← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ذكر هجوم بعض العسكر دمشق ثم خروجهم عنها مقهورين وتقدم مجد الدين أخو الفقيه عيسى الهكارى في جمع [قليل] (١) من العسكر قليل، فهجموا دمشق من باب السلامة (٢)، بموافقة أمير يقال له شجاع [الدين] (٣) يونس من الأكراد فدخلوا دمشق واخترقوها، ووصلوا إلى باب جيرون وباب البريد (٤)، وشرب بعضهم الفقاع في المدينة، فكاد العسكر الذى بها يستسلم، ونزلوا عن الأسوار. وصاح مجد الدين: «يا أفضل يا منصور»، وصاحت (٥) معهم العامة. لميلهم كان إلى الملك الأفضل (٥)، ولم يتصل بهم مدد من خلفهم، وطمع الجند (٦) الذين في البلد فيهم فطاردوهم، وخافوا لما رأوا أنه لا مدد لهم من ورائهم، فطلبوا باب الفراديس، وكسروا أقفاله، وخرجوا منه. وخرج الملك العادل من القلعة طالبا باب السلامة، فوجد ابن أخيه الملك الظافر قد قصده، ودخل منه جماعة، فحمل عليهم الملك العادل، ومعه بدر الدين دلدرم الياروقى، وعز الدين بن المقدم، وجماعة يناهزون سبعين فارسا، فأخرجوهم

стр. 982

من البلد (١)؛ ثم أمر الملك العادل بغلقه (٢) وحفظه على سائر الأبواب (٢)، ورتّب على كل منها (٣) جماعة. وقفز إلى البلد [الأمير] (٤) رأس الكبش، وسنقر العزيزى (٥)، وغيرهما (٢٨ ب) فخلع الملك العادل عليهم وأحسن إليهم. ذكر تأخر الملك الأفضل إلى ذيل عقبة الكسوة ثم قفز من عسكر الملك الأفضل [إلى دمشق] (٦) طغرل المهرانى، ومعه قطعة من العسكر، فقويت نفس الملك العادل بذلك، وكاتب علم الدين كرجى، وعز الدين درباس المهرانى، (٧) وذكّرهما ما كان بينه وبينهما من الصحبة، وقال لهما: «إن بنى أخى لو ظفروا بى أهانونى، وكسروا ناموسى، وأنا مقصودى أن أذهب بمالى وأهلى وحرمى إلى الشرق وأترك لهم ملك مصر والشام، فتساعدوننى بتفنيد الملك الأفضل عن الحرب، وتوقفونه عنه، فيحصل غرصى وغرضهم، وتحصلون أنتم على الأجر»؛ وبعث لهما مالا جزيلا.

стр. 983

فأشارا على الملك الأفضل بالتوقف، وأن ينتظر قدوم الملك الظاهر، فيقع الاتفاق معه على المصلحة، فتوقف الملك الأفضل مدة. وشرع الملك العادل في تلك المدة يكاتب أمراء العسكر بالرغبة والرهبة وبذل المال، فدخل دمشق جماعة من الأمراء منهم: سيف الدين على بن مهران، وفخر الدين إياس البانياسى، وحسام الدين عيسى بن خوشترين، (١) وأخوه سيف الدين، وسابق الدين مثقال الجمدار، وجماعة من المفاردة؛ وبذل لهم الملك العادل العطاء، واستدان جملة من أموال التجار، وأنفقها في المقفرين إليه، فتواصلوا إليه. وعلم الملك الأفضل انتقاض أمره، فتأخر إلى ذيل عقبة الكسوة (١). ذكر وصول الملك الظاهر (٢) إلى ظاهر دمشق (٢) نجدة لأخيه الملك الأفضل ورحل الملك الظاهر من حلب (٣) متوجها إلى إنجاد أخيه الملك الأفضل (٣)، ولما وصل إلى حماة اجتمع به صاحبها الملك المنصور، وكان قد وافقه وحلف له، فبعث معه شطرا من عسكره، واستأذنه في قصد بعرين، وأخذها من عز الدين ابن المقدم، فأذن له في ذلك.

стр. 984

ولما وصل الملك الظاهر إلى (٢٩ ا) حمص خرج إلى خدمته صاحبها الملك المجاهد أسد الدين، وتوجه معه بعسكره (١). (٢) ولما قدم الملك الظاهر إلى معسكر أخيه الملك الأفضل قوى قلبه به، ونزل في ميمنة العسكر (٢). ذكر تقدم الملكين (٣) الأفضل والظاهر إلى دمشق ومضايقتهما لها (٣) (٤) ثم تقدم الملك الأفضل والملك الظاهر إلى دمشق، ونزلا فوق مسجد القدم، وأخذا في الحرب والقتال، وقلّت الأقوات بدمشق، وطال على أهلها مدة الحصار (٤). وكان الملك العادل قد بعث إلى الأمراء الصلاحية المقيمين بالقدس يستدعيهم إليه، فأقبلوا متوجهين إليه، ولما علم ذلك الملك الأفضل جرّد عسكرا، وقدّم عليهم الملك المجاهد - صاحب حمص - ليحولوا بين الصلاحية ودخول دمشق (٥)، ثم أردفهم بجماعة من الأسدية وعسكر حلب. فقدمت الصلاحية إلى دمشق من غير الطريق التي توجه الملك المجاهد إليها،

стр. 985

ودخلوا من جهة عقبة مدره، واستقروا بدمشق سالمين، فقوى بهم الملك العادل. ثم جرّد الملك الأفضل شجاع الدين جوهر الخادم ليقصد الغور وما يليه، ويحمل الغلال إلى المعسكر، فسيّر الملك العادل عزّ الدين أسامة، والجحّاف إلى مقاتلة جوهر، وكان ميمون القصرى بنابلس، فالتقى بعسكر الملك العادل بظهر حمار، وانضاف إليهم، ولقوا جوهرا وقاتلوه، فأصاب جوهرا سهم غرب كانت فيه منيته، وولّي أصحابه مدبرين. فعظم على الملك الأفضل، ومضى العسكر العادلى إلى القدس، وأخذوا في قطع الميرة الواصلة من مصر إلى عسكر الملك الأفضل، فتضرروا بذلك [غاية الضرر] (١) واشتدت مضايقة الملكين الأفضل والظاهر لدمشق، وقلّت الأقوات عد (٢) الملك العادل فجعل يستقرض من التجار ويحيلهم على قلعة جعبر، وكانت فيها أمواله، (٣) وتخرّق في العطاء جدا لكنه أنس من الأجناد فشلا وضجرا (٣)، ونال أهل دمشق من الغلاء ما تمنوا معه الموت. (٢٩ ب) وزحف الملك الظاهر يوما إلى البلد، ووصل الحلبيون النقابون إلى السور ونقبوه، وما بقى لهم مانع دون البلد. وعاد الملك الظاهر [عند انصرام النهار إلى مخيمه وهو] (٤) على عزم المباكرة والزحف.

стр. 986

وعزم الملك العادل على تسليم البلد لولا ما حدث من الاختلاف بين الملكين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وخرجت هذه السنة والبلد محاصر مضايق (١). ذكر استيلاء الملك المنصور صاحب حماة على بعرين (٢) وفى شهر رمضان من هذه السنة قصد الملك المنصور - صاحب حماة - بعرين، وبها نواب عز الدين إبراهيم بن المقدم، وبعض جنده، وضايقها مضايقة شديدة، وجدّ في الزحف على قلعتها، ونصب عليها المجانيق، وحصلت له جراحة حال الزحف، ثم فتحها في التاسع والعشرين من ذى القعدة (٢). وبعث إلى الملكين الأفضل والظاهر يبشرهما بذلك، فسرّا به كثيرا، وأمرا فضربت البشائر في معسكريهما. (٣) وأقام الملك المنصور بها مداويا لجراحته، وعيّد عيد الأضحى بها، وأصلح ما تهدم من سورها (٣).

стр. 987

ذكر رحيل الملك الكامل بن الملك العادل عن ماردين وكانت رسل الملك الأفضل قد جاءت إلى نور الدين أرسلان بن مسعود - صاحب الموصل - تطلب منه موافقته (١) على الملك العادل، فأجابه إلى ذلك، وصالح ابن عمه قطب الدين بن عماد الدين - صاحب سنجار -، واتفقا على إنجاد صاحب ماردين على الملك الكامل. ثم سار نور الدين وقطب الدين بعساكر الموصل وسنجار والجزيرة، ونزلوا أسفل جبل ماردين. وشرع نور الدين في جمع الرجّالة ليزحف إلى الربض، وبه الملك الكامل، ويساعدهم عليه أهل القلعة من فوق. ولو أقام الملك الكامل في الربض لما تمكن عسكر الموصل منه، وكان قد تمكن تمكنا شديدا، وضاق خناق أهل القلعة حتى لم يبق إلا تسليمها إليه. فاتفق أن الملك الكامل نزل إلى الوطا، ولم يكن [ذلك] (٢) رأيا، فوقعت الحرب بين الملك الكامل والمواصلة، وكانوا أكثر منه جمعا، (٣٠ ا) فلم يثبت لهم، وانهزم مصعدا إلى الجبل، وأسر من أصحابه جماعة، ثم أطلقهم نور الدين؛ فرحل الملك الكامل ليلا إلى ميّافارقين، ثم منها إلى حرّان.

стр. 988

وفى هذه السنة توفى مجاهد الدين قايماز (١) نائب المملكة بالموصل، وكان ديّنا عادلا، وهو الذى ينسب إليه الجامع المجاهدى (٢) بظاهر الموصل (٣).

стр. 989

ودخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة والملكان الأفضل والظاهر محاصران لمدينة دمشق مضايقان لها. ذكر وصول الملك الكامل بن الملك العادل إلى دمشق لما اشتد الحصار على الملك العادل بدمشق (١)، وغلت الأقوات، وقلّ ما بيده، فارقه جماعة من أصحابه وخرجوا إلى الملك الأفضل. منهم شمس الدين الدكر. (٢) الكبير العادلى (٣)، وفخر الدين البانياس، وقاسم الدين، وجميع أصحاب صارم الدين قايماز النجمى. فاجتمع عند ذلك (٤) جماعة من الصلاحية وغيرهم (٥) من أكابر الأمراء عند الملك العادل، وقالوا: «السلطان يعلم أنه لا مال عنده بدمشق، والأجناد والعامة لا يقاتلون إلا بالمال، والأموال التي لك بالكرك وقلعة جعبر لا وصلة

стр. 990

لك إليها، ونحن فقد هلكنا وضاق الأمر علينا، وقد بقى رأى واحد، إن أجبت إليه كانت فيه المصلحة، وإلا فاعلم أن دمشق تخرج من يدك، وتذهب أنفسنا مع الملوك أولاد أخيك، وهو أن تستدعى ولدك الملك الكامل من الشرق بجميع من معه من العسكر، ويستصحب معه من الأموال ما تتقوى به». فأجابهم إلى ذلك، وكتب إلى ولده الملك الكامل ليصل بمن بقى معه من العسكر، ومعه من المال ما يتقوى به الجند. وكتب إلى النائب بقلعة جعبر أن يسلم إلى الملك الكامل ما يستدعيه منه. فسار الملك الكامل في العسكر الذى معه، ونزل بقلعة جعبر، واستدعى من النائب بها أربعمائة ألف دينار، وسار مجدا إلى دمشق، ولما سمع الملكان الأفضل والظاهر بقدومه أخذا في التحيّل للقائه، وصدّه عن دمشق، ووقع اتفاقهما على أن ينفذا (٣٠ ب) الملك المجاهد - صاحب حمص - ويكتبا إلى الملك المنصور - صاحب حماة - ليتوجه معه إلى لقائه. (١) فشرعوا في كتب الكتب إلى الملك المنصور في ذلك (١)، وعينوا جماعة من عسكر مصر يسيرون معهما. ثم قال الملك الظاهر: «أنا أسير بنفس وألقاه». فقال له الملك الأفضل: «إن رحلت لا تقوى نفسى على المقام بعدك (١) ساعة واحدة». فوقعت الفترة عن قصده (١) وصده. ووصل الملك الكامل (٢) بمن معه من العسكر وما معه من المال سالما (٢)، فقويت نفس أبيه به قوة عظيمة، وأيقن بظهور أمره واستيلائه.

стр. 991

ذكر وقوع الخلف بين الملكين: الأفضل والظاهر ولما استقر الملك الكامل وعسكره عند أبيه ظهر الوهن في عسكر الملك الأفضل، (١) وكثرت المخامرة والنفاق فيه (١)، وانحلت بذلك العزائم، ووقع من المفاسد القبيحة أن الملك الظاهر كان له مملوك خاص يؤثره (٢) ويميل إليه جدا (٢)، يقال له أيبك، فقد في عسكره، (٣) فاغتم الملك الظاهر لفقده وعظم عليه ذهابه (٣)، وظنّ أنه دخل إلى دمشق، فأنفذ إلى دمشق من يكشف خبره منها، واطلع الملك العادل على هذه الواقعة، فأرسل إلى الملك الظاهر يقول له: «إن محمود بن الشكرى أفسد غلامك، وحمله إلى أخيك الأفضل». فقبض الملك الظاهر على ابن الشكرى (٤)، فظهر (٥) المملوك عنده، فنفر قلب الملك الظاهر من أخيه الملك الأفضل، وامتنع (٦) من لقائه مدة، وتقاعد (٦) عن الحرب.

стр. 992

ذكر تأخر العسكر إلى رأس الماء ثم تفرقهم ولما وقعت النفرة عند الملك الظاهر من أخيه، واشتد البرد، وكثرت الأمطار، رحل الملكان: (١) الأفضل والظاهر (١) إلى سطح الكسوة، وعزم الملك الأفضل على المقام (٢) هناك، ثم تغيّر (٣) هذا العزم، فرحل هو والظاهر إلى مرج الصّفّر، فأقاما به إلى أواخر صفر من هذه السنة، ثم سارا إلى رأس الماء، وعزما على المقام به إلى أن ينسلخ الشتاء، فاشتد البرد وتواترت الأمطار، (٣١ ا) وغلت الأسعار جدا، فاجتمع الملك الأفضل بأخيه الملك الظاهر، ووقع اتفاقهما على الرحيل، وتأخير حصار دمشق إلى وقت انصرام الشتاء، ودخول الربيع، ووافقهما الأمراء على ذلك، فسار الملك الظاهر على القريتين، وسار الملك الأفضل قاصدا ديار مصر، وأحرقوا عند رحيلهم مالم يتمكنوا من حمله من الأثقال والخيم والغلات (٤)، وأحرق الملك الأفضل خيمة أهداها له الملك الظاهر كانت (٥) ثلاثين حملا، وهلك للملك الظاهر جماعة من مماليكه، ونفقت له دواب كثيرة بسبب فرط البرد (٦) وعدم الأقوات والعلوفات، ووصل إلى حلب سادس شهر ربيع الأول.

стр. 993

ولما وصل الملك الأفضل إلى أوائل الديار المصرية فارقه معظم العسكر، وتفرقوا في البلاد لإخراج دوابهم إلى الربيع، ودخل الملك الأفضل إلى القاهرة في جمع قليل. ذكر (١) مسير الملك العادل إلى الديار المصرية وكان الملك العادل وهو محصور يهيىء القرب والبقسماط وكل ما يحتاج إليه لدخول الرمل، فعلم الناس من ذلك أنه كان مباطنا لبعض العسكر المصرى، وتحققوا أنه يملك مصر. ولما سافر الملك الأفضل راجعا إلى مصر رحل الملك العادل من دمشق ومعه الأمراء الصلاحية، وردّ ابنه الملك الكامل في عسكره إلى الشرق. ومضى الملك العادل يطوى المراحل إلى أن دخل الرمل. وبلغ الملك الأفضل ذلك، فرام جمع عساكره، فتعذّر ذلك عليه لتفرقهم في أخبارهم (٢)، وتشتتهم في الأماكن التي يربعون فيها خيلهم، فخرج في جمع قليل، ونزل السانح. ووصل الملك العادل، وضرب معه مصافا، فانكسر عسكر الملك الأفضل وولوا منهزمين لا يلوون على شىء، وكان فيهم جماعة مخاسرون مع الملك العادل.

стр. 994

ذكر منازلة الملك العادل القاهرة وتسلمه لها (١) وقيامه بأتابكية الملك المنصور بن الملك العزيز ثم سار الملك العادل بالعساكر، ونزل بركة الجبّ، وسيّر إلى الملك الأفضل (٣١ ب) يقول له: «أنا لا أحب أن أكسر ناموس القاهرة، لأنها أعظم معاقل الإسلام، ولا تحوجنى إلى أخذها بالسيف، واذهب إلى صرخد وأنت آمن على نفسك» (٢). فاستشار الملك الأفضل الأمراء، فرأى منهم تخاذلا، فأرسل إلى عمه يطلب منه أن يعوّضه عن الديار المصرية [بالشام] (٣)، فامتنع من ذلك، فطلب أن يعوّضه حّران والرّها فامتنع، فطلب منه جانى وجبل جور، وميّا فارقين، وسميساط، فأجابه إلى ذلك، وتسلّم القاهرة منه. وكانت مدة مقام الملك العادل بالبركة ثمانية أيام. ودخل القاهرة في الحادى والعشرين من ربيع الآخر. وتوفى القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى ﵀ في سابع عشر ربيع الآخر، وهو اليوم الذى خرج فيه الملك الأفضل من القاهرة.

стр. 995

وذكر عز الدين بن الأثير: أنه توفى في الليلة التي دخل فيها الملك الأفضل إلى القاهرة بعد انهزامه من السانح، وصلى على القاضى الفاضل ﵀ وكان مولد القاضى الفاضل على ما بلغنى سنة ست وعشرين وخمسمائة، فكان عمره نحو سبعين سنة، ولقد ختمت به صناعة الإنشاء. ثم سافر الملك الأفضل إلى صرخد بعد اجتماعه بعمه الملك العادل. ذكر استقلال (١) الملك العادل بالسلطة وإزالة أمر الملك المنصور بن الملك العزيز ولما استقر الملك العادل بالقاهرة أبقى الملك المنصور على اسم السلطنة، فإن الصلاحية إنما حلفوا له ووافقوا على أن يكون أتابكا للملك المنصور، إلى أن يكبر ويسلّم البلاد إليه، فأظهر ذلك أياما، ثم عزم على إبطال ذلك. (٢) وكانت الأيمان قد تقررت على ذلك (٢) يوم الخميس الثانى والعشرين من ربيع الآخر، وهو ثانى يوم دخول الملك العادل؛ وفى الخميس الآخر انتقض هذا الأمر.

стр. 996

وذكر عز الدين بن الأثير: أن الأمر إنما انتقض في شوال من هذه السنة، وذكر أن السبب في ذلك أن الملك العادل أحضر جماعة من الأمراء (٣٢ ا) ممن يعلم ميلهم إليه، وقال: «إنه قبيح بى أن أكون أتابكا لصبى مع الشيخوخة والتقدم، مع أن الملك ليس هو بالميراث، وإنما هو لمن غلب، ولقد كان يجب أن أكون بعد أخى السلطان الملك الناصر ﵀ صاحب الأمر، غير أنى تركت ذلك إكراما لأخى ورعاية لحقه. فلما حصل من الاختلاف ما حصل خفت أن يخرج الملك من يدى ويد أولاد أخى، فمشّيت الأمر إلى آخره، فلم أر الأمر يصلح إلا بقيامى فيه، ونهوضى بأعبائه. ولما ملكت هذا البلد وطنّت نفسى على القيام بأتابكية هذا الصبى حتى يبلغ أشدّه، فرأيت العصبيات غير (١) مقلعة، والفتن ليست زائلة، فخشيت أن يطرأ علىّ ما طرأ على الأفضل، ولا آمن أن يجتمع جماعة ويطلبون إقامة آخر، وما أعلم ما يكون عاقبة ذلك. وأنا أرى أن هذا الصبى يمضى إلى الكتّاب، وأقيم له من يؤدبه ويعلّمه؛ فإذا بلغ أشده نظرت في أمره وقمت بمصالحه». وقيل إن السبب في ذلك أن الأسدية لما رأوا الصلاحية قد قاموا مع الملك العادل حتى أدخلوه مصر، وأخرجوا منها الأفضل، خافوا استيلاءهم على الأمر،

стр. 997

فحسنّوا للملك العادل الاستقلال بالأمر وعزل الملك المنصور، تقربا إليه، وحلفوا له على ذلك. فلما بلغ ذلك الصلاحية نفروا منه وأنكروه، واجتمع بعضهم ببعض، وعزموا على القيام على الملك العادل، وطلبوا من الأسدية موافقتهم على ذلك فلم يفعلوا. واستتب أمر الملك العادل، وحلف الجميع له. وكان ضياء الدين بن الأثير وزير الملك الأفضل قد اتصل بالملك الأفضل لمّا تمكّن أمره، فلما ملك الملك العادل مصر ركب نجيبا، وهرب خوفا على نفسه من الملك العادل. ووقفت على رسالة له إلى بعض إخوانه من جملتها: . . . ثم أقمنا بعد ذلك في حصار دمشق في حروب قائمة وغرامات لازمة، حتى استنفدت قوى النفوس والأجسام، ولم نحظ منها إلا بطول المقام، وسرنا عنها إلى الديار المصرية والعساكر برمتها، والمهابة باقية على حرمتها، وتركنا من بها في بادى الضعف مغضوض الطرف، لا يخشى منه عادية (٣٢ ب) بعد استحصاره، ولا يرجى له خروج من وراء جداره، فوثب على خلعه، وتبعنا على قلة تبّعه، فصادف العسكر قد تفرقت في بلاده، والملك قد أمكن من قياده، فأقدم وما تردد، وفوّق سهم كيده وسدّد، ولقد ركب خطرا لا يسلم راكبه، وإن سلم لم تسلم له مطالبه، إلا أنه تهيأ له من صنع القدر، ما لم يكن في وسع البشر، فواتاه الزمان مبادرا، وكان محصورا فأصبح حاصرا». ولما استقر الملك بمصر الملك العادل استدعى أبنه الملك الكامل ناصر الدين محمدا من الشرق، وجعله نائبا عنه بالديار المصرية، وجعل خبزه الأعمال

стр. 998

الشرقية، وهى التي كانت خبز الملك العادل لما كان نائبا عن أخيه السلطان الملك الناصر بمصر (١). ولم يزل الملك الكامل ينوب عن أبيه بالديار المصرية إلى أن توفى أبوه، وذلك قريب من عشرين سنة، واستقل (٢) بالملك بعده عشرين سنة وكسرا، فملكها نائبا ومستقلا قريبا من أربعين سنة. وفى هذه السنة أرسل الملك المنصور - صاحب حماة - إلى عمه الملك العادل يعتذر إليه من مساعدته الأفضل والظاهر، ويطلب رضاه عنه، وكان رسوله إليه زين الدين المعروف «بالهيطليّة»، فلما قدم عليه تلقاه بالترحيب والإكرام، وخلع عليه وأحسن إليه، وأظهر الرضى عن الملك المنصور. وبلغنى أن الملك العادل قال لكاتب إنشائه: اكتب إلى المولى الملك المنصور أبياتا في جواب كتابه. فكتب الكاتب أبياتا فيها نوع عتب وجفاء. فوقف الملك العادل عليها وقال: «ما يحسن أن يخاطب المولى (٣) الملك المنصور بمثل هذا الخطاب، اكتب إليه: «أتظننى من جفوة أتعتب ... قلبى عليك أرقّ مما تحسب لا يوحشنّك ما جنيت فتنثنى ... متجنّبا، وهواك لا يتجنّب ما أنت إلا مهجتى، وهى التي ... أحيابها، فترى عليها أغضب؟! أنت البرئ من الإساءة كلّها ... ولك الرضى، وأنا المسىء المذنب»

стр. 999

وحكى أنه قال لزين الدين هذا: «المولى الملك المنصور إن كانت قد صدرت منه (٣٣ ا) هذه الزلة الواحدة، فله من الحسنات ما يمحوها ويمحقها. وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع ثم حلف الملك (١) المنصور، ووقعت الوصلة بعد ذلك بين الملك المنصور وعمه الملك العادل، فتزوج ابنته عصمة الدين ملكة خاتون، والدة الملك المظفر ﵀ ذكر تعويض ابن المقدّم عن بعرين منبج وقلعة نجم كانت منبج وقلعة نجم من جملة بلاد الملك المنصور، فلما أخذ بعرين من عز الدين بن المقدّم، وكان محصورا مع الملك العادل بدمشق - كما تقدم ذكره -؛ وملك الملك العادل مصر طلب ابن المقدّم من الملك العادل إلزام الملك المنصور ردّ بعرين إليه، لكونه إنما قصد بسببه. فراسل الملك العادل الملك المنصور في إعادتها إليه، فاعتذر بأنها مجاورة لبلده، وما يؤثر مجاورة ابن المقدّم، وبذل له عوضا عن ذلك منبج وقلعة نجم، وهما خير من بعرين بكثير. فرضى ابن المقدم بذلك وتسلمهما، وكانت له أيضا أفامية، وكفر طاب، وخمسة وعشرون ضيعة من المعرّة يقال لها «المفردة». وفى هذه السنة وصل إلى مصر الأمير شمس الدين محمد بن قلج، ونظام الدين محمد بن الحسين الأصفهانى - وزير الملك الظاهر - رسولين منه إلى الملك العادل في أن يحلف للملك الظاهر على ما بيده من البلاد، ويقيم الملك الظاهر للملك العادل بحلب الخطبة والسكّة.

стр. 1000

فركب الملك العادل إلى لقائهما، وأكرمهما (١) إكراما تاما. وقررّ الملك العادل للملك الظاهر على ما بيده، وحلف له عليه، وألزمه خمسمائة فارس تكون في خدمة الملك العادل في كل سنة من خيار عسكر حلب. فرجع الرسولان إلى الملك الظاهر، فأقيمت (٢) الخطبة والسكّة بحلب وبلادها للملك العادل. وقصّر النيل في هذه السنة تقصيرا عظيما حتى أنه لم يستكمل أربعة عشر ذراعا، ولم يركب إلا القليل من الأرض، فكان ذلك سببا للغلاء المفرط في السنة القابلة.

стр. 1001

(٣٣ ب) ودخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة: والملك العادل بالديار المصرية، وعنده الملك الكامل نائبه بها. والملك الظاهر بحلب مجدّ في عمارة قلعتها، وتحصين أسوارها، وتعميق خنادقها. وبدمشق الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل نائبا عن أبيه بها. وبالشرق الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل في مقاتلة المواصلة ومن انضم إليهم. وبميّا فارقين الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل، وكان أبوه قد ملكّه إياها. وكان الملك الأفضل لما أخذت منه الديار المصرية بعث نوابه ليتسلموا ما وقع الاتفاق عليه من البلاد، ومن جملتها ميّا فارقين، فامتنع الملك الأوحد من تسليم ميّا فارقين، فشكا الملك الأفضل ذلك إلى الملك العادل، (١) فكتب الملك العادل إلى الملك (١) الأوحد يأمره بتسليم ميّا فارقين إليه فأصر على الامتناع، فجعل الملك العادل امتناعه عذرا له عند الملك الأفضل، وسلمت إليه باقى البلاد، وهى: حانى، وجبل جور، وسميساط، مضموما ذلك إلى صرخد. وقيل إنه لم يسلم إليه إلا سميساط، وامتنع الملك الأوحد من تسليم ما عدا ذلك من البلاد المضمومة إلى ميّا فارقين.

стр. 1002

ذكر استيحاش الصلاحية من الملك العادل وميلهم إلى الملك الأفضل لما أبطل الملك العادل أمر الملك المنصور بن الملك العزيز نفروا من ذلك وكرهوه. وكان الملك العادل قد جهّز فخر الدين جهاركس إلى بانياس لحصرها وأخذها من حسام الدين بشّارة. «وإنما فعل الملك العادل ذلك استصلاحا لجهاركس، إذ هو مقدّم الصلاحية، وغضبا على بشارة لكونه كان لما توجه إلى مصر خلف الملك الأفضل طلبه ليحلف له ويكون معه، فامتنع. فنازل جهاركس بشارة، وأعانه الملك المعظم على ذلك، حتى تسلمها. وكان فارس الدين ميمون القصرى بنابلس، فكتب إلى الملك العادل، يقول له: «إنما دخلنا في طاعتك، ووافقناك، مراعاة لولد الملك العزيز ابن أستاذنا، خوفا أن يتطرق إلى ملكه (١) ضرر، والواجب (٣٤ ا) أنك تعيده إلى ملكه، وإلا حصل الفساد في قلوب الجند، ودخل الوهن على الدولة». ولما وردت رسالته بذلك إلى الملك العادل، أغلظ له في الجوب. فأعاد ميمون القول: «بأنك إن استمررت على القاعدة التي اتفقنا عليها فنحن على طاعتك، وإن لم تفعل فأعطنا دستورا لنذهب حيث (٢) شئنا، ويقوم عذرنا عند الله تعالى وعند الناس».

стр. 1003

فأجاب الملك العادل: «بأنى لم أدخل في هذا الأمر حتى علمت ما يلزم من الضرر إن لم أدخل فيه، والجماعة راضون بى، فإذا كرهت مجاورتى فصر إلى أرذن الروم وتزوج بصاحبتها ماما خاتون، فإنها طلبت منى رجلا كبيرا تتزوج به، ويقوم بتدبير ملكها». فكاتب ميمون القصرى الصلاحية بأن يقوموا معه ويتفقوا على الملك العادل. فأجابوه: «بأنا قد افتضحنا بين الناس، بأنا نقيم كل يوم ملكا ونعزل ملكا، ثم إلى من نسلم الأمر؟ الأفضل ما فيه رجاء، وباقى (١) أخوته غير الظاهر ليست لهم في النفس عظمة، والظاهر فما يمكنه أن يخلى بلاده ويصير إلينا». فلما سمع ميمون جوابهم أنفذ إلى أرذن الروم، فكشفوا له حال المرأة المذكورة فوجدها محصورة محكوما عليها. وأرسل الملك الظاهر في شهر ربيع الأول من هذه السنة نظام الدين الأصفهانى - وزيره -، وعلم الدين قيصر الصلاحى، فلما وصلا إلى بلبيس أرسل إليهما الملك العادل يقول لهما: «أقيما مقامكما، ولا تدخلا مصر، وإن كانت معكما رسالة فحمّلاها لقاضى بلبيس حتى ينهيها إلىّ، وإن لم تفعلا فارجعا من حيث جئتما». فرجعا، فلما وصلا إلى نابلس اجتمعا بميمون القصرى، ورغّباه في الانحياز إلى الملك الظاهر، فوافقهما على ذلك، ورجعا إلى صاحبهما.

стр. 1004

وحصلت عند الملك نفرة من ردّ رسوليه على هذه الصورة، (١) وكاتب الصلاحية ورغّبهم، وكاتبهم ميمون القصرى (١)، فمال إليه جماعة منهم. وتكررت المكاتبات والمراسلات (٢)، بينهم وبين الملك الأفضل وهو بصرخد، وبينهم وبين الملك الظاهر. وكان عز الدين أسامة - صاحب عجلون وكوكب - أمير الحاج في السنة الماضية، فلما رجع من الحج نزل إليه الملك الأفضل من صرخد، ودعاه إلى موافقته فأجابه، (٣٤ ب) وحلف له، وعرّفه الملك الأفضل جلية الحال. فكتب عز الدين أسامة (٣) إلى الملك العادل، فأخذ حذره وتيقظ لنفسه، وكتب إلى ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى يأمره بقصد صرخد ومنازلتها، وكتب إلى الأمراء يأمرهم بالاجتماع مع ولده على ذلك. ولما علم الملك الأفضل بذلك ترك صرخد وتوجّه إلى أخيه الملك الظاهر عاشر جمادى الأولى من هذه السنة. وتوجه الملك المعظم إلى بصرى على قصد محاصرة صرخد، وكتب إلى فخر الدين جهاركس وميمون القصرى يدعوهما إلى منازلة صرخد (٤) مع الملك المعظم (٤) فمغلطاه ولم يصلا إليه. فبعث عز الدين أسامة إليهما وإلى جماعة الصلاحية، فجرى بين عز الدين وبين الفارس ألبلى الصلاحى منافرة، فأغلظ البلى القول وتعدى إلى الفعل باليد.

стр. 1005

وثارت الصلاحية على أسامة، فاستجار بميمون القصرى، فأجاره وأعاده إلى دمشق. وتوجه ميمون القصرى وجمع (١) من الصلاحية إلى صرخد، واجتمعوا (٢) بالملك الظافر خضر، وكتبوا إلى الملك الظاهر يحثونه (٣) على سرعة الحركة، ومنازلة دمشق ليأخذوها من الملك العادل، ويستعيدوا منه الديار المصرية. وفى هذه السنة توفى عز الدين إبراهيم بن المقدّم، وصارت البلاد بعده، وهى: منبج، وقلعة نجم، وكفر طاب، وأفامية لأخيه شمس الدين عبد الملك بن المقدّم. ولما وصلت كتب الصلاحية إلى الملك الظاهر، وعنده أخوه الملك الأفضل، جمع وحشد وعزم على قصد دمشق. ذكر استيلاء الملك الظاهر على منبج وقلعة نجم ثم قصد الملك الظاهر منبج وفيها شمس الدين عبد الملك بن المقدّم، فزحف عليها وتسلمها يوم نزوله عليها، وهو التاسع عشر من رجب من هذه السنة. وامتنع شمس الدين بالقلعة، فنازله الملك الظاهر سبعه أيام، وكان له خندق مملوء ماء، فوقف الملك الظاهر على حافة الخندق، وصاح في الحلبيين، فرموا أنفسهم في الخندق سباحة، وأخذوا في القلعة عدة نقوب.

стр. 1006

فلما رأى صاحبها ذلك طلب الأمان، وسلّم الحصن إلى الملك الظاهر. ولما نزل إليه اعتقله. (٣٥ ا) ثم سار الملك الظاهر إلى قلعة نجم، وبها سعد الدين بن فاخر (١) نائبا عن ابن المقدم، فنازلها وضايقها، ثم تسلمها في آخر رجب. ثم توجه الملك الظاهر إلى حلب، وأرسل الشيخ تقى الدين على بن أبى بكر الهروى إلى الملك المنصور - صاحب حماة - يطلب منه أن يسير معه، ويساعده على محاربة الملك العادل. وكان مضمون الرسالة: «أنك تعلم محبتى لك، وشفقتى عليك، واعتمادى عليك، وتعلم سوء باطن الملك العادل لنا، وأن مقصوده أن تكون البلاد كلها له، ولو قدر علينا ما أبقى منا أحدا، وقد علمت ما فعله (٢) بأولاد أخيه السلطان الملك الناصر (٢)، مع أنه هو الذى ملّكه وأظهره إلى الوجود، [بعد ما كان لا يؤبه له] (٣). (٤) وكيف تثق (٤)، وقد أخذ منك منبج وقلعة نجم وأعطاهما لابن المقدم، واختاره عليك؟ وأنت متى وافقتنى عليه رددت عليك منبج وقلعة نجم، مضافة إلى كفر طاب وأفامية، والبارة، ومفردات المعرّة، وأحلف لك على هذا كله». ولما وردت الرسالة على الملك المنصور بذلك اعتذر من الإجابة إليه، واعتذر «بأنى حلفت له، ولا يسعنى أنى أحنث في يمينى».

стр. 1007

فلما تحقق الملك الظاهر استمرار الملك المنصور على طاعة الملك العادل، توجه إلى المعرّة فأقطعها، وذلك في العشر الأول من شعبان، ثم توجه إلى كفر طاب فأخذها، وهى لابن المقدّم. وبعث إلى قراقوش نائب ابن المقدم بأفامية يطلب منه تسليمها إليه، فامتنع وأصرّ على العصيان. ثم توجه الملك الظاهر إلى أفامية، واستحضر شمس الدين بن المقدّم، وكان معتقلا بحلب، ومعه جماعة من أصحابه، ونازل أفامية، وأمر بضرب جماعة ابن المقدم ليسلم قراقوش حصن أفامية، فرآهم قراقوش وهم يضربون، فلم يلتفت إليهم، فأمر بضرب شمس الدين بالسياط، فضرب ضربا مبرحا، وجعل يستغيث إلى قراقوش ليسلم الحصن (١)، فأمر قراقوش بضرب الطبول في أعلى القلعة لئلا يسمعوا صوته، ورموه بالنشاب. ولما أيس الملك الظاهر من أخذ الحصن ترك عليها من يحاصرها ثم رحل عنها. ذكر منازلة الملك الظاهر حماة ورحيله عنها ثم توجه الملك الظاهر إلى حماة ونازلها محاصرا لها لثلاث بقين من (٣٥ ب) شعبان من هذه السنة. ونزل شمالى البلد، وشعّث التربة التقوية وبعض البساتين، وزحف من الغد من جهة الباب الغربى، وقاتل قتالا شديدا، ثم زحف في آخر

стр. 1008

شعبان من جهة الباب الغربى والقبلى، ثم انحدر إلى جهة باب العميان، وجرى عنده قتال كثير، وجرح بسهم في ساقه. واستمرت الحرب أياما من رمضان، ولم يتحصل على مقصود ثم وقع الصلح بينه وبين الملك المنصور على مال بذله له الملك المنصور، قيل إن مبلغه ثلاثون ألف دينار صورية، وعلى أنه إن ملك الملك الأفضل والظاهر دمشق دخل في طاعتهما. ولما تقرر ذلك رحل الملك الظاهر عنه. ذكر منازلة الملك الأفضل والملك الظاهر دمشق وهى المنازلة الثانية ثم توجه الملك الظاهر إلى دمشق ونازلها هو وأخوه الملك الأفضل. وانضم إليهما فارس الدين ميمون القصرى، ومن وافقه من الأمراء الصلاحية. وبقلعة دمشق الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل. وأبوه بالديار المصرية. واستقرت القاعدة بين الملك الأفضل وأخيه الملك الظاهر أنهم إذا ملكوا دمشق يتسلمها الملك الأفضل، ثم يسيرون إلى الديار المصرية، فإذا ملكوها تسلم الملك الظاهر دمشق وكان الشام جميعه له، ويملك الملك الأفضل مصر.

стр. 1009

ذكر تسليم صرخد إلى زين الدين قراجا ولما نازل الملكان الأفضل والظاهر دمشق تخلّف عنهما فخر الدين جهاركس وزين الدين قراجا. فأرسل إليهما الملك الأفضل علم الدين قيصر الناصرى، فتوجه إليهما، ورغبّهما في الحضور، وموافقة الأفضل والظاهر، فأجابا بعد مراجعات كثيرة على أن يتسلم زين الدين قراجا صرخد، ويعطى عشرة آلاف دينار، ويعطى جهاركس عشرين (١) ألف دينار، فوقعت الإجابة إلى ذلك. وسلمت صرخد إلى قراجا، وأنزل الملك الأفضل والدته وأهله (٣٦ ا) منها، وسيّرهم إلى حمص، فأقاموا عند الملك المجاهد صاحبها. وقدم جهاركس وقراجا العسكر، فقوى بحضورهما جأش الأفضل والظاهر، لأنهما كانا أكبر الأمراء الصلاحية. ذكر وصول الملك العادل إلى نابلس ولما بلغ الملك العادل توجّه الملك الأفضل والظاهر إلى دمشق انزعج لذلك، وخرج (٢) من مصر (٢) بعساكره، وقدم إلى الشام، ونزل بنابلس. وقدّم قطعة من عسكره إلى دمشق، فدخلوها قبل نزول الأفضل والظاهر عليها.

стр. 1010

ذكر مضايقة الملك الأفضل والظاهر دمشق وضايق الأفضل والظاهر دمشق مضايقة شديدة، وزحفوا رابع عشر من ذى القعدة من هذه السنة، واشتد القتال، والتصق العسكر بالأسوار، ثم زحفوا لها ثانيا وثالثا. . وجدّ الظاهر في القتال، وترجل، ووصل إلى قريب السور، وأخذ فيه عدة نقوب، ولم يبق إلا أن يملك البلد، وصعد العسكر إلى سطح خان ابن المقدّم، وهو ملاصق السور فلو لم يدركهم الليل لملك البلد. ذكر الاختلاف بين الملكين: الأفضل والظاهر ولما تحقق الملك الظاهر (١) أن البلد مأخوذ لا محالة (١)، لم تطب نفسه بأن يملكه أخوه، فأرسل إلى الملك الأفضل يقول له: «إذا فتحت دمشق تسلمتها أنا، وسيّرت العساكر معك إلى الديار المصرية ليفتحوها لك». فأرسل إليه الملك الأفضل (٢) يقول له (٢): «قد علمت أن والدتى وأهلى - وهم أهلك - على الأرض، وليس لهم

стр. 1011

موضع يأوون إليه، فأحسب أن هذا البلد لك تعيرنى إياه أسكنه أهلى هذه المدة إلى أن نملك مصر». فلم يجب الملك الظاهر إلى ذلك، ولجّ في أن يتعجل أخذه لنفسه. وقيل إن الذى أوجب هذا الاختلاف أن الملك العادل كتب إلى الملك الأفضل والملك الظاهر يقول لكل واحد منهما (٣٦ ب): «إن أخاك لا يريد البلد إلا لنفسه، وإن العسكر متفقون معه في الباطن على ذلك». فطلب كلّ من الملكين البلد لنفسه، ووقع الخلف بينهما. وكتب الملك العادل إلى الأفضل يعده بالبلاد التي عينت له بالشرق، وبذل له مع ذلك مالا. ففترت همته، وقال للأمراء الصلاحية ومن جاء إليه من الجند: «إن كنتم جئتم إليّ، فقد أذنت لكم في العود إلى الملك العادل، وإن كنتم جئتم إلى أخى فأنتم وهو أخير». وكان الكل يريدون الأفضل للين عريكته، فقالوا: «ما نريد سواك والعادل أحب إلينا من أخيك». فأذن لهم في العود؛ فهرب فخر الدين جهاركس، وزين الدين قراجا - صاحب صرخد - والحجّاف، وعلاء الدين شقير، وسعد الدين بن علم الدين قيصر فمن هؤلاء من دخل دمشق، ومنهم من ذهب إلى إقطاعه، وتحلّلت العزائم. وخرجت هذه السنة والملكان الأفضل والظاهر منازلان دمشق. وفي هذه السنة تجهز نور الدين أرسلان شاه بن مودود - صاحب

стр. 1012

الموصل - في عساكره إلى حرّان والرّها ليستولى عليها، ومعه ابن عمه قطب الدين محمد بن عماد الدين - صاحب سنجار -، وذلك في شعبان، وذلك لما تحققوه من قصد الملك الأفضل والملك الظاهر دمشق، وطمعوا أن يحصلوا في هذه الفترة على تلك البلاد. وسار معهما صاحب ماردين، وكان الزمان شديد الحر، فنزلوا رأس عين، وكثرت الأمراض في عسكرهم. وكان بحرّان الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل ومعه عسكر، فأرسل إليهم يطلب الصلح، وبلغهم اختلال حال الأفضل والظاهر، وأنه ربما يقع الصلح بينهما وبين عمهما العادل. فأجاب نور الدين إلى الصلح، وحلف الفائز ومن عنده من الأمراء على القاعدة التي استقرت، وحلفوا أيضا لنور الدين أنهم يحلفوا للملك العادل، فإن امتنع كانوا عليه. وحلف نور الدين للملك العادل، وسارت الرسل من عنده ومن عند الفائز إلى الملك العادل في طلب اليمين فأجاب إلى ذلك. ورجع نور الدين في ذى القعدة من السنة. وفى هذه السنة كان الغلاء العظيم بالديار المصرية، وتعذرت الأقوات بها حتى أكل الناس الميتة وأكل بعضهم بعضا، ثم تبع ذلك وباء (١)، عظيم وموتان. وفي هذه السنة توفى عماد الدين (٣٧ أ) الكاتب ﵀،

стр. 1013

وكان جامعا (١) لفنون كثيرة: الأدب، والفقه، والخلاف، والتاريخ، وله النظم البديع والنثر الفائق، وكتب لنور الدين والملك الناصر صلاح الدين، ونال عنده المنزلة العالية، وله التصانيف البديعة: كالبرق الشامى، وخريدة القصر، والنصرة في أخبار وزراء الدولة السلجوقية، وغير ذلك. وكان مولده سنة تسع عشرة وخمسمائة، فكان عمره تسعا وسبعين سنة.

стр. 1014

ودخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة: والملكان الأفضل والظاهر منازلان دمشق وقد اختلفا وفترت عزائمهما. ذكر رحيل الملك الأفضل والملك الظاهر عن دمشق ولما جرى ما ذكرناه من هرب فخر الدين جهاركس وزين الدين قراجا وغيرهما من الأمراء، ووقع الاختلاف بين الملكين؛ رحلا عن دمشق أول محرم من هذه السنة. فرجع الملك الظاهر إلى حلب، وتوجه الملك الأفضل إلى حمص. فلما قدم الملك العادل إلى دمشق (١) توجه إلى خدمته واجتمع به، ثم رحل إلى البلاد الشرقية التي اتفقا عليها. ذكر قدوم الملك العادل إلى دمشق ولما رحل الملكان عن دمشق، وبلغ ذلك الملك العادل، رحل إليها، فدخل إلى دمشق (١) واستقرّ بها. وفى انتصاره وظهوره يقول شرف الدين بن عنين قصيدة يمدح بها صفى الدين عبد الله بن على بن شكر - وزير الملك العادل - مطلعها:

стр. 1015

ما قام - لولا هواك - المدنف (١) الوصب ... يبكى الطلول، وأهل المنحنى غيب (٢) ومنها: يا أيّها الصاحب المولى الوزير ومن ... إلى مكارمه (٣) العلياء تنتسب دعيت في الدولة الغرّاء صاحبها ... حقا، فظنّ جهول أنه كذب (٤) كثرتهم في دمشق وهى خالية ... وقد أناخ عليها جحفل (٥) لجب (٢٧ ب) كتائب أضحت البيداء متأقة ... منهم (٦)، وضاقت بها البطنان والحدب يقودهم من بنى أيوب كلّ فتى، ... ماضى العزائم، لا نكس ولا تخب (٧) أسد مخالبها بيض الظّبى، ولها ... من الذّوابل غيل نبته أشب حتى إذا أشرفت منهم دمشق على ... حرب لها الويل من عقباه والحرب منحتها منك عزما صادقا خضعت ... له ظبى الهند والخطّيّة القضب (٨) فكان رأيك فيها راية طلعت ... بالنصر، فانجابت اللأواء والكرب وبات أثبتهم جأشا وأحزمهم ... رأيا، وأمضى سلاحا عزمه الهرب وكان ظنّهم أن تلتقى بهم ... مصر البوار (٩)، وتغشى النوبة النّوب فأجفلوا، وزعيم القوم غاية ما ... يرجو من الله أن تبقى له حلب

стр. 1016

ولما رجع الملك الظاهر إلى حلب ذهب معه إليها جماعة من الأمراء الصلاحية، منهم: فارس الدين ميمون القصرى، وسرا سنقر، وألبكى الفارس. فأقطع الملك الظاهر ميمون القصرى عزاز وأماكن أخرى، وحمل إليه ثمانين ألف درهم، وخلعا كثيرة له ولأصحابه، وعشرة أرؤس من الخيل العراب، وعشر بغلات، وعشر زرديات، ومائة ثوب ألوانا، وحمل إلى ألبكى وأسد الدين سرا سنقر دون ذلك، فلم تطب قلوبهما به. ثم قصد الملك الظاهر منبج، وكان الملك الفائز بن الملك العادل قد قصدها في غيبته وملكها، فاستعادها وخرّب سورها وقلعتها، ونقل ذخائرها إلى حلب وأقطعها عماد الدين بن المشطوب. وفى هذه السنة أنفذ قراقوش - نائب شمس الدين بن المقدم بأفامية - إلى الملك الظاهر يبذل له أفامية، بشرط أن يعطى شمس الدين إقطاعا يقوم به، وكان بتقرير بينه وبين شمس الدين. فأجاب الملك الظاهر إلى ذلك، وأقطعه الراوندان، وكفر طاب ومفردة المعرّة، وحلف له على ذلك وتسلم أفامية. ثم في هذه السنة هرب شمس الدين إلى قلعة الرواندان وعصى بها، فقصده الملك الظاهر واستنزله منها، وأخذ كل ماله من الأموال والذخائر، فقصد بدر الدين دلدرم - صاحب تل باشر - (٣٨ أ) مستشفعا به إلى الملك الظاهر في أن يعيد إليه ما أخذ منه، فلم يجد استشفاعه شيئا، فقصد الملك العادل فأقطعه إقطاعا وأحسن إليه.

стр. 1017

ذكر وصول الملك العادل إلى حماة وانتظام الصلح بينه وبين الملك الظاهر وفى هذه السنة توجّه الملك العادل بالعساكر إلى حماة، ونزل على تل صفرون، وقام الملك المنصور بجميع وظائفه وكلفه وما يحتاج إليه. وبلغ الملك الظاهر وصول عمّه إلى حماة بنيّة قصده وحصاره، فخاف واستشعر، وأمر بالاستعداد، وجمع المير والذخائر، واستحلف الحلبيين، وأحضر (١) إليه مقدميهم. وقال: «أنا واثق بعد الله تعالى بكم، وليس لى اعتماد إلا عليكم (٢)». فقالوا: «نحن عبيدك، وسنبذل مهجنا بين يديك». وراسل عمّه، ولاطفه، وأهدى إليه، ووقعت بينهما مراسلات ومكاتبات، واستقرّ الأمر آخرا على أن قررت بيده منبج وأفامية وكفر طاب، وكان الملك العادل قد رام انتزاعها منه وردّها إلى ابن المقدّم. وانتزع منه من إقطاع ابن المقدّم مفردة المعرة، وهى خمس وعشرون ضيعة، وسلمت إلى الملك المنصور. وسلّمت قلعة نجم إلى الملك الأفضل مع سروج، ووعد بانتزاع رأس عين من (٣) صاحب ماردين، وكانت بيده سميساط.

стр. 1018

وحلف الملك العادل للملك الظاهر. وسلّم الملك العادل إلى ولده الملك الأشرف مظفر الدين [موسى] (١) حرّان وما معها، وسيّره إلى الشرق. وكان بميّا فارقين الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل. وتقرر بقلعة جعبر الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه بن الملك العادل. ثم رجع الملك العادل إلى دمشق، وأقام بها، وقد انتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلّها في سلك ملكه، وخطب له على منابرها كلّها، وضربت السكة فيها باسمه. وفى هذه السنة توفى القاضى محيى الدين بن زكى الدين قاضى القضاة بدمشق وبلادها، وكان إليه قضاء حلب وبلادها (٣٨ ب) من الأيام الناصرية. ولما ورد القاضى بهاء الدين بن شداد إلى حلب كان بحلب زين الدين بنا البانياسى ينوب في القضاء بها عن محيى الدين فعلم ميل الملك الظاهر إلى تولية القاضى بهاء الدين القضاء (٢)، فطلب دستورا من الملك الظاهر فأعطاه، وسافر إلى دمشق، فولّي الملك الظاهر بهاء الدين القضاء، فأنكر محيى الدين بن زكى الدين على زين الدين طلب الدستور، وقال: «لو كنت أقمت وولّي غيرك ناظرت عنك، فأما إذ فعلت ما فعلت ما بقيت أتكلم في قضاء حلب». وكان محيى الدين ﵀ فاضلا مترسلا، وله النظم والنثر البديعان.

стр. 1019

ولما توفى ولّي الملك العادل قضاء دمشق ولده زكىّ الدين، وهو الذى لما أراد الملك المعظم عزله والإخراق (١)؛ به بعث إليه قباء (٢) وكمّه (٣) وتقدم إليه بلبس ذلك، فلبسه، فحصل له غم بسبب ذلك، فمات بعد أيام قلائل. وفى هذه السنة قدمت إلى حماة عصمة الدين ملكه (٤) خاتون ابنة الملك العادل، وزينت حماة لمقدمها، وكان يوما مشهودا.

стр. 1020

ودخلت سنة تسع وتسعين وخمسائة والملك العادل مقيم بدمشق. وفى هذه السنة وردت الأخبار بوصول الفرنج إلى عكا، واجتماعهم بها، وبأن فرنج صقلية قاصدون الديار المصرية. فسيّر الملك الظاهر إلى الملك العادل خمسائة فارس، ومائة راجل من الحلبيين (١) حجّارين ونقّابين وزردخاناة (٢)، ليبعث ذلك إلى مصر. ولليلة بقيت من المحرم من هذه السنة توفى فلك الدين سليمان (٣) أخو الملك العادل لأمه، وكان يلقب الملك المبارز. ذكر حوادث (٤) حدثت باليمن (٥) في خامس صفر من هذه السنة ورد إلى الملك المنصور (٦) - صاحب حماة - كتاب من المختص والى البرّ بحماة، وكان حجّ سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، يخبر
следующие страницы →