الصندوق الخيري لِنَشر البُحوثِ وَالرسَائِل العِلميَّة (٥٤)
الدرَاسَات الحديثيّة (٥)
التَّفْسيرُ النَّبويُّ
مُقَدِّمَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ مَعَ دِرَاسَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِأَحَادِيثِ التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّريح
تأليف
خالد بن عبد العزيز الباتلي
الجزء الثاني
دار كنوز إشبيليا
للنشر والتوزيع
стр. 527
سورة مريم
قال تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤].
(١٥٤) عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن السري الذي قال الله : ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾؛ نهر أخرجه الله لتشرب منه).
تخريجه:
أخرجه الطبراني في الكبير ١٢: ٣٤٦ (١٣٣٠٣) قال: حدثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله، ثنا أيوب بن نهيك، قال: سمعت عكرمة مولى ابن عباس، يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: .. فذكره.
وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٣: ٣٤٦ من طريق أبي شعيب الحراني، به.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٥: ٥٥ إلى: ابن مردويه، وابن النجار.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لما ياتي:
١ - يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي، أبو سعيد الحراني مولى بني أمية (خت سي).
قال أبو زرعة: لا أحدث عنه. وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يهم فيها، فهو عندي فيما انفرد به ساقط الاحتجاج. وقال ابن عدي: أثر الضعف على حديثه بين. وفي التقريب: ضعيف. مات سنة ٢١٨ هـ.
ينظر: الجرح والتعديل ٩: ١٦٤، المجروحين ج ٣ ص ١٢٧ الكامل ٧: ٢٥٥، تهذيب الكمال ٣١: ٤٠٩، التقريب ص ٥٩٣.
٢ - أيوب بن نهيك. من أهل حلب.
ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: يخطىء.
стр. 528
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: لا أحدث عن أيوب بن نهيك، ولم يقرأ علينا حديثه، وقال: هو منكر الحديث. وضعفه أبو حاتم.
ينظر: الجرح والتعديل ٢: ٢٥٩، الثقات ٦: ٦١، اللسان ١: ٦١٢.
وأورده ابن كثير في تفسيره ٥: ٢٢٤: "هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه".
وقال الهيثمي في (المجمع) ٧: ٥٥: "رواه الطبراني، وفيه: يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو: ضعيف".
الشواهد:
يشهد لهذا الحديث ما رواه البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ في قوله : ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: (النهر).
أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) ٢: ٩ (٦٨٥)، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن إسماعيل بن علي الكوفي بدمشق، حدثنا سعيد بن عمرو، حدثنا بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٥٥ إلى: ابن مردويه.
والحديث أورده في (مجمع الزوائد) ٧: ٥٤، وقال: "رواه الطبراني في الصغير، وفيه: معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف". وهو كذلك في التقريب ص ٥٣٨.
قلت: وشيخ الطبراني؛ لم أجده سوى في (تاريخ دمشق) لابن عساكر ٣٤: ٢٠٧، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأفاد أنه مات سنة ٣٢٢ هـ.
وفيه أيضًا: عنعنة بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء.
стр. 529
وعده ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وهي: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل.
وسبق الكلام فيه في الحديث رقم (٦١).
وأبو سنان؛ هو سعيد بن سنان الشيباني، صدوق له أوهام.
ينظر: تهذيب الكمال ١٠: ٤٩٢، التقريب ص ٢٣٧.
وقد تفرد برفع الحديث كما نص على ذلك الطبراني.
قلت: ولعل هذا من أوهامه، فقد خالفه سفيان الثوري، فوقفه على البراء ﵁.
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢: ٦ قال: أنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁ في قوله تعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] قال: (هو الجدول، النهر الصغير).
وهذا الإسناد في غاية الصحة.
وأخرجه الحاكم ٢: ٣٧٣ من طريق سفيان، به.
وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي. وهو كما قالا.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٥٦ إلى: الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
قلت: وهذا هو الراجح، وسفيان الثوري أثبت الناس في أبي إسحاق، كما هو مذهب جماعة من المحدثين.
ينظر: (معرفة الرواة المكثرين، وأثبت أصحابهم) ص ١٥٢.
الحكم على الحديث:
ضعيف.
*****
стр. 530
قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨].
(١٥٥) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: لما قدمت نجران، سألوني؛ فقالوا: إنكم تقرءون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ؛ سألته عن ذلك، فقال: (إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم).
تخريجه:
أخرجه مسلم (٢١٣٥) في الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، والترمذي (٣١٥٥) في تفسير القرآن: باب ومن سورة مريم، وأحمد ٤: ٢٥٢، كلهم من طريق عبد الله بن إدريس بن يزيد الزعافري، عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة ﵁.
*****
стр. 531
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
(١٥٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة؛ خلود فلا موت، ويا أهل النار؛ خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾).
تخريجه:
أخرجه البخاري (٤٧٣٠) في تفسير القرآن: باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، ومسلم (٢٨٤٩) في الجنة وصفة نعيمها: باب النار يدخلها الجبارون، والترمذي (٣١٥٦) في تفسير القرآن: باب ومن سورة مريم، وأحمد ٣: ٩، كلهم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد ﵁. واللفظ للبخاري، والبقية بنحوه.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦، ٥٧].
*****
стр. 532
(١٥٧) عن مالك بن صعصعة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ..) -فذكر حديث الإسراء والمعراج بطوله، وفيه:- (.. فأتينا السماء. الرابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قيل: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إدريس، فسلمت عليه، نقال: مرحبًا بك من أخ ونبي ..).
تخريجه:
أخرجه البخاري (٣٢٠٧) في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، و (٣٨٨٧) في المناقب: باب المعراج، ومسلم (١٦٤) في الإيمان: باب الإسراء برسول الله ﷺ والنسائي (٤٤٨) في الصلاة: باب فرض الصلاة، وأحمد ٤: ٢١٠، من طرق عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁، عن مالك بن صعصعة ﵁.
*****
стр. 533
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
(١٥٨) عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو أن صخرة زنة عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وأثام) فقلت: ما غي وأثام؟ قال: (بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل جهنم، فهذا الذي ذكر الله في كتابه ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾).
تخريجه:
أخرجه محمد بن نصر المروزي في (تعظيم قدر الصلاة) ١: ١١٩ (٣٦) قال: حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا محمد بن زياد بن زبار، قال: حدثني شرقي ابن القطامي، قال: حدثني لقمان بن عامر الخزاعي، قال: جئت أبا أمامة الباهلي ﵁ قال: قلت: حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله يقول: .. فذكره.
وأخرجه الطبري ١٥: ٥٧١، والطبراني في الكبير ٨: ٢٠٦ (٧٧٣١)، والبيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٧٤)، كلهم من طريق محمد بن زياد، به، بنحوه.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في (صفة النار) رقم (١٧) من طريق شرقي، به، بنحوه.
ولفظ البيهقي: "نهران في أسفل جهنم .. ".
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١٠١ إلى: ابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لما ياتي:
١ - محمد بن زياد بن زبار الكلبي.
قال أبو حاتم: روى عن أبي مودود المديني، وقال: رأيت شرقي بن قطامي ولم أسمع منه. قال يحيى بن معين: محمد بن زياد بن زبار؛ لا أحد.
ينظر: الجرح والتعديل ٧: ٢٥٨.
стр. 534
٢ - شرقي بن القطامي الشاعر.
ويقال: هذان لقبان، واسمه: الوليد بن الحصين.
ذكره ابن حبان في (الثقات).
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ليس عنده كثير حديث.
وقال ابن عدي: في بعض ما رواه مناكير. وضعفه زكريا الساجي.
قال الذهبي: له نحو عشرة أحاديث فيها مناكير.
ينظر: (الضعفاء الكبير) للعقيلي ٢: ١٨٧، الجرح والتعديل ٤: ٣٧٦، الثقات ٦: ٤٤٩، الكامل ٤: ٣٥، الميزان ٢: ٢٦٨، المغني في الضعفاء ١: ٢٩٧، اللسان ٣: ١٦٨.
وقد نقل أبو حاتم عن محمد بن زياد أنه قال: رأيت شرقي بن قطامي، ولم أسمع منه.
وأبو حاتم قد لقي محمد بن زياد، كما ذكر ذلك ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٧: ٢٥٨، وقد صرح محمد بن زياد هنا بالتحديث عن شرقي بن قطامي، والراوي عنه ثقة!.
وقد توبع محمد بن زياد، وذلك فيما أخرجه ابن أبي الدنيا في (صفة النار) رقم (١٧)، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق، حدثنا شبابة بن سوار، أخبرني الوليد بن حصين -وهو شرقي-، به.
وشبابة؛ ثقة حافظ، أخرج حديثه الجماعة، كما في التقريب ص ٢٦٣، أما الفضل بن إسحاق؛ فلم أعرفه. وعلى كلٍّ فيبقى مداره على شرقي، وفيه ما سبق، ولا يحتمل منه التفرد.
الشواهد:
يشهد لهذا الحديث: ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الغي: واد في جهنم).
أخرجه ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، كما في (الدر المنثور) ١٠: ١٠١.
ونهشل؛ هو ابن سعيد بن وردان القرشي.
стр. 535
قال أبو داود الطيالسي، وإسحاق بن راهويه: كذاب.
وفي التقريب: متروك. وسبق في الحديث رقم (٧١).
والضحاك لم يسمع من ابن عباس، كما سبق في الحديث رقم (١٥).
الحكم على الحديث:
الحديث أورده ابن كثير في تفسيره ٥: ٢٤٦ وقال: "حديث غريب، ورفعه منكر".
وقال المنذري في (الترغيب والترهيب) ٤: ٢٥٥: "رواه الطبراني والبيهقي مرفوعًا، ورواه غيرهما موقوفًا على أبي أمامة، وهو أصح".
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ١٠: ٣٨٩: "رواه الطبراني، وفيه ضعفاء قد وثقهم ابن حبان، وقال: يخطئون".
وقد جاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة ﵃، ومنهم:
١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: (واد في جهنم، أو نهر في جهنم).
أخرجه الثوري في تفسيره ص ١٨٧ عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁. فذكره.
أبو إسحاق؛ هو السبيعي، ثقة مكثر عابد، وسبق في الحديث رقم (٦٢).
وأبو عبيدة؛ هو ابن عبد الله بن مسعود، قيل: اسمه عامر، وقيل: اسمه كنيته.
وهو ثقة، أخرج حديثه الجماعة، لكن الأكثر على عدم سماعه من أبيه، وجزم ابن حجر بأنه الراجح. ينظر: تهذيب الكمال ١٤: ٦١، التقريب ص ٦٥٦.
لكن قال ابن رجب في (شرح العلل) ١: ٢٩٨: "قال ابن المديني -في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه- هو منقطع، وهو حديث ثبت.
قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يات فيها بحديث منكر".
стр. 536
وأثر ابن مسعود ﵁ هذا؛ أخرجه هناد في الزهد رقم (٢٧٦)، والطبري في تفسيره ١٥: ٥٧٢ - ٥٧٣، والطبراني في الكبير ٩: ٢٢٧ رقم (٩١٠٦)(٩١٠٧)(٩١١٠)، والحاكم ٢: ٣٧٤، والبيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٧٠)(٤٧١)، من طرق عن أبي إسحاق، به. وفي بعض ألفاظه زيادة: "بعيد القعر، خبيث الطعم".
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١٠٠ إلى: الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢ - عن عائشة ﵁ قالت: ﴿غَيًّا﴾: (نهر في جهنم).
علقه البخاري في (التاريخ الكبير) ٨: ٢٦٢، في ترجمة: يحيى بن أزهر، قال: "يحيى بن أزهر، عن عاصم بن عمر، عن محمد بن طلحة عن أبي عبيدة، عن عاثشة ﵂ .. ".
ومحمد بن طلحة؛ غالب الظن أنه ابن يحيى بن عبيد الله التيمي، لا يعرف حاله، كما في التقريب ص ٤٨٥، وذكره تمييزًا.
ويحيى بن أزهر؛ هو المصري، صدوق، توفي سنة ١٦١ هـ.
ينظر: تهذيب الكمال ٣١: ١٩٣. وولد الإمام البخاري سنة ١٩٤ هـ.
٣ - عن البراء بن عازب ﵁ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: (نهر في جهنم). وفي لفظ: (واد في جهنم؛ بعيد القعر، منتن الريح).
أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) رقم (٤٦٩) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو العباس السياري، ثنا محمد بن موسى الباشاني الفقيه، ثنا علي بن الحسن، ثنا الحسين بن واقد، ثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁، ح وأخبرنا الفقيه أبو القاسم عبيد الله بن عمر القاضي ببغداد، ثنا أحمد بن سلمان، ثنا الحسن بن مكرم، ثنا شبابة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، وابنه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁ .. فذكره.
стр. 537
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١٠٠ إلى ابن المنذر.
٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: (واديًا في جهنم).
أخرجه الطبري في تفسيره ١٥: ٥٧٢، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو .. فذكره.
عمرو بن عاصم؛ هو ابن عبيد الله الكلابي، صدوق، في حفظه شيء، وأخرج حديثه الجماعة. ينظر: تهذيب الكمال ٢٢: ٨٧، التقريب ص ٤٢٣.
وأبو أيوب؛ يحيى بن مالك المراغي، ثقة، أخرج حديثه الجماعة سوى الترمذي.
ينظر: تهذيب الكمال ٣٣: ٦٠، التقريب ص ٦٢٠.
فرجال الأثر رجال الشيخين، وسنده صحيح لولا ما يخشى من تدليس قتادة، فقد ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، وهم من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع.
فالخبر بمجموع هذه الآثار يشد بعضه بعضًا، ويترقى إلى القبول، ومثله لا يقال من قبيل الرأي، فله حكم الرفع، والله أعلم.
بيان الغريب:
قوله: (عشراوات)، جمع عشراء، وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر.
ينظر: النهاية ٣: ٢٤٠ (عشر).
*****
стр. 538
قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
(١٥٩) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبربل: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟) فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
تخريجه:
أخرجه البخاري (٤٧٣١) في تفسير القرآن: باب ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، و (٣٢١٨) في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، و (٧٤٥٥) في التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]، والترمذي (٣١٥٨) في التفسير: باب ومن سورة مريم، وأحمد ١: ٢٣١، كلهم من طريق عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄.
*****
стр. 539
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].
(١٦٠) عن أبي سمية قال: اختلفنا هاهنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله ﵄ فقلت له: إنا اختلفنا في ذلك الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعًا، فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الورود: الدخول، لا يبقى برٌ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار -أو قال: لجهنم- ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين أتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا).
تخريجه:
أخرجه أحمد ٣: ٣٢٨ قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان أبو صالح، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية، قال: .. فذكره.
وأخرجه عبد بن حميد في مسنده ٢: ١٧٨ (١١٠٤ - المنتخب)، والبيهقي في (شعب الإيمان) ١: ٣٣٦ (٣٧٠)، من طريق سليمان بن حرب، به.
وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٥٨٧ من طريق سليمان بن حرب، ثنا غالب بن سليمان أبو صالح، عن كثير بن زياد، عن مُسَّة -وتحرف في المطبوع إلى: منية- الأزدية، عن عبد الرحمن بن شيبة، دون ذكر جابر ﵁.
هكذا وقع في المطبوع، وفي (تخريج أحاديث الكشاف) للزيلعي ٢: ٣٣٣، بينما ذكر ابن حجر في (إتحاف المهرة) ٣: ٢٢٦ أنه في المستدرك: عن عبد الرحمن بن شيبة، عن جابر ﵁.
وظاهر سياق الحديث في المستدرك؛ يؤيد ما ذكره ابن حجر، ولفظه فيه ٤: ٥٨٧: " .. عن عبد الرحمن بن شيبة، قال: اختلفنا هاهنا في الورود، فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فقلت له: إنا اختلفنا فيها بالبصرة، فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين
стр. 540
اتقوا، فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه، فقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: الورود: الدخول ... ".
وليس في الصحابة عبد الرحمن بن شيبة، والمشهور: عبد الرحمن بن شيبة الحجبي المكي، وهو تابعي لا يصح له سماع من النبي ﷺ
ينظر: الإصابة ٥: ٢٣٤، التقريب ص ٣٤٢.
وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) ١٠: ١١٢ إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
وعزاه ابن حجر في (إتحاف المهرة) ٣: ٢٢٧ إلى: ابن ماجه في تفسيره من هذا الوجه.
وعزاه في (فتح الباري) ٣: ١٤٩ إلى النسائي، ولم أجده في الصغرى ولا الكبرى، ولم يذكره المزي في (تحفة الأشراف).
وعزاه الزيلعي في (تخريج أحاديث الكشاف) ٢: ٣٣٣ إلى ابن أبي شيبة، وأبي يعلى في مسنديهما، من طريق سليمان بن حرب، به.
قلت: وليس في المطبوع من مسند ابن أبي شيبة مسند جابر بن عبد الله ﵄، وليس في المطبوع من مسند أبي يعلى أيضًا، فلعله في المسند الكبير.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لجهالة أبي سمية.
روى عن جابر ﵁ هذا الحديث. وعنه: كثير بن زياد.
ذكره ابن حبان في (الثقات). وقال الذهبي: مجهول. وفي التقريب: مقبول.
والأظهر أنه مجهول كما قال الذهبي، لأنه لم يعرف بالرواية عنه سوى راوٍ واحد، بل إن هذا يعد مجهول العين على مذهب ابن حجر، فقد قال في (نزهة النظر) ص ١٣٥: "فإن سمي الراوي، وانفرد راوٍ واحد بالرواية عنه؛ فهو مجهول العين؛ كالمبهم، فلا يقبل حديثه إلا أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك".
стр. 541
وهذا الراوي أيضًا مقلٌ جدًا من الحديث، ولم تذكر عنه رواية سوى هذا الحديث، ومثل هذا لا يتهيأ الحكم عليه باعتبار مروياته، وعرضها على مرويات غيره.
قال ابن عدي في ترجمة (سلم العلوي) من (الكامل) ٣: ٣٢٩: "قليل الحديث جدًا، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولاسيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر".
ينظر: الثقات ٥: ٥٦٩، تهذيب الكمال ٣٣: ٣٨٥، الميزان ٤: ٥٣٤، التقريب ص ٦٤٦.
وحسَّن إسناده البيهقيُ في (شعب الإيمان) ١: ٣٣٧.
وقال ابن كثير في تفسيره ٥: ٢٥٢: "غريب، ولم يخرجوه".
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٧: ٥٥: "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
المتابعات:
تابع أبا سمية على هذا الحديث راويان -فيما وقفت عليه-:
(أ) عبد الرحمن بن شيبة.
فقد أخرج الحاكم في المستدرك ٤: ٥٨٧ قال: حدثني علي بن حمشاذ العدل، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، والحسين بن الفضل البجلي، قالا: ثنا سليمان بن حرب، ثنا أبو صالح غالب بن سليمان بن حرب، عن كثير بن زياد أبي سهل، عن مسة الأزدية، عن عبد الرحمن بن شيبة، قال: اختلفنا هاهنا في الورود .. فذكره.
وسبقت الإشارة إليه، وذكر جابر ﵁ فيه، في تخريج الحديث.
وشيخ الحاكم؛ إمام حافظ ثبت.
ينظر: السير ١٥: ٣٩٨، تذكرة الحفاظ ٢: ٨٥٥.
وإسماعيل بن إسحاق القاضي؛ هو أبو إسحاق البصري، إمام حافظ متقن.
ينظر: تاريخ بغداد ٦: ٢٨٤، السير ١٣: ٣٣٩، التذكرة ٢: ٦٢٥.
والحسين بن الفضل البجلي، انتقد ابن حجر -في اللسان ٢: ٣٥٣ - على الذهبي أن ذكره في ميزانه، وقال: "وما كان لذكر هذا في هذا الكتاب معنى، فإنه من كبار أهل العلم والفضل". ينظر: السير ١٣: ٤١٤.
стр. 542
ومسة الأزدية، قال فيها الدارقطني: لا يحتج بها.
وذكرها الذهبي في المجهولات، وفي التقريب: مقبولة.
ينظر: تهذيب الكمال ٣٥: ٣٠٥، الميزان ٤: ٦١٠، المغني في الضعفاء ٢: ٦٥٨، التقريب ص ٧٥٣.
وعبد الرحمن بن شيبة؛ إن كان المكي الحجبي، فهو ثقة، وإلا فلم أعرفه.
ينظر: تهذيب الكمال ١٧: ١٧٦، التقريب ص ٣٤٢.
وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
وفي ظني أن هذا الوجه معلول، أو وقع فيه تصحيف، أو وهم، ومن القرائن على ذلك:
١ - تفرد الحاكم به فلم أقف عليه من هذا الوجه في شيء من كتب الحديث.
٢ - أن مسة الأزدية؛ لا تعرف بالرواية إلا عن أم سلمة ﵁ وعلى هذا تتابع المترجمون لها، ومنهم الحافظ المزي في (تهذيب الكمال) الذي يحاول فيه استقصاء شيوخ الراوي، وتلاميذه، فإنه لم يذكر في ترجمتها (٣٥: ٣٠٥) سوى أنها روت عن أم سلمة ﵂.
بل لا يعرف لها إلا حديث واحد، وهو الذي روته عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد النبي ﷺ أربعين يومًا ...
قال الإمام البخاري كما في (علل الترمذي الكبير) ١: ٥٩ (٧٧ - ترتيبه)، -وقد سئل عن هذا الحديث-: " .. ولا أعرف لمسَّة غير هذا الحديث".
وهكذا نصَّ الذهبي في (الميزان) ٤: ٦١٠.
٣ - أن عبد الرحمن بن شيبة المكي الحجبي؛ لا يعرف بالرواية إلا عن عائشة، وأم سلمة زوجي النبي ﷺ ولم تذكر له رواية عن جابر ﵁.
ينظر: تهذيب الكمال ١٧: ١٧٦.
(ب) أبو الزبير المكي.
فقد أخرج الطبري في تفسيره (١٥: ٦٠٤) من طريق سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 543
يقول: (هو الدخول، يردون النار حتى يخرجوا منها، فآخر من يبقى رجل على الصراط يزحف، فيرفع الله له شجرة، قال: فيقول: أي رب، أدنني منها. قال: فيدنيه الله ﵎ منها، قال: ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة، قال: فيقول: سل، قال: فيسأل، قال: فيقول: ذلك لك وعشرة أضعافه، أو نحوها. قال: فيقول: يا رب، تستهزىء بي؟ قال: فيضحك حتى تبدو لهواته وأضراسه).
وهذا منكر، خالف فيه ابنُ لهيعة الضعيف ابنَ جريج الثقة الفقيه، عند مسلم وغيره، كما سيأتي قريبًا.
بل جاء عن ابن لهيعة نفسه؛ ما يوافق سياق ابن جريج، وليس فيه تفسير الورود بالدخول، فيما أخرجه أحمد (٣: ٣٤٥) قال: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا ﵁ عن الورود .. الحديث بنحو سياق مسلم الآتي.
قلت: ومما يمكن أن يُعلَّ به هذا الحديث -حديث جابر ﵁؛ ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٩١) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يسأل عن الورود، فقال: (نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك (١) فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد؛ الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم، ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كاضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله
стр. 544
إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون غليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها).
فهاهنا قال في حديثه: (وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون ..)، وفي الحديث الأصل يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ..)، وبين السياقين فرقٌ ظاهر، فلو كان هذا المرفوع ثابتًا عنه، لما عدل عنه إلى غيره.
وهذا منهج معتبر درج عليه أئمة الحديث، وأطباء علله، قال الحافظ ابن رجب في (شرح علل الترمذي) ٢: ٨٨٨: "قاعدة: في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه. قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا، فمنها: أحاديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، ضعفها أحمد، ومسلم، وغير واحد، وقال: أبو هريرة ينكر المسح على الخفين، فلا يصح له فيه رواية.
ومنها: أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين -أيضًا- أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية؟!.
ومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال للمستحاضة: (دعي الصلاة أيام أقرائك).
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء: الأطهار لا الحيض.
ومنها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ في فضل الصلاة على الجنازة، ذكر الترمذي عن البخاري أنه قال: ليس بشيء، ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه.
ومنها: حديث عائشة: (لا نكاح إلا بولي)، أعله أحمد في رواية عنه، بأن عائشة عملت بخلافه .. ".
стр. 545
الشواهد:
لم أقف على شاهد تام لهذا الحديث، بمثل السياق الذي جاء به، أنه ﷺ قال: (الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا ..)، لكن وقفت على حديث جاء فيه مطلق الدخول، وهو ما روته أم مبشر ﵂، أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ : (قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾).
أخرجه مسلم (٢٤٩٦) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أصحاب الشجرة، وابن ماجه (٤٢٨١) في الزهد: باب ذكر البعث، وأحمد ٦: ٤٢٠، والطبراني في الكبير ٢٣: ٢٠٦، ٢٠٨ رقم (٣٥٨)(٣٦٣).
ولفظ ابن ماجه، والطبراني: (ممن شهد بدرًا والحديبية).
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١١٩ إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه.
لكن فرق بين الحديثين، فحديث أم مبشر قابل للتأويل بما يتفق مع حديث جابر ﵁ في مسلم كما سيأتي إيضاح ذلك عقب الحديث الآتي.
*****
стр. 546
(١٦١) عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته، والله ما يتكلم لسانها، ولكن يداها ورجلاها يشهدان عليها بما كانت تغيب لزوجها، وتشهد يداه ورجلاه بما كان يوليها، ثم يدعي بالرجل وخدمه، فمثل ذلك، ثم يدعى بأهل الأسواق، وما يوجد ثَمَّ دوانيق ولا قراريط، ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظُلِم، وسيئات هذا الذي ظلمه، ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد، فيقال: أوردوهم إلى النار، فوالله ما أدري يدخلونها، أو كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾).
تخريجه:
أخرجه الطبراني ٤: ١٤٨ (٣٩٦٩) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا هارون بن عبد الله البزاز، ثنا محمد بن الحسن المخزومي، حدثني أبو عبد العزيز عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب ﵁ .. فذكره.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في (كتاب الأهوال) رقم (٢٣٨) من طريق محمد بن الحسن المخزومي، به، بنحوه.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١١٨ إلى: ابن مردويه.
وأخرجه العقيلي في (الضعفاء الكبير) ٢: ٢٧٦ - ومن طريقه: ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٢: ١٦٠ - مختصرًا دون موضع الشاهد، من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي، به.
الحكم على الإسناد:
ضعيف جدًا، لما يأتي:
١ - محمد بن الحسن بن زبالة، وهو: محمد بن الحسن بن أبي الحسن القرشي المخزومي المدني (د)، متفق على ضعفه، ورماه بالكذب: ابنُ معين، وأبو داود، وغيرهما.
ينظر: تهذيب الكمال ٢٥: ٦٠، التقريب ص ٤٧٤.
стр. 547
٢ - عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر الليثي، أبو عبد العزيز المدني. (ق)
قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، لا يشتغل بحديثه .. عامة حديثه خطأ، لا أعلم له حديثًا مستقيمًا، يكتب حديثه.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: يروي عن الزهري مناكير، بعيد من أوعية الصدق. وفي التقريب: ضعيف، واختلط بأخرة.
ينظر: التاريخ الكبير ٥: ١٤٠، الجرح والتعديل ٥: ١٠٣، أحوال الرجال ص ١٣٠، تهذيب الكمال ١٥: ٢٣٨، التقريب ص ٣١٢.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث منكر، كما في (الضعفاء الكبير) للعقيلي ٢: ٢٧٦.
وقال الذهبي -في (الميزان) ٢: ٤٥٥ - : باطل.
وقال العقيلي في (الضعفاء الكبير) ٢: ٢٧٦: "حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد ابن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز الليثي، عن الزهري قال: إن أول من يختصم .. فذكره، لم يجاوز الزهري".
وصوبه من هذا الوجه: الذهبيُ في (الميزان) ٢: ٤١٢.
الشواهد:
يشهد لهذا الحديث:
ما رواه عبد الرحمن بن بشير الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث؛ لم يرد النار إلا عابر سبيل) بعني الجواز على الصراط.
أخرجه الطبراني كما في (الإصابة) ٤: ٢٩٠، و (الدر المنثور) ١٠: ١٢٠، وغيرهما، وأفاد العيني في (عمدة القاري) ٨: ٢٨ أنه في (المعجم الكبير).
قلت: وليس في المطبوع.
стр. 548
وأورده المنذري في (الترغيب والترهيب) ٣: ٥٥ وقال: "رواه الطبراني بإسناد لا بأس به، وله شواهد كثيرة".
وقال في (مجمع الزوائد) ٣: ٧: "رجاله موثقون خلا شيخ الطبراني؛ أحمد بن مسعود المقدسي، ولم أجد من ترجمه".
قلت: وقد وجدت له ترجمة في (تاريخ دمشق) ٦: ١٠، وذكر أن الطبراني لقيه ببيت المقدس سنة ٢٧٤ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وهكذا في (السير) ١٣: ٢٤٤.
* وقد اختلف أهل العلم في معنى الورود المذكور في الآية (١)، ففسر الورود بمعان كثيرة، منها:
١ - الدخول.
٢ - المرور.
٣ - الدخول، ولكنه خاص بالكافرين.
٤ - التفريق بين المؤمن والكافر، فورود المؤمن: المرور، وورود الكافر: الدخول.
٥ - الحضور، والإشراف عليها.
٦ - ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى.
وقال الزجاج في (معاني القرآن) ٣: ٣٤٠: " .. وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: إن ورودها ليس دُخولها، وحجتهم في ذلك جيدة جدًّا من جهات؛ إحداهن: أَن العرب تقول وردت ماء كذا ولم تدخله، قال الله ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، ويقال إِذا بَلَغْتَ إِلى البلد ولم تَدْخله: قد وردت بلد كذا وكذا.
стр. 549
قال أَبو إسحاق: والحجة القاطعة في هذا القول ما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢]، فهذا والله أَعلم دليل أَن أَهل الحسنى لا يدخلون النار، وفي اللغة: وردت بلد كذا وكذا؛ إِذا أَشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله".
وأشار ابن حجر في الفتح ٣: ١٤٩ إلى القولين الأولين، وقال: "وهذان القولان؛ أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما، لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه: أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم فأعلاهم درجة من يمر كلمع البرق كما سيأتي تفصيل ذلك .. ويؤيد صحة هذا التأويل: ما رواه مسلم من حديث أم مبشر أن حفصة قالت للنبي ﷺ : -لما قال: (لا يدخل أحد شهد الحديبية النار) - أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ : (قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية، وفي هذا بيان ضعف قول من قال: الورود مختص بالكفار، ومن قال: معنى الورود: الدنو منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها؛ ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بقية الأحاديث، والله أعلم).
ونقل في الفتح أيضًا (٣: ١٤٨)، عن الخطابي في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ أنه قال: (معناه: لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازا).
قلت: والأقوال الخمسة الأولى يمكن الجمع والتأليف بينها، بلا تعارض.
وأشار الإمام الطبري إلى هذه المسالة -في تفسيره ١٥: ٥٩٠ - ٦٠٥ - ، وقال مرجحًا ١٥: ٦٠١: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار.
وورود هموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلَّم، ومكدَّس فيها".
стр. 550
وما ذكره الطبري هو الذي دلت عليه الأدلة، ومنها:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟) قلنا: لا، قال: (فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما) ثم قال: (ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ...) فذكر الحديث بطوله، وفيه: (ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم) قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا ..) الحديث.
أخرجه البخاري (٧٤٣٩) في التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم (١٨٣) في الإيمان: باب طريق معرفة الرؤية.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ ..) فذكر الحديث بطوله، وفيه: (وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله ...) الحديث.
أخرجه البخاري (٨٠٦) في الأذان: باب فضل السجود، و (٦٥٧٤) في الرقاق: باب الصراط جسر جهنم، ومسلم (١٨٢) في الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية.
стр. 551
٣ - عن السدي، قال: سألت مرة الهمداني، عن قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾، فحدثني أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدثهم قال: قال رسول الله ﷺ : (يرد الناس النار، ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه).
أخرجه الترمذي (٣١٥٩) في تفسير القرآن: باب ومن سورة مريم، والدارمي (٢٨١٠) في الرقاق: باب في ورود النار، وأبو يعلى ٩: ٢١ (٥٠٨٩)، والحاكم ٢: ٣٧٥، كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن السدي، به.
وأخرجه أحمد ١: ٤٣٥ قال: حدثنا عبد الرحمن -وهو: ابن مهدي- عن إسرائيل، به ولفظه: (يرد الناس النار كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم).
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ١١٤ إلى: عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه.
وهذا سند حسن لأجل السدي، وقد سبق تفصيلًا في الحديث رقم (١١٣).
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، ورواه شعبة عن السدي ولم يرفعه.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾، قال: يردونها ثم يصدرون بأعمالهم.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن السدي، بمثله.
قال عبد الرحمن: قلت لشعبة: إن إسرائيل حدثني عن السدي، عن مرة، عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ . قال شعبة: وقد سمعته من السدي مرفوعًا، ولكني عمدًا أدعه".
ونقل ابن رجب في (التخويف من النار) ص ١٧٩، عن الدارتطني أنه قال في الحديث: يحتمل أن يكون مرفوعًا.
*****
стр. 552
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
(١٦٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أحب الله عبدًا؛ نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، وإذا أبغض الله عبدا نادى جبربل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض).
تخريجه:
أخرجه البخاري (٣٢٠٩) في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، و (٧٤٨٥) في التوحيد: باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله للملائكة، و (٦٠٤٠) في الأدب: باب المقة من الله، ومسلم (٢٦٣٧) في البر والصلة: باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عبادة، والترمذي (٣١٦١) في تفسير القرآن: باب ومن سورة مريم، ومالك في (الموطأ) ٢: ٩٥٣ (١٥)، وأحمد ٢: ٢٦٧، ٣٤١، ٤١٣، ٥١٤، من طرق عن أبي هريرة ﵁، واللفظ للترمذي، والبقية بنحوه.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
*****
стр. 553
سورة طه
قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
(١٦٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد).
تخريجه:
أخرجه الطيالسي ٤: ٢٧٨ رقم (٢٦٧٠) قال: حدثنا شعبة، عن أبي الضحاك، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ .. فذكره.
وأخرجه أحمد ٢: ٤٥٥، ٤٦٢، وعبد بن حميد في مسنده ٢: ٣٥١ رقم (١٤٥٥ - المنتخب)، والدارمي رقم (٢٨٣٩) في الرقاق: باب في أشجار الجنة، وابن أبي الدنيا في (صفة الجنة) رقم (٤١)، والطبري ٧: ١٦٨، ٢٢: ٣١٤ - ٣١٥، وأبو نعيم في (صفة الجنة) رقم (٤٣١)، كلهم من طريق شعبة، به، بنحوه.
وعزاه المزي في (تهذيب الكمال) ٣٣: ٤٣٣ إلى ابن ماجه في (التفسير).
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٢٥٢ إلى ابن أبي حاتم.
الحكم على الإسناد:
هذا الإسناد لا بأس به، أبو الضحاك، عداده في البصريين.
روى عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث. وروى عنه شعبة.
ووى له ابن ماجه في (التفسير) هذا الحديث.
قال الذهبي: لا يعرف، لكن شيوخ شعبة جياد. وفي التقريب: مقبول.
ومما يقوي أمره -كما أشار الذهبى- رواية شعبة عنه، وهو معروف بتحريه وتثبته، ومعدود فيمن لا يروي إلا عن ثقة.
قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٤: ٣٦١: "سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه! ".
стр. 554
وقال ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) ص ٨١: "لو روى شعبة خبرًا عن شيخ له، لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره".
ينظر: تهذيب الكمال ٣٣: ٤٣٣، ميزان الاعتدال ٤: ٥٤٠، التقريب ص ٦٥١.
لكن تفرد أبو الضحاك بزيادة: (وهي شجرة الخلد) من بين الرواة عن أبي هريرة ﵁، ومثله لا يحتمل منه هذا، فقد روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ عدد من الرواة، ومنهم:
١ - الأعرج؛ عبد الرحمن بن هرمز.
ثقة ثبت عالم، أخرج حديثه الجماعة. ينظر: التقريب ص ٣٥٢.
أخرج روايته: الحميدي في مسنده رقم (١١٣١)، وأحمد ٢: ٤١٨، والبخاري رقم (٤٨٨١)، ومسلم رقم (٢٨٢٦)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان ١٦: ٤٢٦ رقم (٧٤١١)، وغيرهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.
٢ - كيسان، أبو سعيد المقبري المدني.
ثقة ثبت، أخرج حديثه الجماعة. ينظر: التقريب ص ٤٦٣.
أخرج روايته: أحمد ٢: ٤٥٢، ومسلم رقم (٢٨٢٦)، والترمذي رقم (٢٥٢٣)، وغيرهم من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁.
٣ - عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري النجاري.
ثقة، ولد في عهد النبي ﷺ ، وأخرج حديثه الجماعة.
ينظر: تهذيب الكمال ١٧: ٣١٨، التقريب ص ٣٤٧.
أخرج روايته: أحمد ٢: ٤٨٢، والبخاري (٣٢٥٢)، وغيرهما من طريق فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁.
٤ - محمد بن زياد الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني.
ثقة ثبت، ربما أرسل، أخرج حديثه الجماعة. ينظر: التقريب ص ٤٧٩.
أخرج روايته: عبد الرزاق في مصنفه ١١: ٤١٧ رقم (٢٠٨٧٨)، وأحمد ٢: ٤٦٩، وغيرهما، من طريق محمد بن زياد، أنه سمع أبا هريرة ﵁.
стр. 555
٥ - همام بن منبه بن كامل الصنعاني.
ثقة، أخرج حديثه الجماعة. ينظر: التقريب ص ٥٧٤.
أخرج روايته: عبد الرزاق في مصنفه ١١: ٤١٧ رقم (٢٠٨٧٧) عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁.
ومن طريق عبد الرزاق رواه: ابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان ١٦: ٤٢٨ رقم (٧٤١٢)، والبغوي في (شرح السنة) ١٥: ٢٠٧ رقم (٤٣٧٠)، وفي تفسيره (معالم التنزيل) ٨: ١٢.
٦ - أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني.
قبل اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته.
ثقة مكثر، من كبار أئمة التابعين علمًا.
أخرج روايته: أحمد ٢: ٤٣٨، وابن ماجه رقم (٤٣٣٥)، والدارمي رقم (٢٨٣٨)، وغيرهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.
فهؤلاء الثقات رووا الحديث عن أبي هريرة ﵁، بدون ذكر (شجرة الخلد)، ثم تفرد أبو الضحاك على ما فيه بذكر هذه الزيادة، فلا شك في تقديم رواية الجماعة الثقات.
الحكم على الحديث:
ضعيف بهذا اللفظ، والله أعلم.
فائدة:
استوقفني أثناء بحث الحديث أحد ألفاظه في مسند أحمد، وفيه فائدة لطيفة في بيان دقة المحدثين في ضبط ألفاظ حديث رسول الله ﷺ ، والعناية بنقلها كما تحملوها، فقد جاء في مسند أحمد ٢: ٤٥٥ قال: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك، يحدث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين أو مائة سنة هي شجرة الخلد) قال حجاج: أو مائة سنة شجرة الخلد، قلت لشعبة: هي شجرة الخلد، قال: ليس فيها هي.
*****
стр. 556
قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
(١٦٤) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اتبع كتاب الله؛ هداه الله من الضلالة، ووقاه سوه الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾).
تخريجه:
أخرجه الطبراني في الكبير ١٢: ٤٨ (١٢٤٣٧)، وفي الأوسط ٥: ٣٣٢ (٥٤٦٦)، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه، عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٢٥٤ إلى: ابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
إسناد حسن. محمد بن عثمان بن أبي شيبة؛ هو محمد بن عثمان بن محمد بن إبراهيم، أبو جعفر العبسي الكوفي الحافظ.
وثقه صالح جزرة، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: كتب عنه أصحابنا.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا فأذكره، وهو على ما وصف لي عبدان لا بأس به. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، كتب الناس عنه، ولا أعلم أحدًا تركه.
وقال ابن خراش: كان يضع الحديث.
وقال ابن عقدة: سمعت عبد الله بن أسامة الكلبي، وإبراهيم بن إسحاق الصواف، وداود بن يحيى، يقولون: محمد بن عثمان كذاب، زادنا داود: قد وضع أشياء على قوم ما حدثوا بها قط. وهكذا نقل عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: كذاب، بين الأمر.
وقال البرقاني: لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه. مات سنة ٢٨٧ هـ.
стр. 557
قلت: فأما ابن خراش فمقدوح في عدالته، لا يقبل قوله في الجرح والتعديل، وقد تكلم في: (عمرو بن سليم الزرقي) أحد رجال البخاري، فقال ابن حجر في (هدي. الساري) ص ٤٥٣: "قلت: ابن خراش؛ مذكور بالرفض والبدعة، فلا يلتفت إليه".
وقال الذهبي في الميزان ٤: ٢٠٠ في ترجمة: (أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري): "لم أذكر أبا سلمة للين فيه، لكن لقول ابن خراش فيه: صدوق، وتكلم الناس فيه.
قلت: نعم، تكلموا فيه بأنه ثقة ثبت يا رافضي".
وهكذا ابن عقدة، قال الذهبي في ترجمته في (تذكرة الحفاظ) ٣: ٨٣٩: "لو صان نفسه وجود، لضربت إليه أكباد الإبل، ولضرب بإمامته المثل، لكنه جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، ومقت لتشيعه".
وفي ترجمته من (لسان الميزان) ١: ٢٦٤: " .. وروى حمزة بن محمد بن طاهر عن الدارقطني قال: كان رجل سوء، يشير إلى الرفض .. وقال أبو عمر بن حيويه: كان ابن عقدة يملي مثالب الصحابة، أو قال: مثالب الشيخين، فتركت حديثه".
وذكروا أنه وقع بين صاحب الترجمة وبن مطين شيء، فتكلم كل منهما في الآخر، فلعل البرقاني سمع هذا القدح فيه.
وحسبك في رفع ما ذكر عنه من ذلك الجرح؛ أن يقول فيه الحافظ ابن عدي -وهو من أهل الاستقراء، والاطلاع الواسع-: "لم أر له حديثًا منكرًا فأذكره".
ينظر: الثقات ٩: ١٥٥، الكامل ٦: ٢٩٥، تاريخ بغداد ٣: ٤٢، تذكرة الحفاظ ٢: ٦٦١، اللسان ٥: ٢٨٠.
وعمران بن أبي عمران، هو عمران بن بشر، أبو بشر الحلبي البصري.
قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في (الثقات).
ينظر: التاريخ الكبير ٦: ٤٠٩، الجرح والتعديل ٦: ٢٩٤، الثقات ٧: ٢٣٩.
стр. 558
وأورده الهيثمي في (المجمع) ١: ١٦٩ وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه: أبو شيبة، وهو ضعيف جدًا".
وأعاده (٧: ٦٧) وقال: "رواه الطبراني، وفيه: أبو شيبة، وعمران بن أبي عمران، وكلاهما ضعيف".
قلت: وأبو شيبة، هو: إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، جد عثمان، وليس مذكورًا في السند، بل المراد: والد عثمان؛ محمد بن إبراهيم.
فأبو شيبة لا مدخل له في هذا الإسناد، وهو متروك الحديث، كما في التقريب ص ٩٢. فلا يستقيم إعلال الحديث بهذا.
وأما تضعيف الهيثمي بعمران، فلا أدري ما مستنده فيه؟ وأخشى أن يكون وهم في تعيين الراوي، لأنه لم ينسب في السند، وربما اشتبه بغيره.
وقد نص الحافظ المزي في ترجمة: (محمد بن إبراهيم بن عثمان بن العبسي الكوفي) أنه يروي عن: عمران بن بشر الحلبي، ولم أقف على من جرحه أو قدح فيه بشيء، بل قيل فيه عبارة تعديل، كا سبق في ترجمته.
فلا يستقيم أيضًا إعلال الحديث بهذا.
وقد وقع في نحو هذا العلامة الألباني ﵀، فإنه أورد هذا الحديث في السلسة الضعيفة ١٠: ٣٣ رقم (٤٥٣١)، وقال: (ضعيف جدًا. أخرجه الطبراني .. -وساق سند، ثم قال:- وهذا إسناد ضعيف جدا؛ عمران بن أبي عمران هذا؛ الظاهر أنه الرملي؛ قال الذهبي: "أتى بخبر كذب عن بقية بن الوليد؛ فهو آفته".
قلت: وما استظهره الشيخ ليس بظاهر لأمرين:
١ - أن تلميذ عمران في هذا السند: محمد بن إبراهيم؛ توفي سنة ١٨٢ هـ، وبقيَّة قد توفي سنة ١٩٧ هـ، فيكون بقية في طبقة تلاميذه لا شيوخه.
стр. 559
٢ - ما سبق ذكره عن الحافظ المزي في ترجمة (محمد بن إبراهيم بن عثمان بن العبسي الكوفي) أنه يروي عن: عمران بن بشر الحلبي، ولم يذكر غيره ممن اسمه: عمران.
وهذا الاختلاف في تمييز الراوي؛ انبنى عليه أثرٌ كبير في الحكم على الإسناد.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة ٦: ١٢٠ (٢٩٩٥٥) عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه.
وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٩: ٣٤ من طريق شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه أيضًا.
وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، وسبق في الحديث رقم (٣١).
قال الحافظ في ترجمته في (هدي الساري) ص ٤٤٦: "من مشاهير الرواة الثقات، إلا أنه اختلط، فضعفوه بسبب ذلك، وتحصل لي من مجموع كلام الأئمة، أن رواية شعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وزائدة، وأيوب، وحماد بن زيد، عنه قبل الاختلاط، وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء؛ فحديثه ضعيف، لأنه بعد اختلاطه، إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم فيه".
فيكون إسناد هذا الموقوف ضعيفًا، والله أعلم.
*****
стр. 560
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
(١٦٥) عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: (ضمة القبر).
تخريجه:
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧: ٢٤٤٠ رقم (١٣٥٧٠) عن أبي زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁ .. فذكره.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٢٥٥ إلى: سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
الحكم على الإسناد:
ضعيف، لحال ابن لهيعة وما قيل في رواية دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وهذه منها. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الحديث الثامن.
وقد خالف ابنُ لهيعة فيه من هو أوثق منه، فرواه البيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٦٠ رقم (٦١) من طريق عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (إن المعيشة الضنك؛ أن سلط عليه تسع وتسعون تنينًا، ينهشه في القبر).
وعبد الله بن سليمان، هو: الحميري، أبو حمزة الطويل.
ذكره ابن حبان في (الثقات)، وفي التقريب: صدوق يخطىء.
والرجل أخرج له النسائي في كتابه، وهو معروف بتشدده في الرجال، قال أبو علي النيسابوري: النسائي شرطه في الرجال، أشد من شرط مسلم بن الحجاج (١).
ينظر: الثقات ٧: ٤١، تهذيب الكمال ١٥: ٦٠، التقريب ص ٣٠٦.
стр. 561
فالأرجح في هذا الوجه أنه موقوف، وسيأتي مزيد بيان في هذا.
قلت: وحديث أبي سعيد ﵁ له طريق أخرى، فقد رواه الحاكم في (المستدرك) ٢: ٣٨١، -وعنه: البيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٥٩ رقم: (٥٩) - قال: أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق، أنبانا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي حازم المدني، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: (عذاب القبر).
وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
وهذا الوجه معلول، وبيان ذلك؛ أن هذا الحديث يرويه: أبو حازم سلمة بن دينار، وتتابع الرواة عنه على روايته موقوفًا، ومنهم:
١ - سفبان بن عيينة.
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣: ٥٨٤ رقم (٦٧٤١) عن سفيان، والطبري ١٦: ١٩٦، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٦٠ رقم: (٦٠)، كلاهما من طريق سفيان، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد ﵁، في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: (يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه فيه).
وهذا إسناد صحيح.
٢ - عبد الرحمن بن إسحاق.
أخرجه مسدد في (مسنده)، -كما في (المطالب العالية) ٤: ١٣٥ رقم (٣٦٧٢) -، وابن أبي شيبة في (المصنف) ٧: ١٤٤ رقم (٣٤٨٣٧)، والطبري ١٦: ١٩٦، من طرق عن عبد
стр. 562
الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (إن المعيشة الضنك التي قال الله: عذاب القبر).
والنعمان بن أبي عياش؛ كنيته: أبو سلمة. ينظر: التقريب ص ٥٦٤.
٣ - ٤ - محمد بن جعفر، وابن أبي حازم.
أخرجه الطبري ١٦: ١٩٨ قال: حدثني عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، وابن أبي حازم، قالا: ثنا أبو حازم، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ﵁: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: (عذاب القبر).
٥ - حماد بن سلمة.
واختلف عليه فيه على وجهين:
(أ) رواه أبو عمرو الضرير، عنه، عن أبي حازم، به موقوفًا.
أخرجه الواحدي في تفسيره (الوسيط) ٣: ٢٢٦.
(ب) ورواه النضر بن شميل، عن حماد، به، مرفوعًا.
وهو الحدبث المذكور ص ٦٥٢ عند الحاكم، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر)، وقال البيهقي عقبة ص ٥٩: "وكذلك رواه حفص بن عبد الرحمن، عن حماد، مرفوعا".
ولم أقف عليها مسندة.
والراجح رواية الوقف، وهو ما رجحه ابن كثير في تفسيره ٥: ٣٢٣.
الشواهد:
يشهد للحديث؛ ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (المؤمن في قبره في روضة، وُيرحَّب له قبره سبعين ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أترون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؟ قال: أتدرون ما المعيشة
стр. 563
الضنك؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليهم تسعة وتسعون تنينًا، أتدرون ما التنين؟ قال: تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة).
أخرجه أبو يعلى ١١: ٥٢١ رقم (٦٦٤٤)، والطبري ١٦: ١٩٨، وابن حبان في صحيحه -كما في الإحسان ٧: ٣٩٢ رقم (٣١٢٢)، والآجري في (كتاب الشريعة) ٣: ١٢٧٣ رقم (٨٤٠)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٦٢ رقم (٦٨)، كلهم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثه، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة ﵁.
وزيد يحيى بن منصور، بين عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، عند البيهقي.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٢٥٦ إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
وسند الطبري فيه: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي؛ عبد الله ابن وهب، به.
وهذا إسناد حسن.
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب؛ هو المصري، ولقبه: بحشل. صدوق تغير بأخرة.
ينظر: تهذيب الكمال ١: ٣٨٧، التقريب ص ٨٢، وسيأتي في الحديث رقم (٢٠٦).
وقد تابعه غير واحد عن ابن وهب.
وعبد الله بن وهب؛ ثقة حافظ، أخرج حديثه الجماعة، كما في التقريب ص ٣٢٨.
وعمرو بن الحارث؛ ثقة فقيه حافظ.
وأبو السمح؛ أحاديثه مستقيمة إِلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، وسبق في الحديث الثامن.
стр. 564
وابن حجيرة، هو عبد الرحمن بن حجيرة القاضي، ثقة، أخرج حديثه الستة سوى البخاري، ومات سنة ٨٣ هـ، كما في التقريب ص ٣٣٨.
فأقل أحوال هذا السند أن يكون حسنًا.
وساقه ابن كثير في تفسيره ٥: ٣٢٣ بسند ابن أبي حاتم، من طريق أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، به، بنحوه.
ثم قال: "رفعه منكر جدًا".
فإن كان يعني هذا الإسناد الذي ذكره، ففيه ابن لهيعة وضعفه مشهور، وأسد بن موسى؛ صدوق يغرب، كما في التقريب ص ١٠٤.
وإن كان يعني أصل الحديث، فلم يظهر لي وجه نكارته، إلا أن يكون من جهة سياق المتن، والله أعلم.
والحديث أورده الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) ٤: ١٩٣ مصدرًا إياه بقوله: "وعن .. "، وقد قال في مقدمة الكتاب ١: ٣٦: "فإذا كان إسناد الحديث صحيحًا أو حسنًا أو ما قاربهما؛ صدرته بلفظة: عنه".
وأورده في المجمع ٣: ٥٥ وقال: "رواه أبو يعلى، وفيه: دراج، وحديثه حسن، واختلف فيه".
والحديث أخرجه البزار ٢: ٩٤ رقم (١٤٨٣ - مختصره) من طريق محمد بن عمر، ثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابي حجيرة، به، بنحوه مختصرًا.
وعزاه في (الدر المنثور) ١٠: ٢٥٥ إلى ابن أبي حاتم.
وقال البزار عقبة: فيه من لم أعرفه.
وتعقبه ابن حجر، فقال: كلهم معروفون بالثقة إلا محمد بن عمر، فهو الواقدي.
قلت: وهو متروك، كما في التقريب ص ٤٩٨.
стр. 565
وجاء عن أبي هريرة ﵁ من وجه آخر- عن النبي ﷺ قال: (إن الميت إذا وضع في قبره؛ إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه .. -فذكر الحديث بطوله في فتنة القبر، وعذابه ونعيمه، وفيه في ذكر عذاب الكافر:- ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾).
أخرجه ابن حبان كما في الإحسان ٧: ٣٨٠ (٣١١٣): قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت محمد بن عمرو، يحدث عن أبي سلمة، عن أي هريرة ﵁.
وأخرجه أيضًا ٧: ٣٨٩ (٣١١٩) مختصرًا، والطبراني في الأوسط ٣: ١٠٥ (٢٦٣٠) مطولًا، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٥٩ رقم (٥٧)(٥٨) مختصرًا، من طرق عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، به.
وأخرجه البيهقي في (إثبات عذاب القبر) ص ٦١ رقم (٦٧) مطولًا، من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو بن علقمة، به.
وإسناده حسن، لكن اختلف في رفعه ووقفه.
وأورده في (مجمع الزوائد) ٣: ٥٢ وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن".
فهؤلاء ثلاثة رفعوه عن محمد بن عمرو:
١ - معتمر بن سليمان. (ثقة - التقريب ص ٥٣٩).
٢ - حماد بن سلمة. (ثقة عابد، وتغير حفظه بأخرة - التقريب ص ١٧٨).
٣ - عبد الوهاب بن عطاء. (صدوق ربما أخطأ - التقريب ص ٣٦٨).
وقابلهم ثلاثة آخرون، فوقفوه عن محمد بن عمرو، وهم:
١ - يزيد بن هارون. (ثقة متقن - التقريب ص ٦٠٦)
رواه عنه: ابن أبي شيبة في مصنفه ٣: ٥٦ (١٢٠٦٢).