← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولما رجع الملك الظاهر إلى حلب ذهب معه إليها جماعة من الأمراء الصلاحية، منهم: فارس الدين ميمون القصرى، وسرا سنقر، وألبكى الفارس. فأقطع الملك الظاهر ميمون القصرى عزاز وأماكن أخرى، وحمل إليه ثمانين ألف درهم، وخلعا كثيرة له ولأصحابه، وعشرة أرؤس من الخيل العراب، وعشر بغلات، وعشر زرديات، ومائة ثوب ألوانا، وحمل إلى ألبكى وأسد الدين سرا سنقر دون ذلك، فلم تطب قلوبهما به. ثم قصد الملك الظاهر منبج، وكان الملك الفائز بن الملك العادل قد قصدها في غيبته وملكها، فاستعادها وخرّب سورها وقلعتها، ونقل ذخائرها إلى حلب وأقطعها عماد الدين بن المشطوب. وفى هذه السنة أنفذ قراقوش - نائب شمس الدين بن المقدم بأفامية - إلى الملك الظاهر يبذل له أفامية، بشرط أن يعطى شمس الدين إقطاعا يقوم به، وكان بتقرير بينه وبين شمس الدين. فأجاب الملك الظاهر إلى ذلك، وأقطعه الراوندان، وكفر طاب ومفردة المعرّة، وحلف له على ذلك وتسلم أفامية. ثم في هذه السنة هرب شمس الدين إلى قلعة الرواندان وعصى بها، فقصده الملك الظاهر واستنزله منها، وأخذ كل ماله من الأموال والذخائر، فقصد بدر الدين دلدرم - صاحب تل باشر - (٣٨ أ) مستشفعا به إلى الملك الظاهر في أن يعيد إليه ما أخذ منه، فلم يجد استشفاعه شيئا، فقصد الملك العادل فأقطعه إقطاعا وأحسن إليه.

стр. 1017

ذكر وصول الملك العادل إلى حماة وانتظام الصلح بينه وبين الملك الظاهر وفى هذه السنة توجّه الملك العادل بالعساكر إلى حماة، ونزل على تل صفرون، وقام الملك المنصور بجميع وظائفه وكلفه وما يحتاج إليه. وبلغ الملك الظاهر وصول عمّه إلى حماة بنيّة قصده وحصاره، فخاف واستشعر، وأمر بالاستعداد، وجمع المير والذخائر، واستحلف الحلبيين، وأحضر (١) إليه مقدميهم. وقال: «أنا واثق بعد الله تعالى بكم، وليس لى اعتماد إلا عليكم (٢)». فقالوا: «نحن عبيدك، وسنبذل مهجنا بين يديك». وراسل عمّه، ولاطفه، وأهدى إليه، ووقعت بينهما مراسلات ومكاتبات، واستقرّ الأمر آخرا على أن قررت بيده منبج وأفامية وكفر طاب، وكان الملك العادل قد رام انتزاعها منه وردّها إلى ابن المقدّم. وانتزع منه من إقطاع ابن المقدّم مفردة المعرة، وهى خمس وعشرون ضيعة، وسلمت إلى الملك المنصور. وسلّمت قلعة نجم إلى الملك الأفضل مع سروج، ووعد بانتزاع رأس عين من (٣) صاحب ماردين، وكانت بيده سميساط.

стр. 1018

وحلف الملك العادل للملك الظاهر. وسلّم الملك العادل إلى ولده الملك الأشرف مظفر الدين [موسى] (١) حرّان وما معها، وسيّره إلى الشرق. وكان بميّا فارقين الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل. وتقرر بقلعة جعبر الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه بن الملك العادل. ثم رجع الملك العادل إلى دمشق، وأقام بها، وقد انتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلّها في سلك ملكه، وخطب له على منابرها كلّها، وضربت السكة فيها باسمه. وفى هذه السنة توفى القاضى محيى الدين بن زكى الدين قاضى القضاة بدمشق وبلادها، وكان إليه قضاء حلب وبلادها (٣٨ ب) من الأيام الناصرية. ولما ورد القاضى بهاء الدين بن شداد إلى حلب كان بحلب زين الدين بنا البانياسى ينوب في القضاء بها عن محيى الدين فعلم ميل الملك الظاهر إلى تولية القاضى بهاء الدين القضاء (٢)، فطلب دستورا من الملك الظاهر فأعطاه، وسافر إلى دمشق، فولّي الملك الظاهر بهاء الدين القضاء، فأنكر محيى الدين بن زكى الدين على زين الدين طلب الدستور، وقال: «لو كنت أقمت وولّي غيرك ناظرت عنك، فأما إذ فعلت ما فعلت ما بقيت أتكلم في قضاء حلب». وكان محيى الدين ﵀ فاضلا مترسلا، وله النظم والنثر البديعان.

стр. 1019

ولما توفى ولّي الملك العادل قضاء دمشق ولده زكىّ الدين، وهو الذى لما أراد الملك المعظم عزله والإخراق (١)؛ به بعث إليه قباء (٢) وكمّه (٣) وتقدم إليه بلبس ذلك، فلبسه، فحصل له غم بسبب ذلك، فمات بعد أيام قلائل. وفى هذه السنة قدمت إلى حماة عصمة الدين ملكه (٤) خاتون ابنة الملك العادل، وزينت حماة لمقدمها، وكان يوما مشهودا.

стр. 1020

ودخلت سنة تسع وتسعين وخمسائة والملك العادل مقيم بدمشق. وفى هذه السنة وردت الأخبار بوصول الفرنج إلى عكا، واجتماعهم بها، وبأن فرنج صقلية قاصدون الديار المصرية. فسيّر الملك الظاهر إلى الملك العادل خمسائة فارس، ومائة راجل من الحلبيين (١) حجّارين ونقّابين وزردخاناة (٢)، ليبعث ذلك إلى مصر. ولليلة بقيت من المحرم من هذه السنة توفى فلك الدين سليمان (٣) أخو الملك العادل لأمه، وكان يلقب الملك المبارز. ذكر حوادث (٤) حدثت باليمن (٥) في خامس صفر من هذه السنة ورد إلى الملك المنصور (٦) - صاحب حماة - كتاب من المختص والى البرّ بحماة، وكان حجّ سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، يخبر

стр. 1021

فيه بقتل الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين ابن أيوب. وسطر الكتاب يتيما في (١) رابع عشر المحرم، منه. «وأما أخبار اليمن: فإن ابن سيف الإسلام قتله جماعة من الأكراد، وتشوشت البلاد، (٣٩ ا) وكلّ استقلّ بما تحت يده، والبلاد سايبة تريد رجلا [يحفظها] (٢)، وسرّية بن سيف الإسلام عصت في قلعة منيعة (٣)، هى أحصن القلاع وأمنعها، وعندها من الأموال ما لا يحصى عدده. وذكر عنها أنها قالت: ما نسلّم هذا الحصن وهذه الأموال إلا لرجل من ولد السلطان». هذا ما ذكره المختصّ في كتابه. ونحن نذكر ما بلغنا من أحوال الملك المعز: كنا قد ذكرنا تملكه بعد أبيه لبلاد اليمن، ثم إنه بعد ذلك جرت له باليمن حروب، منها: أنه خرج عليه الشريف عبد الله بن عبد الله (٤) الحسنى (٥) وضرب معه مصافا، فانكسر الشريف. ثم خرج عليه من مماليك أبيه نحو ثمانمائة مملوك، وحاربوه، واعتصموا بصنعاء، فكسرهم، وأخذها منهم. ثم ادعى بعد ذلك الخلافة، وانتسب إلى بنى أمية، وجعل شعاره

стр. 1022

الخضرة (١)، وقطع خطبة بنى العباس، وخطب لنفسه بالخلافة على منابر اليمن، وخطب بنفسه على المنبر يوم الجمعة. وقد ذكر أن عقيدته كانت فاسدة، وأنه ادعى الربوبية، وأمر كاتبه أن يكتب: «من مقر الإلهية»، ثم نهى عن ذلك، فانتهى خوفا من القتل. [وبلغ عمه الملك العادل دعواه النسب إلى بنى أمية، فأنكره وساءه فعله، وجحد أن يكون لبنى أيوب نسب يتصل ببنى أمية. وخافته مماليك أبيه لهوجه وسفهه، ففارقوه وتحزبوا عليه وحاربوه، ووافقهم على ذلك جماعة من أمراء الأكراد، منهم: شمس الدين بن الدقيق (٢)، وباخل، وغيرهم، فاتفقوا كلّهم على قتله، وضربوا معه مصافا في السنة الماضية، وهى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، فكسروه وقتلوه، ونصبوا رأسه على رمح، وداروا به بلاد اليمن، ونهبوا زبيد تسعة أيام. وكان له أخ صغير يلقب بالملك الناصر، فجعلوا له اسم السلطنة، وترتب أتابكا له سيف الدين [سنقر] (٣) - مملوك والده (٤) -. ثم اضطربت الأمور على سيف الدين سنقر، وتحزّبت عليه العساكر وقاتلوه، وجرت بينهم حروب كثيرة، وآخرها أنه انتصر وقتل جماعة من الأكراد والأتراك، وحبس جماعة، وصفت له اليمن. ثم مات بعد أربع سنين. وكان تزوج أمّ الملك الناصر، وأولدها ولدا ذكرا، (٣٩ ب) فتزوجها

стр. 1023

بعده أمير من أمراء الدولة، يقال له: «غازى بن جبريل» وقام بأتابكية الملك. ثم سمّ الملك الناصر في كوز فقاع على ما قيل، وبقى غازى متملكا البلاد [وحده] (١) مدة، ثم قتلته جماعة من عرب البلاد. وذكر أن سبب قتلهم (٢) له، اتهامهم إياه بقتل الملك الناصر. وبقيت اليمن خالية بغير سلطان. ورأيت في بعض التواريخ أن الملك الناصر هو ابن الملك المعز إسماعيل، وهو خطأ، فإن الذى تحققته من جهة لا أشك في صحتها (٣) ما ذكرته أولا. وكان لسعد الدين شاهان شاه بن الملك المظفر تقى الدين عمر ﵀ ولد يقال له سليمان شاه، قد خلع لباس الجند، ولبس لباس (٤) الفقراء، ويحمل ركوة على كتفه، وينتقل مع الفقراء من مكان إلى مكان. فاتفق أنه حجّ إلى مكة - شرفها الله تعالى - وكانت أمّ الملك الناصر قد تغلبت على زبيد، وأحرزت الأموال عندها وكانت تنتظر وصول رجل من بنى أيوب تتزوجه وتملكّه البلاد. فبعثت إلى مكة بعض (٥) غلمانها يكشف (٦) لها عن أخبار مصر والشام، فوقع بسليمان شاه، وقد جاء حاجا مع الفقراء، فسأله عن اسمه ونسبه فعرفه (٧).

стр. 1024

فكتب إليها [غلامها] (١) وعرفّها ذلك، فاستحضرته، وخلعت عليه. وتزوجته، وملكّته اليمن، فملأها ظلما وجورا، واطّرح زوجته التي ملكته البلاد، وأعرض عنها. وكتب إلى السلطان الملك العادل - وهو عمّ جدّه - كتابا جعل في أوله: «إنه من سليمان، وإنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». فاستقلّ الملك العادل عقله، وعلم أنه لا بد لليمن من سلطان قاهر، يمضى إليها ويدبّر أمر (٢) ملكها، [وكتبت هى أيضا إلى الملك العادل تشكوه فيه] (١) فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر الحوادث المتجددة بالشرق تقدم الملك العادل في هذه السنة إلى ولده الملك الأشرف موسى بمنازلة ماردين (٣)، فنازلها بعسكره، ومعه الملك الأفضل نور الدين، وانضاف إليهم عسكر الموصل وسنجار، ونزلوا بحرزم تحت جبل ماردين، وأقاموا مدة ولم يتحصلوا على غرض، فدخل الملك الظاهر في الصلح بينهم وبين الملك العادل، وأرسل (٤٠ ا) إلى الملك العادل في ذلك، فأجاب إلى الصلح؛ على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده، وتضرب السكّة باسمه، ويكون عسكره (٤) في خدمته متى طلبه.

стр. 1025

فأجيب إلى ذلك. وحصل الملك الظاهر بطريق هذه (١) الوساطة عشرة آلاف دينار، وضيعة تسمى «القرادى» من أعمال شبختان. فرحل الملك الأشرف عنهم وتفرقت العساكر. وفى هذه السنة نزل ابن لاون - صاحب الأرمن - على جسر الحديد، لحرب أهل أنطاكية، وأتلف مرزه الأبرنس صاحبها، وأخرب البلد المختص بالخيّالة والأبرنس، وقطع مادة الميرة المتواصلة من أنطاكية إلى حلب. وفى هذه السنة ورد الخبر أن الفرنج الذين كانوا اجتمعوا بعكا عاد أكثرهم إلى داخل البحر، وما تخلّف إلا من عجز عن السفر، وأن الغلاء كثر بعكا، ومتى قطعت عنهم الميرة هلكوا. ذكر إخراج الملك العادل الملك المنصور ابن الملك العزيز من الديار المصرية كنا ذكرنا استقلال الملك العادل بملك الديار المصرية وإزالة اسم الملك المنصور محمد بن الملك العزيز. ولما كانت هذه السنة تقدم الملك العادل بإخراجه من الديار المصرية، لأنه خاف من الصلاحية وممن يميل إلى الملك العزيز أن يقوموا مع ولده وتعود الفتنة والعصبية كما كانت.

стр. 1026

فأخرج [الملك المنصور بن العزيز] (١) من مصر في الخامس والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة، ومعه والدته وأخوته ومن يختص به، وسيّروا إلى الرّها، فأقاموا بها مدة، ثم انتقلوا إلى حلب، وأقاموا عند الملك الظاهر صاحبها. وسنذكر إن شاء الله تعالى أن الملك الظاهر في مرض موته جعل الملك المنصور هذا ولىّ العهد بعد ولديه: الملك العزيز، والملك الصالح. وفى هذه السنة شرع الملك العادل في عمارة فصيل دائر حول سور دمشق بالكلس والحجر، وهو من سفل الخندق إلى مقدار قامة، وعمّق الخندق، وأجرى الماء فيه. ذكر نزول الملك المنصور ببعرين مرابطا للفرنج وفى هذه السنة توجّه الملك المنصور بعساكره إلى بعرين، فنزل بقلعتها مرابطا لفرنج الساحل، وأقام بها. وطلب من الملك العادل النجدة، فتقدّم الملك العادل إلى الملك الأمجد بهرام شاه بن عز الدين فرخشاه - صاحب بعلبك -، وإلى الملك المجاهد - صاحب حمص - بإنجاده، [ففعلوا ذلك] (٢). ووصل من الصاحب صفى الدين بن شكر كتاب إلى الملك المنصور - صاحب حماة - (٢) منه:

стр. 1027

«علم المملوك حركة المولى ونزوله قبالة حصن الأكراد، وما عزم عليه من المصابرة والجهاد. وقد كتب السلطان - أعزّ الله أنصاره - إلى صاحب حمص وبعلبك - أبقاهما الله - بمقتضى ما أشار المجلس ونبّه عليه من إنفاذ عسكرهما إليه. وقد علم الله أن المملوك لا يألو جهدا في خدمته، التي يعدها من السعادة والمبادرة إلى امتثال أمثلته إلتى صارت له كالعادة». ثم ورد كتاب من الملك العادل إلى الملك المنصور يخبره بأنه قد كتب إلى الملك الظاهر يأمره بتسيير نجدة من عنده إلى خدمته، (١) وأنه قد أنكر على صاحب حمص وصاحب بعلبك تأخرّ النجدة عنه (١). وورد كتاب من صفّى الدين بن شكر إليه، منه: كن كيف شئت من البعاد ... فأنت في قلبى قريب عرض (٢) المملوك كتاب المولى [على] (٣) السلطان - خلّد الله ملكه -، وقد كتب إلى الملك الظاهر، والملك الأمحد، والملك المجاهد، - عزّ نصرهم - بتسيير عساكرهم إليه وورودها عليه، وإعانته على جهاده، ومرابطته والانقياد إلى آرائه وطاعته، فجزاه الله عن الإسلام ما جزاه، فقد أوتى من الفضل ما لم يؤت سواه، وقد قام بأمور الجهاد لما قعد عنه من عداه، وقد اقتنى الأجرين، وحاز الشكرين، وقام بالحقّين، وأدّى ما يجب عليه من الفرضين، فشكره مخلّد في صحائف الأيام، وحمده تنطق به ألسنة الأقلام.

стр. 1028

وقد أهل له في الآخرة عن هذا السعى المشكور دار السلام». ولما وصلت نجدة الملك الظاهر إلى عند الملك المنصور، ونجدة الملك الأمجد تهيأ لملتقى الفرنج - خذلهم الله تعالى - (١). ذكر الوقعة التي أوقعها الملك المنصور بالفرنج (١٤١) وكانت في ثالث شهر رمضان من هذه السنة وكان من حديثها: أن الفرنج اجتمعوا من حصن الأكراد وطرابلس والحصون التي حولها. وجاءوا في فارسهم وراجلهم. وركب الملك المنصور في العساكر التي معه، وتقدم إليهم، وقاتلهم، فهزمهم، وأخذ (٢) جماعة من مقدميهم وخيّالتهم، وبعث بهم إلى حماة، فدخلوها راكبين خيولهم، لا بسين عددهم، وبأيديهم رماحهم، وكان يوما مشهودا. وفى ذلك يقول بهاء الدين أسعد يحيى السنجارى قصيدة يمدحه بها، ويهنئه بهذا الفتح الجليل:

стр. 1029

مطلعها: المجد يدرك بالعسّالة الذبل ... والمشرفيّة، لا بالوعد والأمل (١) والجدّ في الجدّ، فاجنبها (٢) مسوّمة ... يقودها أسد بالأينق الذلل ما لذّة العيش إلا صوت معمعة ... ينال فيها المنى بالبيض والأسل يأيّها الملك المنصور نصح فتى (٣) لم يلوه ... عن وفاء كثرة العذل اعزم ولا تترك الدنيا بلا ملك ... وجدّ، فالملك محتاج إلى رجل وأبرز إلى الموت (٤) يوم الرّوع مدّرعا ... قلبا، إذا زالت الأفلاك لم يزل وهمّ في طلب العلياء مرتقيا (٥) ... وأرسل الجيش أبدالا من الرسل واهصر عداك كهصر الليث طعمته (٦) ... وصل إذا الليث في الهيجاء لم يصل ومنها: يا أوحد العصر، يا خير الملوك، ومن ... فاق البرية من حاف ومنتعل أسهرت عينيك (٧) في كسب العلا ولكم ... من بات يسهرها في اللهو والجذل جاهدت في الله طوعا والملوك غدوا ... يستهترون (٨) بذات الحلى والحلل

стр. 1030

يداك باطنها للجود مذ خلقت فينا ... وظاهرها للثم والقبل وأنت شرّفت أيوبا على شرف (١) ... فيه وفقت كرام السادة الاول أغمدت بيض المواضى في الرّقاب وقد (٢) ... حلّيت عاطلها ضربا من القلل عاجلتهم بالمنايا والحتوف فلا تترك ... لهم أجلا يبقى إلى أجل (٤١ ب) صفّدهم عاجلا (٣) واجعل حصونهم ... سجونهم فهم في غاية الفشل ولما كسر الملك المنصور - صاحب حماة - الفرنج كتب إلى عمّه السلطان الملك العادل - رحمهما الله - يعرّفه ذلك. فورد عليه كتاب الملك العادل ثامن عشر شهر رمضان، ومنه: «وردت مكاتبة المجلس، ووقف الخادم عليها، وفهم ما أشار إليها من يمن حركته، وسعادة وجهته، وبركة نصرته، ودخوله إلى بلاد الكفار، وما أثّره (٤) فيها وفيهم من جميل الآثار، فاستبشر بما دلّت عليه من هذه النعم. الراهنة، والعوارف الظاهرة والباطنة، والله تعالى يجازيه أحسن الجزاء، (٥) ويضاعف له من الحسنات أوفر الأجزاء (٥)، ويرحم سلفه الكريم، ويحسن له في الحديث والقديم، ويؤيده في كل حركة بأحزاب الملائكة». ووصل في هذه المدة رسول من الداويّة [إلى الملك المنصور] (٦) يخبر فيه

стр. 1031

بوصول الفرنج إلى عكا من داخل البحر في نحو ستين (١) ألفا من فارس تركبلىّ (٢) وراجل، وأنهم يقصدون جهة جبلة واللاذقية. وأن مقدّم الاستبارية (٣)، ومقدّم الداوية، والملك متوجهون إلى ابن لاون ملك الأرمن، ليصلحوا بينه وبين الأبرنس - صاحب أنطاكية - ويأتون بابن لاون ليلقى الفرنج، وتجتمع كلمة الكل على حرب المسلمين. وأن (٤) المركيس وكند (٥) قلنط (٤) مقدمى العسكر الخارج إلى بلاد الشام وقع بينهم وبين ملك الهنكرية (٦) وقعة عظيمة، وأخذوا مدينة كبيرة بالسيف، وقتلوا منهم خلقا كبيرا (٧). وأن شينيا (٨) قدم من عندهم يخبر بأنهم اصطلحوا، وأنهم خارجون إلى الشام في عيد الصليب. وإنما قصدت الداوية بهذه الأخبار الإرهاب، ليصالح (٩) الملك المنصور بيت (١٠) الاستبار، فإن الداوية سألهم (١١) الاستبار التوسط بينه وبينهم.

стр. 1032

فأجاب الملك المنصور: «بأنّا لا نجزع بما تقول ولا نكترث، ولو أنهم أضعاف ذلك لناجزتهم، فقد تحققنا قصدهم لنا، وعلمنا ذلك ولا سبيل إلى مصالحة الاستبار بوجه». فضرع الرسول حينئذ. وسأله تقليد الداوية (١) المائة في (١) صلحهم واعتذر من قوله الأول. فأجابه إلى ملتمسه. فسرّ الرسول بذلك (٤٢ ا) وقام وكشف رأسه، وقبّل يده. وورد كتاب الملك العادل يخبره فيه بالفرنج الخارجين من البحر، وتوجههم إلى جهة اللاذقية وغيرها من البلاد. وفى هذه السنة ولد الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور، وسمّاه عمر، وإنما سمى محمودا بعد ذلك. وكانت ولادته بقلعة حماة ظهر يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان من هذه السنة. وكان والده الملك المنصور بقلعة بعرين في مرابطة الفرنج، فلما بلغته ولادته قدم إلى حماة يوم الأحد منتصف شهر رمضان، فهنأه أكابر الدولة، ومدحه الشعراء وهنوه بذلك، فممن مدحه وهناه سالم بن سعادة الحمصى وهو من الشعراء المجيدين (٢)، بقصيدة مطلعها: هذا الهناء الذى سرّت بشائره ... بمولد الملك الميمون طائره شبل أتى من هزبر سمر ذبّله ... آجامه ومواضيه بواتره

стр. 1033

أضحى أمأ أبيه شربه، وله ... في الملك من جدّه جدّ يؤازره هنيته ولدا أطلعت كوكبه ... ويا له فلك إلا مفاخره سمّيته عمرا لما انطوى عمر ... وذكر أحسابه (١) في الخلق ناشره فجاء يشبهه بأسا ومحمدة ... ونائلا عمرا الآفاق عامره خضر معاينه حمر ما يكرّ به ... من الظّبى والقنا بيض مآثره خلج مناصله، عدد سوابغه ... أسد جحافله، فتح ضوامره ثرّت (٢) مواهبه، كرّث كتائبه ... درّت سحائبه، سرّت عشائره ذكر الوقعة التي أوقعها الملك المنصور ببيت الاستبار ولما كان الحادى والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة خرج جمع الاستبار من حصن الأكراد والمرقب، ومن وصل إليهم من الضرب، وأغاروا على عمل (٣) بعرين. وعدتهم أربعمائة (٤) فارس، خارجا عن التركبليّة (٥)، وألف ومائتا (٦) راجل ومن معهم من الجرخية (٧)، ورماة الزنبورك (٨).

стр. 1034

فرتّب الملك المنصور - صاحب حماة - عسكره، وقصدهم والتقاهم، فكسرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. وكان (٤٢ ب) من جملة القتلى مقدّم التركبليّة، وقومص من البحرية. وأسر منهم جماعة من الأخوة، منهم: «أفرميلو» (١) أخو (٢) «الجرد». وانهزم الباقون لا يلوون على شىء، وكانوا قد كمنوا لهم كمينا، هم: مائة فارس، وألف وخمسمائة راجل، فلما علموا بالكسرة ولوا هاربين. وحملت الأسرى إلى حماة على خيولهم بعددهم، وبأيديهم قنطارياتهم (٣). ومدح سالم بن سعادة الملك المنصور (٤) مهنئا له بهذه الواقعة (٤) بقصيدة مطلعها: أمن اللواحظ أن يفوّق أسهما ... ريم برامة مارمى (٥) حتى رمى بصوائب تخطى النبال ونبلها يردى ... الرّمىّ، ولا يريق له دما فتّانة (٦) بالسحر بل فتّاكة (٧) ما ... جار قاضيهنّ حتى حكّما ومخلصها: أضحيت فيها مغرما كمحمد ... لما غدا بالأريحيّة مغرما وجرى بحلبة مجده، فتأخرت ... عنه الملوك الصيد حين تقدّما

стр. 1035

كم بلدة للمشركين بناؤها ... بسطاك - في يوم المغار (١) - تهدّما وشننت منتقما بساحل (٢) بحرها ... جيشا حكى البحر الخيضمّ عرموها أسدلت في الآفاق من هبواته (٣) ... ليلا واطلعت الأسنّة أنجما (٤) ودحيت أرض طلا الكماة براحه ... بنى العجاج لنجم صارمها سما وشدا لترقيص الجماجم صارم ... بلسانه كم شقّ من كلم فما سيف هو النهر الذى في سيفه ... تضحى نفوس بنى الأصيفر عوّما (٤) ذكر انتزاع ما كان أعطيه الملك الأفضل من البلاد (٥) ما عدا سميساط (٦) وبلغ الملك العادل أن ابن أخيه (٧) الملك الأفضل قد (٧) كاتب جماعة من الأمراء، وحالفهم عليه. فكتب حين تحقق ذلك إلى ولده الملك الأشرف موسى لينتزع منه رأس عين وسروج، وكتب إلى الملك الظاهر أن يتوجه إلى قلعة نجم وينتزعها منه، ففعل ذلك ولم يبق بيده من البلاد إلا سميساط.

стр. 1036

(٤٣ ا) فلما رأى الملك الأفضل ذلك أرسل والدته إلى الملك المنصور - صاحب حماة -، وسأل أن يشفع له إلى الملك العادل، (١) وأن يرسل معها رسولا إليه. فلما وصلت إلى حماة أرسل معها القاضى زين الدين بن هندى المعروف بقاضى حمص. فمضت والدة الملك الأفضل إلى الملك العادل (١) ومعها القاضى زين الدين فلم تقع الإجابة إلى ما طلبت، ورجعت خائبة. قال عز الدين بن الأثير: «قد عوقب البيت الصلاحى بما فعله والدهم السلطان الملك الناصر، فإنه لما نازل ﵀ الموصل محاصرا لها، خرج إليه الأتابكيات، ومن جملتهن إبنة نور الدين ﵀ يشفعن إليه في أن يبقى الموصل على عز الدين مسعود، فلم يجبهن إلى ذلك، وردهنّ خائبات، ثم ندم ﵀ على ردهن لما مرض غاية الندامة. وقد تقدم ذكر ذلك، فجرى الملك الأفضل من ردّ أمه خائبة غير مقبولة الشفاعة مثل ذلك سواء». ورجع القاضى زين الدين - قاضى حمص - وعلى يده من الملك العادل كتاب منه. «وكان ورود الكتاب الكريم على يد فلان (٢)، وعرف ما ذكره

стр. 1037

من أمر المجلس العالى الملكى الأفضلى، وما أبداه بسببه وسمع الرسالة ووعاها، وأصغى إلى إشارتها ومعناها، وقد أعاد القاضى زين الدين بعد أن شافهه بما يعيده على المجلس من الأحوال، ويورده لديه من الأقوال. والمجلس يجرى على عادته الجميلة في الإصغاء إليه، والاعتماد عليه. وكان مضمون المشافهة أن الملك الأفضل ظهرت منه أحوال، وبرزت منه أفعال لا يجب (١) إهمالها، فأوجب ذلك تغيرنا عليه. ولما جرى ما ذكرناه أقام الملك الأفضل بسميساط، وقطع خطبة عمه الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود السلجوقى - صاحب بلاد الروم -، وانتمى إليه. ولما كسر الملك المنصور الاستبار كتب إلى الملك العادل يخبره بذلك، ويخبره برغبة الاستبار في الصلح، ويستطلع أوامره بذلك. فورد عليه كتاب الملك العادل، ومنه: «الذى يراه المجلس (٤٣ ب) من الصواب يعتمده، والمصلحه إن شاء الله فيما يصقده. وأما الفرنج - خذلهم الله - فإن مادتهم قليلة، ونجدتهم متأخرة، وقد وصلت الكتب من كل جهة تخبر بضعفهم، ولم يتجدد سوى مضيهم إلى أنطاكية للصلح بين الإبرنس وابن لاون. والثغور - بحمد الله - قد تحصنت، والأمراء والعساكر إليها قد جردت، وهى بهم قد ملئت وشحنت.

стр. 1038

والله تعالى يوزع شكر المجلس، فقد بلغ الغاية في الإحسان، وأتى بما يزيد على الإمكان في هذا الشأن. ويوعز (١) المجلس (٢) بأن يقوى عليهم القول ويشدد عليهم الطول.» وفى ثامن شوال من هذه السنة وصلت نجدة من حلب إلى الملك المنصور، وهو نازل بقلعة بعرين.

стр. 1039

ودخلت سنة ستمائة: والسلطان الملك العادل مقيم بقلعة دمشق. والملك الظاهر بحلب. والملك المنصور بقلعة بعرين، مرابط للفرنج المخذولين، ومعه عسكره، ومن ورد إليه من نجد الملوك. ذكر وقوع الهدنة بين الملك المنصور والفرنج (١) وتكررت بينه وبين الفرنج المراسلات في معنى الصلح. وآخر الأمر أنه عقد معهم عقد الهدنة، ورجع بعساكره إلى حماة، وتفرقت النجد. وفى سابع وعشرين ربيع الأول من هذه السنة نازل ابن لاون ملك الأرمن أنطاكية، وجدّ في حصارها والتضييق عليها، فخرج الملك الظاهر (٢) من حلب وخيّم على حارم. واتصل ذلك بابن لاون، فرحل أنطاكية، فرجع الملك الظاهر (٢) إلى حلب. وفى سابع عشر ربيع الآخر هجم ابن لاون أنطاكية: وذلك أنه راسله

стр. 1040

أهلها، وضمنوا له تمليكها، فسار إليها بغتة، فلم يشعر الابرنس إلا وابن لاون (١) على بابها، فارتاع لذلك وقاتله ساعة. ثم هجم ابن لاون [البلد] (٢) فالتجأ الابرنس إلى القلعة، واعتصم بها، ونادى بشعار الملك الظاهر. ووصل الخبر بذلك إلى الملك الظاهر على جناح طائر، فخرج من حلب بالعساكر، وقصد أنطاكية. وبلغ ذلك ابن لاون فكرّ راجعا إلى بلاده. ونزل الملك الظاهر بحارم. فلما رجع ابن لاون عاد الملك الظاهر إلى حلب. ذكر إيقاع الملك الأشرف مظفر الدين (٣) موسى ابن الملك العادل بعسكر الموصل كان السبب في هذه الحرب أن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى - صاحب سنجار - كان بينه وبين نور الدين أرسلان شاه ابن مسعود - صاحب الموصل - وحشة - كما تقدم ذكره - ثم اتفقا بعد ذلك.

стр. 1041

فلما كانت هذه السنة راسل الملك العادل قطب الدين واستماله، فخطب قطب الدين للملك العادل ومال إليه، فعظم ذلك على نور الدين. وسار إلى نصيبين في سلخ شوال من هذه السنة، فنازلها وملك (١) المدينة، ونازل القلعة عدة أيام. وبينما هو محاصر لها إذ ورد عليه مظفر الدين كوكبورى ابن زين الدين كوجك - صاحب إربل - قد قصد أعمال الموصل، فنهب نينوى، وأحرق غلاّتها. فلما بلغه ذلك سار إلى الموصل على عزم قصد إربل، ووصل إلى بلد، وعاد مظفر الدين إلى بلاده. وتحقق نور الدين أن الذى بلغه لم يكن على الصفة التي ذكرت له، فقصد تليعفر - وهى لقطب الدين - فحصرها وأخذها، ورتّب أمورها، وأقام عليها سبعة عشر يوما [وعاد إلى بلده الموصل] (٢). واستنجد قطب الدين - صاحب سنجار - بالملك الأشرف فسار من حرّان نجدة له، ووافقه مظفر الدين (٣) - صاحب إربل -، وصاحب آمد، وصاحب الجزيرة. ووصل الملك الأشرف إلى نصيبين، وجاءه أخوه الملك الأوحد نجم الدين - صاحب ميّافارقين -، (٤) وصاحب الجزيرة (٤) وصاحب دارا، وساروا نحو البقعاء (٥).

стр. 1042

وتقدم إليهم نور الدين في عساكره، فالتقى الفريقان بقرية يقال لها بوشزه، فانهزم نور الدين - صاحب الموصل - هزيمة قبيحة، وتفرّق عسكره (١) أيدى سبا (١). وساق نور الدين إلى الموصل، فدخلها في أربعة أنفس، وهو لا يصدق بالنجاة، وتلاحق أصحابه به، ونهبت أثقالهم، وكل ما حواه عسكرهم (٢). ثم قصد الملك الأشرف في عسكره جهة الموصل، فنزلوا كفر زمار، ونهبوا البلاد نهبا عظيما. وكانت هذه الواقعة أول ما عرف من سعادة الملك الأشرف ويمن نقيبته، فإنه لم يلق بعد ذلك جيشا إلا فضّه، وعلا (٤٤ ب) بهذه الواقعة ذكره، واشتهر صيته، وهنته الشعراء بما حصل له من هذا الفتح العظيم. ومن مدحه وهنّأه منهم كمال الدين على بن النبيه المصرى، فإنه مدحه بقصيدة مطلعها: لما انثنى الغصن فوق كثبانه ... جبرت قلبى بكسر رمّانه ونلت من ريقه وعارضه ... أطيب من راحه وريحانه ومنها: أغار في حلبة الطّراد على ... خدوده من غبار ميدانه تلقى أعادى موسى كما لقيت ... أكراته عند ضرب جوكانه الملك الأشرف الكريم يدا ... شاهر من دام عزّ سلطانه

стр. 1043

ملك، زمام الزمان في يده ... فاختلفت كاختلاف ألوانه (١) بيضاء يوم انطلاق أنعمه ... حمراء يوم اعتقال مرّانه يحكم أعداؤه بنصرته إذا ... استهلت نجوم (٢) خرصانه عساكر الموصل التي انكسرت ... تخبر عن نفسه وفرسانه يوم أبو شزة (٣) وقد قدحت ... سنابك الخيل زند نيرانه تفرعنوا باجتماع كيدهم ... فالتقفتهم آيات ثعبانه أغرقهم بحر جيشه، فهم ... كآل فرعون تحت طوفانه ومنها: ما تاج كسرى نظير همته ... وليس إيوانه كايوانه يا آل شاذى، زدتم به شرفا ... كلّ كتاب يدرى بعنوانه وكان من جملة النجد التي مع الملك الأشرف نجدة ابن عمّه الملك الظاهر - صاحب حلب - مقدّمها الملك الزاهر مجير الدين (٤) داود ابن الملك الناصر - صاحب البيرة -. ثم ترددت الرسل بين الملك الأشرف و [بين] (٥) نور الدين - صاحب الموصل - في الصلح.

стр. 1044

فلم يجب الملك الأشرف إلا بشرط أن يعاد تليعفر إلى قطب الدين - صاحب سنجار -. فتوقف نور الدين في ذلك، ثم سلّمها، واصطلحوا في أول سنة إحدى وستمائة. (٤٥ ا) ذكر نزول الملك العادل على الطور لمحاربة الفرنج (١) وفى هذه السنة خرج الملك العادل إلى الطور لحرب الفرنج، وسبب ذلك أنه اجتمع بعكا منهم جمع عظيم، وجاءوا من كل فج، وعزموا على قصد البيت المقدس واستنقاذه من أيدى المسلمين، وأخذوا في الإغارة، ونهبوا كثيرا من البلاد وسبوا وقتلوا في المسلمين. فخرج الملك العادل من دمشق بعساكره، وكتب إلى سائر البلاد يستدعى النجد، فجاءته النجد من كل ناحية. فنزل بالقرب من الطور، وبينه وبين عكا مسافة يسيرة، ليصدّهم ويردهم من البلاد. وخرج الفرنج بمجموعهم، فعسكروا بمرج عكا، وأغاروا على كفر (٢) كنا وأخذوا كلّ من بها. واستمر الحال على ذلك إلى آخر السنة.

стр. 1045

ذكر استيلاء الفرنج على قسطنطينية لم تزل مدينة قسطنطينية بيد الروم من قديم الزمان إلى هذه السنة. فلما كانت هذه السنة خرجت الفرنج من بلادهم إليها في جموع عظيمة، وأناخوا عليها، فملكوها، وأزالوا أيدى الروم عنها. ثم لم تزل بأيدى الفرنج إلى سنة ستين وستمائة، فقصدتها الروم واستعادوها من الفرنج، وهى في أيدى الروم إلى الآن. وفى هذه السنة توفى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان (١) بن مسعود بن قلج أرسلان (١) بن سليمان بن قتلمش بن تبفو (٢) أرسلان بن سلجوق سلطان بلاد الروم. وكانت وفاته سادس ذى القعدة، وكان موته بالقولنج (٣)، تمادى به سبعة أيام. وكان قبل مرضه بخمسه أيام قد غدر بأخيه صاحب أنكورية (٤) - وهى أنقرة -، وكان حصره بها عدة سنين حتى ضعف وقلّت الأقوات عنده، فأذعن إلى التسليم على عوض يأخذه منه، فعوّضه قلعة في أطراف بلده، وحلف له عليها.

стр. 1046

فنزل عن أنقرة وسلّمها إليه، وسار ومعه ولدان له، فوضع ركن الدين من أخذه، وأخذ أولاده معه. فرماه الله تعالى عقوبة له بعد خمسة أيام بالقولنج فمات منه. ولما مات ملك ولده قلج أرسلان، وكان صغيرا، فلم يستتب أمره، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. (٤٥ ب) وفى هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصرية، فدخلوا إلى النيل من جهة رشيد، ووصلوا إلى فوّة، وأقاموا خمسة أيام ينهبون ويسبون، وعساكر مصر تقاتلهم (١)، وليس لهم وصول إليهم، لأنه لم يكن هناك أسطول. وفى هذه السنة كانت زلزلة عظيمة عمّت أكثر البلاد: مصر، والشام، والجزيرة وبلاد الروم، وصقلية، وقبرص، والموصل، والعراق، ويقال إنها بلغت سبتة من أقصى المغرب. وفى هذه السنة ولد الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان بن الملك المنصور - صاحب حماة - شقيق الملك المظفر تقى الدين محمود، وأمهما ملكة خاتون، ابنة الملك العادل.

стр. 1047

ودخلت سنة إحدى وستمائة: والفرنج نازلون في جموعهم بمرج عكا، والسلطان الملك العادل في قبالتهم مرابط لهم، والرسل مترددة بينهم وبينه في الصلح. ذكرى الهدنة مع الفرنج (١) وآخر الأمر أنه تقررت بينهم وبينه الهدنة مدة اتفق عليها، وشرطوا أن تكون يافا لهم، واستنزلوه عن مناصفات لدّ والرملة. فأجابهم على ذلك وعقد الهدنة بينهم وبينه. ذكر رحيل الملك العادل إلى الديار المصرية ولما تقرر أمر الهدنة رحل الملك العادل إلى مصر بالعساكر المصرية، وتفرقت النجد والعساكر الشامية إلى أماكنها. وأقام بالقاهرة بدار الوزارة، وأخذ في ترتيب البلاد والنظر في مصالحها. ذكر إغارة الفرنج على حماة وفى هذه السنة أغارت الاستبارية على حماة، لأن هدنتهم مع الملك المنصور كانت قد انقضت، وانضم إليهم جمع عظيم من الفرنج، فنهبوا وقتلوا وسبوا

стр. 1048

وساقوا إلى ضيعة على باب حماة تعرف «بالرقيطا»، قريبة جدا من الباب الغربى. وكان قد خرج من حماة من العامة خلق عظيم، فلما وصل العدو إلى هذا المكان (١٤٦) (١) تفرقوا، واختنق جماعة في أبواب المدنية (١)، ورمى خلق أنفسهم في الخنادق. ثم رجع الفرنج إلى بلادهم بعد أن ملأوا أيديهم بالسبى، وأسر من أكابر أهل حماة رجل يقال له شهاب الدين بن البلاعى (٢)، كان فقيها شجاعا، وكان أول أمره معهما ثم خلع العمامة وتزيى بزي الجند، وتولّى البرّ (٣) مرة بحماة، وتولّى مرة أخرى سلمية، فقاتل ذلك اليوم [قتالا شديدا] (٤) ورمى فارسا ووقعت به فرسه، فأخذ أسيرا، وحمل إلى اطرابلس وغيره من الأسرى فهرب من اطرابلس، ورمى بنفسه في البحر، ثم تعلق بحبال (٥) بعلبك، وجاء [بعد شدائد] (٢) إلى أهله سالما. ذكر الهدنة بين الملك المنصور والفرنج ولما جرى ما ذكرناه استدعى الملك المنصور النجدة من الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل [وهو بدمشق نائبا عن أبيه] (٦)، فسيّر إليه عسكرا.

стр. 1049

وترددت الرسل بين الملك المنصور والفرنج إلى أن استوثقت (١) الهدنة بينهم إلى مدة معلومة. وفى هذه السنة توجّه الملك المنصور إلى الديار المصرية، وكان عنده استشعار من الملك العادل، فلما وصل إلى القاهرة أحسن إليه الملك العادل إحسانا كثيرا، وأقام في خدمته شهورا (٢)، ثم خلع عليه وعلى أصحابه وعاد إلى حماة مكرّما. وفى هذه السنة أغارت الفرنج على حمص، وقتلوا وقتلوا وأسروا جماعة. وفى هذه السنة جرّد القاضى بهاء الدين بن شدّاد - قاضى حلب - ونزع طيلسانه، وامتنع من القضاء. وكان السبب في ذلك أنه كان حضر (٣) إملاكا لفتح الدين بن جمال الدين فرخ (٤) على ابنة علاء الدين - صاحب نابلس (٥) -، ولم يكن للزوجة ولىّ غير أخيها، فوكّل الأخ القاضى بهاء الدين في التزويج بعد الإشهاد عليها بالرضى. فحضر القاضى وزوجّها من الزوج المذكور، وكان كمال الدين عمر ابن العجمى حاضرا، فلما خرج مضى إلى دار علاء الدين، وأوهمهم أن العقد لا (٦) يصح، وأحضر أخا الزوجة والزوج، وجدّد العقد، فغضب بهاء الدين، ونزع طيلسانه، وامتنع من الحكم. وعلم الملك الظاهر -[صاحب حلب] (٧) - ذلك، فعظم عليه، وجلس

стр. 1050

مجلسا عاما، (٤٦ ب) أحضر فيه الأكابر من أهل حلب والفقهاء وأرباب المناصب، وأحضر كمال الدين، ثم أخذ الملك الظاهر في تعداد فضائل القاضى بهاء الدين ومناقبه، وأطنب في ذلك، ثم أخذ في ذكر معايب كمال الدين ابن العجمى، والطعن فيه، وبالغ في تبكيته وتخجيله وتقريعه، ثم أمر الحجّاب فجرّوه بأكمامه، وأخرجوه من عنده على أقبح صورة، وأمر بأن يمضوا به إلى الحبس. ثم قال للأكابر الحاضرين: «كلكم تمضون الساعة مشاة إلى دار القاضى بهاء الدين، وتكشفون رؤوسكم له، ولا تزالون به حتى يرضى». ففعلوا ذلك. ورضى القاضى بهاء الدين، وعاد إلى الحكم. ولم يعد إلى لبس الطيلسان. ثم شفع الشيخ أبو الحسن الفاسى الزاهد في كمال الدين عمر [بن العجمى] (١)، فأخرج من الحبس، وأمر أن يصير إلى دار القاضى بهاء الدين (١) وأمر أن يتضرع إليه حتى يرضى، ففعل. وفى هذه السنة بعث الظاهر عسكرا إلى المرقب (٢)، وقدّم عليهم مبارز الدين أقجا (٣)، فسار إلى المرقب (٢) وحاصره، وهدم البرج الذى له على [باب] (٤) الميناء فأصاب المبارز من الحصن سهم فقتله، وعاد العسكر بعد أن كادوا يفتحون الحصن، [وأيديهم ملآنة من الغنائم] (٤).

стр. 1051

وفى هذه السنة ملك السلطان غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم. وكان لما تغلب أخوه ركن الدين على البلاد، قصد الملك الظاهر، وأقام عنده مديدة، ثم قصد صاحب قسطنطينية فأحسن إليه، وأقام عنده. فلما مات ركن الدين سليمان، وولى ابنه عزّ الدين قلج أرسلان، قصد كيخسرو البلاد، وانضم (١) إليه جمع كثير وملك البلاد، واستتب أمره. وفى حادى عشر شوال من هذه السنة ولد الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر صاحب حلب وأمّه أمّ ولد. وكان قبل ذلك ولد للملك الظاهر ولد سمّاه يوسف، من ابنة عمّه غازية ابنة السلطان الملك العادل، ثم توفى يوسف صغيرا، وتوفيت بعده أمه غازية خاتون، وهذه هى التي تزوجها الملك الظاهر في حياة أبيه الملك الناصر -[رحمهم الله تعالى] (٢). ذكر إغارة الفرنج على جبلة واللاذقية (٣) (٤٧ ا) وفى ذى القعدة من هذه السنة أغارت فرنج اطرابلس على جبلة واللاذقية، وكمنوا قطعة وافرة منهم، وسرّحوا جماعة تراءوا لأهل جبلة. وبلغ ذلك عسكر الملك الظاهر النازلين بجبلة، فخرجوا إليهم فلم يشعروا

стр. 1052

إلا بكمين الفرنج قد خرج إليهم، وبذلوا فيهم السيف فقتل من المسلمين جماعة كثيرة. وعاد الفرنج - لعنهم الله -[إلى طرابلس] (١) وقد ملأوا أيديهم بالسبى والغنائم. ذكر واقعة غريبة (٢) كان القاضى أبو محمد مختار بن أبى محمد بن مختار المعروف بابن قاضى دارا، وزير الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل، وحاكما في دولته بالديار المصرية، والملك الكامل إذ ذاك ينوب عن والده الملك العادل بها. وكان الصاحب صفىّ الدين بن شكر وزير الملك العادل يبغضه ويضاده. فلما قدم الملك العادل مصر، لم يزل ابن شكر يقدح فيه عند الملك العادل (٣) حتى نقم عليه فطلبه. فخاف عليه الملك الكامل، وأمره بالخروج من مصر، فخرج منها ومعه ولداه: فخر الدين، وشهاب الدين، واستصحب شيئا من المال يسيرا (٤)، وورد إلى حلب، فأكرمه الملك الظاهر وأنزله (٥). ثم ورد عليه أمر الملك الكامل يستدعيه إلى مصر، وكان الملك الظاهر قد عرض عليه أن يخدمه، فأبى، وخرج فنزل بعين المباركة على باب حلب، وأقام بها يتهيأ للسفر.

стр. 1053

فلما كان الرابع والعشرون من ذى القعدة من هذه السنة لم يشعر أصحابه إلا بخمسين فارسا قد أحاطوا بمضربه وقد مضى ربع الليل، وقالوا: «نريد القاضى». فقالوا (١): «إنه نائم». فقالوا: «ينبة» (٢). فخرج إليهم في ثياب النوم. فترجّل منهم ثلاثة نفر فقتلوه، ثم قالوا لغلمانه: «احفظوا أموالكم، فما كان لنا غرض سواه». واتصل الخبر بالملك الظاهر (٣)، فركب وشاهده، وأعظم مصابه، وفرّق الرجال في الطرق، فلم تقف لقتلته على خبر، [فكان كما قيل: هرب من القتل إلى القتل، فما ينجى حذر من قدر] (٤) وفى هذه السنة أغار الملك المجاهد أسد الدين - صاحب حمص - على الفرنج حتى وصلت غارته إلى حصن الأكراد، وأخذ من الغنم (٥) والمواشى ما لا يحصى كثرة. وفى هذه السنة (٤٧ ب) خلع الإمام الناصر لدين الله ولده عدّة (٦) الدين أبا نصر محمدا من ولاية عهده.

стр. 1054

وكنا قد ذكرنا أن الإمام الناصر قد ولاّه عهده، فلما كانت هذه السنة انحرف عنه، ومال إلى أخيه الأصغر أبى الحسن، ولقّبه «الملك المعظم»، فأظهر في دار وزير الخليفة - وهو يومئذ الشريف نصير الدين بن ناصر الدين بن مهدى - ورقة بخط ولى العهد أبى نصر إلى الخليفة تتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة؛ وشهد عدلان (١) أن الورقة بخطه، وعمل بذلك محضر، شهد فيه الفقهاء والقضاة والفقهاء العدول فقطعت الخطبة والسكة باسمه في سائر الآفاق (٢).

стр. 1055

ودخلت سنة اثنتين وستمائة: والسلطان الملك العادل بالديار المصرية، والممالك بحالها. وفى هذه السنة أغار ابن لاون - ملك الأرمن - على التركمان وهم نازلون بالنهر الأسود، فأخذ منهم عالما لا يحصى، واستاق نعمهم ومواشيهم، وسار إلى در بساك، فحرق ربضها، وعاد إلى بلاده. فبعث الملك الظاهر سيف الدين بن علم الدين بن جندر، وفارس الدين ميمون القصرى إلى حارم، وسار بعساكره حتى خيّم على [مرج] (١) دابق، وجمع إليه خلقا من التركمان. فأرسل ابن لاون إلى الملك الظاهر في أن يردّ جميع ما أخذ، وطلب رسولا يتحدث معه. فأرسل الملك الظاهر سعد الدين بن فاخر، فتحدث معه في الصلح، ورد الأخيذة، فاطمأنت القلوب، وأعطى الملك الظاهر التركمان الدستور بعد أن خلع عليهم. ولما تحقق ابن لاون طمأنينة الناس سار إلى حارم، وضرب على العسكر النازل حولها وقت الصباح، فقتل جماعة، واستاق من كان في سوق العسكر، والرجّالة، ومن عجز عن الهرب، ثم سار من يومه ودخل بلاده. فسار الملك الظاهر إلى حارم، فشاهد حالة قبيحة من كثرة القتلى، فسار حتى خيّم على جسر الحديد، وطلب جماعة من أنطاكية، واتفق معهم على أن
следующие страницы →