ودخلت سنة سبع وستمائة:
فخرج في أولها الملك الظاهر وخيّم (٥٦ ا) معاملا (كذا) لأنه بلغه أن عمه الملك العادل عازم على قصده، وأخذ حلب منه، (١) فعزم على جمع العساكر وقصد الفرات (١) ليمنع الملك العادل من عبور الفرات، وكاتب المواصلة وغيرهم في الاستعداد وأخذ الأهبة ليشغلوا قلب الملك العادل، ويمنعوه من قصد حلب، فأجابوه إلى ذلك.
وحين تحقق الملك العادل ذلك أعرض عن قصد حلب، وقصد دمشق، فدخلها واستقر فيها، وتفرقت العساكر والملوك الذين معه.
وفى هذه السنة قصدت الكرج خلاط وحصروها، فاتفق أن «أوانى» (٢) ملك الكرج شرب الخمر، فحسّن له السّكر أن ركب وتقدم إلى جهة خلاط في عشرين فارسا، فتقنطر به فرسه، فأخذه المسلمون أسيرا، وأخذوا أصحابه معه، وحملوهم إلى الملك الأوحد، فبذل في نفسه مائة ألف (٣) دينار، وخمسة آلاف أسير من المسلمين، وأن يلتزم الصلح ثلاثين سنة، وأن يزوّج إبنته الملك الأوحد، فوافقه على ذلك، وردّ على المسلمين عدة قلاع كانت أخذت منهم، وتقررت الأيمان بينهم على ذلك كله.
وفى هذه السنة تحركت الفرنج إلى جهة الساحل، واجتمع منهم بعكّا جمع كثير.
فخرج الملك العادل من دمشق، وترددت بينهم الرسل، حتى تقررت بينهم الهدنة مدة معلومة.
стр. 1087
وأمر ولده الملك المعظم ببناء قلعة الطور، وهو حصن عال (١) قريب من عكا.
ذكر وفاة
نور الدين صاحب الموصل
وفى هذه السنة توفى نور الدين (٢) أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى ابن آق سنقر - صاحب الموصل - في آخر رجب.
وكان مرضه قد طال، ومزاجه قد فسد، وكانت مدة ملكه بالموصل سبع عشرة (٣) سنة، وأحد عشر شهرا.
ولما اشتد مرضه وأيس من نفسه، أشير عليه بالانحدار إلى عين القيارة ليستحم بها، فانحدر إليها، واستحم بها، ولم يجد راحة، وازداد ضعفا، فأخذه الأمير بدر الدين لؤلؤ مملوكه، وكان أستاذ داره والحاكم في دولته، وهو الذى صار إليه ملك الموصل فيما بعد على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - (٥٦ ب).
وأصعده في شبّارة (٤) إلى الموصل، فتوفى في الطريق ليلا، ومعه الملاحون والأطباء، بينه وبينهم ستر.
стр. 1088
وكان مع بدر الدين عند نور الدين مملوكان، فلما توفى إلى رحمة الله، قال بدر الدين لأحدهما (١): «لا يسمع أحد بموته»، وقال للأطباء والملاحين:
«لا يتكلم أحد، فقد نام السلطان».
فسكتوا ووصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطباء والملاحين بمفارقة الشبارة لئلا يروه ميتا، ففعلوا، وحمله هو والمملوكان وأدخله الدار، وتركه في الموضع الذى كان فيه وفيه المملوكان. وترك على بابه من يثق إليه، لا يمكّن أحدا من الدخول والخروج، وقعد يمضى الأمور التي يحتاج إليها.
فلما فرغ من كل ما يحتاج إليه أظهر موته وقت العصر، ودفنه بالمدرسة التي أنشأها مقابل داره.
ذكر صفته
وسيرته ﵀ -
كان أسمر، خفيف اللحية والعارضين جدا، مليح الوجه، قد أسرع إليه الشيب، وكان شهما، شجاعا، عادلا، ذا سياسة للرعية، شديدا على أصحابه يمنع بعضهم أن يتعدى على بعض، وكانوا يخافونه خوفا شديدا، فلا يجسرون بسبب الخوف منه على الظلم والتعدى.
وكانت همته عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكى ووجاهته (٢) وحرمته بعد أن كان قد ذهب، وخافته الملوك، وكان سريع الحركة في طلب الملك، إلا أنه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتسع ملكه.
стр. 1089
ومن محاسن ما ينقل عنه أنه لما توجه من الموصل في نجدة صاحب ماردين حين (١) كان الملك الكامل قد ملك ربضها، وكاد يستولى على قلعتها، وضرب المصاف مع الملك الكامل وكسره [كسرة قبيحة]، (٢) وسافر الملك الكامل إلى حرّان، ولم يبق من عسكره بالمكان أحد، قال أصحاب نور الدين له:
«اصعد بعسكرك إلى ربض ماردين، فما دونه مانع، واملكه، واملك القلعة، ويكون هذا موضع المثل السائر: «رب ساع لقاعد» فقال: «حاش لله أن يتحدث الناس عنى أن ناسا (٣) اعتضدوا بى واستنصروا بى أغدر بهم».
ثم قال لمجد الدين بن الأثير - وكان [من] (٤) أكبر أصحابه -:
«ما تقول يا مجد الدين؟».
فقال: «الغادرون كثير، وقد أودعت (٥٧ ا) غدراتهم الكتب، وهى باقية إلى الآن، ولم يؤرخ عن أحد أنه قدر على مثل ماردين وتركها وفاء وإنعاما وإحسانا».
وقال لمجد الدين: «أرسل إلى صاحب ماردين ليرسل نوابه إلى ولاياته»، وكان قد أقطعها للعساكر التي معه، وأمر بكفّ أيديهم عنها، وتسليمها إلى صاحبها.
فقال مجد الدين: «إن أصحابنا لم يأخذوا درهما واحدا لتأخر إدراك الغلات، فلو بقى الإفطاع في أيديهم إلى أن يأخذوا ما ينفقون عليهم في بيكارهم (٥)»
стр. 1090
فقال ﵀: «لا نكدر إنعامنا وإحساننا إليهم، ونحن نكفى أصحابنا».
قال مجد الدين: «فأرسلت إلى صاحب ماردين ليتسلم بلاده فتسلمها، وأرسل إليها نوابه».
قال مجد الدين: «ما قلت له عن شىء قط، من عدل (١) وبذل مال (١) وغير ذلك من الصلاح، فقال لا؛ وكنت معه في بعض أسفاره وله سرادار قد سرق ولده من داره قماشا، وكانت مفاتيح الدار مع السرادار، فأرسل إلىّ ليلا فأمرنى أن أكتب كتابا إلى الموصل بقطع يده، فأعدت الجواب: أننى ما أكتب هذا الكتاب الليلة، (٢) وإذا اجتمعت به غدا عرفته ما في هذا (٢).
فأعاد مرة ثانية وثالثة وأنا أمتنع.
فاستدعانى وقال لى: «لم لم تكتب الكتاب؟».
فقلت له: «عادتى معكم (٣) أننى لا أكتب إلا ما تجيزه الشريعة».
فقال لى: «هذا سارق، توجب الشريعة المطهرة قطع يده».
فقلت: «لا قطع عليه، لأنه سرق من غير حرز، لأن المفاتيح بيده».
فعفا عنه.
стр. 1091
ذكر استيلاء
الملك القاهر بن نور الدين
على الموصل (١)
ولما مات نور الدين أرسلان شاه بن مسعود - صاحب الموصل - استقر في الملك بالموصل بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى بن آق سنقر ﵀، وهو آخر ملوك البيت الأتابكى بالموصل.
وقام بتدبير ملكه بدر الدين لؤلؤ مملوك والده.
وملك عماد الدين زنكى بن نور الدين قلعتى عقر وشوس وهما بالقرب من الموصل. (٥٧ ب)
وفى هذه السنة: وردت رسل الخليفة الناصر لدين الله إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس الفتوة (٢)، ويلبسوا له سراويلها ويكون انتماؤهم إليه، ورعية كل ملك يشربون لذلك الملك ويلبسون له.
стр. 1092
ففعلوا ما أمروا به، وأيضا فانتسب الملوك إليه في رمى البندق (١)، وجعلوه قدوتهم فيه.
ذكر رحيل
الملك العادل إلى الديار المصرية (٢)
ثم سار الملك العادل إلى الديار المصرية،. وجعل طريقه على الكرك، فأقام به أياما ينظر في مصالحه.
ثم رحل إلى مصر، فأقام بدار الوزارة بالقاهرة.
стр. 1093
ووصل إليه عز الدين أسامة - صاحب عجلون وكوكب -.
وتوفى في هذه السنة فخر الدين جهاركس مقدم الصلاحية وكبيرهم.
ذكر وفاة الملك الأوحد بن الملك العادل واستيلاء أخيه الملك الأشرف على خلاط
واتفق مرض الملك الأوحد بخلاط، ولما اشتد مرضه كتب إلى أخيه الملك الأشرف موسى يستدعيه، فقدم عليه، وأقام عنده مدة.
(١) وأبلّ من مرضه ففارقه (١)، فلما توجه للعود عنه، عاود الملك الأوحد المرض، فمات.
وعاد الملك الأشرف فملك خلاط.
وقيل: إن الملك الأشرف لما تمت عافية أخيه الملك الأوحد ودّع أخاه عازما على العود.
فقال له منجم خلاطى: «لا تفارق خلاط، فإن الأوحد يموت».
فقال له الملك الأشرف: «إنه قد أكل اللحم، ولعب بالكرة».
فقال له المنجم: «ما يضرك المقام أسبوعا واحدا».
ففعل، فمات الأوحد في ذلك الأسبوع.
ولما توفى استقل الملك الأشرف بملك خلاط مضافا إلى ما بيده من البلاد الشرقية، وعظم شأنه، ولقب «شاهرمن».
وأضيفت ميافارقين إلى أخيه الملك المظفر شهاب الدين غازى.
стр. 1094
ودخلت سنة ثمان وستمائة:
والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية.
وفى هذه السنة وصل [السلطان] (١) الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل إلى خدمة أبيه بالديار المصرية، فاستشعر منه عز الدين (٥٨ ا) أسامة [لسبب نذكره إن شاء الله تعالى] (١)، فخرج مظهرا أنه يتصيد، وهرب في جماعة من مماليكه.
فخرج الملك المعظم خلفه جريدة.
وترك عز الدين [أسامة] (١) مماليكه في الرمل، وانفرد بنفسه، وأخذ دليلا من العرب، وساق ليسبق إلى حصونه ويعتصم بها، فنزل بأرض الداروم يستريح، [ثم أراد الركوب] (١) وعجز عن الركوب لوجع المفاصل الذى كان يعتريه [قبل ذلك] (١)، فعرفه شخص وأخبر الملك المعظم به، وكان قد وصل إلى موضع قريب من المكان الذى نزل به أسامة.
فسار الملك المعظم إليه، وقبض عليه، وبعث معه جماعة أو صلوه إلى الكرك، فاعتقلوه بها.
ثم حوصر حصناه: كوكب وعجلون، فسلمهما غلمانه على عوض أخذوه.
وأمر الملك العادل بهدم كوكب وتعفية أثره، وأبقى عجلون.
وانقضى أمر الصلاحية بانقضاء [زين الدين] (١) قراجا، [والأمير فخر الدين] (١) وجهاركس، وعز الدين أسامة، وصفت حصونهم للملك العادل، والملك المعظم بعده.
стр. 1095
وملك الملك المعظم بلاد جهاركس (١) لأخيه شقيقه الملك العزيز عماد الدين عثمان (١)، وأعطى صرخد مملوكه عزّ الدين أيبك أستاذ داره.
ولم يزل أسامة معتقلا في الكرك إلى أن مات بها.
(٢) وقد قيل إن جماعة من الأمراء كانوا أشاروا على أسامة بتسليم كوكب وعجلون إلى الملك المعظم، ويأخذ عوضا عنهما، فما فعل، ولو فعل لم يطرأ عليه ما طرأ من الاعتقال وأخذ أمواله، وكانت جميع أمواله ودخائره بكوكب، فاستصفيت جميعها (٢).
ذكر الفتنة بمكة
وفى هذه السنة كانت فتنة عظيمة بمكة، وسببها أن باطنيا وثب على قريب للشريف أبى عزيز قتادة - صاحب مكة - فقتله.
وكانت أم ألكيا حسن - صاحب الألموت - قد قدمت حاجة مع الحاج العراقى؛ فركب الشريف (٣)، (٤) أبو عزيز في الأشراف والعربان، وقصد الحاج العراقى فنهبهم نهبا ذريعا، ورموهم بالحجارة والنبل (٤).
стр. 1096
فانتقل الحاج العراقى إلى الحاج الشامى، واستجاروا بهم، وكان في الحاج (١) الشامى ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل [زوجة مظفر الدين صاحب إربل] (٢)، فأجارت الحاج العراقى، ومنعت أبا عزيز منهم، ولولا إجارتها لهم لاستؤصلوا [عن آخرهم] (٢)، وذلك بعد أن نهب من الحاج العراقى من الأحمال والجمال ما لا يمكن وصفه.
ثم لما أرادوا دخول مكة منعوا منها، (٥٨ ب) فما زالت ربيعة خاتون بأمير (٣) مكة حتى أذن لهم، فدخلوا وقضوا حجهم.
وفى هذه السنة أظهر ألكيا جلال الدين حسن - إمام الباطنية صاحب الألموت - شعائر الإسلام، وأمر رعيته بالصلوات والحج وصيام رمضان، وإقامة وظائف الشريعة.
وكتب إلى الخليفة والملوك يعلمهم ذلك، وبعث والدته إلى مكة لتحج، فحجت كما ذكرنا، وأكرمت ببغداد لما دخلتها إكراما عظيما، وبعث جلال الدين حسن إلى الحصون التي لهم بالشام يلزمهم أن يفعلوا نظير ما فعله ببلاد العجم (٤)، فأعلنوا بالأذان وإقامة الجمع وأظهروا أنهم قد التزموا بمذهب الشافعى ﵀.
стр. 1097
ذكر عود
الملك العادل إلى الشام
وفى هذه السنة قدم الملك العادل إلى الشام.
وأعطى ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى الرّها.
ذكر الاتفاق
بين الملك الظاهر وعمه الملك العادل
وخطبة الملك الظاهر ابنة الملك العادل
وفى هذه السنة توجه القاضى بهاء الدين بن شداد من الملك الظاهر رسولا إلى عمه الملك العادل، فوصل إليه وهو بالديار المصرية.
وكان مضمون الرسالة استعطافه واسترضاءه، وأن يجدد له اليمين على بلاده، وخطب ابنته ضيفة (١) خاتون - شقيقة الملك الكامل - وكانت أعز بنات الملك العادل عليه، وخطبها منه جماعة من الملوك، فلم ينعم عليهم بتزويجها.
وكان الملك الظاهر قد طلبها من عمّه قبل ذلك لما ماتت زوجته أختها غازية خاتون، فلم يجب إلى ذلك.
فلما وصل القاضى بهاء الدين وخاطبه في ذلك، أجابه إليه ورضى عن الملك الظاهر، وجدّد اليمين له، وسمح له بتزوج ابنته ضيفة خاتون.
ورجع من عنده مكرما.
стр. 1098
ودخلت سنة تسع وستمائة:
والسلطان الملك العادل بدمشق
(١٥٩ أ) ذكر (١) وصول الصاحبة ضيفة خاتون إبنة الملك العادل إلى حلب بعد عقد العقد بدمشق (١)
ولا حدى عشرة ليلة مضت من المحرم من هذه السنة. بعث الملك الظاهر القاضى بهاء الدين بن شداد رسولا (٢) إلى عمه الملك العادل في تقرير أمر العقد، ووكّله في قبوله، وأنفذ معه ثيابا كثيرة برسم الخلع على أرباب الدولة، ومالا برسم النثار [وقت عقده النكاح] (٣)
ولما ورد [القاضى بهاء الدين] (٣) إلى دمشق عقد العقد، وكان النائب عن الملك العادل في الإيجاب شمس الدين بن التنبى.
وقبل القاضى بهاء الدين العقد لموكله على صداق مبلغه خمسون ألف دينار، ونثر النثار على الشهود والقراء.
وسرحت الخاتون في هذا الشهر إلى حلب، فوصلت إليها في تجمل (٤)
стр. 1099
عظيم، والتقاها الملك الظاهر في أمراء حلب ومعمميها وأكابرها، وكان دخولها القامة يوما مشهودا، وقدم معها من القماش والآلات وأنواع المصاغ ما يحمله خمسون بغلا ومائة بختى وثلثمائة جمل، ومن الجوارى والوصائف والإماء والحرائر (١) في المحاير (١) والكجاوات ما يحملهن مائة جمل.
وذكر أنه كان في خدمتها مائة جارية، كلهن مطربات يلعبن بأنواع الملاهى، ومائة جارية أخرى كلهن يعملن أنواع الصنائع البديعة.
وذكر أنها لما دخلت على الملك الظاهر مشى لها عدة خطوات، واحترمها احتراما عظيما، وقدّم لها خمسة عقود (٢) جوهر قيمتها مائة ألف وخمسون ألف درهم (٣)، وعصابة بجوهرة ليس لها نظير، وعشر قلائد من العنبر المذهب، وخمسا غير مذهبة، ومائة وسبعين قطعة من الذهب والفضة، وعشرين تختا من الثياب المختلفة [الألوان] (٤)، وعشرين جارية، وعشر خدم.
وقال شرف الدين راجح الحلى يهنى الملك الظاهر بهذه الوصلة، ويمدحه بقصيدة مطلعها:
نعم هى نعمى بشرها أوضح البشرى ... فما عذر من لم يخترع مدحه عذرا
سما قدر هذا اليوم عن موقف به ... نصوغ حلّى النظم أو ننظم النثرا (٥)
стр. 1100
(٥٩ ب)
هى الآية الكبرى، فياعىّ مادح ... ولو نظم الشّعرى لأمثالها شعرا
ومذ نشر اليوم لأغر ارداءه ... نشرنا على أعطافه المدح الغرّا
ومنها:
فقم (١) دون ملك عادلىّ حميته ... مواقع كيد القوم، واشدد به أزرا
فبالأمس قد أوليته ما كفيته ... به الخطب إذ أصليت أفئدة جمرا
ولا سيما أضفى ظلال ولاية ... وأصفى كما أصفيته السرّ والجهرا
وما زال يدعوه إلى الرشد سعده ... إلى أن أقرّ الملك وانتخب الصهرا
فلو رمت مصرا لاصطفاك بملكها ... لأنك لما شئت أخلى لك القصرا
ذكر عمارة الطور
وفى هذه السنة أو التي قبلها عمرّ السلطان الملك العادل قلعة على جبل الطور، وهو جبل عال مطل على عكا بالقرب منها.
ولم يكن بناؤه مصلحة، فإن الفرنج بعد ذلك قصدوه وكادوا يملكونه، ولو ملكوه تعذر انتزاعه منهم، وتمكنوا به من بلاد الإسلام، وقطعت غاراتهم الطريق عن الديار المصرية.
وكان على هذا الجبل قلعة من أيام الفرنج، وملكت في الفتوح الصلاحية، ثم خرّبه المسلمون لما ملكوا عكا وعفوا أثرها.
стр. 1101
ثم ترجّح عند الملك العادل تخريب حصن كوكب وعمارة قلعة الطور، فنزل بعساكره حولها، وأحضر الصناع من كل بلد، واستعمل جميع أمراء العسكر في البناء ونقل الحجارة.
وكان فيه خمسمائة أمان ما عدا الفعلة والنحاتين، ولم يزل مقيما عليه حتى بناه.
ومدحه كمال الدين بن النبيه المصرى، بقصيدة مطلعها.
تنقّبت بالنّور والنّور ... واعتجرت لكن بديجور
ساحرة الطّرف، ولكنها ... من فترة في زىّ مسحور
ومنها:
يا ليلة الوصل استقرى ويا ... سيرة سلطان الورى سيرى
الملك العادل من أمّه ... فقد رأى موسى على الطور
(١٦٠) إن كان قد دكّ قديما فقد ... عمّرته أحسن تعمير
كأنّه تاج على مفرق ... لما استدارت شرف السور
يزاحم النجم له منكب ... كالنجم في الرّفعة والنور
كأنما أوقفته حارسا ... يحرس من عكّا إلى صور
فكلما لاح به (١) بارق ... يرتعد الصّخر من الدور
بنى سليمان بأعوانه ... وأنت بالغرّ الجماهير
تصافح الأحجار أيد لهم ... لا ترتضى لمس الدنانير
стр. 1102
ومنها:
كم لك في يافا وفى المرج (١) من ... وقائع غير مشاهير
عشرون ألفا (٢) غير أتباعهم ... ما بين مقتول (٣) ومأسور
طهّرت بيت القدس من رجسهم ... وكان مأوى للخنازير
ذكر قبض
السلطان كيكاوس على أخيه كيقباذ
كنا قد ذكرنا استيلاء السلطان غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى على بلاد الروم، ثم هلك غياث الدين، فقام بالملك بعده الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو.
وفى هذه السنة قصد عمّه طغرل شاه بن قلج أرسلان - صاحب أرزن الروم -، وحاصره بسيواس، وضيّق عليه، واستعان على حصاره بابن لاون.
فاستنجد عز الدين بالملك الأشرف بن الملك العادل، فخاف صاحب أرزن الروم من الملك الأشرف، ورحل عن سيواس إلى بلاده، فأفرج عن عز الدين ضيق الخناق.
وسار أخوه علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو إلى أنكورية، وهى لعز الدين، فملكها.
стр. 1103
وبلغ ذلك عز الدين، فسار في جيوشه حتى خيّم على أنكورية، وجدّ في حصارها، فاستشفع علاء الدين بالملك الظاهر إلى أخيه في الصلح بينهما.
فبعث الملك الظاهر الشيخ تقّى الدين على بن أبى بكر الهروى، في المعنى، فلم يتم الصلح، ولم يزل عز الدين محاصرا لأنكورية حتى فتحها وقبض على أخيه علاء الدين، واعتقله ببعض القلاع (٦٠ ب) وحلق لحى الأمراء الذين كانوا معه ورءوسهم، وأركب كل واحد منهم فرسا، وأركب قدامه وخلفه خاطيتين، مع كل واحدة منهما معلاقا تصفعه به، وبين يدى كل واحد منهم مناد (١) ينادى: «هذا جزاء من خان سلطانه».
стр. 1104
ودخلت سنة عشر وستمائة:
والممالك بحالها
وفى هذه السنة ظفر عز الدين كيكاوس - صاحب بلاد الروم - بعمه، وأخذ بلاده وقتله، وذبح أكثر الأمراء.
وأراد قتل أخيه علاء الدين فشفع فيه مجد الدين، فعلم عز الدين فعفا عنه، وتركه محبوسا.
وهذه رذيلة كانت في البيت السلجوقى طهّر الله البيت الأيوبى منها، فإن البيت السلجوقى كان إذا ظفر واحد منهم بأخيه أو ابن عمه أعدمه، وأحسن أحواله أن يعتقله [حتى يموت]. (١)
وكان بنو أيوب يتحاربون، وتجرى بينهم العداوة الشديدة، ثم يجتمع بعضهم ببعض، وربما صعد بعضهم إلى قلاع بعض، ثم يفارقه بعد المقام عنده على حال جميلة، (٢) والعداوة والمنافرة باقية بحالها (٢):
وفى هذه السنة وثب بعض الباطنية على ابن الابرنس - صاحب أنطاكية - فقتله، وكان عمره ثمانى عشرة سنة، فحزن عليه أبوه حزنا شديدا، وأعظمت الفرنج ذلك وخافوا واحترزوا لأنفسهم.
وفى هذه السنة حصل عند الملك الظاهر استشعار من عمه الملك العادل لشىء بلغه عنه، وأخذ في الاستخدام والاستعداد، ثم بعث القاضى نجم الدين بن الحجاج
стр. 1105
نائب القاضى بهاء الدين بحلب إلى الملك العادل لإصلاح الحال، فانصلحت الحال.
وورد من جهة الملك العادل ما طاب به قلب الملك الظاهر وزال استشعاره، فبعث الملك الظاهر إلى عمه هدية سنية من جملتها خمسون رأسا من الخيل.
وفى رمضان من هذه السنة توفى فارس الدين ميمون القصرى، وهو آخر من بقى من كبار الأمراء الصلاحية، وكانت وفاته بحلب، وعتق في الليلة التي مات فيها ثمانين مملوكا، وزوّجهم [بثمانين جارية أيضا] (١) وخلّف أموالا كثيرة.
ذكر ولادة الملك العزيز بن الملك الظاهر
(٦١ ا) وفى يوم الخميس خامس ذى الحجة من هذه السنة ولد الملك الظاهر من ابنة عمه ضيفة خاتون بنت الملك العادل الملك العزيز غياث الدين محمد.
وزينت حلب، واحتفل الملك الظاهر لمولده (٢) احتفالا عظيما، من ذلك أنه أمر بإحضار شىء كثير من الفضة والذهب، وأمر الصوّاغ أن لا يتركوا شكلا ولا صورة من سائر الصور إلا ويصوغون مثلها، فصاغوا من ذلك ما وزن بالقناطير، وصاغوا عشرة مهود من الذهب والفضة سوى ما عمل من الأبنوس والعود والصندل وغير ذلك.
стр. 1106
ونسج للمولود ثلاث فرجيّات (١) من اللؤلؤ، في كل واحدة منها أربعون حبة من الياقوت والبلخش (٢) والزمرد، (٣) ودرعان وخوذتان وبرك أصطوان (٤) من اللؤلؤ، وثلاث سروج مجوهرة، في كل واحد منها عدة من الياقوت والزمرد (٣) وثلاث سيوف غلفها وقبضاتها ذهب مرصع بأنواع الجوهر (٥) ورماح ذهب أسنتها جوهر منظوم.
وفى هذه الأيام ختن الملك الظاهر ولده (٦) الملك الصالح (٦) صلاح الدين أحمد، وعمره يومئذ تسع سنين.
وفى ولادة الملك العزيز وختان أخيه الملك الصالح يقول شرف الدين راجح الحلّى قصيدة مطلعها:
نعم جادت الدنيا بما أنت آمله ... فحسبك من آمالها ما تقابله
إذا ما هناء قال قوم: قد انقضت ... أواخره كرّت (٧) عليه أوائله
стр. 1107
فيا حبذا دهر بملك أشرقت ... على أهله أسحاره وأصائله
فلسنا نرى إلا نعيما يديمه ... صنيعك فينا، أو سرور يواصله
ومنها:
فلله مولود أنار به الهدى ... وأسفر وجه الملك واشتد كاهله
تباشرت الدنيا بغرّة وجهه ... فبورك من نجل وبورك ناجله
أتى ومحيّا الدهر أزهر مشرق ... لطلعته، والزّهر تزهو خمائله
فبشرى لأبكار البلاد، فإنها ... على ثقة عما قليل تواصله
كأنى به والجيش خلف لوائه ... وقد حجبت شمس النهار قساطله
(٦١ ب) سيملؤها قسطا وعدلا كفاحه ... وتكلؤها أرماحه ومناصله
وتحمد منه سيرة ظاهرية ... بها تشمل الآفاق طرّا شمائله
عليه خلال من أبيه وجدّه ... تدلّ على أن البلاد معاقله
ومنها في طهور الملك الصالح:
ورثت خليل الله منصبه الذى ... سما، والنجوم الزاهرات تطاوله
فأحييت بالتطهير سنّة، وكم ... تبعت نبيّا في الذى هو فاعله
فدم يا غياث الدين للخلق رحمة ... تعمّهم كالغيث طبّق وابله
стр. 1108
ودخلت سنة إحدى عشرة (١) وستمائة:
والممالك على ما كانت عليه وفى صفر منها وصل إلى حلب الملك المنصور محمد بن الملك العزيز عثمان، وهو الذى كان له الملك بعد أبيه بالديار المصرية، وكان عمّه الملك الأفضل أتابكة، ثم صار الملك العادل - لما كسر الملك الأفضل أتابكه.
وقد ذكرنا أن الملك العادل خلعه من الملك واستقل بالمملكة، وأنه سيّره إلى الشرق مع أخوته، فوصلوا في هذه السنة إلى حلب، فأقاموا عند عمهم الملك الظاهر مكرمين بها.
وفى هذه السنة اجتمعت الفرنج من جزيرة قبرص واطرابلس وعكا وأنطاكية، وانضم إليهم عسكر ابن لاون - ملك الأرمن -، وكان تزوّج ابنة صاحب عكا، ونزلوا (٢) ببقعة حصن الأكراد، فخافهم الملك المنصور - صاحب حماة - والملك المجاهد - صاحب حمص - فراسل الملك المنصور الملك الظاهر في ذلك، فأرسل الملك الظاهر إلى الفرنج في أن لا يتعرضوا لحماة، فلما وصلت رسالته إليهم بذلك أجابوا إليه، ورضوا من الملك المنصور بسبى (٣) حمله إليهم واصطلحوا معه.
стр. 1109
ذكر منازلة
الفرنج الخوابى ثم رحيلهم عنها
وقصدت الفرنج في هذه السنة بلاد الباطنية، ونازلوا من قلاعهم الخوابى، وحاصروها حصارا شديدا، وكانوا حانقين عليهم بسبب قتلهم ابن الإبرنس (٦٢ ا) - صاحب أنطاكية -.
ولما بلغ الملك الظاهر ذلك خرج من حلب في عساكره متوجها إلى بلاد الإسماعيلية ليدفع عنهم الفرنج.
ولما بلغ ذلك الفرنج رحلوا عن الخوابى فتنفس خناق من كان فيه.
ونزل الملك الظاهر بصلدىّ، وبعث نجدة إلى الخوابى، فصعدت إليه، وأنفذ إلى الحصن إقامة كثيرة وميرة، وبعث إلى الفرنج يعلمهم أنه لا يمكنهم من الإسماعيلية، فرحلوا إلى أنطاكية.
وفى هذه السنة توفى الأمير بدر الدين دلدرم بن ياروق - صاحب تل باشر - وعمل عزاؤه بحلب، وولى تل باشر بعده ولده فتح الدين.
وفى رمضان من هذه السنة توفى الشيخ تقى الدين على بن أبى بكر الهروى، وكان أثيرا عند الملك الظاهر، وأقام عند الملك المنصور - صاحب حماة - مدة وله التربة المعروفة شمالى حلب (١).
стр. 1110
وكان عارفا بأنواع الحيل والشعبذة، وله أسفار (١) كثيرة، وتغرّب في البلاد، وكان قصد بغداد، وصنّف خطبا يخطب بها في الجمع والأعياد، وقدّمها للخليفة الناصر لدين الله، فتقدّم الخليفة بتوقيع له بالحسبة في سائر بلاد الإسلام (٢)، وإحياء ما شاء من الموات، والخطابة بجامع حلب.
وكان هذا التوقيع بيده (٣) ليتشرف به، ولم يباشر شيئا من ذلك.
وفى هذه السنة ظفر عز الدين كيكاوس - صاحب بلاد الروم - بملك الروم المعروف باللّشكرى (٤)، وهو قاتل أبيه غياث الدين كيخسرو.
وذلك أن اللشكرى خرج إلى الصيد، وانفرد عن أصحابه فعارضه قوم من التركمان وهم لا يعرفونه، وأرادوا أخذ سلاحه وفرسه وإطلاقه، فخاف القتل وعرّفهم بنفسه، وضمن لهم مالا، فاختطفوه (٥)، وحملوه إلى السلطان عز الدين، فأعطى التركمان مالا جزيلا، وعزم على قتله، فضمن له أموالا جزيلة، وتسليم قلاع وبلاد، فتسلّم منه بلادا لم يملكها المسلمون قبل ذلك قط.
стр. 1111
ذكر رحيل
الملك العادل إلى الديار المصرية
ورحل الملك العادل في هذه السنة إلى الديار المصرية، بعد أن رتّب أمر الشام والشرق.
ووصل إلى مصر، واستقر بدار الوزارة (٦٢ ب).
стр. 1112
ودخلت سنة اثنتى عشر (١) وستمائة:
والممالك على ما كانت [عليه] (٢) في السنة الماضية.
ذكر استيلاء
الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن
قد ذكرنا استيلاء سليمان شاه بن سعد الدين بن تقى الدين على اليمن، وما أحدثه فيها من الجور والظلم، وأنه أطّرح زوجته التي ملكّته البلاد.
فلما كانت هذه السنة بعث الملك الكامل ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف المعروف بالأقسيس (٣)، وبعث معه جيشا كثيفا.
فمضى إلى اليمن، واستولى على معاقله، وظفر بسليمان شاه وبعثه تحت الحوطة إلى مصر، فأجرى له الملك الكامل ما يقوم به.
ولم يزل مقيما بالقاهرة إلى سنة سبع وأربعين وستمائة، فخرج إلى المنصورة غازيا، فقتل شهيدا ﵀[وأما زوجته ملك فإنها مكانها مكرمة عند الملك الكامل في غاية الاكرام والحرمة الوافرة] (٤).
стр. 1113
وفى هذه السنة وصل رسول الخليفة الناصر لدين الله إلى الشام ومصر، وفى يده كتاب ألفه الخليفة، وسمّاه: «روح العارفين»، يشتمل على أحاديث نبوية يرويها الخليفة بأسانيد عالية، وأمر أن يسمع بالسند عن الخليفة، فسمع في البلاد كلها.
ولما وصل هذا الرسول إلى حلب قعد في شرقية الجامع، وأحضرت آلات الذهب والفضة التي تصلح للبخور والطيب، وحضر القاضى بهاء الدين بن شداد والأكابر، وحضر الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر، وقرئ الكتاب، فسمعه الجماعة، وكتبت أسماؤهم، [وقرئ أيضا على الملك الظاهر بجامع قلعة حلب] (١).
قلت (٢): سمعت أنا هذا الكتاب من رجل من أهل شيزر (٣)، قدم علينا من العراق، وذكر أن له به إجازة من الخليفة، فرويته عنه في سنة ثمان عشرة وستمائة وعمرى إذ ذاك أربع عشرة سنة، فإن مولدى ثانى شوال سنة أربع وستمائة (٤).
وفى هذه السنة قتل الملك الظاهر محمود بن الشكرى خنقا، وهو الذى وجد عنده مملوك الملك الظاهر لما كان هو وأخوه الملك الأفضل محاصرين دمشق،
стр. 1114
وكان (٦٣ ا) هذا أحد أسباب الفساد بين الأخوين حتى رحلا عن دمشق.
وفى هذه السنة قتلت الباطنية أخا للملكة صاحبة عكا، وكان قد خرج من البحر في عالم [عظيم] (١) لا يحصى من الفرنج لنصرة صاحب أنطاكية، ونازلت الفرنج الخوابى، وجدّوا في حصاره وقتال أهله، وقاتلتهم رجّالة الحلبيين الذين بعثهم الملك الظاهر نجدة لأهل الخوابى.
ذكر وفاة
أبى الحسن على
ولد الخليفة الناصر لدين الله
وفى العشرين من ذى القعدة من هذه السنة توفى الأمير أبو الحسن علىّ بن الخليفة الناصر لدين الله.
وكان الخليفة يحبه حبا شديدا، وقد رشحه لولاية العهد من بعده، وخلع لذلك أخاه عدة (٢) الدين أبا نصر محمدا، وهو أكبر من علىّ هذا.
وكان ﵀ كثير الصدقة، كريما، كثير المعروف، حسن السيرة، محبوبا عند الخواص والعوام، وكان مرضه الإسهال؛ فحزن عليه الخليفة حزنا لم يسمع بمثله.
ولما توفى أخرج نهارا، ومشى جميع الناس بين يدى تابوته إلى تربة جدته [الخيزران] (٣)، وهى عند قبر معروف الكرخى (٤) ﵀ فدفن
стр. 1115
هناك، ولما دخل التابوت (١) أغلقت الأبواب وسمع الناس الصراخ العظيم من داخل التربة، فيقال إن ذلك كان صوت الخليفة.
ودامت عليه المناحات في أقطار بغداد ليلا ونهارا أياما، فلم يبق في بغداد محلة إلا وفيها النوح، ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن [الشديد] (٢) ولم يسمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان ولا حديثه.
ولما سمعت الملوك بموته جلسوا في العزاء له لابسين شعار الحزن خدمة للخليفة، ورثته الشعراء فأكثروا؛ فممن رثاه شرف الدين بن راجح بن اسماعيل الحلّى عند ما عمل الملك الظاهر غازى - صاحب حلب - عزاءه بقصيدة مطلعها:
أكذا يهدّ الدهر أطواد الهدى ... ويردّ بالنكبات شاردة الرّدى؟!
(٦٣ ب)
أكذا تعيب النيّرات وينطفى ... ما كان من أنوارها متوقّدا؟!
يا للرجال لنكبة نبوبة ... طوت العلى قلبا عليها مكمّدا
ولخطة شنعاء لاحظها الهدى ... دامى الجفون فغضّ جفنا أرمدا
لو كنت بالشهباء يوم تواترت ... أنباؤها لرأيت يوما أسودا
يوما تزاحمت الملائكة العلى ... فيه فعزّت عن علىّ أحمدا
قصدت أمير المؤمنين رزية ... عادات وقع سهامها أن تقصدا
هى ضعضت شمّ الجبال وأخضعت ... من لم يكن لمذلة متعوّدا
شنّت على حرم الخليفة (٣) غارة ... شعواء غادرت الفخار مطرّدا
فسقى أبا حسن ثراك صنائع ... لك ليس تبرح غاديات عوّدا
стр. 1116
ومنها:
ما للإمامة أصبحت مفجوعة ... بأعزّها حسبا وأزكى محتدا
درت (١) الخلافة علم يوم مصابه ... فلأجله اتخذوا الشعار الأسودا
صلّت ملائكة السماء عليه من ... آفاقها فرقا، وظلّت سجّدا
جليت له حور الجنان وجلّيت ... قبل التلاقى لؤلؤا وزبرجدا
ومنها:
صبرا أمير المؤمنين، فلم تزل ... في كل حادثة بصبرك يقتدى
وامنح غياث الدين صبرا منك لو ... أرشدته يوما إليه لاهتدى
فهو الضعيف إذا تلمّ ملمة ... بكم وما زال القوىّ تجلّدا (٢)
واسلم، فلا سعت الليالى بعدها ... أبدا، إليك بما يسرّ به العدى
ورثاه القاضى كمال الدين بن النبيه المصرى لما عمل الملك الأشرف ابن الملك العادل عزاءه بقصيدة مطلعها:
الناس للموت كخيل الطراد ... فالسابق السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره ... إلا من استصلح من ذا العباد
والموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد
(٦٤ ا)
والمرء كالظّل، ولا بدّ أن ... يزول ذاك الظلّ بعد امتداد
لا تصلح الأرواح إلا إذا ... سرى إلى الأجساد هذا الفساد
стр. 1117
أرغمت يا موت أئوف القنا ... ودست أعناق السيوف الحداد
كيف تخرّمت عليّا وما ... أنجده كلّ طويل النجاد
نجل أمير المؤمنين الذى ... من خوفه يرعد قلب الجماد
مصيبة أذكت قلوب الورى ... كأنها في كل قلب زناد
نازلة حلّت، فمن أجلها ... سنّ بنو العباس لبس الحداد
ومنها:
خليفة الله اصطبر واحتسب ... فما وهى البيت وأنت العماد
بالحلم والعلم بكم يقتدى ... إذا دجا الخطب وضلّ الرّشاد
أنت سماء طلعت زهرها ... لا ينقص الآفل منها عداد
وأنت لجّ البحر، ماضرّه ... أن سال من بعض نواحيه واد
يا نوح رث أعمارنا، واحتكم ... ملّكك الله رقاب العباد
وفى هذه السنة صالح الفرنج أهل الخوابى، ورحلوا عنهم بعد أن حاربوهم حربا شديدا، وكان المتوسط في الصلح بينهم الملك الظاهر.
وفى رمضان من هذه السنة وصل إلى حلب الشيخ شهاب الدين السهروردى ﵀ رسولا من الخليفة الناصر لدين الله إلى الملك الظاهر، ومعه تشريف جليل: فرجية فرو سمور مغشاة بثوب [أطلس] (١) أسود، وسيف محلى، وأسمع [عن] (٢) الخليفة كتاب «روح العارفين» المشتمل على الأحاديث
стр. 1118
النبوية الذى تقدم ذكره، وجلس الملك الظاهر وأكابر دولته. بين يدى الشيخ شهاب الدين، وكان كلما جرى ذكر الخليفة قام الملك الظاهر على رجليه.
وبعد سماع الأحاديث (١) التي هى تخريج الخليفة (١)، نصب لشهاب الدين كرسى الوعظ، وأذن للعامة في الدخول لسماع وعظه.
وفى هذه السنة ملك الفرنج أنطاكية من بلاد السلطان عز الدين كيكاوس - صاحب بلاد الروم - وقتلوا من بها من المسلمين، ثم استعادها (٦٤ ب) منهم عز الدين في هذه السنة.
وفى شوال من هذه السنة ملك ابن لاون - ملك الأرمن - أنطاكية، وأحسن إلى أهلها، وأظهر فيها العدل، وكان الابرنس صاحبها ظالما، فحسن موقع ابن لاون من (٢) أهل أنطاكية، وأطلق جماعة من أسرى المسلمين بها، وحملهم [إلى حلب] (٣)، ووقع الصلح بينه وبين الملك الظاهر.
وفى هذه السنة فتح عز الدين صاحب الروم قلعة من بلاد الأرمن منيعة تسمى لؤلؤة.
فسلّم ابن لاون بغراس إلى الداوية، واستناب ابن أخته بأنطاكية، وعاد إلى بلاده، خوفا من عز الدين كيكاوس.
ووصلت إلى الملك الظاهر هدية عز الدين، والبشارة بعودة أنطاكية إلى المسلمين.
стр. 1119
ودخلت سنة ثلاث عشرة وستمائة:
والسلطان الملك العادل [مقيم] (١) بالديار المصرية والممالك على حالها.
وفى المحرم من هذه السنة وردت رسالة عز الدين كيكاوس إلى الملك الظاهر يطلب منه الاجتماع معه على مرعش بجيشه ليتفقا على قصد ابن لاون - ملك الأرمن - ويستخلصا أنطاكية منه.
فأجاب الملك الظاهر إلى حرب ابن لاون، على أن يدخل عز الدين إلى بلاد ابن لاون من جهة مرعش، ويدخل الملك الظاهر من جهة دربساك (٢) ويقصد الابرنس أنطاكية، ومعه عسكر دمشق وحماة وحمص، ليضيّق المسالك على ابن لاون.
وأخذ الملك الظاهر في جمع الرجال وبذل الأموال، وبعث إلى عز الدين في جواب الرسالة إليه عبد الرحمن المنجى، فأدّى الرسالة، وحرّف فيها، وزاد فيها شروطا تضر الملك الظاهر، وتوافق (٣) عز الدين لعدم كفايته.
فسيّر الملك الظاهر إلى الملك العادل يستشيره في ذلك فهجّن عليه الملك العادل رأيه، وأشار إليه بأن لا يجتمع إليه أصلا، وعرّفه ما في ذلك من المفاسد.
فوقع الملك الظاهر في حيرة عظيمة، بين أن يغدر بما وعد به عز الدين، وبين أن يخالف عمّه الملك العادل.
وترددت الرسل من عز الدين مستحثة على سرعة الحركة.
стр. 1120
ووصل رسول ابن لاون إلى الملك الظاهر برسالة مضمونها:
إنى مملوك السلطان، (٦٥ أ) وغرس دولته (١)، وقد دخلت عليه دخول العرب، وأطلب منه إنقاذى من هذه الورطة، وأكون مملوكه ما عشت، وقد حفظت بلاد السلطان غير مرة، وخدمته، منها: «أن السلطان لما حاصر دمشق المرة الأولى وبقيت البلاد شاغرة من العساكر، ما شغلت قلبه ولا آذيت بلده، بل ساعدته وعاونته بمالى ورجالى (٢)، وكذلك لما حاصر دمشق المرة الثانية، وقد بذلت لى الأموال كلها لأشغل قلبه ويفتر عن الحصار فلم أفعل.
وإن كان الإبرنس قد خدم السلطان، فخدمتى أكثر من خدمته، (٣) وسوف يبصر السلطان خدمتى، وملازمتى بابه الشريف، وقد أوصيت ابن أختى الذى نصبته بأنطاكية بملازمة خدمته» (٣).
وبعث ابن لاون مع هذه الرسالة هدية عظيمة فاخرة، فمال الملك الظاهر إلى قوله، وبقى مترددا.
ثم ورد قاضى أقصرا، وهو قاضى عسكر عز الدين، رسولا منه إلى الملك الظاهر يحثّه على الحركة، وبينما هو عنده إذ ورد على الملك الظاهر من أخبره أن عسكر عز الدين بمرعش أغاروا على البلاط من بلد حلب، وقتلوا جماعة من الأرمن الذين به، وأسروا جماعة.
فعظم ذلك على الملك الظاهر، وقوى عنده الرأى الذى أشار به عمّه الملك
стр. 1121
العادل، وقال للرسول:» أول الدية دردى (١)؟! العجب أنكم تطلبون منا المعاونة وتخربون بلادنا».
فاعتذر الرسول بأنه وجد بالبلاط قسىّ مما غنه ابن لاون من بلاد الروم لما أغار عليها، فعلم بذلك أن أهل البلاط (٢) كانوا معاونين لابن لاون على نهب بلاد المسلمين، والذى كشف هذه الحال قوم من التركمان، فلذلك أمر السلطان عزّ الدين نصرة الدين - صاحب مرعش - أن ينهب البلاد مجازاة لهم.
فأعرض الملك الظاهر عن الحركة لنصرة عز الدين ورجع عن عزمه الأول.
ذكر توجه
القاضى بهاء الدين [بن شداد] (٣) إلى مصر
لتقرير قواعد الملك الظاهر
وفى هذه السنة سيّر الملك الظاهر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ (٦٥ ب) إلى السلطان الملك العادل، وكان قبل ذلك قد أرسل (٤) القاضى نجم الدين بن الحجاج - نائب القاضى بهاء الدين في الحكم بحلب -، فوجد من الملك العادل قبولا عظيما، وطيّب قلب الملك الظاهر، وبسط أمله.
فأنفذ الملك الظاهر القاضى بهاء الدين شاكرا لإنعامه وطلب منه أمورا ثلاثة:
стр. 1122
أحدها: أن يكون الملك العزيز محمد ولده ولىّ عهد أبيه وقائما بملك حلب وبلادها بعده.
وثانيها: أن يزوّج الملك العزيز إبنة الملك الكامل.
وثالثها: أن يكون صلح الملك الظاهر وصلح الملك العادل مع الفرنج واحدا، وفكسهما (١) معهم واحدا.
قال القاضى بهاء الدين ﵀:
«فتوجهت إلى الديار المصرية، فأنهيت إلى السلطان الملك العادل هذه الفصول، فأجاب إلى تولية الملك العزيز عهد أبيه، وإلى الموافقة في الصلح والفكس مع الفرنج، وأما فصل التزويج فقال: هذا لا يتعلق بى، فاجتمع بالملك الكامل وتحدث معه فيه».
قال: «فاجتمعت بالسلطان الملك الكامل، وخاطبته فيه فأجابنى إليه، وأخذت يده على ذلك».
ذكر وفاة
الملك الظاهر - صاحب حلب ﵀ -
ولما كانت صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة ابتدأت بالملك الظاهر حمى حادّة، فتجلّد في ذلك اليوم، وركب، ثم نزل، ولم يعد إلى الركوب.
стр. 1123
وفى الغد جلس، ودخل إليه أخوه الملك المحسن، وجماعة من الأكابر لعيادته، وفرحوا بمشاهدته.
وفى التاسع والعشرين من هذا الشهر، وهو خامس يوم من مرضه اشتدت به الحمى، وحقن وخيف عليه.
وفى اليوم السابع عشر من مرضه أحضر القاضى نجم الدين - نائب القاضى بهاء الدين -، وكان القاضى بهاء الدين كما ذكرنا قد توجه من الرسالة إلى مصر؛ فكتبت نسختا يمين (١) مضمونهما:
أن الملك يكون بعد الملك الظاهر لولده الملك العزيز محمد، وبعده للملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر، وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن الملك العزيز عثمان.
وأن الأمير شهاب الدين طغريل الخادم يكون مرتبا بالقلعة؛ والأمير سيف الدين على (٦٦ أ) بن علم الدين سليمان بن حيدر يكون أتابك العسكر.
وحلف الأمراء وأكابر الحلبيين بمقتضى النسختين.
[(٢) وأن يبعث نسخة للملك العادل، وتبقى الأخرى بيد أتابك شهاب الدين طغريل الخادم] (٢).
وفى هذا اليوم أمر الملك الظاهر أن يزوج ابنته من ابن أخيه الملك المنصور ابن الملك العزيز، وعقد النكاح بحضوره.
وأحضر الرئيس جمال الدين علىّ بن صفىّ الدين أبى القسم بن الطريرة، وخلع عليه، وقلّد الرياسة بحلب، وكانت لأبيه قبله.
стр. 1124
وأحضر شهاب الدين طغريل، وسلّم إليه مفاتيح الخزائن، وجعل له الحكم في جميع القلاع، وغدق به جميع أمور الدولة، وسلّم إليه (١) مدرجا بخطه فيه (١) جميع ما يعتمده.
وبعث الملك الظاهر في هذا اليوم لكل واحد من إخوته خمسة آلاف دينار (٢)، وأعتق جماعة من مماليكه.
وخرج أمر الأتابك في هذا اليوم نبغى القينات وأهل الفساد.
وحمل إلى الملك المنصور بن العزيز عشرون ألف درهم.
واستحلف العامة بالجامع.
ثم أعتق الملك الظاهر مائة مملوك، ومائة جارية [وزوّج بعضهم لبعض] (٣) وأسقط كثيرا من المكوسى.
ثم أنزل المماليك [والجوارى] (٣) الذين أعتقوا (٤) إلى البلد، وجمعوا بدار العدل، وأقيم عليهم الحفظة والحرّاس، فخرجوا إلى ظاهر باب العراق، ونهبوا من عارضهم من العامة (٤)، فوقع الإرجاف، وغلّقت الأسواق.
واجتمعت العامة تحت القلعة، وأشير على الرئيس جمال الدين بالنزول إلى الجامع وتسكين الناس، وأن يجعل مبيته في الجامع خوفا من طريان فتنة، وأصعد جماعة من المفاردة (٥) إلى القلعة ليبيتوا بها.
وفى الثالث عشر من جمادى الآخرة أقطع الملك الظافر خضر المعروف
стр. 1125
بالمشمرّ كفر سوذ، وحمل إليه ثلاثون ألف درهم؛ وأخرج من ليلته من حلب بالتوكيل.
وأخرج علم الدين قيصر - مملوك الملك الظاهر - إلى حارم، وأعطى علما وكوسا.
وفى الخامس عشر من جمادى الآخرة، اشتد مرض الملك الظاهر، ومنع الناس من الوصول إليه، واضطرب البلد اضطرابا كثيرا (١).
ولما أخرج (٢) الملك الظافر من حلب سار إلى كفر سوذ، فبلغه أن أخاه الملك الزاهر مجير الدين داود - صاحب البيرة - وهو شقيق الملك الظاهر، قد استولى على حروص، وكفر سوذ ومرزبان، ونهرجور، وأخرج جميع العمال بها.
فسار الملك الظافر إلى منبج، فخاف الأتابك (٦٦ ب) شهاب الدين طغريل أن يبدو من الملك الظافر ضرر، فسيّر إليه عسكرا فرحّلوه عن منبج، فسار إلى الملك الأفضل صاحب سميساط - وهو شقيقه، فكان عنده.
وفى السادس عشر من جمادى الآخرة أرجف بموت الملك الظاهر، وغلقت الأسواق، فخرج الأمر بتسكين العامة، ولجّت الأمراء في طلب النظر إلى الملك الظاهر، واقترح إخوته ذلك، فأدخلوا إليه بعض الأمراء فرأؤه، وكان آخر العهد به.
واشتد مرضه جدا، فذكر أنه كان يفيق في بعض الأوقات، ويتشهد، ويقرأ قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ»﴾، ثم يقول:
«اللهم بك أستجير، وبرحمتك أثق» (٣).