الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف، لما يأتي:
١ - الحسين بن يزيد بن يحيى الأنصاري، أبو علي، وقيل: أبو عبد الله الكوفي. (د ت) قال أبو حاتم، وابن حجر: لين الحديث. وذكره ابن حبان في (الثقات).
مات سنة ٢٤٤ هـ.
ينظر: الجرح والتعديل ٣: ٦٧، الثقات ٨: ١٨٨، تهذيب الكمال ٦: ٥٠١، الميزان ٢: ٣٠٩، تهذيب التهذيب ٢: ٣٢٤، التقريب ص ١٦٩.
٢ - غطيف بن أعين الشيباني الجزري، وفيل: غضيف. (ت)
ذكره ابن حبان في (كتاب الثقات)، وروى له الترمذي هذا الحديث الواحد.
ضعفه الدارقطني، وابن حجر.
قال عنه الترمذي -عقب حديث الباب-: ليس بمعروف في الحديث.
ينظر: الثقات ٧: ٣١١، تهذيب الكمال ٢٣: ١١٧، المغني في الضعفاء ٢: ٥٠٦، الميزان ٣: ٣٣٦، تهذيب التهذيب ٨: ٢٢٥، التقريب ص ٤٤٣.
المتابعات:
قال الزيلعي في (تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكشاف) ٢: ٦٦: "رواه الواقدي في (كتاب الردة): حدثني أبو مروان، عن أبان بن صالح، عن عامر بن سعد، عن عدي بن حاتم ﵁ فذكره".
والواقدي؛ محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، متروك، كما في التقريب ص ٤٩٨.
وأبو مروان؛ لم أعرفه.
وقال الزيلعي أيضا في الكتاب المذكور ٢: ٦٦: "ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث عمران القطان، حدثنا خالد العبدي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عدي بن حاتم ﵁ فذكره".
стр. 387
وهذا معلق، ولا يتهيأ الحكم عليه إلا بذكر تمام السند، وعمران القطان؛ هو ابن داور البصري، مختلف فيه، وفي التقريب ص ٤٢٩: صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج.
وخالد العبدي؛ لم أتبينه، فلم يذكر في تلاميذ صفوان بن سليم في ترجمته من (تهذيب الكمال)، وفي ترجمة عمران القطان من (تهذيب الكمال)، ذكر من شيوخه: خالد بن أبي عبد الله.
وفي (تهذيب الكمال) ٨: ١٢٣ خالد بن عبد الرحمن العبدي، ذكر تمييزا، لكن ليس المذكور هنا، لأنهم ذكروا أنه لا يروي غير حديث باطل عن سماك بن حرب.
وقد جاء معنى الحديث عن حذيفة ﵁، أخرجه الثوري في تفسيره ص ١٢٤، وعبد الرزاق في تفسيىره ٢: ٢٧٢، والطبري ١١: ٤١٨ - ٤٢٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦: ١٧٨٤ (١٠٠٥٨)، والبيهقي ١٠: ١١٦، كلهم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة ﵁ موقوفا عليه، بنحوه.
وأبو البختري عن حذيفة ﵁ مرسل، كما في (جامع التحصيل) ص ١٨٣، و (تهذيب الكمال) ١١: ٣٢.
وقال ابن سعد في (الطبقات الكبرى) ٦: ٢٩٢: "كان أبو البختري كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعا؛ فهو حسن، وما كان عن؛ فهو ضعيف".
الحكم على الحديث:
ضعيف، والله أعلم.
وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) ٧: ٦٧.
*****
стр. 388
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
(١٠٢) عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان).
تخريجه:
أخرجه أحمد ٥: ٣٧، والبخاري رقم (٤٦٦٢) في التفسير: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، و (٣١٩٧) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين، و (٤٤٠٦) في المغازي: باب حجة الوداع، و (٥٥٥٠) في الأضاحي: باب من قال الأضحى يوم النحر، و (٧٤٤٧) في التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، ومسلم رقم (١٦٧٩) في الدماء والمحاربين: باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، وأبو داود رقم (١٩٤٧) في المناسك: باب الأشهر الحرم.
*****
стр. 389
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
(١٠٣) عن عمران بن حصين، وأبي هريرة ﵁ قالا: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: (قصر في الجنة من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل ببت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين، في كل ببت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من طعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع).
تخريجه:
أخرجه الطبري في تفسيره ١١: ٥٥٨ قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا قرة بن حبيب، عن جسر بن فرقد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وأبي هريرة ﵄ قالا: .. فذكراه.
وأخرجه ابن المبارك في (الزهد) ص ٥٥٠ (١٥٧٧)، والبزار ٢: ٨٤ (١٤٦٨ - مختصره)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦: ١٨٣٩ (١٠٣٠٢)، والطبراني في الكبير ١٨: ١٦٠ (٣٥٣)، وفي الأوسط ٥: ١٢٠ (٤٨٤٩)، والبيهقي في (البعث والنشور) رقم (٢٥٥)، وابن الجوزي في (الموضوعات) ٢: ٤٢٤، كلهم من طريق جسر بن فرقد، به بنحوه.
ولفظ الطبراني في الأوسط؛ مختصر.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٤٣٨ إلى: ابن مردويه.
وزاد البزار بين جسر بن فرقد، والحسن: يحيى بن سعيد بن أخي الحسن.
وعند ابن أبي حاتم: عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين .. فذكره، وليس فيه ذكر أبي هريرة ﵁.
стр. 390
وعند ابن الجوزي: عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن أبي هريرة.
والظاهر أنه خطأ، تصحفت الواو إلى: عن، لأنه يرويه من طريق إبراهيم الجوهري، به، ولا تعرف لعمران رواية عن أبي هريرة ﵄.
وقال البزار: "لا نعلم أحدا رواه مرفوعا إلا عمران وأبا هريرة، ولا نعلم له طريقا إلا هذا. وجسر: لين الحديث، وقد حدث عنه أهل العلم، والحسن فلا يصح سماعه من أبي هريرة من رواية الثقات عن الحسن".
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا جسر بن فرقد.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف، فيه علتان:
١ - جسر بن فرقد القصاب، أبو جعفر البصري.
قال البخاري: ليس بقوي. وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه التقشف، حتى أغضى عن تعهد الحديث، فأخذ يهم إذا روى، ويخطىء إذا حدث، حتى خرج عن حد العدالة.
وضعفه ابن عدي، وقال: أحاديثه عامتها غير محفوظة.
ينظر: الجرح والتعديل ٢: ٥٣٨، المجروحين ١: ٢١٧، الكامل ٢: ١٦٨، لسان الميزان ٢: ١٣٢.
٢ - الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، كما نص على ذلك: ابن معين، ويونس بن عبيد، وأبو حاتم، وابن المديني، والبزار، وأبو زرعة، وغيرهم.
وكذا لم يسمع من عمران بن حصين ﵁، كما ذكر ذلك: أحمد بن حنبل، وابن المديني، وأبو حاتم، وغيرهم.
ينظر: (المراسيل) لابن أبي حاتم ص ٣٤ - ٣٩، جامع التحصيل ص ١٦٤.
стр. 391
المتابعات:
تابع جسر بن فرقد: الحسنُ بن خليفة، فرواه عن الحسن البصري به، بنحوه.
أخرجه أبو الشيخ في (العظمة) ٣: ١١١٦ (٦٠٩)، والآجري في كتاب (النصيحة) -كما في (المغني عن حمل الأسفار ..) للعراقي ٢: ١٢٦٠ (٤٥٥٩) -.
وقال العراقي عن هذا الوجه: "لا يصح، والحسن بن خليفة؛ لم يعرفه ابن أبي حاتم .. ". وترجمته في الجرح والتعديل ٣: ١٠ بياض في الأصل.
الحكم على الحديث:
ضعيف جدا.
قال ابن الجوزي في (الموضوعات) ٢: ٤٢٤: "هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ".
والحديث أورده ابن كثير في (البداية والنهاية) ٢٠: ٢٨٦، وقال: "هذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر ضعيفا لم يمكن اتصاله، فإن جسرا هذا ضعيف جدا".
والحكم بالوضع؛ تعقبه ابن عراق، فإنه ساق الحديث في (تنزيه الشريعة) ٢: ٣٨٢، وقال: "جسر لم يتهم بكذب".
*****
стр. 392
قال تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
(١٠٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: (هو مسجدكم هذا)، لمسجد المدينة.
تخريجه:
أخرجه مسلم (١٣٩٨) في الحج: باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة، والترمذي (٣٢٣) في الصلاة: باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى، و (٣٠٩٩) في التفسير: باب ومن سورة التوبة، والنسائي ٢: ٣٦ (٦٩٧) في المساجد: باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى، وأحمد ٣: ٨، ٢٣، ٩١، من طرق عن أبي سعيد ﵁ بنحوه، وفي بعضها: أن رجلين امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: (هو هذا المسجد)، لمسجد رسول الله ﷺ .
فائدة:
ورد في الباب أحاديث كثيرة، منها:
١ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ ، فسألاه، فقال: (هو مسجدي هذا).
أخرجه ابن أبي شيبة ٢: ٣٧٢، وأحمد ٥: ٣٣١، والروياني في مسنده ٢: ٢٣٥ (١١١٩)، والطبري في تفسيره ١١: ٦٨٥، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ٤: ٤٨٢ - ٤٨٣ (١٦٠٤)(١٦٠٥)، والطبراني في الكبير ٦: ٢٠٧ (٦٠٢٥).
стр. 393
٢ - عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: (هو مسجدي هذا).
أخرجه ابن أبي شيبة ٢: ٣٧٣، وأحمد ٥: ١١٦، والطبري في تفسيره ١١: ٦٨٦، والحاكم في المستدرك ٢: ٣٣٤، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٤: ٧٩، والضياء في (المختارة) ٣: ٣٣٩ (١١٣٣)، من طرق عن أبي ﵁.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
والحديث معلول، وانظر (الأحاديث المختارة) ٣: ٣٣٩، وتاريخ بغداد ٤: ٧٩.
وجاء في العلل للدارقطني ١١: ٢٧١ (٢٢٨٠): "سئل عن حديث: عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ﷺ : (هو مسجدي هذا).
فقال: يرويه: عمران بن أبي أنس، واختلف عنه، فرواه الليث بن سعد، عن عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه.
ورواه: أبو الوليد، عن الليث، فلم يقم إسناده.
ورواه: عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب.
وخالفه: ربيعة بن عثمان التيمي، وأسامة بن زيد، فروياه: عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر أبيه، ويشبه أن يكون القول قول الليث، عن عمران بن أبي أنس، والله أعلم".
وأما إعلال حديث سهل بن سعد ﵁، فقد نازع في ذلك الحافظ ابن حبان، فإنه أخرج حديث سهل ﵁ برقم (١٦٠٤)(١٦٠٥)، من طريق ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد ﵁، ثم قال ٤: ٤٨٣: "ذكر خبر قد يوهم من لم
стр. 394
يحكم صناعة الحديث أن خبر ربيعة بن عثمان الذي ذكرناه معلول"، ثم أخرج حديث أبي سعيد ﵁ برقم (١٦٠٦)، وقال عقبه: الطريقان جميعا محفوظان.
٣ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: (هو مسجدي هذا).
أخرجه الطبراني في الكبير ٥: ١٣٣ (٤٨٥٤).
وقال في (مجمع الزوائد) ٧: ٣٤: "رواه الطبراني مرفوعا وموقوفا، وفي إسناد المرفوع: عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف".
فائدة أخرى:
وردت بعض الأحاديث التي تفيد أن سياق الآية في أهل قباء، وأنهم المثنى عليهم في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، من رواية أبي هريرة، وعويم بن ساعدة، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وأبي أمامة، ﵃، كما في (الدر المنثور) ٧: ٥٣٠ - ٥٣٣، ولكن ليس في شيء منها نص مرفوع في أن المسجد الذي أسس على التقوى؛ مسجدُ قباء، وحديث أبي سعيد ﵁ أصح وأصرح.
وقد سلك بعض العلماء في المسألة مسلك الترجيح، كابن جرير الطبري، وسلك آخرون مسلك الجمع، كابن كثير.
قال الإمام النووي في شرح حديث أبي سعيد من (شرح مسلم) ٩: ١٦٩: "هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، وردٌّ لما يقول بعض المفسرين أنه مسجد قباء، وأما أخذه ﷺ الحصباء، وضربه في الأرض، فالمراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة".
стр. 395
وذكر الإمام الطبري القولين في المسألة، وقال ١١: ٦٨٥: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو مسجد الرسول ﷺ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله".
وقال ابن عطية في (المحرر الوجيز) ٣: ٨٢: "ويليق القول الأول -أنه مسجد قباء- بالقصة، إلا أن القول الثاني؛ روي عن رسول الله ﷺ ولا نظر مع الحديث".
وقال ابن كثير في تفسيره ٤: ٢١٤: "وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف .. وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة؛ هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى".
وينظر في المسألة: (أحكام القرآن) لابن العربي ٢: ١٠١٤ - ١٠١٥.
*****
стр. 396
قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
(١٠٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (السائحون هم الصائمون).
تخريجه:
أخرجه الطبري في تفسيره ١٢: ١١ قال: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا حكيم بن خذام، قال: ثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ .. فذكره.
وأخرجه العقيلي في (الضعفاء الكبير) ١٢: ١١، وابن عدي في (الكامل) ٢: ٢٢٠، كلاهما من طريق ابن بزيع به بنحوه.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٥٤٧ إلى: أبي الشيخ، وابن مردويه وابن النجار.
قال ابن عدي: ولا أعلم رفع هذا الحديث عن الأعمش غير حكيم بن خذام.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف جدا، لحال حكيم بن خذام، وهو أبو سمير الكوفي.
قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال الساجي: يحدث بأحاديث بواطيل. وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه.
ينظر: الجرح والتعديل ٣: ٣٠٢, الضعفاء الكبير للعقيلي ١: ٣١٧، الكامل ٢: ٢٢٠، اللسان ٢: ٣٨٨.
المتابعات والشواهد:
تابع حكيم بن خذام: أبو عوانة الوضاح اليشكري، فرواه عن الأعمش به.
أخرجه ابن المقرىء (معجمه) ص ١٨٨ (٥٩٩)، والدارقطني في (العلل) ٨: ٢٠٦ كلاهما من طريق أبي ربيعة، عن أبي عوانة, به.
وأبو ربيعة؛ هو: زيد بن عوف، ولقبه: فهد.
стр. 397
ضعفه الدارقطني، وذكره أبو زرعة، واتهمه بسرقة حديثين. وكان يحيى بن معين سيء الرأي فيه، ويقول: اتقوا فهدين؛ فهد بن عوف، وفهد بن حيان.
وقال علي بن المديني: ذهب الفهدان؛ فهد بن عوف، وفهد بن حيان.
وقال الذهبي: تركوه.
ينظر: المجروحين ١: ٣١١، اللسان ٢: ٥٩٢.
ويشهد لهذا الحديث -مما وقفت عليه- ما يأتي:
١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن السائحين، فقال: (الصائمون).
أخرجه ابن مردويه، كما في (الدر المنثور) ٧: ٥٤٧.
٢ - عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي ﷺ عن السائحين، قال: (هم الصائمون).
أخرجه مسدد في مسنده -كما في (المطالب العالية) ٤: ١٢٢ (٣٦٣٥) - قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير .. فذكره.
وأخرجه الطبري في تفسيره ١٢: ١٠، والبيهقي ٤: ٣٠٥، كلاهما من طريق سفيان، وهو: ابن عيينة, به.
والحديث أورده ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٢٠ وقال: "هذا مرسل جيد".
وقال ابن حجر في (المطالب العالية) ٤: ١٢٢: "هذا مرسل صحيح الإسناد".
وأخرجه الحاكم ٢: ٣٣٥، وعنه: البيهقي في (شعب الإيمان) ٣: ٢٩٣، من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٥٤٧ إلى: الفريابي، ومسدد في (مسنده).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، على أنه مما أرسله أكثر أصحاب ابن عيينة, ولم يذكروا أبا هريرة في إسناده".
وقال الذهبي في تلخيصه للمستدرك: "أرسله أكثر أصحاب ابن عيينة".
стр. 398
وقال البيهقي: "هكذا روي بهذا الإسناد موصولا، والمحفوظ عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عبيد بن عمير، عن النبي- ﷺ مرسلا".
الحكم على الحديث:
ضعيف.
وجاء في (العلل) للدارقطني ٨: ٢٠٦ رقم (١٥١٦): "وسئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (السائحون الصائمون).
فقال: هو حديث يرويه: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، واختلف عنه:
فقال أبو سمير حكيم بن خذام: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . وتابعه: أبو عوانة، من رواية أبي ربيعة, عنه.
حدثناه جعفر بن أحمد المؤذن الملقب بالبارد، ثنا عبد الله بن النعمان، ثنا أبو ربيعة مسندا. والصحيح عن الأعمش موقوف عن أبي هريرة ﵁.
وأشار إلى الوجهين: ابنُ كثير في تفسيره ٤: ٢٢٠، وقال: "الموقوف أصح".
ورواية الوقف؛ أخرجها الطبري ١٢: ١١ قال: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: (السائحون: الصائمون).
وهذا سند صحيح. ابن بشار؛ هو محمد، بندار. وعبد الرحمن؛ هو: ابن مهدي. وإسرائيل؛ هو: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
*****
стр. 399
سورة يونس
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦].
(١٠٦) عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ , قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ نادى مناد: إن لكم عند الله موعدا يريد أن بنجزكموه، قالوا: ألم يبيض وجوهنا، وينجنا من النار، ويدخلنا الجنة، قال: فيكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه).
تخريجه:
أخرجه مسلم (١٨١) في الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ، والترمذي (٢٥٥٢) في صفة الجنة: باب ما جاء في رؤية الرب ﵎، و (٣١٠٥) في تفسير القرآن: باب ومن سورة يونس، وابن ماجه (١٨٧) في المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد ٤: ٣٣٢ و٦: ١٥، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ بنحوه، واللفظ للترمذي.
فائدة:
ورد في الباب أحاديث أخرى، من رواية: أبي موسى، وكعب بن عجرة، وأبيّ بن كعب، وابن عمر، وأنس، وأبي هريرة ﵃.
ينظر: (الدر المنثور) ٧: ٦٥٣ - ٦٥٥.
*****
стр. 400
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
(١٠٧) عن سعيد بن جبير، رفعه: (﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ , يذكر الله لرؤيتهم).
تخريجه:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧: ١٠١ رقم (٣٤٣٢٥) قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير .. فذكره.
هذا الحديث المرسل ورد عن سعيد بن جبير من طرق:
(أ) يحيى بن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير.
أخرجه ابن أبي شيبة -كما سبق أعلاه-، والطبري في تفسيره ١٢: ٢٠٩ قال: حدثنا أبو كريب وأبو هشام، قالا: ثنا ابن يمان، به، بنحوه.
وأخرجه الطبراني في الكبير ١٢: ١٣ رقم (١٢٣٢٥)، وأبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان) ١: ٢٣١، من هذا الطريق موصولا، بذكر ابن عباس ﵁، كما سيأتي -إن شاء الله-.
(ب) مسعر، عن سهل أبي الأسد، عن سعيد بن جبير.
أخرجه ابن المبارك في (الزهد) ص ٧٠ رقم (٢١٧)، وابن أبي الدنيا في كتاب (الأولياء) رقم (٢٧)، والطبري ١٢: ٢١٠، من طريق مسعر، عن سهل أبي الأسد، عن سعيد بن جبير، به, بنحوه.
(جـ) يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، من سعيد بن جبير.
أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (الأولياء) رقم (١٥)، والطبري ١٢: ٢١٠، كلاهما من طريق يعقوب، به, بنحوه.
وروي من هذا الوجه موصولا بذكر ابن عباس ﵄, كما سيأتي إن شاء الله.
(د) فرات، عن أبي سعد، عن سعيد بن جبير.
أخرجه الطبري ١٢: ٢١٠.
стр. 401
(هـ) الهياج بن بسطام، عن مسعر بن كدام، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد.
أخرجه أبو نعيم في (الحلية) ١: ٦ و٧: ٢٣١ - لكن في الموضع الثاني: عن سعد-، وقال عقبه: "غريب من حديث مسعر، تفرد به الهياج، وبكير بن الأخنس؛ روى عنه مسعر، ولم يلقه الثوري ولا شعبة".
قلت: هكذا ورد سعيد مهملا، لكن ذكر هذا الطريق الحافظ الزيلعي في (تخريج الكشاف) ٢: ١٢٩ فجعله سعيد بن جبير.
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف لإرساله. وأيضا ففي الإسناد الأصل جعفر بن أبي المغيرة دينار الخزاعي القمي. صدوق يهم، وقال ابن منده: ليس بالقوي في سعيد بن جبير. وسبق في الحديث رقم (٢٥).
وقد روي موصولا عن ابن عباس ﵁.
أخرجه البزار ٢: ٣٩٤ رقم (٢٠٨٣ - مختصره)، والنسائي في (السنن الكبرى) ١٠: ١٢٤ رقم (١١١٧١)، وابن أبي حاتم في التفسير ٦: ١٩٦٤ (١٠٤٥٥)، والطبراني في الكبير ١٢: ١٣ رقم (١٢٣٢٥)، وأبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان) ١: ٢٣١، وابن صاعد في زوائده على (الزهد) لابن المبارك ص ٧٢ رقم (٢١٨)، والضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) ١٠: ١٠٨ رقم (١٠٥)(١٠٦)، كلهم من طريق يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ مرفوعا.
وقال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، ورواه عن -كذا، ولعلها: عنه- محمد بن سعيد بن سابق -الراوي عن يعقوب- عن سعيد بن جبير، مرسلا".
قلت: فتبين بهذا أن الحديث مداره على سعيد بن جبير، واختلف عليه، فرواه مرسلا:
١ - سهل أبو الأسد الكوفي.
-وقيل: اسمه: علي، والصواب الأول-، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: صدوق. ينظر: تهذيب الكمال ٢١: ١٨٢.
٢ - بكير بن الأخنس السدوسي.
وهو ثقة من رجال مسلم. ينظر: التقريب ص ١٢٧.
стр. 402
٣ - أبو سعد.
ولم أتبينه.
وخالفهم: جعفر بن أبي المغيرة، فرواه موصولا، كما رواه مرسلا من بعض الوجوه، مما يدل على اضطرابه فيه، ومخالفته الأكثر والأحفظ، وقد سبق ذكر قول ابن منده فيه: ليس بالقوي في سعيد بن جبير.
فالراجح في الحديث: الإرسال، فيبقى على ضعفه، والله أعلم.
الشواهد:
يشهد للحديث -فيما وقفت عليه- ما يلي:
١ - عن عمرو بن الجموح ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: قال الله : (إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي؛ الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم).
أخرجه أحمد ٣: ٤٣٠، وابن أبي الدنيا في (كتاب الأولياء) رقم (١٩)، وأبو نعيم في (الحلية) ١: ٦ من طريق رشدين بن سعد، عن عبد الله بن الوليد التجيبي، عن أبي منصور مولى الأنصار أنه سمع عمرو بن الجموح ﵁.
وهذا إسناد ضعيف، فيه أربع علل:
١ - رشدين بن سعد، ضعيف، كما في التقريب ص ٢٠٩.
٢ - عبد الله بن الوليد التجيبي المصري، لين الحديث، كما في التقريب ص ٣٢٨.
٣ - أبو منصور مولى الأنصار، قاضي إفريقية، ذكره البخاري في الكنى الملحق بآخر (التاريخ الكبير) ص ٧١، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٩: ٤٤١، وابن حجر في (تعجيل المنفعة) ٢: ٥٤٧، ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، ولم يذكروا عنه راويا سوى عبد الله بن الوليد، فهو مجهول.
٤ - الانقطاع بين أبي منصور، وعمرو بن الجموح ﵁ وأشار إلى ذلك البخاري، وابن حجر، في الموضعين المذكورين آنفا.
стр. 403
والحديث ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) ١: ٨٩، وقال: "رواه أحمد، وفيه: رشدين ابن سعد، وهو منقطع ضعيف".
تنبيهان:
١ - وردت عدة أحاديث في هذا المعنى، لكن لا تصلح أن تذكر شواهد لهذا الحديث؛ لأنه ليس فيها تفسير أولياء الله بما ذكر في الحديث، وهو موضع الشاهد في هذا البحث. ينظر: (الدر المنثور) ٧: ٦٧٥ وما بعدها.
٢ - جاء في تفسير البغوي ٤: ١٤٠ - بعد أن ساق حديثا لأبي مالك الأشعري ﵁ ما نصه: "ورواه عبد الله بن المبارك، عن عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهر بن حوشب، حدثني عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، عن النبي ﷺ سئل: من أولياء الله؟ فقال: (الذين إذا رؤوا ذُكر الله) ".
وهذا الحديث أخرجه ابن المبارك في (الزهد) ص ٢٤٨ رقم (٧١٤)، وأحمد في المسند ٥: ٣٤٣، وابن أبي الدنيا في (كتاب الإخوان) رقم (٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦: ١٩٦٣ رقم (١٠٤٥٢)، كلهم من طريق عبد الحميد بن بهرام، به، ولفظ الحديث: أن رسول الله ﷺ لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه، فقال: (يا أيها الناس؛ اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله)، فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله، ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، انعتهم لنا، يعني صفهم لنا، فسر وجه رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : (هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة, تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
стр. 404
فهذا الحديث لا يصلح أن يكون شاهدا، لأنه ليس فيه تفسير أولياء الله بأنهم الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وما ذكره البغوي فالظاهر أنه وهم منه ﵀ في سياق اللفظ، والله أعلم.
وشهر بن حوشب؛ مختلف فيه، قال الذهبي -في الميزان-: ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، -وفي السير-: الرجل غير مدفوع عن صدق وعلم، والاحتجاج به مترجح، -وفي (ديوان الضعفاء) - شهر بن حوشب مختلف فيه, وحديثه حسن.
وقال الحافظ: صدوق، كثير الإرسال والأوهام.
فالظاهر أن حديثه في درجة الحسن، ويتوقف فيما تفرد به, أو ظهرت عليه أمارات الوهم والنكارة, وقد ساق ابنُ عدي والذهبي عدداً من الأحاديث التي أنكرت عليه.
ينظر: طبقات ابن سعد ٧: ٤٤٩، معرفة الثقات للعجلي ١: ٤٦١، الجرح والتعديل ٤: ٣٧٢، الضعفاء الكبير للعقيلي ٢: ١٩١، مقدمة مسلم ص ١٦، الكامل ٤: ٣٦، سنن الترمذي ٥: ٥٦، المجروحين لابن حبان ١: ٣٦١، تهذيب الكمال ١٢: ٥٧٨، السير ٤: ٣٧٢، الميزان ٢: ٢٨٣، الكاشف ١: ٤٩٠، ديوان الضعفاء ص ١٤٥، المغني في الضعفاء ١: ٣٠١، التهذيب ٢: ٥١٧، التقريب ص ٢٦٩، بحث (العرف المطيب في حال شهر بن حوشب) لأبي عبد الرحمن عبد الله بن يوسف.
الحكم على الحديث:
ضعيف، والله أعلم.
وقال الهيثمي في المجمع ٧: ٣٦: "رواه الطبراني عن شيخه الفضل بن أبي روح، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعقب على الحديث ابنُ حجر في (مختصر زوائد البزار) ٢: ٣٩٥ فقال: "إنما يعرف هذا من قول طاووس".
*****
стр. 405
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس ٦٣ - ٦٤].
(١٠٨) عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرةِ﴾ فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ فقال: (ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة: الجنة).
تخريجه:
أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥: ٣٢٠ (١٠٦٧) قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، به.
وأخرجه الترمذي (٢٢٧٣) في الرؤيا: باب قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، و (٣١٠٦) في تفسير القرآن: باب ومن سورة يونس، والحميدي في مسنده ١: ١٩٣ (٣٩١)(٣٩٢)، وابن أبي شيبة في (المصنف) ٦: ١٧٣ (٣٠٤٥٢)، وأحمد ٦: ٤٤٧ و٤٥٢، والطبري ١٢: ٢١٦ - ٢١٧، والطحاوي في (مشكل الآثار) ٥: ٤٢٠، وابن أبي حاتم ٦: ١٩٦٥، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٤: ١٨٥، من طرق عن عطاء بن يسار، به بنحوه.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٦٨١ إلى: ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لإبهام الراوي عن أبي الدرداء ﵁.
قال ابن أبي حاتم في (العلل) ٢: ٨٨ رقم (١٧٦٠): "سألت أبي عن حديث وواه الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن شيخ من أهل مصر، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: سألته عن قول الله : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤]، قلت لأبى: من هذا الشيخ الذي من أهل مصر؟ قال: لا يعرف".
стр. 406
الشواهد:
يشهد لهذا الحديث ما يأتي:
١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقال: (هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له).
أخرجه الترمذي (٢٢٧٥) في الرؤيا: باب قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وابن ماجه (٣٨٩٨) في تعبير الرؤيا: باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، والطيالسي في مسنده ١: ٤٧٧ (٥٨٤)، وأحمد ٥: ٣١٥، ٣٢١،والدارمي (٢١٣٦) في الرؤيا: باب في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، والطبري ١٢: ٢١٥ - ٢١٦، والشاشي في مسنده ٣: ١٤٢ - ١٤٣ (١٢١٦)، والحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٠ و٤: ٣٩١، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٤: ١٨٥، كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت ﵁.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٦٨١ إلى: ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وعند الترمذي، والطيالسي، والطبري -في بعض طرقه-، والحاكم -في الموضع الثاني-: عن أبي سلمة، قال: نبئت عن عبادة بن الصامت ﵁.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال الحاكم -في الموضع الأول-: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
وقال -في الموضع الثاني-: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
وأبو سلمة؛ هو: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، لم يسمع من عبادة ﵁ كما ذكره ابن خراش، ونص عليه المزي، وقاله الذهبي، ونقله الزيلعي عن ابن عساكر.
стр. 407
ينظر: تحفة الأشراف ٤: ٢٦٤، السير ٤: ٢٨٧، تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٢: ١٣٢، تهذيب التهذيب ٦: ٣٧١.
لكن تعقب المزيَّ الحافظُ ابن حجر في (النكت الظراف)، فقال: "أخرجه ابن منده في (كتاب الروح) من طريق الأوزاعي، عن يحيى، حدثني أبو سلمة، حدثني عبادة ﵁.
أخرجه عن خيثمة بن سليمان، عن العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي.
ورجاله كلهم ثقات.
قلت: وعبادة بن الصامت ﵁؛ أنصاري خزرجي مدني، توفي بالرملة سنة ٣٤ هـ.
وأبو سلمة؛ مدني، توفي سنة ٩٤ هـ بالمدينة، وعمره ٧٢ سنة, فيكون مولده سنة ٢٢ هـ, ويكون عمره يوم مات عبادة ١٢ سنة، ومثل هذا يتهيأ له السماع، لاسيما مع اتفاقهما في البلد، إضافة إلى ما نقله الحافظ عن ابن منده وفيه التصريح بالسماع.
لكن يشكل على هذا ما أخرجه البخاري في (التاريخ الصغير) ١: ٤١ بسنده إلى محمد ابن كعب القرظي قال: جمع القرآن في زمن النبي ﷺ خمسة من الأنصار؛ معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء، فلما كان عمر كتب يزيد بن أبي سفيان؛ أن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم، فقال: أعينوني بثلاثة، فقالوا: هذا شيخ كبير، لأبي أيوب، وهذا سقيم، لأبي، فخرج معاذ، وعبادة، وأبو الدرداء، فقال: ابدءوا بحمص، فإذا رضيتم منهم فليخرج واحد إلى دمشق، وآخر إلى فلسطين، فأقام بها عبادة, وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، ومات معاذ عام طاعون عمواس، وصار عبادة بعد إلى فلسطين، فمات بها، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات.
стр. 408
فظاهره أن عبادة خرج في زمن عمر ﵁ إلى الشام، ومكث بها حتى مات، ولم تذكر لأبي سلمة رحلة إلى الشام، وإنما ذكروا أنه دخل البصرة والكوفة، فمن هاهنا يترجح أنه لم يلق عبادة ﵁,كما ذكره من سبق، ويؤيد وجود الواسطة بينهما: قوله -في رواية الترمذي، والطيالسي، والطبري، والحاكم-: نبئت عن عبادة ﵁، وأما ما ذكره ابن حجر في (النكت الظراف)؛ فهو من ذلك الوجه عند الطبري في تفسيره ١٢: ٢١٥ قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير، قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سأل عبادةُ بن الصامت رسولَ الله ﷺ .. فذكره، والله أعلم بالصواب.
هذا ولم يتفرد به أبو سلمة، بل تابعه:
١ - حميد بن عبد الله المزني.
أخرجه أحمد ٥: ٣٢٥، والطبري ١٢: ٢١٧، والشاشي في (مسنده) ٣: ١٤٤ (١٢١٧)، من طرق عن حميد بن عبد الله المزني، أن رجلا سأل عبادة بن الصامت ﵁ عن قول الله ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال عبادة ﵁: سألت رسول الله ﷺ ، فقال: (لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحد من أمتي، تلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له).
ومن هذا الوجه: أخرجه ابن مردويه، كما في تخريج الكشاف للزيلعي ٢: ١٣٢ - ١٣٣.
ووقع عند أحمد: حميد بن عبد الرحمن.
وهذا ضعيف لإبهام السائل، وحميد بن عبد الله المزني؛ ذكره ابن حبان في (الثقات)، ولم يذكر فيه البخاري، ولا ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا.
ينظر: التاريخ الكبير ٢: ٣٥٤، الجرح والتعديل ٣: ٢٢٤، الثقات ٤: ١٤٩.
٢ - أيوب بن خالد بن صفوان.
أخرجه الطبري ١٢: ٢١٨ من طريق موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ
стр. 409
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فقد عرفنا بشرى الآخرة، فما بشرى الدنيا؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا، أو سبعين جزءا من النبوة). وموسى بن عبيدة؛ هو: الربذي.
قال أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.
وضعفه ابن معين، وابن المديني، والترمذي، والنسائي، وابن حجر، وغيرهم.
ينظر: الجرح والتعديل ٨: ١٥١، سنن الترمذي رقم (٣٠٣٩)، الضعفاء الكبير للعقيلي ٤: ١٦٠، المجروحين ٢: ٢٣٤، الكامل ٦: ٣٣٣، تهذيب الكمال ٢٩: ١٠٤، الميزان ٤: ٢١٣، الكاشف ٢: ٣٠٦، التقريب ص ٥٥٢.
وأيوب بن خالد بن صفوان؛ هو المدني، فيه لين، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه.
ينظر: تهذيب التهذيب ١: ٣٥١، التقريب ص ١١٨.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: (هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة).
أخرجه الطبري ١٢: ٢١٨ قال: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، قال: ثنا عمار بن محمد، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٢ إلى: أبي الشيخ، وابن مردويه.
محمد بن حاتم المؤدب؛ هو الخراساني، ثقة، روى عنه: الترمذي، والنسائي.
ينظر: تهذيب التهذيب ٩: ٨٨، التقريب ص ٤٧٢.
وعمار بن محمد؛ هو الثوري الكوفي، وثقه ابن معين -في رواية-، وأبو معمر القطيعي، وابن سعد، والذهبي -في الكاشف، والمغني-، وذكره فيمن تكلم فيه وهو موثق.
وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، يكتب حديثه.
стр. 410
وفي التقريب: صدوق يخطىء.
ينظر: الطبقات الكبرى ٦: ٣٨٨، الجرح والتعديل ٦: ٣٩٣، المجروحين ٢: ١٩٥، تهذيب الكمال ٢١: ٢٠٤، الكاشف ٢: ٥١، المغني في الضعفاء ٢: ٤٥٩، الميزان ٣: ١٦٨، ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق ص ١٤١، تهذيب التهذيب ٧: ٣٥٥، التقريب ص ٤٠٨.
فهذا إسناد قابل للتحسين، والله أعلم.
٣ - عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: (الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي: جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثا، وليسكت، ولا يخبر بها أحدا).
أخرجه أحمد ٢: ٢١٩، والطبري ١٢: ٢١٨، ٢٢٣، والبيهقي في (شعب الإيمان) ٤: ١٨٩، كلهم من طريق دراج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، به. ولفظ الطبري؛ مختصر.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٢ إلى: أبي الشيخ، وابن مردويه.
٤ - عن جابر بن عبد الله بن رئاب -وليس بالأنصاري- عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له).
أخرجه ابن سعد ٣: ٥٧٤، والبزار ٢: ٨٦ (١٤٧١ - مختصره)، وابن عدي في (الكامل) ٦: ١١٩، والخطيب في (المتفق والمفترق) (٣٤٠)، كلهم من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب.
وعزاه في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٢ إلى: ابن مردويه.
والكلبي؛ محمد بن السائب، متهم بالكذب، كما في التقريب ص ٤٧٩.
والحديث أورده في (مجمع الزوائد) ٧: ٣٦، وقال: "رواه البزار، وفيه: محمد بن السائب الكلبي، وهو ضعيف جدا".
стр. 411
٥ - عن قيس بن سعد أن رجلا سأل النبي ﷺ عنها، يعني قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال: (ما سألني عنها أحد من أمتي منذ أنزلت عليَّ قبلك، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه، أو ترى له).
أخرجه الطبري ١٢: ٢٢٣.
وقيس بن سعد؛ هو أبو عبد الملك المكي، ثقة، مات سنة ١١٧ هـ، وعده ابن حجر في الطبقة السادسة، وهم من عاصروا صغار التابعين. وشيوخه من التابعين، فيكون السند معضلا. ينظر تهذيب الكمال ٢٤: ٤٧، التقريب ص ٤٥٧.
٦ - عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقال رسول الله ﷺ : (أما قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن، فيبشر بها في دنياه، وأما قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فإنها بشارة المؤمن عند الموت؛ إن الله قد غفر لك، ولمن حملك إلى قبرك).
الحديث أورده في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٣، وعزاه إلى: ابن أبي الدنيا في (ذكر الموت)، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي القاسم ابن منده في (كتاب سؤال القبر)، من طريق أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله ﵄.
قلت: وهو في (ذكر الموت) لابن أبي الدنيا رقم (٢٥٥) معلقا عن أبي جعفر.
وأبو جعفر؛ هو: الباقر، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃.
٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: (ما سألني عنها أحد، هي: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة).
الحديث أورده في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٣، وعزاه إلى: ابن مردويه، من طريق أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله ﵄.
стр. 412
وأبو سفيان؛ طلحة بن نافع.
٨ - عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له).
الحديث أورده في (الدر المنثور) ٧: ٦٨٣، وعزاه إلى: ابن مردويه.
الحكم على الحديث:
الحديث بما سبق يترقى إلى درجة الحسن، والله أعلم.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وليعلم أن الشواهد السابقة باعتبار ارتباطها بالآية الكريمة، أما أصل المعنى المشتملة عليه، وهو كون الرؤيا الصالحة من المبشرات للمؤمن في الدنيا؛ فهو ثابت في الصحيحين، ومن ذلك:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)، قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة).
أخرجه البخاري (٦٩٩٠) في التعبير: باب المبشرات.
٢ - عن ابن عباس قال: كشف رسول الله الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: (أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم).
أخرجه مسلم (٤٧٩) في الصلاة: باب في النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٦) في الصلاة: باب في الدعاء في الركوع والسجود، والنسائي (١٠٤٥) في التطبيق: باب في تعظيم الرب في الركوع، و (١١١٢٠) في التطبيق: باب في الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود، وابن ماجه (٣٨٩٩) في تعبير الرؤيا: باب في
стр. 413
الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وأحمد ١: ٢١٩، والدارمي (١٣٢٥) في الصلاة: باب في النهي عن القراءة في الركوع والسجود.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة، والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة؛ بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره؛ فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس).
أخرجه مسلم (٢٢٦٣) في أول كتاب الرؤيا، وأبو داود (٥٠١٩) في الأدب: باب ما جاء في الرؤيا، والترمذي (٢٢٧٠) في الرؤيا: باب في أن رؤيا المؤمن جزء .. إلخ، و (٢٢٩١) فيه: باب ما جاء في رؤية النبي ﷺ الميزان، وابن ماجه (٣٩٠٦) في تعبير الرؤيا: باب الرؤيا ثلاث، وأحمد ٢: ٢٦٩، والدارمي (٢١٤٣) في الرؤيا: باب الرؤيا ثلاث.
ولفظ ابن ماجه، والدارمي؛ مختصر.
*****
стр. 414
سورة هود
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧].
(١٠٩) عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ تلا: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ثم قال: (أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرعكم في طاعة الله).
تخريجه:
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦: ٢٠٠٦ (١٠٧٠٥)، قال: حدثنا أحمد بن يحيي بن مالك، ثنا داود بن المحبر، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر ﵁ .. فذكره.
وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ٢: ٨٠٩ (٨٣١ - بغية الباحث)، والطبري ١٢: ٣٣٥، كلاهما من طريق داود بن المحبر، به، بنحوه.
وعزاه في (الدر المنثور) ٨: ١٩ إلى: داود بن المحبر في (كتاب العقل)، والحاكم في (كتاب التاريخ)، وابن مردويه.
وقال الزيلعي في (تخريج أحاديث الكشاف) ٢: ١٤٥: "وجدته في (كتاب العقل) لداود ابن المحبر، وهو: جزء لطيف، رواه بإسناده المذكور، ورأيت في حاشية عليه بخط بعض الفضلاء؛ قال عبد الغني: قال الدارقطني: كتاب العقل؛ وضعه أربعة: وضعه ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه داود بن المحبر منه، فركبه بأسانيد غير ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء، فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي، وركبه بأسانيد أخرى".
الحكم على الإسناد:
ضعيف جدا، فيه: داود بن المحبَّر بن قحذم بن سليمان الطائي، أبو سليمان البصري، نزيل بغداد. وهو صاحب (كتاب العقل) (ق).
متروك، واتهمه غير واحد بالكذب.
стр. 415
وقال ابن حجر: أكثر (كتاب العقل) الذي صنفه؛ موضوعات.
ينظر: تهذيب الكمال ٨: ٤٤٣، التقريب ص ٢٠٠.
المتابعات والشواهد:
هذا الحديث له طريق أخرى، أخرجها ابن مردويه في تفسيره -كما في (تخريج أحاديث الكشاف) للزيلعي ٢: ١٤٥، و (الفتح السماوي) للمناوي ٢: ٧١٨ - من طريق محمد بن أشرس، حدثنا سليمان بن عيسى، حدثنا سفيان الثوري، حدثنا كليب بن وائل، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ فذكره.
ومحمد بن أشرس؛ هو: السلمي النيسابوري، متهم في الحديث، وتركه غير واحد، وقال الذهبي: ضعيف بمرة.
ينظر: المغني في الضغفاء ٢: ٥٥٧، اللسان ٥: ٩١.
وسليمان بن عيسى؛ هو السجزي.
هالك، قال أبو حاتم: كذاب، وقال ابن عدي: يضع الحديث.
ينظر: الجرح والتعديل ٤: ١٣٤، الكامل ٣: ٢٨٩، اللسان ٣: ١١٣.
ولذا قال المناوي عن هذا الوجه -في (الفتح السماوي) ٢: ٧١٩ - : "وإسناده أسقط من الأول".
ويشهد لهذا الحديث؛ ما أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ٢: ٨٠٤ (٨٢٠ - بغية الباحث)، قال: حدثنا داود بن المحبر، ثنا ميسرة، عن محمد بن زيد، عن أبي سلمة, عن أبي قتادة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ما عني به؟ قال: (أيكم أحسن عقلا)، ثم قال رسول الله ﷺ : (أتمكم عقلا؛ أشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلكم تطوعا).
وفيه ما في سابقه.
الحكم على الحديث:
ضعيف جدا.
*****
стр. 416
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
(١١٠) عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يدني المؤمن عليه كنفه ويستره ,فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون؛ فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾).
تخريجه:
أخرجه أحمد ٢: ٧٤، ١٠٥، والبخاري (٢٤٤١) في المظالم والغصب: باب قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، و (٤٦٨٥) في التفسير: باب قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ومسلم (٢٧٦٨) في التوبة: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، وابن ماجه (١٨٣) في المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية، من طريق قتادة، عن صفوان بن محرز المازني، عن ابن عمر.
*****
стр. 417
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
(١١١) عن الحارث مولى عثمان ﵁ قال: جلس عثمان ﵁ يوما، وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء -أظنه سيكون فيه مد- فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئى هذا، ثم قال: (ومن توضأ وضوئى هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر؛ غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر؛ غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب؛ غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء؛ غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح؛ غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن: الحسنات يذهبن السيئات).
تخريجه:
أخرجه أحمد ١: ٧١ قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، حدثنا حيوة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان، يقول: جلس عثمان ﵁ .. فذكره.
وأخرجه البزار في مسنده (البحر الزخار) ٢: ٦٢ رقم (٤٠٥)، والطبري ١٢: ٦١٥ - ٦١٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦: ٢٠٩٢ رقم (١١٢٧٢)، كلهم من طريق أبي عقيل، به، بنحوه.
وعزاه في (الدر المنثور) ٨: ١٥٧ إلى: أبي يعلى، وابن المنذر، وابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
إسناده صحيح. ومولى عثمان ﵁ أبو صالح، مصري، اسمه: الحارث، ويقال: بُركان. (ت س)
وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات) في موضعين. ووثقه الهيثمي.
стр. 418
وأخرج له الترمذي في جامعه حديثا برقم (١٦٦٧)، وقال عقبه: حديث حسن صحيح غريب. وقد أخرج له النسائي في كتابه وهو معروف بتشدده في الرجال، قال أبو علي النيسابوري: النسائي شرطه في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج (١).
وفي التقريب: مقبول.
ينظر: معرفة الثقات للعجلي ٢: ٤٠٨، الثقات لابن حبان ٤: ٨٤، ١٣٦، تهذيب الكمال ٣٣: ٤٢٠، مجمع الزوائد ١: ٢٩٧، التقريب ص ٦٤٩.
وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ١: ٢٩٧ وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة".
وصحح إسناده السيوطي في (الدر المنثور) ٨: ١٥٧.
ويشهد للمعنى العام للحديث، وهو: تكفير الصلوات الخمس لما بينها من الخطايا والسيئات؛ أحاديث كثيرة، منها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟) قالوا: لا يبقي عن درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا).
أخرجه البخاري (٥٢٨) في مواقيت الصلاة: باب الصلوات الخمس كفارة، ومسلم (٦٦٧) في المساجد ومواضع الصلاة: باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا .. إلخ، وغيرهما.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر).
أخرجه مسلم (٢٣٣) في الطهارة: باب الصلوات الخمس، والجمعة .. إلخ.
*****
стр. 419
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧].
(١١٢) عن جرير ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، قال: (ينصف بعضهم بعضا).
تخريجه:
أخرجه الذهبي معلقا في (ميزان الاعتدال) ٣: ٢٢ قال: شباب، حدثنا عبيد بن القاسم، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير ﵁ عن النبي ﷺ .. فذكره.
ووقع في الأصل: عبيد الله بن القاسم، والصواب ما أثبت، والحديث مذكور في ترجمته.
وعزاه في (الدر المنثور) ٨: ١٦٩ إلى: الطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والديلمي.
قلت: وهو في (المعجم الكبير) للطبراني ٢: ٣٠٨ (٢٢٨١) قال: حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا عبيد بن القاسم، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ قال: وأهلها ينصف بعضهم بعضا.
وصورته صورة الموقوف، وأخشى أن يكون سقط قوله: (رسول الله ﷺ ) بعد (قال) الثانية؛ لأن المخرج واحد، وقد جزم السيوطي بعزوه إليه مرفوعا، وقال عقبه - (الدر المنثور) ٨: ١٧٠ - : "وأخرجه ابن أبي حاتم، والخرائطي في (مساوي الأخلاق)، عن جرير موقوفا"، والله أعلم.
وأخرجه -كما في سياق الطبراني-: أبو يعلى في (معجمه) ص ٨٤ (٧٢)، والداني في (السنن الواردة في الفتن) ص ١٧٨ (٣٧٢)، والخطيب في (تاريخ بغداد) ١٠: ٢٨٨ و١١: ٩٣، كلهم من طريق عبيد بن القاسم، به.
стр. 420
الحكم على الإسناد:
إسناد ضعيف جدا، فيه عبيد بن القاسم، وهو: الأسدي التيمي الكوفي.
كذبه ابن معين. واتهمه بوضع الحديث: أبو داود، وصالح بن محمد الأسدي، وغيرهما. وفي التقريب: متروك.
ينظر: تهذيب الكمال ١٩: ٢٢٩، التقريب ص ٣٧٨.
الحكم على الحديث:
ضعيف جدا.
والحديث قال عنه ابن معين -كما في الميزان ٣: ٢٢ - : هذا كذب.
وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٧: ٣٩، وقال: "فيه: عبيد بن القاسم الكوفي، وهو: متروك".
*****
стр. 421
سورة يوسف
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
(١١٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتى النبي ﷺ رجل يقال له: بستاني اليهودي، فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ﵇ أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي ﷺ ، فلم يجبه بشيء، فنزل جبريل ﵇، فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله ﷺ إلى البستاني اليهودي، فجاءه، فقال: (هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟) قال: نعم، فقال النبي ﷺ : (حرثان، والطارق، والذيال، وذو الكنفات، وذو الفرع، ووثاب، وعمودان، وقابس، والصروح، والمصبح، والفليق، والضياء والنور، رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب؛ قال: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد)، فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها.
تخريجه:
أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥: ٣٧٧ (١١١١)، قال: نا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط القرشي، عن جابر ﵁ .. فذكره.
وأخرجه البزار ٢: ٨٧ (١٤٧٣ - مختصره)، والطبري ١٣: ١٠، والعقيلي في (الضعفاء الكبير) ١: ٢٥٩، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧: ٢١٠١ (١١٣٣٢)، وابن حبان في (المجروحين) ١: ٢٥٠، والبيهقي في (دلائل النبوة) ٦: ٢٧٧، وابن الجوزي في (الموضوعات) ١: ٩٧، كلهم من طريق الحكم، به، بنحوه.
ووقع اختلاف بين المصادر في تسمية تلك النجوم، وترتيبها، لم أر كبير فائدة في تتبع ذلك.
وعزاه في (الدر المنثور) ٨: ١٨٢ إلى: ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، والحكم ليس بالقوي.
стр. 422
الحكم على الإسناد:
ضعيف جدا، لحال الحكم، وهو الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد بن أبي ليلى الكوفي (ت)، متروك، رمي بالرفض، واتهمه ابن معين وغيره.
ينظر: تهذيب الكمال ٧: ٩٩، التقريب ص ١٧٥.
وفي السند إمام مشهور من أئمة التفسير، وقد التبس حاله على بعض الدارسين، فأرى من المناسب تجلية أمره من جهة الرواية، فأقول وبالله التوفيق:
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، أصله حجازي سكن الكوفة، وكان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة؛ فسمي السدي، وهو السدي الكبير. (م ٤)
وثقه أحمد -في رواية أبي طالب-، والعجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وذكره الذهبي في (أسماء من تكلم فيه وهو موثق).
قال يحيى بن سعيد القطان: لا بأس به، ما سمعت أحدا يذكره إلا بخير، وما تركه أحد. وقال النسائي: صالح. وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به.
وضعفه ابن مهدي، وقال ابن معين: في حديثه ضعف.
وأخرج العقيلي ١: ٨٨ عن الخضر بن داود -ولم أعرفه- قال: حدثنا أحمد بن محمد -المروذي أو الأثرم، فكلاهما: أحمد بن محمد- قال: قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل-: السدي؛ كيف هو؟ قال: أخبرك أن حديثه لمقارب، وإنه لحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به أسباط عنه، فجعل يستعظمه، قلت: ذاك إنما يرجع إلى قول السدي، فقال: من أين، وقد جعل له أسانيد؟، ما أدري ما ذاك؟!.
وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.
стр. 423
قلت: وهو مشهور بالتفسير، مقدم فيه، قال الخليلي في (الإرشاد) ١: ٣٩٧: "وتفسير إسماعيل بن عبد الرحمن السدي؛ فإنما يسنده بأسانيد إلى عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وروى عن السدي الأئمة مثل: الثوري، وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه؛ رواه عنه: أسباط بن نصر، وأسباط؛ لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير: تفسير السدي .. ".
وأخرج ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٢: ١٨٤، وابن عدي في (الكامل) ١: ٢٧٦ وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان) ١: ٢٤٧ بأسانيدهم إلى سلم بن عبد الرحمن، قال: مر إبراهيم النخعي بالسدي، وهو يفسر، فقال: أما إنه يفسر تفسير القوم.
وأما ما أخرجه أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) ٢: ٣٣٤ - ومن طريقه: العقيلي في (الضعفاء الكبير) ١: ٨٧ وابن عدي في (الكامل) ١: ٢٧٦ - عن أبي أحمد الزبيري، قال: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت الشعبي، وقيل له: إن إسماعيل السدي قد أعطي حظا من علم بالقرآن، فقال: إن إسماعيل قد أعطي حظا من جهل بالقرآن.
فقد علق عليه الذهبي في السير ٥: ٢٦٥ فقال: "ما أحد إلا وما جهل من علم القرآن أكثر مما علم، وقد قال إسماعيل بن أبي خالد: كان السدي أعلم بالقرآن من الشعبي، رحمهما الله".
وفي الكاشف: حسن الحديث. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، ورمي بالتشيع. وفي (العجاب): كوفي صدوق، لكنه جمع التفسير من طرق .. وخلط روايات الجميع فلم تتميز رواية الثقة من الضعيف. مات سنة ١٢٧ هـ.
قلت: والأقرب -والله أعلم- أنه صدوق حسن الحديث، ويؤيد ذلك:
١ - إخراج مسلم له في الصحيح، قال الحافظ في هدي الساري ص ٤٠٣: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان؛ مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة
стр. 424
ضبطه، وعدم غفلته .. هذا إذا خرَّج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق؛ فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم".
قلت: وقد أخرج له مسلم في الأصول، ثم نقل الحافظ عن أبي الحسن المقدسي أنه كان يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة.
٢ - رواية شعبة عنه، فهذا مما يقوي أمره، وشعبة معروف بتحريه وتثبته، ومعدود فيمن لا يروي إلا عن ثقة.
قال ابن أبى حاتم في (الجرح والتعديل) ٤: ٣٦١: "سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة، فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه! ".
وقال ابن حجر في (لسان الميزان) ١: ١٤: "من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل؛ وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة ممن بعدهم".
وقال ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) ص ٨١: "لو روى شعبة خبرا عن شيخ له، لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره".
ومن أشنع ما رمي به السدي؛ أمران:
١ - ماحكاه الجوزجاني في (أحوال الرجال) ص ٥٤ في ترجمة: (محمد بن السائب الكلبي) قال: "حدثت عن علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، قال: قدمت الكوفة، ومنيتي لقي السدي، فأتيته فسألته عن تفسير سبعين آية من كتاب الله تعالى، فحدثني بها، فلم أقم من مجلسي حتى سمعته يشتم أبا بكر وعمر ﵄، فلم أعد إليه".
стр. 425
ومن طريقه: أخرجها العقيلي ١: ٨٨، لكن وقع عنده أن الجوزجاني قال: سمعت علي ابن الحسين. والظاهر أن هذا من جملة التصحيفات، أو هو وهم ممن دونه.
فهذا إسناد غير معتبر لجهالة من حدثه، وكونه يطوي ذكره، وهو شيخه الذي أخذ عنه؛ يوقع في النفس حسيكة من هذا الخبر.
أضف إلى هذا أن الجوزجاني فيه نصب وانحراف عن علي ﵁، ومعروف بالتحامل على أهل الكوفة، الذين يكثر فيهم التشيع.
قال الحافظ في (اللسان) ١: ١٦: "وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح: من كان بينه وبن من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة؛ رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى إنه أخذ يلين مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث، وأركان الرواية".
وذكره الذهبي في الطبقة الخامسة في (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) ص ١٩٣ وقال: "وهو ممن يبالغ في الجرح".
ومما يوقع الريبة في هذه الحكاية؛ أنه لم ينقلها المتقدمون ممن ترجم له، فلم يذكرها البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبان، ولا ابن عدي، ولا أبو نعيم، وكذا لم يذكرها المزي، فلو كان لها أصل لنقلوها، فهي مما تتوافر الدواعي على نقله.
٢ - ما أخرجه ابن عدي في (الكامل) ٢: ق ٨١ - كما أفاده د. بشار عواد في (تهذيب الكمال) ٣: ١٣٥، قلت: وسقط هذا النص من المطبوع- قال: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: هو كذاب شتام -يعني: السدي-.