
١ - الطعن في رواية أهل الشام عنه، دون أهل العراق.
قال ابن عدي: لعل الشاميين حيث رووا عنه؛ أخطأوا عليه، فإنه إذا حدث عنه أهل العراق؛ فرواياتهم عنه شبه المستقيم، وأرجو أنه لا بأس به.
وفي التقريب: رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها.
ولم ينص على مرتبته التي تلخص حاله، كما شرطه في خطبة الكتاب.
٢ - التفريق بين ما حدث من كتبه، وما حدث من حفظه.
قال أبو حاتم: محله الصدق، وفى حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، فما حدث من كتبه؛ فهو صالح، وما حدث من حفظه؛ ففيه أغاليط.
ينظر في ترجمته: الضعفاء الكبير للعقيلي ٢: ٩٢، الجرح والتعديل ٣: ٥٨٩، الثقات ٦: ٣٣٧، الكامل في الضعفاء ٣: ٢١٧، الاستذكار ١: ٤٩١، تهذيب الكمال ٩: ٤١٤، الميزان ٢: ٨٤، الكاشف ١: ٤٠٨، تهذيب التهذيب ٣: ٣٠١، تقريب التهذيب ص ٢١٧، هدي الساري ص ٤٢٣، نيل الأوطار ٢: ٣٤١.
стр. 150
فأما الجهة الأولى فلا مدخل لها هنا؛ لأن الراوي عنه عراقي، وأما الثانية فلم يتبين لي صفة روايته لهذا الحديث، من حفظه أو من كتابه؟
لكن الظاهر أنه مما حدث به من حفظه، بدليل مخالفته لغيره وخطئه، فهذا الوجه معلول -كما سيأتي بيانه، إن شاء الله-.
قال البزار -كما في كشف الأستار ٣: ٣٥٨ - : "رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وإنما أتي رفع هذا عندي من زهير، لأنه لم يكن بالحافظ، على أنه قد روى عنه ابن مهدي، وابن وهب، وأبو عامر، وغيرهم".
والحديث أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٥: ٦٨ وقال: "رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا موسى بن جبير، وهو ثقة".
وقال ابن حجر في (فتح الباري) ١٠: ٢٣٥ في الطب: باب السحر: "وقصة هاروت وماروت؛ جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر، في مسند أحمد".
وساقه في (العجاب في بيان الأسباب) من مسند أحمد بسنده ومتنه، ثم قال -١: ٣٢٠ - : "السند على شرط الحسن".
المتابعات والشواهد:
(أ) المتابعات:
* تابع زهير بن عمد على هذا الحديث: سعيدُ بن سلمة، أخرجه ابنُ مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١: ٣٥٤ - قال: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام بن علي بن هشام، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي ﷺ يقول .. فذكره بطوله.
стр. 151
كذا وقع في ابن كثير: (موسى بن سرجس)، والظاهر أنه محرف عن موسى بن جبير، لأن الحديث مشهور به، وقد ذكروا في ترجمة (سعيد بن سلمة) أنه يروي عن موسى بن جبير، ولم يذكروا له رواية عن موسى بن سرجس (١)، والله أعلم.
وسعيد بن سلمة؛ ضعفه النسائي -في سننه ٨: ٢٥٨ - ، وفي التقريب ص ٢٣٦: صدوق، صحيح الكتاب، يخطىء من حفظه.
قلت: وهذا مما أخطأ فيه، كما سيتبين مما يأتي.
* وتابع موسى بن جبير: معاويةُ بن صالح.
أخرجه: الطبري في تفسيره ٢: ٣٤٧، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٨: ٤٢، ومن طريقه: ابن الجوزي في (الموضوعات) ١: ١٨٦، والذهبي في (الميزان) ٢: ٢٣٦.
كلهم من طريق الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- أخبرنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع به مطولا، ولفظ الطبري مختصر.
قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان (٢): يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأحاديث الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به"
وقال فيه البخاري -في (التاريخ الكبير) ٧: ١٣٤ - : منكر الحديث.
وهاتان المتابعتان السابقتان أوردهما ابنُ كثير في تفسيره ١: ٣٥٤ وقال: "وهذان غريبان جدا، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ ".
* وتابع نافعا على هذا الوجه: سالمُ بن عبد الله.
стр. 152
أخرجه: البيهقي في (شعب الإيمان) ١: ١٨٠ من طريق محمد بن يونس بن موسى، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ .. فذكره بطوله.
ومحمد بن يونس هو الكديمي، قال فيه ابن حبان -في (المجروحن) ٢: ٣١٢ - :
"كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث".
وقال الدارقطني -كما في سؤالات حمزة السهمي ص ١١١ - : كان الكديمي يتهم بوضع الحديث.
وهذا الوجه أشار إليه أبو نعيم في (الحلية) ٨: ٢٤٨ وقال: "غريب من حديث سالم، عن ابن عمر، مرفوعا".
النظر في الاختلاف الواقع في الحديث:
هذا الحديث يرويه ابن عمر ﵄، واختلف عليه على أوجه:
١ - عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. وسبق الكلام عليه.
٢ - عن ابن عمر ﵄ موقوفا عليه.
ورواه عنه على هذا الوجه راويان:
(أ) مجاهد بن جبر.
أخرجه (سعيد بن منصور) في سننه ٢: ٥٨٣ (٢٠٦) من طريق العوام بن حوشب، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١: ١٩٠ (١٠٠٧) من طريق المنهال بن عمرو ويونس ابن خباب، ثلاثتهم (العوام بن حوشب، والمنهال بن عمر، ويونس بن خباب) عن مجاهد به.
ولفظ ابن أبي حاتم مطول، ولفظ سعيد مختصر.
стр. 153
وهذا الوجه ساقه ابن كثير في تفسيره ١: ٣٥٧ ثم قال: "وهذا إسناد جيد إلى عبد الله ابن عمر"، ثم أحال على ما سبق من روايته مرفوعا، وقال: "وهذا -يعني طريق مجاهد- أثبت وأصح إسنادًا، ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه".
وصحح إسنادَ ابن أبي حاتم؛ ابنُ حجر في (العجاب) ١: ٣٢٣.
(ب) سعيد بن جبير.
أخرجه الحاكم في (المستدرك) ٤: ٦٠٧ من طريق سعيد به. وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وأورده في (الدر المنثور) ١: ٥١١ وعزاه إلى الحاكم فقط.
٣ - عن ابن عمر ﵄، عن كعب الأحبار.
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١: ٥٣، وابن أبي شيبة في (المصنف) ٧: ٦٢ (٣٤٢١٤)، والطبري في تفسيره ٢: ٣٤٣ - ٣٤٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ١: ١٩٠ (١٠٠٦)، وأبو نعيم في (الحلية) ٨: ٢٤٨، والبيهقي في شعب الإيمان ١: ١٨١.
كلهم من طريق سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب. فذكره بنحوه مختصرًا.
(ب) الشواهد:
عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت).
أخرجه إسحاق بن راهويه -كما في (المطالب العالية) ٤: ٨٦ (٣٥٣٨)، و (الدر المنثور) ١: ٥١٣ - ، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص ٣٠٨ (٦٥٤)، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١: ٣٥٥، و (الدر المنثور) ١: ٥١٣ - ، كلهم من طريق جابر الجعفي، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ به بنحوه، وعند إسحاق زيادة في أوله.
стр. 154
وعزاه العجلوني في (كشف الخفاء) ٢: ٤٣٩ إلى أبي نعيم في (عمل اليوم والليلة).
وهذا سند ضعيف جدا، الجعفي: ضعيف، واتهم بالكذب.
ينظر: تهذيب الكمال ٤: ٤٦٥.
وله طريق أخرى ذكرها ابن كثير، فقال -في تفسيره ١: ٣٥٥ - : "رواه الحافظ أبو بكر ابن مردويه في تفسيره، بسنده عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه، ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت). وهذا أيضًا لا يصح، وهو منكر جدًا، والله أعلم".
فائدة:
جاء هذا المعنى عن علي ﵁؛ مطولًا، موقوفًا عليه.
ينظر: الدر المنثور ١: ٥١٢، وصححه الحاكم في (المستدرك) ٢: ٢٦٥ على شرط الشيخين.
قال ابن كثير في تفسيره ١: ٣٥٥ - عن هذا الموقوف-: "إسناد جيد، ورجاله ثقات، وهو غريب جدًا".
وقال عنه الحافظ ابن حجر في (العجاب) ١: ٣٢٢: "هذا سند صحيح، وحكمه أن يكون مرفوعًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، وما كان علي ﵁ يأخذ عن أهل الكتاب".
وأشار ابن حجر في (العجاب) ١: ٣١٧ إلى قصة هاروت وماروت وقال: "ورد في ذلك خبر مرفوع، رجاله موثقون، وله شواهد كثيرة".
ولعله يقصد بمجموع الموقوف والمقطوع.
стр. 155
تنبيه:
أشار الكتاني في (نظم المتناثر) ص ٢٣٣ إلى حديث ابن عمر ﵄ المرفوع، وما قيل فيه، ثم قال: "ووردت -أي قصة هاروت وماروت- مرفوعة أيضًا باختصار، من حديث علي ﵁، أخرجه ابن راهويه في مسنده، ومن حديث أبي الدرداء ﵁، أخرجه ابن أبي الدنيا في (ذم الدنيا) ".
قلت: وما ذكره فيه أمران:
١ - حديث أبي الدرداء المشار إليه أخرجه ابن أبي الدنيا في (ذم الدنيا) ص ٧٥ رقم (١٣٢)، ومن طريقه: البيهقي في (شعب الإيمان) ٧: ٣٣٩، من طريق عتبة بن أبي حكيم، أخبرنا أبو الدرداء الرهاوي، قال: قال رسول الله ﷺ : (احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت)، وهذا ليس فيه تعرض للقصة فلا يصح عده شاهدا للحديث.
٢ - أن ظاهر كلامه يوهم أن راوي الحديث: أبو الدرداء عويمر الأنصاري ﵁ الصحابي المشهور، والواقع أنه ليس كذلك، بل هو أبو الدرداء الرهاوي، وقد ذكره ابن عبد البر في (الاستغناء) ٢: ١١٧٣ وقال: "أبو الدرداء الرهاوي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ليس بالمعروف،، وذكره الذهبي في (المقتنى في سرد الكنى) ١: ٢٢٦ وقال: "أبو الدرداء الرهاوي، عن صحابي، وعنه: عتبة بن أبي حكيم".
فتبين أن الحديث ضعيف لانقطاعه، وجهالة أبي الدرداء، وكذا عتبة بن أبي حكيم متكلم فيه.
ينظر ترجمته في (تهذيب الكمال) ١٩: ٣٠٠.
الحكم على الحديث:
هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، والأظهر أنه مما أخذه ابنُ عمر عن كعب الأحبار. وسال ابنُ أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال -كما في العلل ٢: ٦٩ (١٦٩٩) -: "هذا حديث منكر".
стр. 156
وقال الإمام أحمد -كما في (المنتخب من العلل للخلال) لابن قدامة ص ٢٩٦ - : "هذا منكر، إنما يروى عن كعب".
وقال البيهقي في (شعب الإيمان) ١: ١٨١ عقب إخراج الحديث مرفوعًا: "ورويناه من وجه آخر عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفا عليه، وهو أصح، فإن ابن عمر إنما أخذه عن كعب".
ثم أخرجه من طريق ابن عمر عن كعب، وقال: "وهذا أشبه أن يكون محفوظًا".
ثم أعاده ٥: ٢٩٢ وقال: "هذا هو الصحيح من قول كعب".
وقال ابن الجوزي في (الموضوعات) ١: ١٨٦ - كما سبق-: "هذا حديث لا يصح".
وقال ابن كثير في تفسيره ١: ٣٥٣ - بعد أن ساق الحديث من المسند مرفوعًا-: "هذا حديث غريب من هذه الوجه .. " ثم ذكر له المتابعتين الأولين اللتن ذكرتهما في المتابعات، وقال: "وهذان أيضًا غريبان جدًا، وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي ﷺ ".
وذكر رواية سالم عن أبيه عن كعب، وقال -١: ٣٥٤ - : "فهذا -يعني طريق سالم- أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم".
وقال ١: ٣٦٠: "وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛ كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق
стр. 157
القرآن إجمال القصة، من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال".
وأشار إلى القصة في (البداية والنهاية) ١: ٨٣ وقال: "وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا، رواه أحمد عن يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، -وذكر القصة بطولها .. - وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن كعب الأحبار به، وهذا أصح وأثبت".
وقابل هؤلاء: ابن حبان، فصححه مرفوعًا، حيث أخرجه في صحيحه. وتجلد الحافظ ابن حجر في الدفاع عن هذه القصة، والانتصار لتقويتها، فقال في (القول المسدد) ص ٣٩ - بعد أن ذكر حديث ابن عمر وما قيل فيه-: "وله طرق كثيرة، جمعتها في جزء مفرد، يكاد الواقف عليه أن يقطع وقوع هذه القصة، لكثرة الطرق الواردة فيها، وقوة مخارج أكثرها، والله أعلم"، وانظر: (فيض القدير) ١: ١٨١.
وقال -في (فتح الباري) ١٠: ٢٣٥ - : "وقصة هاروت وماروت، جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر، في مسند أحمد. وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافًا لمن زعم بطلانها، كعياض ومن تبعه".
وأشار في (العجاب) ١: ٣٢٦ إلى ترجيح بعض الأئمة لرواية سالم عن أبيه عن كعب، على رواية نافع بالرفع، وقال: "لو لم يرد في ذلك غير هاتين الروايتين؛ لسلمت أن رواية سالم أولى من رواية نافع، لكن جاء ذلك من عدة طرق عن ابن عمر، ثم من عدة طرف عن الصحابة، ومجوع ذلك يقضي بأن للقضية أصلا أصيلا، والله أعلم".
وذكر وجها للجمع بينهما، فقال ١: ٣٢٦: "رواية كعب مختصرة جدًا، فيحتمل أن يكون ابن عمر استظهر برواية كعب؛ لكونها توافق ما حمله ابن عمر عن النبي ﷺ ".
стр. 158
وقال في (العجاب) ١: ٣٣١: "طعن في هذه القصة من أصلها بعض أهل العلم ممن تقدم، وكثير من المتأخرين، وليس العجب من المتكلم والفقيه، إنما العجب ممن ينتسب إلى الحديث، كيف يطلق على خبر ورد بهذه الأسانيد القوية، مع كثرة طرقها، أو تباين أسانيدها، أنه باطل، أو نحو ذلك من العبارة مع دعواهم تقوية أحاديث غريبة، أو واردة من أوجه لكنها واهية، واحتجاجهم بها، والعمل بمقتضاها".
قلت: وجرى كثير من المفسرين، وغيرهم من أهل العلم، على إنكار هذه القصة المذكورة (١)، وما ذكره ابن حجر جار على قواعد المتأخرين في هذا الفن، وما ذكره الأئمة المتقدمون أولى، لأنهم أعلم بهذا الشأن، ورواة الوجه المرفوع ليسوا في منزلة من يقبل تفردهم، فضلا عن مخالفة من هو أقوى منهم، وأولى بالتقديم.
لكن يبقى أثر علي ﵁ الموقوف لفظًا، المرفوع حكمًا، ونصه: (كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما. إِلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به يعرج به إلى السماء، فعلماها، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا).
وعند التأمل ومقارنته بحديث ابن عمر، نجد أنه لم يحصل من الملكين فعل من تلك الكبائر، غاية ما هنالك؛ أنهما راوداها عن نفسها، فأبت إِلا بشرطها، أما في حديث ابن عمر فقد وقع منهما موبقات عظيمة من شرب المُسْكرِ، والزنا بالمرأة، وقتل الصبي، بل في ظاهر الحديث ما هو أشنع من ذلك، وهو الشرك بالله، فقد جاء فيه: " .. فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي؛ إِلا قد فعلتما حين سكرتما .. " وفي أول الحديث: "فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله؛ حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك .. ".
стр. 159
والحاصل أن القدر المذكور في حديث ابن عمر؛ باطل مرفوعًا، وغايته أن يكون مما أخذه عن كعب، والله أعلم.
وأحسن ابنُ حجر حين قال -في (العجاب) ١: ٣٤٣ - : "في طرق هذه القصة القوي والضعيف، ولا سبيل إلى رد الجميع، فإنه ينادي على من أطلقه بقلة الإطلاع، والإقدام على رد ما لا يعلمه، لكن الأولى أن ينظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص، فيؤخذ بما اجتمعت عليه، ويؤخذ من المختلف ما قوي، ويطرح ما ضعف أو ما اضطرب، فإن الاضطراب إذا بعد به الجمع بين المختلف، ولم يترجح شيء منه؛ التحق بالضعيف المردود".
وهذه القصة جديرة بأن تحقق وتحرر، بأن تجمع مروياتها من المرفوع والموقوف والمقطوع، ثم ينظر في القدر التصحيح منه.
فائدة:
على القول بأن هاروت وماروت كانا ملكين، وقد جرى منهما ما جرى، فلا يشكل على هذا ما تقرر من عصمة الملائكة والجواب كما قال ابن كثير في تفسيره ١: ٣٥٢: "الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة، أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه: ١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر-، أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى".
وانظر: (أحكام القرآن) لابن العربي ١: ٤٧.
*****
стр. 160
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١ ٦].
(١١) عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة).
تخريجه:
أخرجه أحمد ٣: ٧٥ (١١٧١١) قال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فذكره.
وأخرجه أبو يعلى ٢: ٥٢٢ (١٣٧٩)، والطبري في تفسيره ٥: ٤٠٠ كلاهما من طريق ابن لهيعة به.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيىر ص ٢١٣: ١ (١١٢٨)، و٢: ٦٤٨ (٣٤٩٢)، وابن حبان في صحيحه -كما في الإحسان ٢: ٧ (٣٠٩) -، والطبراني في الأوسط ٥: ٢٣٤ (٥١٨١)، وأبو نعيم في (الحلية) ٨: ٣٢٥ كلهم من طريق عمرو بن الحارث، عن دراج، به بنحوه.
وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن أبي سعيد؛ إِلا بهذا الإسناد"، وهو متعقب برواية ابن لهيعة.
وعزاه في (الدر المنثور) ١: ٥٧٢ إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي نصر السجزي في (الإبانة)، والضياء في المختارة، ولم أجده فيه.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة، وما قيل في رواية دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁، وهذه منها، وسبق هذا الطريق في الحديث الثامن.
стр. 161
المتابعات الشواهد:
(أ) المتابعات:
تابع ابنَ لهيعة: عمرو بن الحارث، كما سبق في تخريج الحديث، لكن تبقى رواية دراج عن أبي الهيثم، فلم أجد من تابع دراجا عليه.
(ب) الشواهد:
لم أقف على شاهد لهذا الحديث، والله أعلم.
الحكم على الحديث:
حديث ضعيف.
قال ابن كثير في تفسيره -١: ٣٩٨ بعد أن ساقه بسند ابن أبي حاتم-: "في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، والله أعلم، وكثيرا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها، فإن السند ضعيف، والله أعلم".
وقال الهيثمي -في (مجمع الزوائد) ٦: ٣٢٥ - : "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد وأبي يعلى: ابن لهيعة، وهو ضعيف".
وهذا المعنى متقرر في اللغة، قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) ٥: ٣١ مادة (قنت): "القاف والنون والتاء؛ أصل صحيح يدل على طاعة وخير في دين، لا يعدو هذا الباب، والأصل فيه الطاعة".
*****
стр. 162
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢ ١].
(١٢) عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: (يتبعونه حق اتباعه).
تخريجه:
أخرجه الخطيب في (اقتضاء العلم العمل) ص ٧٦ (١١٨) قال:
أخبرنا القاضي أبو محمد يوسف بن رباح بن علي البصري، ثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الحسن الأزدي بمصر، قال: أنا العباس بن أحمد الخواتيمي بطرسوس، ثنا العباس بن الفضل الأرسوفي، ثنا أحمد بن عبد العزيز، ثنا نصر بن عيسى، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) ١: ٥٧٧ إلى الخطيب في (الرواة عن مالك).
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف، وقد أورده الذهبي وابن حجر في ترجمة (نصر بن عيسى)، وعقبا عليه بقول الخطيب: في إسناده غير واحد من المجهولين.
ينظر: الميزان ٤: ٢٥٣، اللسان ٦: ٢٥٣.
وقال السيوطي في (الدر المنثور) ١: ٥٧٧: (وأخرج الخطيب في (كتاب الرواة عن مالك)، بسند فيه مجاهيل .. " وذكره.
المتابعات الشواهد:
قال العراقي في (ذيل ميزان الاعتدال) ص ١٩٣ - في ترجمة (إسماعيل بن عباد الأرسوفي): "روى عن زكريا بن نافع الأرسوفي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه. رواه عنه أبو المؤمل القاسم ابن الفضيل الكتاني. قال الدارقطني في غرائب مالك: باطل، وإسماعيل ضعيف".
وهكذا ذكر الحافظ في ترجمة (إسماعيل) في اللسان ١: ٥٢٩.
стр. 163
الحكم على الحديث:
الحديث ضعيف.
وأورده القرطبي في تفسيره ٢: ٦٦ وقال: "في إسناده غير واحد من المجهولين، -فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد- إِلَّا أن معناه صحيح".
*****
стр. 164
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
(١٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، قال: (لا طاعة إِلا في المعروف).
تخريجه:
أخرجه الحافظ أبو بكر بن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١: ٤١١ - قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم ابن سعيد الدامغاني، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ فذكره.
وذكره السيوطي في (الدر المنثور) ١: ٦١٧ وعز اه إلى وكيع، وابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف، لجهالة الأسدي وشيخه.
وضعف هذا السند: السيوطيُ في (الإتقان) ٢: ٤٧٩.
المتابعات والشواهد:
(أ) المتابعات:
تابع الدامغاني على هذا الحديث، كل من:
١ - أحمد بن حنبل، فأخرجه في (المسند) ١: ١٢٤ (١٠٨١).
٣ - محمد بن عبد الله بن نمير.
٣ - وزهير بن حرب.
٤ - أبو سعيد الأشج. أخرجها مسلم (١٨٤٥) في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غيى معصية، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وأبو سعيد الأشج.
стр. 165
٥ - أبو بكر بن أي شيبة. أخرجه في المصنف ٦: ٥٤٣ (٣٣٧٠٦)، وعنه: مسلم في صحيحه -في الموضع السابق-.
٦ - عبيد الله بن عمر القواريري. أخرجه أبو يعلى ١: ٣٠٩ (٣٧٨) عنه.
ستتهم: (أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وأبو سعيد الأشج، وأبو بكر بن أبي شيبة، والقواريري) عن وكيع به، بلفظ: عن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا، ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف). وليس فيه ذكر الآية.
وأخرجه البخاري (٤٣٤٠) في المغازي: باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، عن مسدد حدثنا عبد الواحد -هو ابن زياد- حدثنا الأعمش، به، بنحوه.
وليس فيه ذكر الآية أيضًا.
فالراجح -دون تردد- تقديم أولئك الجماعة الحفاظ الأئمة وأن المحفوظ فيه هو بالسياق المذكور في الصحيحين.
الحكم على الحديث:
ضعيف بهذا السياق، والمحفوظ فيه ما سبق.
لكن يشكل على هذا عزو السيوطي لهذا الحديث إلى وكيع في تفسيره، والسند من وكيع فما بعده على شرط الشيخن، وليس كتابه بين أيدينا حتى ننظر في سياقه ولفظه، والظاهر أن صنيع السيوطي فيه تساهل، بدلالة ما سبق، ويكون عزوه له باعتبار أصل الحديث، أو النظر إلى اتحاد مخرج الحديث، والله أعلم.
стр. 166
فائدة:
التفسير المذكور في الحديث لهذه الآية الكريمة، شاهد لتفسير العهد في الآية بالطاعة، وهو مروي عن ابن عباس ﵁، وقيل: المراد به الإمامة، وهو مروي عن ابن عباس ﵁ أيضًا.
يراجع تفسير الآية في كتب التفسير، ومنها: تفسير الطبري ٢: ٥١١، وتفسير ابن كثير ١: ٤١.
*****
стр. 167
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤ ٣].
(١٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يارب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذبر، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ والوسط: العدل).
تخريجه:
أخرجه البخاري (٤٤٨٧) في تفسير القرآن: باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، و (٣٣٣٩) في أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، و (٧٣٤٩) في الاعتصام بالكتاب والسنة: باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والترمذي (٢٩٦١) في تفسير القرآن: باب ومن سورة البقرة، وابن ماجه (٤٢٨٤) في الزهد: باب صفة أمة محمد ﷺ ، وأحمد ٣: ٩، ٣٢، ٣٢. ٥٨. كلهم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
ولفظ الترمذي، وأحمد -في الموضعين الأولين- مختصر، ولفظ ابن ماجه ليس فيه موضع الشاهد.
فائدة:
قال الحافظ في الفتح ٨: ٢٢: "قوله: (والوسط العدل) هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم".
قلت: ولفظه عند البخاريّ (٧٣٤٩): "عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يارب، فتسأل أمته:
стр. 168
هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ".
*****
стр. 169
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥ ٢].
(١٥) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يقول: اذكروني يا معاشر العباد بطاعتي؛ أذكركم بمغفرتي).
تخريجه:
عزاه السيوطي في (الدر المنثور) ٢: ٣٧ إلى أبي الشيخ، والديلمي، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄.
الحكم على الإسناد:
ضعيف جدا. فيه جويبر بن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، ضعيف جدًا.
ينظر: الضعفاء الكبير للعقيلي ١: ٢٠٥، الجرح والتعديل ٢: ٥٤٠، المجروحين ١: ٢١٧، الكامل ٢: ١٢١، تهذيب الكمال ٥: ١٦٧، تهذيب التهذيب ٢: ١٠٦، تقريب التهذيب ص ١٤٣.
والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي، أبو القاسم -ويقال: أبو محمد- الخراساني.
نص الأئمة: عبد الملك بن ميسرة، وشعبة، وأبو زرعة، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم أنه لم يسمع من ابن عباس ﵁.
بل أخرج ابن سعد في (الطبقات) ٦: ٣٠١، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٤: ٤٥٨ وفي (المراسيل) ص ٩٤ رقم (٣٣٨)، من طريق شعبة، عن مشاش، قال: قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس شيئا؟ قال: لا، قلت: رأيته؟ قال: لا.
وما جاء عن أبي جناب الكلبي، عن الضحاك قال: جاورت ابن عباس سبع سنين.
فقد أجاب عنه الذهبي فقال: أبو جناب ليس بقوي، والأول أصح، وذكر مثله العلائي في (جامع التحصيل).
وقال ابن حبان: "لقي جماعة من التابعين، ولم يشافه أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن زعم أنه لقي ابن عباس فقد وهم".
стр. 170
وقال فيه ابن عدي: عرف بالتفسير، فأمَّا رواياته عن ابن عباس، وأبي هريرة، وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر، وإنما اشتهر بالتفسير.
قلت: وفي عبارة ابن عدي ملحظ دقيق في التفريق بين رأي الشخص وروايته، فينبغي أن يفرق فيمن اشتهر بالتفسير، وسطع فيه نجمه، مع جرحه من أئمة الجرح والتعديل؛ يفرق بين قوله ومنقوله.
ينظر: (الطبقات) لابن سعد ٦: ٣٠١، (الضعفاء الكبير) للعقيلي ٢: ٢١٨، (الجرح والتعديل) ٤: ٤٥٨، (المراسيل) لابن أبي حاتم ص ٩٤، الثقات لابن حبان ٦: ٤٨٠، الكامل ٤: ٩٥، تهذيب الكمال ١٣: ٢٩١، السير ٤: ٥٩٨، جامع التحصيل ص ١٩٩، تهذيب التهذيب ٤: ٣٩٧، التقريب ص ٢٨٠.
قال الخليلي في (الإرشاد) ١: ٣٩١: "وهذه التفاسير لكتاب الله الطوال، التي أسندوها إلى ابن عباس؛ غير مرضية، ورواتها مجاهيل، كتفسير جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس .. ".
فائدة:
جاء هذا المتن عن الفضيل بن عياض ﵀، أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢: ٦٣٠ - التفسير) رقم (٢٢٩) قال: سمعت فضيلا يقول في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال: "اذكروني بطاعتي؛ أذكركم بمغفرتي".
وأخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) ١: ٤٥٣ من طريق سعيد بن منصور.
*****
стр. 171
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦].
(١٦) عن أبي أمامة ﵁ قال: انقطع قبال رسول الله ﷺ ، فاسترجع، فقالوا: أمصيبة يا رسول الله؟! قال: (ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة).
تخريجه:
أخرجه الطبراني في الكبير ٨: ٢٠٣ (٧٨٢٤) قال: حدثنا يحيى بن أيوب، ثنا سعيد بن أي مريم، أنا يحيى، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة .. فذكره.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف. فيه عبيد الله بن زحر الضمري مولاهم الإفريقي. (بخ ٤)
قال ابن معين: ليس بشيء، وفي رواية: كل حديثه عندي ضعيف.
وقال ابن المديني: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لين الحديث.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إِلا ما عملته أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة.
وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير. وضعفه الدارقطني وقال: عن علي بن يزيد نسخة باطلة. وقال الذهبي: فيه اختلاف، وله مناكير.
واختلف فيه قول أحمد، فنقل ابن أبي حاتم عن حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد بن حنبل: عبيد الله بن زحر؟ فضعفه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: عبيد الله بن زحر ثقة. وقال أبو زرعةذ: لا بأس به صدوق. ونقل الترمذي عن البخاري توثيقه.
стр. 172
وقال الحافظ: صدوق يخطىء.
ينظر: التاريخ الكبير ٥: ٣٨٢، الجرح والتعديل ٥: ٣١٥، جامع الترمذي ٥: ٧٢ في الاستئذان: باب ما جاء في المصافحة (٢٧٣١)، الضعفاء الكبير للعقيلي ٣: ١٢٠، الكامل ٤: ٣٢٤، الضعفاء والمتروكون للدارقطني ص ١٦٦، المجروحين ٢: ٦٢، تهذيب الكمال ١٩: ٣٦، الكاشف ١: ٦٨٠، الميزان ٣: ٦، التهذيب ٤: ١١، التقريب ص ٣٧١.
وعلي بن يزيد؛ هو ابن أبي هلال الألهاني، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن الشامي الدمشقي. (ت ق)
قال ابن معين: علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ هي ضعاف كلها.
وقال يعقوب: واهي الحديث، كثير المنكرات.
وقال البخاري: منكر الحديث، ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة. وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يجب التنكب عن روايته.
وقال الذهبي: ضعفه جماعة ولم يترك. وقال الحافظ: ضعيف.
ينظر: التاريخ الكبير ٦: ٣٠١، الضعفاء الصغير للبخاري ص ٨٦ الجرح والتعديل ٦: ٢٠٨، كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي ص ٢١٧، الضعفاء الكبير للعقيلي ٣: ٢٥٤، كتاب الضعفاء والمتروكين للدارقطني ص ١٩٣، كتاب المجروحين ٢: ١١٠، تهذبب الكمال ٢١: ١٧٨، الكاشف ٢: ٤٩، الميزان ٣: ١٦١، التهذيب ٤: ٢٤٩، التقريب ص ٤٠٦.
والحديث أورده الهيثمي في: (مجمع الزوائد) ٢: ٣٣١ وقال: "رواه الطبراني بإسناد ضعيف".
المتابعات والشواهد:
(أ) المتابعات:
أخرج الطبراني في الكبير ٨: ١٣٢ (٧٦٠٠)، وفي (مسند الشامين) ٤: ٣٢١ (٣٤٣٥)، من طريق العلاء بن كثير، عن مكحول، عن أبي أمامة ﵁؛ قال: خرجنا مع
стр. 173
رسول الله ﷺ ، فانقطع شسع النبي ﷺ ، ففال: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فقال له رجل: هذا الشسع! فقال رسول الله ﷺ : (إنها مصيبة).
وعزاه في (الدر المنثور) ٢: ٧٩ إلى سمويه في فوائده.
والعلاء بن كثير، هو: الليثي، متروك، ورماه بعضهم بالوضع.
ينظر: تهذيب الكمال ٢٢: ٥٣٥، التقريب ص ٤٣٦.
والحديث -من هذا الوجه- أورده الهيثمي في: (مجمع الزوائد) ٢: ٣٣١ وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه: العلاء بن كثير، وهو متروك".
وقال ابن حجر -كما في الفتوحات الربانية) ٤: ٢٩ - : "حديث غريب .. وسنده ضعيف".
(ب) الشواهد:
يشهد لهذا الحديث ما يلي:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع، فإنها من المصائب).
أخرجه مسدد في مسنده -كما في المطالب العالية ٤: ١٧ (٣٣٧٤) -، وهناد بن السري في (الزهد) ١: ٢٤٦ (٤٢٤)، والبزار في مسنده (البحر الزخار) ٨: ٤٠٠ (٣٤٧٥) -في أثناء مسند شداد بن أوس ﵁، وابن حبان في (المجروحين) ٣: ١٢٢، وابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص ١٧١ (٣٥٢)، وابن عدي في (الكامل) ٧: ٢٠٤، وأبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان) ١: ١٨٣، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٧: ١١٧، كلهم من طريق يحيى بن عبيد الله، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁.
ويحيى بن عبيد الله، هو: التيمي، متروك. ينظر: التقريب ص ٥٩٤.
стр. 174
وقال ابن حجر -كما في الفتوحات الربانية ٤: ٢٨ - : "حديث غريب، في سنده من ضعف". وضعف إسناده السيوطيُ في (الدر المنثور) ٢: ٧٨.
٢ - عن شداد بن أوس ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: (إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع، فإنها من المصائب).
أخرجه البزار في مسنده (البحر الزخار) ٨: ٤٥٥ (٣٤٧٦) من طريق خارجة بن مُصْعَب، قال: نا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس ﵁.
وأخرجه الطبراني في الكبير ٧: ٢٨٠ (٧١٣٧) من هذا الطريق نفسه، لكن لفظه: "إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في نعل واحدة".
وخارجة بن مُصْعَب هو: السرخسي، متروك، وكذبه ابن معين.
ينظر: تهذيب الكمال ٨: ١٦، التقريب ص ١٨٦.
وذكر الحديث: الهيثميُ في (مجمع الزوائد) ٢: ٣٣١ وقال: "رواه البزار، وفيه خارجة ابن مُصْعَب، وهو متروك".
٣ - عن أب إدريس الخولاني قال: بينما النبي ﷺ يمشي هو وأصحابه، إذا انقطع شسعه، فقال: (إنا لله وإنا إليه رإجعون)، قالوا: أومصيبة هذه؟! قال: "نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة).
أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة) ص ١٧٢ (٣٥٣) قال: أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان، ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة، ثنا زيد بن واقد، عن بشر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني .. فذكره.
وعزاه ابن حجر -كما في الفتوحات الربنانية ٤: ٢٨ - إلى فوائد هشام بن عمار، وقال: "رجال إسناده من رواة الصحيح".
стр. 175
قلت: والسند من هشام فمن بعده، على شرط البخاريّ.
وأبو إدريس الخولاني هو: عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين. ينظر: التقريب ص ٢٨٩.
قلت: فيكون من كبار التابعين، ولهم مزية على غيرهم في قبول مراسيلهم، إذا انضاف إليها قرائن أخرى، كما قرر ذلك الإمام الشافعي فى (الرسالة) ص ٤٦١ - ٤٦٣.
٤ - عن شهر بن حوشب، رفعه قال: (من انقطع شسعه، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة).
أورده السيوطي في (الدر المنثور) ٢: ٧٨ وعزاه إلى: ابن أبي الدنيا في (العزاء).
وشهر بن حوشب: صدوق، كثير الإرسال والأوهام، من أوساط التابعين، مات سنة ١٠٠ هـ ينظر: التقريب ص ٢٦٩.
٥ - عن عكرمة قال: طفىء سراج النبي ﷺ فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) فقيل: يا رسول الله، أمصيبة هي؟! قال: (نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر).
أورده السيوطي في (الدر المنثور) ٢: ٧٩ وعزاه إلى: عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في العزاء.
وهذا مرسل أيضًا، وعكرمة: هو مولى ابن عباس، ثقة ثبت، من أوساط التابعين.
ينظر: التقريب ص ٣٩٧.
٦ - عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن المصباح طفىء، فاسترجع النبي ﷺ قال: (كل ما ساءك مصيبة).
أورده السيوطي في (الدر المنثور) ٢: ٧٩ وعزاه إلى: ابن أبي الدنيا.
قلت: وهذا معضل، فإن ابن أبي رواد من أتباع التابعين، مات سنة ١٥٩ هـ.
ينظر: التقريب ص ٣٥٧.
стр. 176
الحكم على الحديث:
الحديث بمجموع ما سبق يترقى إلى الحسن، وأتوى ما فيه: مرسل أبي إدريس الخولاني، وقد عضده ما جاء عن عبد الله بن خليفة قال: كنت مع عمر ﵁ في جنازة فانقطع شسعه، فاسترجع، ثم قال: (كل ما ساءك مصيبة).
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ٥: ٣٣٦، وهناد في (الزهد) ١: ٢٤٥ (٤٢٣)، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٧: ١١٧ من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، به.
وعزاه في (الدر المنثور) ٢: ٧٨ إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.
وقال ابن حجر عن هذا الأثر الموقوف -كما في الفتوحات الربانية ٤: ٢٩ - : (وسند هذا الموقوف؛ صحيح".
قلت: وعبد الله بن خليفة هو: الهمداني الكوفي، ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال الذهبي: لا يكاد يعرف، وفي التقريب: مقبول.
ينظر: الثقات ٥: ٢٨، تهذيب الكمال ١٤: ٤٥٦، الميزان ٢: ٤١٤، التقريب ص ٣٠١.
وأخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ٥: ٣٣٦ من طريق أخرى، فقال: حدثنا عبيد الله ابن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيب، قال: انقطع قبال نعل عمر ﵁؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أفي قبال نعلك؟! قال: نعم، كل شيء أصاب المؤمن يكرهه، فهو مصيبة.
وهذا سند صحيح، وسعيد وإن كان ولد في خلافة عمر ﵁، إِلا أن العلماء قبلوا روايته عنه، لعنايته وتتبعه لذلك.
سئل الإمام مالك -كما في (تهذيب الكمال) ١١: ٧٤ - عن سعيد بن المسيب، قيل: أدرك عمر؟ قال: لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألةُ عن شأنه وأمره، حتى كأنه رآه.
стр. 177
وقال الإمام أحمد -كما في الجرح والتعديل ٤: ٦٠ - : هو عندنا حجة، قد رأى عمر ﵁؛ وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟!.
وقال ابن أبي حاتم في (كتاب المراسيل) ص ٧١ (٢٤٨)؛ (سمعت أبي يقول: سعيد بن المسيب عن عمر، مرسل؛ يدخل في المسند على المجاز".
وقال ابن حجر -في (تغليق التعليق) ٢: ٤٧٥ - "وقد صح سماع ابن المسيب، عن عمر".
ويعضد ما سبق أيضًا: ما أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ٥: ٣٣٦ قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا سفيان، عن دينار التمار، عن عون بن عبد الله، قال: كان عبد الله ﵁ يمشي مع أصحابه ذات يوم، فانقطع شسع نعله، فاسترجع، فقال له بعض القوم: يا أبا عبد الرحمن تسترجع على سير؟! قال: ما بي إِلا أن تكون السيور كثير، ولكنها مصيبة.
وعزاه في (الدر المنثور) ٢: ٧٨ إلى ابن أبي الدنيا أيضًا.
وعون بن عبد الله، هو: ابن عتبة الهذلي، الكوفي.
قال الترمذي في جامعه رقم (١٢٧٠): "عون بن عبد الله، لم يدرك ابن مسعود".
فيعتضد المرسل -ومُرسِله من كبار التابعين-، بالموقوف، ويترقى الحديث إلى الحسن، والله أعلم.
فائدة:
قال ابن الأثير في (النهاية) ٢: ٤٧٢ مادة (شسع): "الشِسعُ: أحَدُ سُيور النَّعل، وهو الذي يُدخَل بين الأصبعين، وُيدخل طرَفُه في الثّقب الذي في صَدر النَّعل المشدودِ في الزِّمام".
*****
стр. 178
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
(١٧) عن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس رسول الله ﷺ فقال: (إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فيسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فدلك قول الله : ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، يعني: دواب الأرض).
تخريجه:
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١: ٢٦٩ (١٤٤٤)، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سليم، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمر، عن البراء ابن عازب ﵁ .. فذكره.
وأخرجه ابن ماجه في الفتن: باب العقوبات (٤٠٢١) عن محمد بن الصباح، حدثنا عمار بن محمد، به مختصرًا.
وعزاه في (الدر المنثور) ٢: ١٠١ إلى ابن المنذر.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لحال ليث، وهو ابن أبي سليم بن زنيم القرشي، مولاهم أبو بكر، ويقال: أبو بكير الكوفي (خت م ٤). واسم أبي سليم: أيمن، ويقال: أنس، ويقال: زياد، ويقال: عيسى.
قال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: ليث أحب إلي من يزيد -يعني ابن أبي زياد- كان أبرأ ساحة، وكان ضعيف الحديث.
وقال ابن معين: ضعيف، إِلا أنه يكتب حديثه. وقال: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وضعفه ابن عبينة، وابن سعد، والدارقطني.
قال الترمذي في جامعه -عقب الحديث رقم (٢٨٠١) -: "قال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم؛ صدوق، وربما يهم في الشيء. قال محمد بن إسماعيل: وقال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرنعها غيره، فلذلك ضعفوه".
стр. 179
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث. قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سليم؛ لين الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث.
وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من ثقات النَّاس، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.
وقال الدارقطني: صاحب سنة يخرج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب.
وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب
الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم.
وقال البزار: كان أحد العباد، إِلا أنه أصابه اختلاط؛ فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدا ترك حديثه.
وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوق، ضعيف الحديث.
وقال الساجي: صدوق، فيه ضعف، كان سيء الحفظ كثير الغلط.
وقال الذهبي -في الكاشف-: فيه ضعف يسير من سوء حفظه.
وقال -في السير-: "بعض الأئمة يحسن لليث، ولا يبلغ حديثه مرتبة الحسن، بل عداده في مرتبة الضعيف المقارب، فيروى في الشواهد والاعتبار، وفي الرغائب والفضائل، أما في الواجبات فلا".
وفي التقريب: صدوق اختلط جدا، ولم يتميز حديثه؛ فترك.
قلت: ومما سبق يتبين أن ليثًا ضعيف، وليس ضعفه بالشديد، بل هو ممن يعتبر بحديثه، فلا يحتج به، ولا يسقط بالكلية، وضعفه ناتج من جهة سوء الحفظ، لا من جهة العدالة، ومن صور هذا الضعف: رفع الموقوفات، ووصل المراسيل، والجمع بين الرواة في سياق واحد دون تمييز حديث بعضهم من بعض -كما أشار إليه الدارقطني-، وليس هو ممن يحتمل تفرده، فضلا عن مخالفته.
стр. 180
ومما يقوي أمره رواية شعبة عنه، وهو معروف بتحريه وتثبته ومعدود فيمن لا يروي إِلا عن ثقة. قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٤: ٣٦١: "سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة؟، فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه! ".
وقال ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) ص ٨١: "لو روى شعبة خبرا عن شيخ له، لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره" (١).
لكن يرد عليه هنا؛ ما أخرجه العجلي في (معرفة الثقات) ٢: ٢٣١، والعقيلي في (الضعفاء الكبير) ٤: ١٥، وابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل) ص ١٥١؛ أن ليثَ ابن أبي سليم؛ حدث يوما، قال: سألت القاسم، وعطاء، وطاووسا، وذكر غيرهم، فقال له شعبة: أين اجتمع لك هؤلاء؟! قال: في عرس أمك. زاد العقيلي: قال قبيصة -الراوي عن شعبة-: فقال رجل -كان جالسا لسفيان-: فما زال شعبة متقيا لليث من يومئذ.
وعقب ابن أبي حاتم على هذه الحكاية، فقال: "فقد دل سؤال شعبة لليث بن أبى سليم؛ عن اجتماع هؤلاء الثلاثة له في مسألة، كالمنكر عليه".
ينظر: الطبقات الكبرى ٦: ٣٤٩، الضعفاء الكبير ٤: ١٤، الجرح والتعديل ٧: ١٧٧، المجروحين ٢: ٢٣١، الكامل ٦: ٨٧ تهذيب الكمال ٢٤: ٢٧٩، الميزان ٣: ٤٢٥، السير ٦: ١٧٩، المغني في الضعفاء ٢: ٥٣٦، الكاشف ٢: ١٥١، جامع التحصيل ص ٢٦١، تهذيب التهذيب ٨: ٤١٧، التقريب ص ٤٦٤.
وقال البوصيري -في (مصباح الزجاجة) ٤: ١٨٧ - : "هذا إسناد ضعيف، لضعف ليث أبي سليم".