وفى هذه السنة ملك السلطان غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم.
وكان لما تغلب أخوه ركن الدين على البلاد، قصد الملك الظاهر، وأقام عنده مديدة، ثم قصد صاحب قسطنطينية فأحسن إليه، وأقام عنده.
فلما مات ركن الدين سليمان، وولى ابنه عزّ الدين قلج أرسلان، قصد كيخسرو البلاد، وانضم (١) إليه جمع كثير وملك البلاد، واستتب أمره.
وفى حادى عشر شوال من هذه السنة ولد الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر صاحب حلب وأمّه أمّ ولد.
وكان قبل ذلك ولد للملك الظاهر ولد سمّاه يوسف، من ابنة عمّه غازية ابنة السلطان الملك العادل، ثم توفى يوسف صغيرا، وتوفيت بعده أمه غازية خاتون، وهذه هى التي تزوجها الملك الظاهر في حياة أبيه الملك الناصر -[رحمهم الله تعالى] (٢).
ذكر إغارة الفرنج على جبلة واللاذقية (٣)
(٤٧ ا) وفى ذى القعدة من هذه السنة أغارت فرنج اطرابلس على جبلة واللاذقية، وكمنوا قطعة وافرة منهم، وسرّحوا جماعة تراءوا لأهل جبلة.
وبلغ ذلك عسكر الملك الظاهر النازلين بجبلة، فخرجوا إليهم فلم يشعروا
стр. 1052
إلا بكمين الفرنج قد خرج إليهم، وبذلوا فيهم السيف فقتل من المسلمين جماعة كثيرة.
وعاد الفرنج - لعنهم الله -[إلى طرابلس] (١) وقد ملأوا أيديهم بالسبى والغنائم.
ذكر واقعة غريبة (٢)
كان القاضى أبو محمد مختار بن أبى محمد بن مختار المعروف بابن قاضى دارا، وزير الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل، وحاكما في دولته بالديار المصرية، والملك الكامل إذ ذاك ينوب عن والده الملك العادل بها.
وكان الصاحب صفىّ الدين بن شكر وزير الملك العادل يبغضه ويضاده.
فلما قدم الملك العادل مصر، لم يزل ابن شكر يقدح فيه عند الملك العادل (٣) حتى نقم عليه فطلبه.
فخاف عليه الملك الكامل، وأمره بالخروج من مصر، فخرج منها ومعه ولداه: فخر الدين، وشهاب الدين، واستصحب شيئا من المال يسيرا (٤)، وورد إلى حلب، فأكرمه الملك الظاهر وأنزله (٥).
ثم ورد عليه أمر الملك الكامل يستدعيه إلى مصر، وكان الملك الظاهر قد عرض عليه أن يخدمه، فأبى، وخرج فنزل بعين المباركة على باب حلب، وأقام بها يتهيأ للسفر.
стр. 1053
فلما كان الرابع والعشرون من ذى القعدة من هذه السنة لم يشعر أصحابه إلا بخمسين فارسا قد أحاطوا بمضربه وقد مضى ربع الليل، وقالوا:
«نريد القاضى».
فقالوا (١): «إنه نائم».
فقالوا: «ينبة» (٢).
فخرج إليهم في ثياب النوم.
فترجّل منهم ثلاثة نفر فقتلوه، ثم قالوا لغلمانه: «احفظوا أموالكم، فما كان لنا غرض سواه».
واتصل الخبر بالملك الظاهر (٣)، فركب وشاهده، وأعظم مصابه، وفرّق الرجال في الطرق، فلم تقف لقتلته على خبر، [فكان كما قيل: هرب من القتل إلى القتل، فما ينجى حذر من قدر] (٤)
وفى هذه السنة أغار الملك المجاهد أسد الدين - صاحب حمص - على الفرنج حتى وصلت غارته إلى حصن الأكراد، وأخذ من الغنم (٥) والمواشى ما لا يحصى كثرة.
وفى هذه السنة (٤٧ ب) خلع الإمام الناصر لدين الله ولده عدّة (٦) الدين أبا نصر محمدا من ولاية عهده.
стр. 1054
وكنا قد ذكرنا أن الإمام الناصر قد ولاّه عهده، فلما كانت هذه السنة انحرف عنه، ومال إلى أخيه الأصغر أبى الحسن، ولقّبه «الملك المعظم»، فأظهر في دار وزير الخليفة - وهو يومئذ الشريف نصير الدين بن ناصر الدين بن مهدى - ورقة بخط ولى العهد أبى نصر إلى الخليفة تتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة؛ وشهد عدلان (١) أن الورقة بخطه، وعمل بذلك محضر، شهد فيه الفقهاء والقضاة والفقهاء العدول فقطعت الخطبة والسكة باسمه في سائر الآفاق (٢).
стр. 1055
ودخلت سنة اثنتين وستمائة:
والسلطان الملك العادل بالديار المصرية، والممالك بحالها.
وفى هذه السنة أغار ابن لاون - ملك الأرمن - على التركمان وهم نازلون بالنهر الأسود، فأخذ منهم عالما لا يحصى، واستاق نعمهم ومواشيهم، وسار إلى در بساك، فحرق ربضها، وعاد إلى بلاده.
فبعث الملك الظاهر سيف الدين بن علم الدين بن جندر، وفارس الدين ميمون القصرى إلى حارم، وسار بعساكره حتى خيّم على [مرج] (١) دابق، وجمع إليه خلقا من التركمان.
فأرسل ابن لاون إلى الملك الظاهر في أن يردّ جميع ما أخذ، وطلب رسولا يتحدث معه.
فأرسل الملك الظاهر سعد الدين بن فاخر، فتحدث معه في الصلح، ورد الأخيذة، فاطمأنت القلوب، وأعطى الملك الظاهر التركمان الدستور بعد أن خلع عليهم.
ولما تحقق ابن لاون طمأنينة الناس سار إلى حارم، وضرب على العسكر النازل حولها وقت الصباح، فقتل جماعة، واستاق من كان في سوق العسكر، والرجّالة، ومن عجز عن الهرب، ثم سار من يومه ودخل بلاده.
فسار الملك الظاهر إلى حارم، فشاهد حالة قبيحة من كثرة القتلى، فسار حتى خيّم على جسر الحديد، وطلب جماعة من أنطاكية، واتفق معهم على أن
стр. 1056
يستخدم من الفرنج عشرة آلاف راجل، ويقصدون بلاد ابن لاون (١) من جهتهم، ويقصد الملك الظاهر بلاده من جهة قورص، ويجتمعون على إستئصال شأفته، وقلع أثره.
واتصل ذلك بابن لاون، فخضع، وبذل أن يعطى (٤٨ ا) كل أسير [عنده] (٢) في بلده.
فأجاب الملك الظاهر إلى صلحه، وأرسل سعد الدين فتسلّم الأسرى [وكانوا خلقا كثيرا] (٢)، وعاد الملك الظاهر إلى حلب.
стр. 1057
ودخلت سنة ثلاث وستمائة
(١) والممالك على ما كانت في السنة التي قبلها.
ذكر مسير الملك العادل إلى الشام (١)
ولما تواترت الأخبار إلى السلطان الملك العادل بتطرق الفرنج بلاد المسلمين، وإغارة أهل حصن الأكراد وطرابلس على بلاد حمص خرج مبرزا إلى العباسة، وأغذّ السير إلى الشام، ونازل في طريقه عكّا، فصالحه أهلها على إطلاق جميع من (٢) في أيديهم من أسرى المسلمين.
ثم رحل عنهم ووصل إلى دمشق [فلما وصل إليها أقام فيها أياما] (٣)، ثم خرج منها مبرزا إلى القصير على نيّة الجهاد.
ذكر وصول الملك العادل إلى بحيرة قدس وما فعله بالساحل بعد ذلك (٤)
ثم وصل الملك العادل إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس، واستدعى الملوك من أهل بيته والعساكر، فجاءوه من كل ناحية.
стр. 1058
وورد إلى خدمته: الملك المنصور - صاحب حماة - والملك المجاهد - صاحب حمص - ونجدة ابن أخيه الملك الظاهر؛ ووصل إليه الملك الأمجد، - صاحب بعلبك - وعسكر سنجار والموصل والجزيرة وآمد، وولداه: الملك المعظم، والملك الأشرف، فاجتمع عنده نحو عشرة آلاف فارس (١)، وعسكروا معه على البحيرة.
وأشاع قصد اطرابلس.
ولم يزل مقيما بالبحيرة حتى صام شهر رمضان كله، ثم سار متوجها إلى حصن الأكراد، فنازله، وقاتل أهله أشدّ قتال، وفتح برجا قريبا منه، يسمى أعنار، وأخذ منه خمسمائة رجل وأموالا وسلاحا كثيرا.
ثم توجه إلى قلعة قريبة من أطرابلس، ونصب عليها المجانيق، ولم يزل مصابرا لها إلى أن افتتحها، وحصل على جميع ما كان فيها.
ثم رحل منها ونازل أطرابلس، ونصب عليها المجانيق، وضيّق على أهلها أشد تضييق، وعاشت العساكر (٢) في قرى أطرابلس وبساتينها، وقطعوا جميع ما عليها من الشجر، وهدموا كل حائط على ظاهرها، وقطعوا العين (٤٨ ب) الواصلة إليها، وخرّبوا طرقها؛ ولم يزل الأمر (٣) كذلك إلى أيام من ذى الحجة، فآنس الملك العادل من أصحابه فشلا وضجرا، فعاد إلى حمص، فنزل على البحيرة.
فبعث إليه صاحب أطرابلس (٤) يخضع له، وبعث له (٤) مالا وهدايا، وثلاثمائة أسير، ورغب في الصلح، فصالحه في آخر ذى الحجة.
стр. 1059
وفى هذه المدة (١) ترددت رسل بين الملك الظاهر وعمه الملك العادل، ومكاتبات ومعاتبات استشعر منها الملك الظاهر.
وتحدث الناس بأن الملك العادل عازم على قصد حلب، وكثرة الأراجيف.
فأخذ الملك الظاهر في تحصين حلب، وجمع الغلال والأحطاب وغير ذلك، وبذل الأموال.
ثم راسله الملك العادل بما طيّب قلبه، وتجددت بينهما الأيمان والعهود.
стр. 1060
ودخلت سنة أربع وستمائة:
والملك العادل نازل على بحيرة قدس، وقد فتك في الفرنج بالساحل فتكا عظيما، وأخاف أهله.
ولما وقع الصلح بينه وبين صاحب اطرابلس رجع إلى دمشق فأقام بها.
وفى هذه السنة توفى زين الدين قراجا الصلاحى [﵀، وكان أميرا أديبا خيرا عادلا يحب العدل والإنصاف] (١).
ذكر استيلاء
الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل
على خلاط وبلادها
كانت خلاط قد صادرت - كما ذكرنا - بعد موت صاحبها شاهر من ابن سكمان لمملوكه سيف الدين بكتمر.
ثم قتل بكتمر في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فملكها بعده ابن لبكتمر، ثم تغلّب عليها سيف الدين بلبان أحد مماليك شاهرمن.
وكان الملك الأوحد قد ملكّه أبوه الملك العادل ميّافارقين وما معها من الأعمال.
فقصد الملك الأوحد مدينة موش (٢)، فأخذ غيرها مما يجاورها، وطمع في ملك خلاط وقصدها.
стр. 1061
فخرج إليه سيف الدين بلبان، وتصافا، فانهزم الملك الأوحد ورجع إلى ميّافارقين، وجمع وحشد، واستنجد بأبيه الملك للعادل، فبعث إليه عسكرا، فقصد خلاط ثانيا، فخرج إليه بلبان، وتصافا، واقتتلا، فانهزم بلبان.
وتمكّن الملك الأوحد من البلاد، وازداد طمعه فيها؛ واعتصم بلبان بخلاط، (٤٩ ا) وبعث إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان السلجوقى - صاحب أرزن الروم - يستغيث به، ويستنجد به على الملك الأوحد.
فحضر بنفسه ومعه عسكره، واجتمعا وصافا الملك الأوحد، فانهزم الملك الأوحد.
وحصرا حصن موش حتى أشرف على أن يملك، فغدر مغيث الدين ببلبان، فقتله طمعا في بلاده، وسار إلى خلاط ليملكها، فمنعه أهلها، فسار إلى ملاذكرد، فردّه أهلها أيضا، فعاد إلى بلده.
واستدعى أهل خلاط الملك الأوحد ليملكوه، فحضر إليهم فملكوه إياها في هذه السنة، وملك بلادها إلا اليسير منها، وكره المجاورون له ملكه [تلك البلاد] (١) خوفا من أبيه الملك العادل، وكذلك أيضا خافه الكرج، وكرهوه، فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها، والملك الأوحد مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها.
واعتزل جماعة من عسكر خلاط، واستولوا على حصن «وان» وهو من أعظم الحصون، وعصوا على الملك الأوحد، واجتمع منهم جمع كثير، واستولوا على مدينة أرجيش.
فكتب الملك الأوحد إلى أبيه الملك العادل يعلمه الحال، فسيّر إليه أخاه
стр. 1062
الملك الأشرف موسى في عسكر كثيف، وحصروا قلعة وان، فسلموها صلحا وخرجوا منها.
فرجع الملك الأشرف إلى بلاده.
وهذه خلاط كانت من أعظم الممالك، وذكر أنها تقارب الديار المصرية في المنزلة، وأنها تشتمل على نحو سبعين بلدا، ويعرف إقليمها بأرمينية، وإنما خرّبت هى وغيرها من البلاد لما ملكها التتر.
ذكر الفتنة بخلاط
ولما ملك الملك الأوحد خلاط سار عنها إلى ملاذكرد ليقرّر قواعدها، فلما فارق خلاط وثب أهلها على من بها من عسكر الملك الأوحد، فأخرجوهم من عندهم، وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاهرمن وإن كان قد مات قبل ذلك بزمان، وإنما يعنون بذلك ردّ الملك إلى مماليكه.
وبلغ الخبر الملك الأوحد، فعاد إليها، وقد وافاه عسكر من عند (١) أخيه الملك الأشرف، (٤٩ ب) وحصر خلاط، فملكها، وبذل السيف في أهلها، فقتل منهم خلقا عظيما (٢)، وأسر جماعة من الأعيان (٣)، وسيّرهم إلى ميافارقين، وكان كلّ يوم يرسل إليهم من يقتل منهم جماعة، فلم يسلم من أهلها (٤) إلا القليل.
وكان الملك الأوحد شهما مقداما على القتل، فذلّ بهذا الفعل
стр. 1063
[أهل] (١) خلاط، وتفرقت كلمة الفتيان بها. وكان الحكم لهم يملّكون كلّ يوم ملكا ويقتلون آخر.
وفى هذه السنة عزل الخليفة الناصر لدين الله وزيره نصير الدين ناصر ابن مهدى العلوى، وكان متمكنا في وزارته، وأصله من الرىّ، من بيت كبير.
وكان سبب عزله أنه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة، منهم: أمير الحاج مظفر الدين سنقر - المعروف بوجه السبع -، هرب من يده إلى الشام، واتصل بالملك العادل سنة ثلاث وستمائة، وأرسل يعتذر، ويقول: «هربت من يد الوزير».
ثم تبعه في الهرب قشتمر، وهو أخصّ مماليك الخليفة، هرب إلى دسقان، وأرسل يقول: «إن الوزير يريد أن لا يبقى في خدمة الخليفة أحد من مماليكه، ولا شك أنه يريد أن يدّعى الخلافة لنفسه».
وأكثر الناس القول فيه.
وقال بعض الشعراء فيه أبياتا يعرّض فيها بأن الوزير يروم الخلافة لنفسه، لشرفه.
وهى:
ألا مبلغ عنى الخليفة أحمدا ... توقّ - وقيت السوء - ما أنت (٢)
صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... فعالك - يا خير البرّية - ضائع
стр. 1064
فإن كان حقّا من سلالة أحمد ... فهذا وزير في الخلافة طامع
وإن كان فيما يدّعى غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصّنائع
فعزله الخليفة.
وقيل: كان سبب عزله غير ذلك، والله أعلم.
ولما عزل كتب إلى الخليفة:
«إنى قدمت إلى هاهنا وليس لى دينار ولا درهم، (١) وقد حصل لى (١) من الأموال والأعلاق النفيسة وغير ذلك ما يزيد على خمسمائة ألف دينار».
وسأل أن يؤخذ الجميع، وأن يفرج عنه، ويسكن في المشهد أسوة ببعض العلويين.
فخرج الجواب:
«ما أنعمنا عليك بشىء فنوينا استعادته منك، (٥٠ ا) ولو كان ملء الأرض ذهبا، وأنت في أمان الله وأماننا، ولم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك، غير أن الأعداء قد أكثروا فيك [القول] (٢)، وأختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موقرا محترما».
فأختار أن يكون تحت استظهار من جانب الخليفة (٣)، لئلا يتمكن منه عدو، فتذهب نفسه، ففعل به ذلك.
وكان حسن السيرة قريبا من الناس حسن اللقاء لهم.
стр. 1065
ذكر التشريف
الوارد إلى الملك العادل
من الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين
كان الملك العادل قد سيّر أستاذ داره ألدكز العادلىّ، والقاضى نجم الدين خليل بن المصمودى (١) الحنفى الحموى - قاضى العسكر - رسولين إلى الديوان العزيز، يطلب التشريف والتقليد على مصر، والشام، والبلاد الجزرية، وخلاط.
فأكرما، وأحسن إليهما، وأجيبا إلى مطلوبهما.
وأرسل من الديوان (٢) إلى الملك العادل الشيخ الإمام قدوة العارفين، شيخ الطريقة والحقيقة شهاب الدين السهروردى - قدّس الله روحه - ومعه التشريف الإمامى.
ولما وصل إلى حلب خرج الملك الظاهر إلى لقائه في جميع عساكره وأرباب دولته، وأنزل في إيوان دار العدل، [فأقام يومين للراحة] (٣).
وفى اليوم الثالث من مقدمه نصب له كرسى الوعظ، وكانت عادته جارية به، وحضره الملك الظاهر وأرباب المناصب في الإيوان.
وتكلم الشيخ شهاب الدين، وذكر من مواعظه ما خشعت له القلوب، ودمعت له العيون، وأخبر وهو على المنبر أنه أطلق في بغداد وغيرها من المؤن والضرائب ما مبلغه (٤) ثلاثة آلاف دينار، فارتفعت الأدعية للخليفة.
стр. 1066
ثم سار الشيخ شهاب الدين من حلب، وأرسل معه الملك الظاهر القاضى بهاء الدين بن شدّاد، ومعه ثلاثة آلاف دينار، لأجل النثار إذا لبس الملك العادل خلعة الخليفة.
وبعث الملك المنصور، والملك المجاهد أيضا ما ينثر.
ولما قارب الشيخ شهاب الدين دمشق تقدّم الملك العادل إلى العساكر.
(٥٠ ب) بلقائه، فلقيه أول العسكر بالغسولة، ولقيه من القصر (١) الملك العادل، وولداه: الملك الأشرف، والملك المعظم، وغلّقت الأسواق، وخرج الناس كلّهم، وكان يوما مشهودا.
وجلس الملك العادل غد ذلك اليوم في دار رضوان، بقلعة دمشق، ودخل القاضى بهاء الدين، ورسولا صاحبى حماة وحمص، وأفيضت على الملك العادل جبة أطلس أسود بطراز مذهب، (٢) وعمامة سوداء بطراز مذهب (٢)، وطوّق بطوق ذهب مجوهر ثقيل، وقلّد بسيف محلى جميع قرابه بذهب، وركب حصانا أشهب بمركب ذهب، ونشر على رأسه علم أسود مكتوب عليه بالبياض ألقاب الخليفة.
وعند لبسه الخلعة نثر القاضى [بهاء الدين] (٣) ورسولا صاحبى حماة وحمص عليه الذهب، وقدّم له القاضى بهاء الدين خمسين قطعة من أفخر القماش، ونثر عليه رسل سائر الملوك الذهب.
ثم خلع رسول الخليفة على كلّ واحد من الملك الأشرف والملك المعظم،
стр. 1067
عمامة سوداء، وثوبا أسود واسع الكم، وخلع على الصاحب صفّى الدين ابن شكر كذلك.
وركب الملك العادل وولداه ووزيره بالتشريفات [إلى ظاهر البلد] (١)، ثم عادوا إلى القلعة [من باب النصر] (١).
وقرأ الصاحب صفّى الدين التقليد الإمامى على كرسىّ نصب له، وخوطب الملك العادل فيه: «بشاهان شاه، ملك الملوك خليل أمير المؤمنين» (٢).
ثم توجّه الشيخ شهاب الدين إلى الديار المصرية فخلع على الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل، وجرى بمصر نظير ما جرى بدمشق من الزينة وإعظام رسول الخليفة، وركوب الملك الكامل بالتشريف الإمامى.
ثم عاد الشيخ [شهاب الدين] (٣) إلى الديوان [العزيز] (٣) مكر ما معظما.
وفى هذه السنة أمر الملك العادل بعمارة قلعة دمشق، وألزم كلّ واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج من أبراجها من ماله.
стр. 1068
ودخلت سنة خمس وستمائة:
والملك العادل مقيم بدمشق، وعنده بها ولداه: الملك الأشرف والملك المعظم.
(٥١ أ) وفى هذه السنة سارت الكرج بجموعها إلى مدينة (١) خلاط، وقصدوا أرجيش، وملكوها عنوة، وأخذوا جميع ما فيها من الأموال والأمتعة، وسبوا أهلها، وأحرقوها وخرّبوها.
وكان الملك الأوحد بخلاط، فلم يقدم على الكرج لكثرتهم وخوفه من أهل خلاط، لما كان أسداه إليهم من القتل والأذى، فخاف إن خرج أن لا يمكّن من العود إليها.
ذكر قدوم الملك الأشرف إلى حلب
ثم توجهه إلى الشرق
وفى هذه السنة توجه الملك الأشرف راجعا إلى بلاده من دمشق.
ولما وصل إلى حلب تلقاه الملك الظاهر، وأنزله بقلعة حلب، وبالغ في إكرامه وإتحافه.
فذكر أنه كان -[مدة مقامه] (٢) - يقيم له ولجميع عسكره وأتباعهم بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والحلواء وعلوفات الدواب، وكان
стр. 1069
يحمل إليه (١) كل يوم خلعة كاملة؛ غلالة، وقباء، وسراويل، وكمّة (٢)، وفروة، وسيف، وحصان، ومنطقة، ومنديل، وسكين، وتلكش (٣)؛ وخمس (٤) خلع لأصحابه.
وأقام على ذلك خمسة وعشرين يوما، وقدّم له تقدمة اشتملت على مائة ألف درهم، [وعند زواجه قدّم له] (٥) مائة بقجة مع مائة مملوك.
منها عشر في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس، وثوبان من الخطابى، وعلى كل بقجة جلد قندسى كبير.
(ومنها: عشر في كل منها عشرة أثواب عتّابى (٦) خوارزمى، وعليها عشرة جلود قندسى (٧) كبار.
ومنها عشر، في كل منها: خمسة أثواب عتّابى بغدادى وموصلى، وعليها عشرة جلود قندسى صغار.
стр. 1070
ومنها عشرون، في كل منها: خمسة أثواب معتق، وسيوسى (١) ودبيقى.
(ومنها أربعون، في كل منها: خمسة أقبية، وخمس كمام (٢)
وحمل إليه خمس حصن عربية بعدتها، وعشرين أكديشا (٣) [رومية] (٤) وأربعة قطر بغال، وخمس بغلات فائقات بالسروج واللجم المكفتة [بالذهب] (٤) وقطارين جمال.
وخلع على أصحابه مائة وخمسين خلعة، وقاد إلى أكثرهم بغلات وأكاديش ومدح شرف الدين راجح الحلّى الملكين، وهنأهما باجتماعهما (٥١ ب) بقصيدة مطلعها:
ما ضرّ من ألف القطيعة لو شفى ... صبّا يبيت من الغرام على شفا
يترى كخط بين هدب جفونه ... سهم أظل لوقعه مستهدفا
ومنها:
تا لله لو أسعفتنى بزيارة ... ومآل أمرك أن ترقّ وتسعفا
لجعلت ألزم معطفا لا ينثنى ... يوما إلى عطف، وألثم مرشفا
وأرى دليل قبول صبرى أننى ... من فيك أرتشف الشمول القرقفا
مثل ارتشافى الترب شكرا للذى ... أهدى إلى حلب المليك الأشرفا
ملك أتاها في اقتبال سعادة ... أذنت لطرف معاند أن يطرفا
ولأجله اكتست الأباطح والربى ... وشيا من الروض الأريض مزخرفا
стр. 1071
وسرى النسيم إلى الغصون معّرضا ... فيها لورق حمامة أن تهتفا
وافترّ ثغر البرق حتى خلته ... ينضو على أعلام جوشر مرهفا
فكأنّها كانت على بعد المدى ... تبدى إليك تشوّقا وتشوّفا
آنست يا موسى بها نار الهدى ... فأتيت من شوق إليها موجفا
وحللت بالوادى المقدّس قابسا ... نور التلاقى والدنوّ فلا انطفا
وتباشرت حلب بمقدمك الذى ... هو مدّ ظلّ سرورنا حتى ضفا
وغدا غياث الدين مبتهجا بها ... بشرى كأن الله أحيا يوسفا
ومنها:
يا ابن الذى بجهاده وجلاده ... أضحت بلاد الشرك قاعا صفصفا
خلط الشجاعة بالندى فحسامه ... لمن اعتدى (١) وسماحه لمن اعتفا
اليوم كفّ عن الجدال منقّصا ... من كان طوّل في المقال وسوّفا
والملك قد قرّت قواعده بكم ... مذ غرتم لشموسه أن تكسفا
فبقيتم ترعى الرعيّة عدلكم ... ويذبّ عن دين النبى المصطفى
ما غرّدت أيكيّة أو صيّدت ... أيدى النسيم من الأراكة معطفا
(٥٢ ا) ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده.
وفى هذه السنة: أمر الملك الظاهر بإجراء القناة (٢) من جيلان إلى حلب،
стр. 1072
وغرم على ذلك أموالا كثيرة، وتقسمت في البلد في القاعات والمدارس والخانقاهات والربط، وبقى البلد يجرى الماء فيه مضاهيا لدمشق.
وفى هذه السنة: وصل غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى - صاحب بلاد الروم - إلى مرعش، لقصد بلاد ابن لاون ملك الأرمن.
فأنفذ إليه الملك الظاهر جماعة من عسكره، يكونون في خدمته مع سيف الدين ابن علم الدين بن جندر، وعز الدين أيبك فطيس.
فدخل غياث الدين بلاد ابن لاون، وعاث فيها ونازل حصنا يعرف بغرقوس، وافتتحه بالأمان، وأبقاه وشيّد عمارته.
وفتح قلاعا أخرى وخرّبها.
ثم رجع غياث الدين لما وقع الثلج (١)، وقد فتح كثيرا من الحصون.
ذكر مقتل
معز الدين سنجر شاه - صاحب الجزيرة -
وفى هذه السنة: قتل معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى (٢) ابن مودود (٢) بن زنكى - صاحب جزيرة ابن عمر -.
وقد ذكرنا تملكه لها بعد أبيه سيف الدين غازى - صاحب الموصل -، وأخباره مع السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وانتماءه إليه، ثم هربه منه بمرج عكّا، وغضب السلطان عليه، ثم عوده ورضى السلطان عنه.
стр. 1073
وكان ظالما، قبيح السيرة جدا، سفّاكا للدماء لا يمتنع عن قبيح يفعله مع رعيته من القتل، وقطع الألسنة، والأنوف، والآذان، وحلق اللحى.
وتعدّى ظلمه إلى أولاده [وجيرته] (١) وحريمه، فبعث ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح، فحبسهما فيها، وحبس ابنه غازى في دار في المدينة، ووكّل به من يمنعه من الخروج منها؛ وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعيّة، فكان يدخل إليه منها العقارب والحيات وغيرها من المؤذيات، فاصطاد يوما حيّة، وسيّرها في مندبل إلى أبيه، لعله يرقّ له، فلم يزده ذلك إلا قسوة.
فأعمل غازى الحيلة حتى تخلّص من الدار التي كان محبوسا بها، واختفى في بعض آدر البلد، وقرّر مع إنسان كان يخدمه (٥٢ ب) أنه يسافر، ويظهر أنه غازى بن معز الدين، وتتم له في قتله الحيلة.
فمضى ذلك الإنسان إلى الموصل، وأظهر أنه غازى.
ولما سمع نور الدين أرسلان شاه - صاحب الموصل - به، سيّر له نفقة وأثاثا وخيلا، وأمره بالعود إلى أبيه؛ وقال له: «إن أباك يتجنى علينا الذنوب، ويقبّح عند الناس ذكرنا، فإذا أتيت إلينا جعل ذلك ذريعة للشناعات والشفاعات، ونقع معه في صراع».
فسيّر ذلك الشخص إلى الشام، وأظهر أنه غازى ابن صاحب الجزيرة في كل مكان وصل إليه.
وتحقّق أبوه (٢) أن ابنه هرب، واطمأن قلبه بخروجه عنه.
ثم إن غازى تسلّق إلى دار أبيه، واختفى عند بعض السرارى، وعلم به
стр. 1074
أكثر من في الدار فسترن عليه بغضا لأبيه، وإيثارا للراحة منه، فبقى في دار أبيه أياما مختفيا.
واتفق أن أباه شرب يوما ظاهر البلد، ولم يزل يقترح على المغنين في ذلك اليوم أن يغنوا له في أبيات الفراق وهو يبكى، فكأنه استشعر دنو أجله.
ثم دخل إلى داره، ونزل عند بعض حظاياه وهو سكران، وكان ابنه عند تلك الحظية، فقام معز الدين ليدخل بيت الخلاء، فهجم عليه ولده غازى، فضربه بالسكين أربع عشرة ضربة، ثم ذبحه، وتركه ملقى ودخل الحمام، وقعد يلعب مع الجوارى؛ فلو أحضر الجند (١) واستحلفهم لملك البلد، لكنه سكن واطمأن، فخرج بعض الخدم الصغار، وأعلم أستاذ دار أبيه بالواقعة، فأحضر أعيان الدولة وعرّفهم ذلك.
ثم أغلق أبواب (٢) الدار على غازى، واستحلف الناس لأخيه معز الدين محمود بن سنجر شاه.
ولما حلف الناس فتحوا الباب وهجموا على غازى فقتلوه، وألقوه على الباب فأكلت الكلاب بعض لحمه، ثم دفنوه.
ووصل معزّ الدين محمود، واستقر ملكه بالجزيرة، وقبض على جوارى أبيه فغرّقهن في دجلة.
فذكر أنه كان يأخذ الجارية، فيجعل وجهها في النار حتى يحترق، ثم يلقى بها في الماء (٣) فتغرق، ثم قتل بعد ذلك محمود أخاه مودودا.
стр. 1075
ودخلت سنة ست وستمائة:
والملك العادل مقيم بدمشق.
والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية.
(٥٣ ا) ذكر مسير الملك العادل إلى البلاد الشرفية
كنا قد ذكرنا قصد الكرج الأعمال الخلاطية (١) وما فعلوه بأرحيش.
وتكررت كتب الملك الأوحد إلى الملك (٢) العادل يستصرخه عليهم، فسافر الملك العادل من دمشق، وقصد الفرات فقطعها (٣)، وكتب إلى البلاد يطلب العساكر، وأظهر أنه يريد قصد الكرج.
فوصل إليه الملك المنصور - صاحب حماة -، والملك (٤) المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك - وعسكر من الملك الظاهر - صاحب حلب.
ونزل بحرّان (٤)، ووصل إليه ولده الملك الأوحد - صاحب خلاط وميّا فارقين -، والملك الأشرف، والملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان
стр. 1076
الارتقى - صاحب آمد وحصن كيغا -، ووصل إليه صاحب السويداء، وصاحب دارا.
فلما تكاملت العساكر عنده واجتمعت، كاتب قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى - صاحب سنجار - ليسلم إليه سنجار ويعطيه عنها عوضا، فعزم قطب الدين على ذلك، فمنعه منه أحمد بن برتقش - مملوك أبيه -، وقام له بحفظ سنجار والذبّ عنها.
وكان نور الدين أرسلان شاه - صاحب الموصل - قد راسله الملك العادل في السنة الماضية، يخطب منه ابنته لأحد أولاده، فوقعت الإجابة إلى ذلك.
وحسّن بعض أصحاب نور الدين له مراسلة الملك العادل والاتفاق معه على أن يقتسموا البلاد التي لقطب الدين - صاحب سنجار وجزيرة ابن عمر وأعمالها - وهى التي بيد محمود بن سنجر شاه على أن تكون بلاد قطب الدين للملك العادل، والجزيرة لنور الدين.
فراسله في ذلك، فأجابه الملك العادل إليه مستبشرا به وتحالفا وتعاقدا على ذلك.
ولما دخل الملك العادل الشرق استشعر نور الدين وخاف، وأحضر أصحاب الرأى من أصحابه؛ واستشارهم فيما يفعله.
فأما الذين كانوا أشاروا إليه باستدعاء الملك العادل إلى البلاد فسكتوا، وأما الذين لم يعلموا ذلك فأشاروا بالاستعداد والحصار، وجمع الرجال، وتحصيل الذخائر، وما يحتاج إليه.
فقال نور الدين:
«نحن فعلنا ذلك وكاتبنا الملك العادل بأن يجىء إلى البلاد»
стр. 1077
(٥٣ ب) فقالوا له:
«بأى رأى تكتب إلى عدوك حتى يأتى إليك ويصير قريبا منك، ويزداد قوة إلى قوته، ثم إن الذى استقر بينكما أنه يكون له، وهو: سنجار وبلادها، يملكها بغير تعب ولا مشقة، والذى استقر أنه يكون لك، وهو الجزيرة لا يمكنك أن تتوجه إليه وتحصره، والملك العادل في البلاد؛ هذا إن وفى لك بما استقرت القاعدة عليه، بل لو لم يكن الملك العادل في البلاد لا يمكنك مفارقة الموصل، لأنه صار بيد أولاده ملك خلاط والبلاد الجزرية جميعها، وبعض ديار بكر، فمتى صرت عن الموصل حالوا بينك وبينها، فما زدت على أن آذيت نفسك وابن عمّك، وقوّيت عدوّك، ولكن فات الأمر وما بقى يجوز إلا أن تقف معه على ما استقرت إليه القاعدة بينكما، لئلا يجعل ذلك حجّة عليك، ويبتدئ بك».
ثم رحل الملك العادل من حرّان، وكان قد بلغه أن الكرج لما بلغتهم حركته خافوا منه وكرّوا عائدين إلى بلادهم.
فتقدم الملك العادل إلى الملك المنصور والملك الأشرف بأن ينازلا نصيبين ويأخذاها، وكانت لقطب الدين، وذلك حين أيس من إجابة قطب الدين إلى ما طلبه من تسليم سنجار إليه، وأخذ العوض عنها.
فسارا إلى نصيبين فتسلماها وتسلما الخابور.
стр. 1078
ذكر منازلة الملك العادل
سنجار
وسار الملك العادل إلى سنجار ونازلها، وأخذ في حصارها، فأخرج إليه صاحبها قطب الدين نساءه وحرمه يضرعن إليه ويسألنه إبقاء المدينة عليهن.
فلما حصل النسوة عنده أمر باعتقالهن إلا بتسليم سنجار، فاضطر قطب الدين إلى إلقاء المقاليد إليه، وأجاب إلى تسليم البلد على أن يعوض عنها الرقة وسروج وضياع من بلد حرّان.
وأطلق الملك العادل النسوة؛ وأمر بادخال علمه إلى البلد.
فلما حصلت النسوة بالبلد ودخل علم الملك العادل، أمر قطب الدين بكسر العلم، وعلّق على الباب (١)، واستعدّ للحصار، وأرسل إلى الملك العادل يقول له:
«غدرة بغدرة والبادى أظلم».
فجدّ الملك العادل (٥٤ ا) في مضايقة البلد ومحاصرته، واصطلى أهل سنجار الحرب بأنفسهم، وصبروا أحسن صبر.
وأمر الملك العادل بقطع ما على البلد من البساتين والجواسق، ونصب على البلد عدة مجانيق.
وأخذ قطب الدين في مكانبة الملوك (٢) والاستنجاد بالخليفة الناصر لدين الله (٢).
وكان نور الدين - صاحب الموصل - قد عزم على تسيير عسكر نجدة
стр. 1079
للملك العادل مع ولده الملك الظاهر عز الدين مسعود، وإذا برسول مظفر الدين كوكبورى - صاحب إربل - قد جاء يبذل له المساعدة والمعاضدة، ومنع الملك العادل عن سنجار.
ولم يكن هذا في حساب نور الدين، فإن مظفر الدين كان مع الملك العادل.
وكان السبب في الذى فعله مظفر الدين أن قطب الدين - صاحب سنجار - كان أرسل ولده إلى مظفر الدين يستشفع به إلى الملك العادل ليبقى عليه سنجار، وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع في نصف ملك [الملك] (١) العادل لشفّعه فيه، لما بينهما من المصاهرة، ولآثار جميلة تقدمت (٢) من مظفر الدين في حق الملك العادل.
فشفع مظفر الدين في قطب الدين عند الملك العادل، فلم يقبل شفاعته فيه، ظنّا منه أنه بعد اتفاقه مع نور الدين لا يبالى بمظفر الدين.
فلما ردّ الملك العادل شفاعته غضب من ذلك، وسيّر وزيره إلى نور الدين، فوصل إلى الموصل ليلا، ووقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبرت إليه سفينته، فمبر (٣) فيها، واجتمع بنور الدين ليلا، وأبلغه الرسالة.
فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، وحلف على ذلك، وعاد وزير مظفر الدين من ليلته، فأبلغ مظفر الدين الجواب.
فسار مظفر الدين من إربل، واجتمع هو ونور الدين، وعسكرا بظاهر الموصل، وراسلا الملك الظاهر - صاحب حلب - يدعوانه إلى الاتفاق على الملك العادل،
стр. 1080
وراسلا أيضا السلطان غياث الدين - صاحب بلاد الروم -، وأخاه مغيث الدين طغرل شاه - صاحب أرزن الروم -.
ولما وصلت رسالتهما إلى الملك الظاهر أجابهما ونقض ما كان بينه وبين الملك العادل، وكانت الملك الظاهر في عمل (١) ماردين ضيعة يقال لها القرادى، أعطاه إياها صاحب ماردين (٥٤ ب) لما أصلح بينه وبين الملك العادل، فصارت في يد الملك الظاهر يستغلها.
فلما كانت هذه السنة، والملك العادل على سنجار أقطعها الملك العادل للملك الصالح محمود الأرتقى - صاحب آمد -، فجعل الملك الظاهر ذلك حجة في نقض ما بينه وبين الملك العادل، وأحضر فقهاء حلب عنده، وقال:
«ما تقولون في رجل حلف لرجل يمينا على أشياء، فحان أحد الرجلين في بعض تلك الأشياء، أينحل عقد تلك اليمين بتلك الأشياء أم لا؟».
فأجابوا «بأنه ينحل اليمين ويبطل حكمها».
فأظهر لهم صورة الحال، فأفتوه بأن اليمين قد بطلت، ولا يلزمه إذا نقض ما بينه وبينه حنث.
فأجاب الملك الظاهر مظفر الدين ونور الدين إلى الاتفاق معهما، وأجابهما سلطان الروم وأخوه إلى ذلك.
ثم أرسل مظفر الدين ونور الدين إلى الخليفة في أن يرسل رسولا في أمر الصلح، وأن يرحل الملك العادل عن سنجار.
стр. 1081
ذكر رحيل
الملك العادل عن سنجار ورجوعه إلى حرّان
بعد انتقاض ما بينه وبين ابن أخيه الملك الظاهر
وصاحب الموصل وصاحب إربل
ولما جرى ما ذكرناه من انتقاض الأمر (١) بين الملك العادل وابن أخيه الملك الظاهر وصاحب إربل وصاحب الموصل (١)، برز الملك الظاهر من حلب ونزل على جبل بانقوسا، وأرسل نظام الدين محمد بن الحسين، وأخاه الملك المؤيد نجم الدين مسعود إلى الملك العادل، وأنفذ معهما تحفا كثيرة وهدايا سنية، وكان مضمون الرسالة الشفاعة في صاحب سنجار.
وقال لهما: «إن لم يقبل الشفاعة فأعلماه أنى خارج إلى بلاده (٢)».
ثم أمرهما إن لم يقبل الشفاعة أن يأمرا من عنده من عسكر حلب، وكانوا خمسمائة فارس، أن يفارقوه إلى الموصل أو إلى حلب.
وحملّهما إلى الملك المنصور - صاحب حماة - والملك المجاهد - صاحب حمص -[رسالة أيضا في ذلك (٣)].
واشتد الملك العادل في حصار سنجار والتضييق عليها.
ولما وصل إليه نظام الدين وابن أخيه الملك المؤيد وأبلغاه الرسالة امتنع عن قبولها وأغلظ (٥٥ ا) لهما في القول.
стр. 1082
فأمر الملك المؤيد ونظام الدين العسكر الحلبى بمفارقته، ففارقوه (١). ودسّا في الباطن إلى أصحاب الملك العادل دسائس أوجبت فساد أحوال الملك العادل، وأرسلا إلى من في البلد يأمرانهم بأن يكثروا (٢) الشفاعات على الملوك والأمراء الذين في عسكر الملك العادل، ففعلوا.
وتقدم عسكر الموصل إلى قريب سنجار.
وبعث الخليفة أبا نصر. هبة الله بن المبارك بن الضحاك - أستاذ الدار - والأمير آق تاش، وهو من خواص مماليك الخليفة [رسلا إلى الملك العادل في رحيله عن سنجار] (٣)؛ فوصلا إلى صاحب الموصل، ثم سارا إلى الملك العادل، وهو منازل سنجار، وأصحابه لا يناصحون في القتال، لا سيما الملك المجاهد - صاحب حمص -، فإنه كان يدخل إلى سنجار الأغنام وغيرها والأقوات، وكذلك غيره.
فلما وصلت رسل الخليفة إلى الملك العادل أجاب إلى الرحيل، ثم امتنع من ذلك، وطاول في الأمر، لعله يبلغ منها غرضا، فلم يحصل له مقصود.
فأجاب إلى الصلح على أن يكون له نصيبين، والخابور، وكل ما ملكه من البلاد، ويبقى لقطب الدين سنجار.
ورحل الملك العادل عن سنجار عائدا إلى حرّان.
وعاد مظفر الدين إلى إربل، وكان مظفر الدين مدة مقامه بالموصل قد زوّج ابنتيه بولدى نور الدين، وهما: عزّ الدين مسعود، وعماد الدين زنكى، وأمّ البنتين ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل.
стр. 1083
ذكر وفاة
الملك المؤيد نجم الدين مسعود
ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين
ولما انفصل الملك المؤيد ونظام الدين من عند الملك العادل، سارا حتى نزلا رأس عين بظاهرها، فخرج إلى خدمتهما الوالى بها، وحمل إليهما طعاما وفاكهة كثيرة، فتناول من الرمان هو وبعض غلمانه، ثم دخل بيتا مجصّصّا، وكان يوما شديد البرد، فأشعل فيه النار، وسدوا كوى البيت، فاختنق الملك المؤيد ومن كان معه، ولم يسلم إلا اثنان وجد فيهما حياة ضعيفة.
وتحدّث الناس بأنه سقى سمّا (١) في الرمان.
ثم جهّز الملك المؤيد ووضع (٥٥ ب) في تابوت وحمل إلى حلب فوصل إليها في الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة، ودفن في التربة الظاهرية بمقام إبراهيم ﵇.
وحزن عليه أخوه الملك الظاهر حزنا شديدا، وغلقت أسواق حلب سبعة أيام.
ورثاه شرف الدين الحلّى بقصيدة مطلعها:
ترى من على نفس الهدى (٢) جار واعتدى ... وفوّق نحو الملك سهما مسدّدا؟
стр. 1084
ومن هدّ ركن المجد بعد بنائه؟ ... ومدّ إلى تشتيت شمل الهدى يدا
ومن دكدك الطود الأشمّ وقد رسا ... وطال إلى أن جاز نسرا وفرقدا؟
ومن حجب البدر الذى كان مشرقا ... ومن غيّض البحر الذى كان مزيدا؟
ومن حبس الغيث الذى كان نوؤه ... إذا عمّ جدب لا يفت له ندا
ومنها:
فيا مانع الإسلام صبرا فإنما ... بصبرك في كلّ المواطن يقتدى
فلو كان غير الموت دافعت دونه ... بطعن يردّ السمهرىّ مفصّدا
وغادرت جفن الأفق بالسمر أو طفا ... وخدّ المواضى بالنجيع مورّدا
ولكنه دهر إذا ما نعيمه تحوّل ... بؤسا هدّ ما كان شيّدا
فدم يا غياث الدين سيبك للعلى ... يشيد مبانيها وسيفك للعدى
ولا زالت الدنيا تبيحك ملكها ... ولا زلت مهديا لها وممهدا
ولما بلغ الملك العادل وفاة ابن أخيه الملك المؤيد جلس للعزاء، واغتم لموته غما كثيرا، وخاف أن يظن الناس أنه سمّه.
وبعد مفارقة الملك العادل رأس عين متوجها إلى حرّان، جرت (١) بينه وبين وزيره صفى الدين منافرة أوجبت حرد صفى الدين، وسافر في البرية (٢).
стр. 1085
فركب الملك المنصور - صاحب حماة -، والأمير فخر الدين جهاركس - صاحب بانياس -[خلفه] (١) حتى لحقاه وأحضراه إلى الملك العادل وأدخلاه عليه، وقبلّ يده، فرضى عنه الملك العادل، وطاب قلب صفى الدين.
ووصل الملك العادل إلى حرّان وأقام بها.
стр. 1086
ودخلت سنة سبع وستمائة:
فخرج في أولها الملك الظاهر وخيّم (٥٦ ا) معاملا (كذا) لأنه بلغه أن عمه الملك العادل عازم على قصده، وأخذ حلب منه، (١) فعزم على جمع العساكر وقصد الفرات (١) ليمنع الملك العادل من عبور الفرات، وكاتب المواصلة وغيرهم في الاستعداد وأخذ الأهبة ليشغلوا قلب الملك العادل، ويمنعوه من قصد حلب، فأجابوه إلى ذلك.
وحين تحقق الملك العادل ذلك أعرض عن قصد حلب، وقصد دمشق، فدخلها واستقر فيها، وتفرقت العساكر والملوك الذين معه.
وفى هذه السنة قصدت الكرج خلاط وحصروها، فاتفق أن «أوانى» (٢) ملك الكرج شرب الخمر، فحسّن له السّكر أن ركب وتقدم إلى جهة خلاط في عشرين فارسا، فتقنطر به فرسه، فأخذه المسلمون أسيرا، وأخذوا أصحابه معه، وحملوهم إلى الملك الأوحد، فبذل في نفسه مائة ألف (٣) دينار، وخمسة آلاف أسير من المسلمين، وأن يلتزم الصلح ثلاثين سنة، وأن يزوّج إبنته الملك الأوحد، فوافقه على ذلك، وردّ على المسلمين عدة قلاع كانت أخذت منهم، وتقررت الأيمان بينهم على ذلك كله.
وفى هذه السنة تحركت الفرنج إلى جهة الساحل، واجتمع منهم بعكّا جمع كثير.
فخرج الملك العادل من دمشق، وترددت بينهم الرسل، حتى تقررت بينهم الهدنة مدة معلومة.
стр. 1087
وأمر ولده الملك المعظم ببناء قلعة الطور، وهو حصن عال (١) قريب من عكا.
ذكر وفاة
نور الدين صاحب الموصل
وفى هذه السنة توفى نور الدين (٢) أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى ابن آق سنقر - صاحب الموصل - في آخر رجب.
وكان مرضه قد طال، ومزاجه قد فسد، وكانت مدة ملكه بالموصل سبع عشرة (٣) سنة، وأحد عشر شهرا.
ولما اشتد مرضه وأيس من نفسه، أشير عليه بالانحدار إلى عين القيارة ليستحم بها، فانحدر إليها، واستحم بها، ولم يجد راحة، وازداد ضعفا، فأخذه الأمير بدر الدين لؤلؤ مملوكه، وكان أستاذ داره والحاكم في دولته، وهو الذى صار إليه ملك الموصل فيما بعد على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - (٥٦ ب).
وأصعده في شبّارة (٤) إلى الموصل، فتوفى في الطريق ليلا، ومعه الملاحون والأطباء، بينه وبينهم ستر.
стр. 1088
وكان مع بدر الدين عند نور الدين مملوكان، فلما توفى إلى رحمة الله، قال بدر الدين لأحدهما (١): «لا يسمع أحد بموته»، وقال للأطباء والملاحين:
«لا يتكلم أحد، فقد نام السلطان».
فسكتوا ووصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطباء والملاحين بمفارقة الشبارة لئلا يروه ميتا، ففعلوا، وحمله هو والمملوكان وأدخله الدار، وتركه في الموضع الذى كان فيه وفيه المملوكان. وترك على بابه من يثق إليه، لا يمكّن أحدا من الدخول والخروج، وقعد يمضى الأمور التي يحتاج إليها.
فلما فرغ من كل ما يحتاج إليه أظهر موته وقت العصر، ودفنه بالمدرسة التي أنشأها مقابل داره.
ذكر صفته
وسيرته ﵀ -
كان أسمر، خفيف اللحية والعارضين جدا، مليح الوجه، قد أسرع إليه الشيب، وكان شهما، شجاعا، عادلا، ذا سياسة للرعية، شديدا على أصحابه يمنع بعضهم أن يتعدى على بعض، وكانوا يخافونه خوفا شديدا، فلا يجسرون بسبب الخوف منه على الظلم والتعدى.
وكانت همته عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكى ووجاهته (٢) وحرمته بعد أن كان قد ذهب، وخافته الملوك، وكان سريع الحركة في طلب الملك، إلا أنه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتسع ملكه.
стр. 1089
ومن محاسن ما ينقل عنه أنه لما توجه من الموصل في نجدة صاحب ماردين حين (١) كان الملك الكامل قد ملك ربضها، وكاد يستولى على قلعتها، وضرب المصاف مع الملك الكامل وكسره [كسرة قبيحة]، (٢) وسافر الملك الكامل إلى حرّان، ولم يبق من عسكره بالمكان أحد، قال أصحاب نور الدين له:
«اصعد بعسكرك إلى ربض ماردين، فما دونه مانع، واملكه، واملك القلعة، ويكون هذا موضع المثل السائر: «رب ساع لقاعد» فقال: «حاش لله أن يتحدث الناس عنى أن ناسا (٣) اعتضدوا بى واستنصروا بى أغدر بهم».
ثم قال لمجد الدين بن الأثير - وكان [من] (٤) أكبر أصحابه -:
«ما تقول يا مجد الدين؟».
فقال: «الغادرون كثير، وقد أودعت (٥٧ ا) غدراتهم الكتب، وهى باقية إلى الآن، ولم يؤرخ عن أحد أنه قدر على مثل ماردين وتركها وفاء وإنعاما وإحسانا».
وقال لمجد الدين: «أرسل إلى صاحب ماردين ليرسل نوابه إلى ولاياته»، وكان قد أقطعها للعساكر التي معه، وأمر بكفّ أيديهم عنها، وتسليمها إلى صاحبها.
فقال مجد الدين: «إن أصحابنا لم يأخذوا درهما واحدا لتأخر إدراك الغلات، فلو بقى الإفطاع في أيديهم إلى أن يأخذوا ما ينفقون عليهم في بيكارهم (٥)»
стр. 1090
فقال ﵀: «لا نكدر إنعامنا وإحساننا إليهم، ونحن نكفى أصحابنا».
قال مجد الدين: «فأرسلت إلى صاحب ماردين ليتسلم بلاده فتسلمها، وأرسل إليها نوابه».
قال مجد الدين: «ما قلت له عن شىء قط، من عدل (١) وبذل مال (١) وغير ذلك من الصلاح، فقال لا؛ وكنت معه في بعض أسفاره وله سرادار قد سرق ولده من داره قماشا، وكانت مفاتيح الدار مع السرادار، فأرسل إلىّ ليلا فأمرنى أن أكتب كتابا إلى الموصل بقطع يده، فأعدت الجواب: أننى ما أكتب هذا الكتاب الليلة، (٢) وإذا اجتمعت به غدا عرفته ما في هذا (٢).
فأعاد مرة ثانية وثالثة وأنا أمتنع.
فاستدعانى وقال لى: «لم لم تكتب الكتاب؟».
فقلت له: «عادتى معكم (٣) أننى لا أكتب إلا ما تجيزه الشريعة».
فقال لى: «هذا سارق، توجب الشريعة المطهرة قطع يده».
فقلت: «لا قطع عليه، لأنه سرق من غير حرز، لأن المفاتيح بيده».
فعفا عنه.