العادل، وقال للرسول:» أول الدية دردى (١)؟! العجب أنكم تطلبون منا المعاونة وتخربون بلادنا».
فاعتذر الرسول بأنه وجد بالبلاط قسىّ مما غنه ابن لاون من بلاد الروم لما أغار عليها، فعلم بذلك أن أهل البلاط (٢) كانوا معاونين لابن لاون على نهب بلاد المسلمين، والذى كشف هذه الحال قوم من التركمان، فلذلك أمر السلطان عزّ الدين نصرة الدين - صاحب مرعش - أن ينهب البلاد مجازاة لهم.
فأعرض الملك الظاهر عن الحركة لنصرة عز الدين ورجع عن عزمه الأول.
ذكر توجه
القاضى بهاء الدين [بن شداد] (٣) إلى مصر
لتقرير قواعد الملك الظاهر
وفى هذه السنة سيّر الملك الظاهر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ (٦٥ ب) إلى السلطان الملك العادل، وكان قبل ذلك قد أرسل (٤) القاضى نجم الدين بن الحجاج - نائب القاضى بهاء الدين في الحكم بحلب -، فوجد من الملك العادل قبولا عظيما، وطيّب قلب الملك الظاهر، وبسط أمله.
فأنفذ الملك الظاهر القاضى بهاء الدين شاكرا لإنعامه وطلب منه أمورا ثلاثة:
стр. 1122
أحدها: أن يكون الملك العزيز محمد ولده ولىّ عهد أبيه وقائما بملك حلب وبلادها بعده.
وثانيها: أن يزوّج الملك العزيز إبنة الملك الكامل.
وثالثها: أن يكون صلح الملك الظاهر وصلح الملك العادل مع الفرنج واحدا، وفكسهما (١) معهم واحدا.
قال القاضى بهاء الدين ﵀:
«فتوجهت إلى الديار المصرية، فأنهيت إلى السلطان الملك العادل هذه الفصول، فأجاب إلى تولية الملك العزيز عهد أبيه، وإلى الموافقة في الصلح والفكس مع الفرنج، وأما فصل التزويج فقال: هذا لا يتعلق بى، فاجتمع بالملك الكامل وتحدث معه فيه».
قال: «فاجتمعت بالسلطان الملك الكامل، وخاطبته فيه فأجابنى إليه، وأخذت يده على ذلك».
ذكر وفاة
الملك الظاهر - صاحب حلب ﵀ -
ولما كانت صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة ابتدأت بالملك الظاهر حمى حادّة، فتجلّد في ذلك اليوم، وركب، ثم نزل، ولم يعد إلى الركوب.
стр. 1123
وفى الغد جلس، ودخل إليه أخوه الملك المحسن، وجماعة من الأكابر لعيادته، وفرحوا بمشاهدته.
وفى التاسع والعشرين من هذا الشهر، وهو خامس يوم من مرضه اشتدت به الحمى، وحقن وخيف عليه.
وفى اليوم السابع عشر من مرضه أحضر القاضى نجم الدين - نائب القاضى بهاء الدين -، وكان القاضى بهاء الدين كما ذكرنا قد توجه من الرسالة إلى مصر؛ فكتبت نسختا يمين (١) مضمونهما:
أن الملك يكون بعد الملك الظاهر لولده الملك العزيز محمد، وبعده للملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر، وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن الملك العزيز عثمان.
وأن الأمير شهاب الدين طغريل الخادم يكون مرتبا بالقلعة؛ والأمير سيف الدين على (٦٦ أ) بن علم الدين سليمان بن حيدر يكون أتابك العسكر.
وحلف الأمراء وأكابر الحلبيين بمقتضى النسختين.
[(٢) وأن يبعث نسخة للملك العادل، وتبقى الأخرى بيد أتابك شهاب الدين طغريل الخادم] (٢).
وفى هذا اليوم أمر الملك الظاهر أن يزوج ابنته من ابن أخيه الملك المنصور ابن الملك العزيز، وعقد النكاح بحضوره.
وأحضر الرئيس جمال الدين علىّ بن صفىّ الدين أبى القسم بن الطريرة، وخلع عليه، وقلّد الرياسة بحلب، وكانت لأبيه قبله.
стр. 1124
وأحضر شهاب الدين طغريل، وسلّم إليه مفاتيح الخزائن، وجعل له الحكم في جميع القلاع، وغدق به جميع أمور الدولة، وسلّم إليه (١) مدرجا بخطه فيه (١) جميع ما يعتمده.
وبعث الملك الظاهر في هذا اليوم لكل واحد من إخوته خمسة آلاف دينار (٢)، وأعتق جماعة من مماليكه.
وخرج أمر الأتابك في هذا اليوم نبغى القينات وأهل الفساد.
وحمل إلى الملك المنصور بن العزيز عشرون ألف درهم.
واستحلف العامة بالجامع.
ثم أعتق الملك الظاهر مائة مملوك، ومائة جارية [وزوّج بعضهم لبعض] (٣) وأسقط كثيرا من المكوسى.
ثم أنزل المماليك [والجوارى] (٣) الذين أعتقوا (٤) إلى البلد، وجمعوا بدار العدل، وأقيم عليهم الحفظة والحرّاس، فخرجوا إلى ظاهر باب العراق، ونهبوا من عارضهم من العامة (٤)، فوقع الإرجاف، وغلّقت الأسواق.
واجتمعت العامة تحت القلعة، وأشير على الرئيس جمال الدين بالنزول إلى الجامع وتسكين الناس، وأن يجعل مبيته في الجامع خوفا من طريان فتنة، وأصعد جماعة من المفاردة (٥) إلى القلعة ليبيتوا بها.
وفى الثالث عشر من جمادى الآخرة أقطع الملك الظافر خضر المعروف
стр. 1125
بالمشمرّ كفر سوذ، وحمل إليه ثلاثون ألف درهم؛ وأخرج من ليلته من حلب بالتوكيل.
وأخرج علم الدين قيصر - مملوك الملك الظاهر - إلى حارم، وأعطى علما وكوسا.
وفى الخامس عشر من جمادى الآخرة، اشتد مرض الملك الظاهر، ومنع الناس من الوصول إليه، واضطرب البلد اضطرابا كثيرا (١).
ولما أخرج (٢) الملك الظافر من حلب سار إلى كفر سوذ، فبلغه أن أخاه الملك الزاهر مجير الدين داود - صاحب البيرة - وهو شقيق الملك الظاهر، قد استولى على حروص، وكفر سوذ ومرزبان، ونهرجور، وأخرج جميع العمال بها.
فسار الملك الظافر إلى منبج، فخاف الأتابك (٦٦ ب) شهاب الدين طغريل أن يبدو من الملك الظافر ضرر، فسيّر إليه عسكرا فرحّلوه عن منبج، فسار إلى الملك الأفضل صاحب سميساط - وهو شقيقه، فكان عنده.
وفى السادس عشر من جمادى الآخرة أرجف بموت الملك الظاهر، وغلقت الأسواق، فخرج الأمر بتسكين العامة، ولجّت الأمراء في طلب النظر إلى الملك الظاهر، واقترح إخوته ذلك، فأدخلوا إليه بعض الأمراء فرأؤه، وكان آخر العهد به.
واشتد مرضه جدا، فذكر أنه كان يفيق في بعض الأوقات، ويتشهد، ويقرأ قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ»﴾، ثم يقول:
«اللهم بك أستجير، وبرحمتك أثق» (٣).
стр. 1126
وفى اليوم الثامن عشر (١) من جمادى الآخرة حجب عنه الرجال، وتولاه الأتابك شهاب الدين طغريل، وزوجته ضيفة خاتون، بنت الملك العادل.
ثم كانت وفاته ليلة الثلاثاء العشرين (٢) من جمادى الآخرة.
وكتم موته، ولم يعلمه غير الأتابك والخاتون، فشرع في تجهيزه وغسله، وتكفينه، وأحضر أمان، وحفر له قبرا في حجرة الذهب، ودفن بها إلى أن نقل بعد ذلك إلى مدرسته (٣) التي بنيت له بحلب.
وكان المتولى لغسله شهاب الدين بن حرب (٤)، خطيب قلعة حلب، وصلى عليه هو والأتابك والفقيه ابن الدل (٥)، والحاج بهاء الدين عمر بن أياز.
ووقعت في البلد ضحوة يوم الثلاثاء العشرين (٦) من جمادى الآخرة صبيحة الليلة التي مات فيها ضجة عظيمة، وكادت الفتنة تقوم، ثم سكن الناس، ولم يزل خبر موته مكتوما إلى آخر النهار، فأنفذ الأتابك لما رأى سكون الناس، فأعلم بموته بعض الناس، وأمرهم بمباكرة باب القلعة، فباكروها صبيحة يوم الأربعاء الحادى والعشرين من جمادى الآخرة (٧)، وأكثر الناس حضر على العادة غير عالمين بالواقعة، فلم يشعروا إلا وقد فتح الباب، وخرج الملك العزيز وأخوه
стр. 1127
الملك الصالح، وعليهما السواد، فوقع الأمراء عن خيولهم، وكشفوا رءوسهم، وقطعوا شعورهم، وضجوا ضجة واحدة.
وفعل كذلك مماليكه وأهل القلعة.
وكان منظرا فظيعا.
وكان الملك العزيز وأخوه الملك الصالح راكبين، وبين يدى (٦٧ ا) الملك العزيز سيف الدين على بن علم الدين يحمل الغاشية.
وأقبل الأمراء وأولاد الملك الناصر صلاح الدين إلى الملك العزيز وأخيه الملك الصالح يقبلون أيديهما (١)، ثم رجعا إلى القلعة.
وأقبل الناس على النوح والبكاء.
وكان مولد الملك الظاهر بمصر في منتصف شهر رمضان سنة ثمان وستين (٢) وخمسمائة، فكان عمره أربعا وأربعين سنة وشهورا.
وكانت مدة ملكه بحلب من حين وهها له والده السلطان الملك الناصر ﵀ ثانى مرة إحدى وثلاثين سنة، لأن ملكه لها كان في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
فإنا كنا ذكرنا أنه كان ملكّه لها أولا، ثم انتزعها منه، وملكّها لأخيه الملك العادل، ثم انتزعها من الملك العادل وملكّه لها في التاريخ المذكور.
стр. 1128
ذكر سيرته
﵀ -
كان [الملك الظاهر] في أول أمره عنده بطش شديد، وإقدام على سفك الدماء، ثم إنه قصر عن ذلك في آخر أيامه.
وكان حازما، عادلا، حسن السياسة، محبوبا عند رعيته، شهما، متيقظا، ضمّ شمل البيت الصلاحى لما استولى عمّه على الممالك، وأحسن إليهم، ولولاه كان تفرّق الشمل.
وكان محسنا إلى رعيته وأمرائه وأكابر دولته، أيّهم مات أقام ولده - ولو كان صغيرا - مقامه، وسلك في ذلك مسلك والده - رحمهما الله - وسلك مثل ذلك ولده الملك العزيز بعده، والملك الناصر بن الملك العزيز ﵏ أجمعين (١) وقدّس أرواحهم.
وكان ذكيا، فطنا، حسن النادرة؛ ومما يروى في ذلك: أن شرف الدين راجح [الحلىّ] (٢) بن إسماعيل الشاعر كان عنده ليلة ينادمه، فأخذ الملك الظاهر في مماجنته والعبث به.
وكان الحلّى قد سكر، فحرد من عبث الملك الظاهر به، فقال متهددا له بالهجو: «أنظم؟».
стр. 1129
فأشار الملك الظاهر بيده إلى السيف وقال في الحال: «إن نظمت يا حلّى، فأنا أنثر».
وحكى أن الحلّى رأى على الملك الظاهر ليلة فروة أعجبته، فقال لبعض الحاضرين: «ما تقولون فيمن يأخذها منه؟».
ثم أصبح ودخل عليه، وأنشده:
يا ملك الأرض الذى ذكره ... له مذاق في فمى يعذب (٦٧ ب)
ومن إذا كرّرت أوصافه ... صحّت لى السّكرة والمطرب
لله هذا السؤدد المعتلى ... والحسب الوضّاح والمنصب
والخلق العذب الشهىّ الذى ... يكاد من رقّته يشرب
فداك أملاك مواعيدهم ... بوارق أصدقها خلّب
إن وعدوا مانوا، أو استؤمنوا ... خانوا، وإن هم سئلوا قطّبوا
فدونهم في بخلهم ما در ... ودون من يرجوهم أشعب
رأيت في بارحتى بعد ما ... مضيت والصهباء بى تلعب
والليل قد أبهج جلبابه ... والشّهب قد غصّ بها المغرب
والنوم مستول على مقلة ... مرآك من تهويمها أطيب
أنّك قد ألبستنى فروة ... ذات غشاء ردنه مذهب
فقمت في وقتى فصادفتها ... مشرّفا منى بها المنكب
فقلت: سبحان الذى خصّه ... بمكرمات أصلها منجب
حتى إلى النوّام يسرى الندى ... منه تعالى جدّه الأغلب
فهذه الرّويا وتأويلها ... له بيان عنك ما يحجب
стр. 1130
فقال له الملك الظاهر: «أضغاث أحلام يا حلّى».
فأجابه في الوقت:
والله ما حدثنى خاطرى ... إلا بظنّ فيك ما يكذب
فرمى بالفروة إليه، وأمر له (١) بثلاثمائة درهم ثمن بقيار (٢).
وحكى أن مهذب الدين أبا المحاسن ماجد بن محمد بن القيسرانى كتب إلى الملك الظاهر أبياتا أولها:
أما وضجيج (٣) قهقهة القنانى ... وأصوات المثالث والمثانى
لقد أضحى الشام يتيه عجبا ... بملك ماله في الأرض ثانى
فلما وقف الملك الظاهر عليها كتب في جوابها:
طلبنا الدرّ من بحر المعانى ... وعذب اللفظ من عضب اللسان
وهل تجنى ثمار الفضل إلا ... فروع أصلها حلو المجانى
(٦٨ ا)
ولا عجب أن استسقيت غيثا ... أو (٤) استسقيت منطلق العنان
وأنت السابق الغايات فضلا ... إذا ما قصّرت خيل الرّهان
стр. 1131
فأهلا، ثم أهلا، ثم أهلا ... بما أرسلت من سحر البيان
ولما مات الملك الظاهر عمل العزاء له ثلاثة أيام.
وفى اليوم الثالث قام شرف الدين الحلّى وأنشد مرثية في الملك الظاهر، مطلعها:
سل الخطب إن أصغى إلى من يعاتبه (١) ... بمن علقت أنيابه ومخالبه
نشدتك عاتبه على نائباته ... وإن كان نابى السمع عمّن يعاتبه
ومنها:
أرى اليوم دست الملك أصبح خاليا ... أما فيكم من مخبر أين صاحبه؟
ومنها:
فإن يك نور من شهابك قد خفا ... فيا طالما جلّى دجى الليل ثاقبه
وقد لاح بالملك العزيز محمد ... صباح هدى كنّا قديما نراقبه
فتى لم يفته من أبيه وجدّه ... أب ثم جدّ غالب من يغالبه
ومنها ما يخاطب به الملك العزيز وأخاه الملك الصالح.
أيمكث بالشهباء عبد أبيكما ... ومادحه أم تستقل ركائبه
فذكر أن الأتابك شهاب الدين لما سمع هذا البيت، قال: قولوا له:
«يرحل فلا حاجة لنا إليه، فإنا لا نعطى الشعراء شيئا».
فقال الحلّى قصيدة مطلعها:
منع التأسّف قلبى المتبولا ... أن يستطيع إلى السّلو سبيلا
стр. 1132
ومنها:
يا دهر قد أسرفت فيما ساءنى ... عمدا، فخفّف من أذاك قليلا
ألبستنى ثوب الأسى، وسلبتنى ... عزّا عدمت له العزاء ذليلا
وضعفت من نكبات صرفك بعد ما ... قد كنت جلدا للخطوب حمولا
(٦٨ ب)
غازى بن يوسف: لا وحقّك ما خبت ... نارى ولا نقع البكاء غليلا
أبقيت لى من بعد فقدك أنة ... تفرى الضلوع ورنة وعويلا
يا للرجال لنائبات غادرت ... [بالغدر] (١) سيف تصبّرى مفلولا
مالى أرى الإيوان أصبح بابه ... قفرا، وكان جنابه مأهولا
فإن اكتسى ذلاّ، فكم قد ذلّلت ... للسائلين قطوفه تذليلا
ومنها:
يا تاركى صفر اليدين مكابدا ... للدّين، مهجور الفناء ضئيلا
منذا أؤمّل في الورى لمطالبى؟ ... هيهات بعدك أرتجى مأمولا!
أأظلّ أنتجع الملوك مرجّيا ... منهم كريما تارة وبخيلا
حسبى حمى الملك العزيز، فإننى ... لا أبتغى ما عشت عنه بديلا
ملك يلوح على أسرّة (٢) وجهه ... بشر يبشّر أن أنال السّولا
والصّالح الملك المؤمّل كافل ... لى خصب ربعى، إن شكوت محولا
لا خاب لى في أحمد ومحمد ... أمل رجا أن ينعما وينيلا
стр. 1133
مع أنّ آمالى المصرّد شربها ... أمّت فراتا للنوال ونيلا
أمّت شهاب الدين ينبوع الجدى ... مروى العدى، محيى الندى طغريلا
فلم يؤثر ذلك شيئا عند الأتابك شهاب الدين، وأمر بقطع ما كان للحلّى وفارق حلب، وسار إلى الملك الأشرف بن الملك العادل، فحظى عنده.
ذكر تمليك (١)
الملك العزيز بن الملك الظاهر حلب
ولما رجع الملك العزيز وأخوه الملك الصالح [وابن عمهما الملك المنصور] (٢) إلى القلعة، خرج أولاد الملك الناصر صلاح الدين، وأكابر الدولة، رجّالة إلى دار العدل، ووصل في ذلك الوقت القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ فحضر مع الجماعة، وأخذوا في قراءة القرآن.
فقال القاضى بهاء الدين: «نحن إلى الاشتغال بغير العزاء أحوج» فصرف الناس، وأقبلوا على المشورة (٦٩ ا) وترتيب الأمور.
قال القاضى بهاء الدين ﵀:
«لما انصرفت من مصر راجعا إلى حلب مررت في طريقى بنابلس وبها الملك المعظم، واجتمعت به، وذكرت له الفصول التي أنهيتها إلى أبيه، وإجابته إليها، ففرح الملك المعظم بذلك وسرّ به.
ثم فارقته متوجها إلى حلب، فلما وصلت إلى حماة خرج إلىّ صاحبها الملك
стр. 1134
المنصور، فعرّفته ما جرى، فحكى إلى المنصور اشتداد مرض الملك الظاهر ﵀.
فلما وصلت إلى حلب وجدته قد مات، فصعدت إلى القلعة، وحضرت تربته (١)، وترحمت عليه وأنشدت:
أين الوجوه أحبها ... وأود لو أنى فداها؟
ثم اجتمعت بالجماعة، ووقع الاتفاق معهم على ترتيب الملك العزيز غياث الدين محمد في الملك موضع والده» (٢).
وكان الوزير ابن أبى يعلى - وزير الملك الظاهر - مستوليا على الأمور كلها في الأيام الظاهرية، إلى أن وصل القاضى بهاء الدين، فاجتمع القاضى بهاء الدين بالأتابك شهاب الدين، وقرّر معه صرف الوزير عن النظر في الأمور، واتفق معه أن الجماعة يجتمعون، ويتشاورون فيما يقررونه من قواعد المملكة، وأن الأمر كله يكون معذوقا بشهاب الدين، فاجتمعوا بدار العدل، واتفقت آراؤهم كلهم على أن يكون الملك المنصور بن الملك العزيز أتابك العسكر، وأمر الإقطاع إليه، وحلفوا على ذلك.
وركب الملك المنصور، والأمراء كلهم في خدمته.
ونزل الملك العزيز، وأخوه الملك الصالح، وجلسا في دار العدل،
стр. 1135
و [جلس] (١) الملك العزيز في منصب أبيه، وإلى جانبه الملك الصالح، وابن عمهما الملك المنصور إلى جانبهما.
ثم اضطربت الأمور، ولم يرض أولاد الملك الناصر صلاح الدين بولاية ابن أخيهم الملك المنصور.
ووصل رسول من جهة السلطان عز الدين كيكاوس - صاحب بلاد الروم - وكان معسكرا - كما قدمنا ذكره - بالقرب من البلاد، منتظرا وصول الملك الظاهر إليه، فجاءهم (٢) رسوله معزيا به، ومشيرا عليهم بالاتفاق معه، وأن يرتب الملك الأفضل بن الملك الناصر - صاحب سميساط - أتابك العسكر، فإنه أكبر أولاد صلاح الدين، وعم الملك العزيز، وأولى الناس بتربيته، وحفظ ملكه؛ (٦٩ ب) فمال إلى هذا الرأى الأمراء المصريون، مثل مبارز الدين يوسف بن خطلخ، ومبارز الدين سنقر الحلبى، و [جمال الدين أحمد] (٣) ابن أبى ذكرى، وغيرهم؛ وقالوا:
«هذا هو الرأى، والملك الأفضل رجل كبير [القدر] (٣)، ولا ينتظم حفظ المملكة إلا به، وإذا رجع إليه التدبير بحلب قدر على أخذ ثأره من عمه الملك العادل، وأخذ دمشق والديار المصرية منه».
وأنكر القاضى بهاء الدين، وعلم الدين بن سيف الدين، وسيف الدين بن قلج هذا الرأى، وقالوا:
«إن في هذا من الخطر ما لا يخفى على عاقل، لأن الملك العادل ملك عظيم،
стр. 1136
صاحب الديار المصرية والشرق، ومعظم الشام [واليمن] (١)، فإن كانت الغلبة له انتزع الملك من أيدينا، وإن كانت الغلبة للملك الأفضل لم نأمن أن يتغلب على ابن أخيه الملك العزيز، وينتزع الملك منه، ويستقل به كما فعل الملك العادل بالملك المنصور بن الملك العزيز؛ والملك العادل فقد حلف للملك الظاهر، ولابنه الملك العزيز من بعده، وهو ابن بنته، وابنته بقلعة حلب، ونحن نطالبه بالوفاء بالعهد، وهو يذبّ عن حلب كما يذبّ عن غيرها من ممالكه، وأمور الخزائن بالقلعة راجعة إلى شهاب الدين طغريل، وقد رتّبه الملك الظاهر بالقلعة، وجعل أمرها إليه، والرأى أن تكون الأمور جميعها مفوضة إليه».
فانفق رأيهم كلهم على هذا.
وعملت نسخة يمين حلف عليها جماعة الأمراء والمقدمين بالبلد، مضمونها:
«أن الملك يكون للملك العزيز، وبعده لأخيه الملك الصالح [صلاح الدين] (٢)، وأن القائم بتدبير المملكة الأتابك شهاب الدين طغريل».
ثم أبعد الوزير ابن أبى يعلى، وعزل عن الوزارة.
وكان تمام استقرار هذا الأمر في أواخر شعبان من هذه السنة.
وفى رمضان سافر ابن أبى يعلى عن حلب [إلى دمشق، وأقام بها إلى أن مات] (٢)، واستقل الأتابك شهاب الدين في جميع الأمور، وانتظمت به أحسن انتظام، وقام بترتيب البلاد والقلاع، وتفريق الأموال والإقطاع، ولا يخرج في ذلك كله عن رأى القاضى بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج.
стр. 1137
ثم أقطع علم الدين قيصر در سال، وابن أمير التركمان اللاذقية (١).
وكان (٧٠ أ) قد سيّر علم الدين قيصر إلى الملك الزاهر، ليعاتبه على استيلائه على البلاد، فاعتقل [الملك الزاهر] علم الدين، وقال: «أنا أحق بذلك، فإنى كنت ولى عهد أخى الملك الظاهر، وقد حلف لى الناس».
ثم إنه انقاد إلى الطاعة، وأطلق علم الدين، وأجاب إلى الخطبة، وشرط أن تبقى في يده البلاد التي استولى عليها، فوقعت الإجابة إلى ذلك.
ذكر وقوع الخلف بين أمراء الدولة بحلب ثم زوال الخلف ووقوع الاتفاق (٢)
ولما استقر شهاب الدين طغريل بالأتابكية كره ذلك جماعة من مماليك الملك الظاهر، فاستضاف عزّ الدين أيبك الجمدار الظاهرى جماعة من المماليك والأجناد، وكاتب الأسد اقطفان (٣) - والى حارم - واتفق معه أن يأتى إليه إلى حارم بالجماعة الذين وافقهم، ويفتح القلعة، فإذا حصلوا بها انضم إليهم جماعة غيرهم.
وكان العسكر المقيم بحارم قد أصعد (٤) إلى القلعة، ورتّب بها وفيهم المبارز أيوب بن المبارز أقجا، فأحسّوا (٥) باختلال أمر الأسد الوالى (٦)، وأنكروا عليه
стр. 1138
أشياء، فاستيقظوا لأنفسهم، واتفقوا على حفظ القلعة، والاحتياط عليها.
وسار أيبك الجمدار إلى حارم، ووقف تحت القلعة، ورام الصعود إليها، فمنعه الأمراء والأجناد الذين في القلعة من ذلك، واحتاطوا على الوالى.
فسار أيبك إلى دربساك، وطمع أن يتم له فيها حيلة، فلم يتم له ذلك فتوجه إلى السلطان عز الدين - صاحب بلاد الروم - وصار معه.
وعصى ألطنبغا بقلعة بهسنى، وانضاف إلى عز الدين - سلطان الروم -.
ثم انتظم الأمر، ووقع الاتفاق، وسكنت الفتنة في آخر شوال من السنة (١).
وكان عمر الملك العزيز لما ولى الملك بحلب سنتين وأشهرا، وعمر أخيه الملك الصالح - ولى عهده - نحو اثنتى عشرة سنة.
стр. 1139
ودخلت سنة أربع عشرة وستمائة:
والسلطان الملك العادل بالديار المصرية، والممالك بحالها.
(٧٠ ب) ذكر خروج الفرنج من البحر (١) لاستعادة البيت المقدس
وفى هذه السنة تتابعت أمداد الفرنج من رومية الكبرى، التي هى مقر طاغيتهم الأكبر، المعروف بالبابا - لعنه الله -، وغيرها من البلاد، وتواصلوا في البحر يتلو بعضهم بعضا، ومعهم جماعة من الملوك الأكابر، واجتمعوا كلهم بعكا، عازمين على قصد القدس الشريف، وانتزاعه من أيدى المسلمين، واسترداد كل ما أخذ لهم من البلاد الساحلية.
وصاروا في جمع عظيم، لم يجتمع لهم بعكا بعد موت السلطان الملك الناصر صلاح الدين مثله.
ذكر وصول
الملك العادل إلى الشام
وغارة الفرنج على المسلمين (٢)
ولما بلغ السلطان الملك العادل اجتماع الفرنج بعكا، خاف على البلاد الإسلامية، فخرج من مصر بالعساكر المصرية، ووصل إلى الرملة، ثم منها إلى لدّ.
стр. 1140
وبلغ الفرنج وصوله فبرزوا من عكا في جموعهم العظيمة.
ووصل الملك العادل إلى نابلس، ثم إلى بيسان فقصدته الفرنج.
فخاف الملك العادل إن لقيهم ولم يتكامل عنده العساكر الإسلامية أن يكسروه، فلا يقوم للإسلام بعد ذلك قائمة، فاندفع بين أيديهم صاعدا إلى عقبة فيق، لينزل بالقرب من دمشق، ويطلب العساكر لتجتمع عنده، ثم يلقاهم. .
وكان الملك العادل ﵀ كثير الحزم، نظّارا في العواقب.
وكان أهل بيسان وسائر الأعمال التي حولها قد اطمأنوا بالملك العادل لما رأوه نازلا عندهم، فلم يهربوا (١)، فقصدتهم الفرنج لما رحل الملك العادل، وبذلوا فيهم السيف، ونهبوا البلاد والرساتيق (٢)، وأخذوا جميع غلاتها وحواصلها، وغنموا من المسلمين ما لا يحصى كثرة، ونهبوا ما بين بيسان وبانياس، وبثّوا السرايا في القرى، ووصلت غاراتهم إلى خسفين وقرى (٣) من بلاد السواد.
ثم نازلا الفرنج بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكا ومعهم من الغنائم والسبى ما لا يحصى، سوى ما قتلوا وأحرقوا (٧١ ا) وأهلكوا.
واستراحوا بالمرج أياما، ثم أغاروا ثانيا، ونزلوا بمكان بينه وبين بانياس فرسخان، ونهبوا صيدا والشقيف (٤)، ثم عادوا إلى المرج.
стр. 1141
وكل هذا ما بين منتصف شهر رمضان من هذه السنة وعيد الفطر.
وأما الملك العادل فإنه توجه إلى مرج الصفر ونزل به، وذكر أنه رأى في طريقه رجلا يحمل شيئا، وهو تارة يقعد يستريح وتارة يمشى (١)، فعدل إليه الملك العادل وحده، وقال له: «يا شيخ لا تعجل، وارفق بنفسك».
فعرفه الرجل، وقال: «يا سلطان المسلمين، أنت لا تعجل أو أنا، إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الأعداء كيف لا نعجل؟»، [فدمعت عين الملك العادل وأخذه معه، وأعطاه ثلاثمائة دينار وحمله إلى دمشق] (٢)
ولما استقل الملك العادل بمرج الصفر سيّر ولده الملك المعظم إلى نابلس، ومعه قطعة من العسكر ليمنع الفرنج عن البيت المقدس.
وسيّر الملك العادل في هذه السنة بعد نزوله إلى الشام رسولا إلى الأتابك شهاب الدين طغريل، وسيّر خلعة للملك العزيز بن الملك الظاهر، وسنجقا، وحلف له يمينا أوجبت السكون والثقة.
стр. 1142
ذكر نزول
الفرنج على الطور
ومحاصرتهم له، ثم رحيلهم عنه
ثم قصدت الفرنج الطور، فتقدموا إلى قلعته التي كنا ذكرنا بناء الملك العادل لها، وحصروها، وزحفوا إليها، وصعدوا إلى جبلها، حتى وصلوا إلى سور القلعة، وكادوا يملكونها، فاتفق أن بعض ملوكهم قتل، فعادوا عن القلعة وتركوها.
وأقامت جموع الفرنج بعكا إلى أن خرجت هذه السنة.
وفى هذه السنة عاد الشيخ صدر الدين بن حمويه من بغداد، وكان قد توجه إليها رسولا من الملك العادل إلى الخليفة الناصر لدين الله.
وكان صدر الدين هذا جليلا معظما عند الملك العادل، وكان أبوه الشيخ عماد الدين قدم إلى الشام في الأيام النورية، ففوّض إليه الشهيد نور الدين ﵀ مشيخة الصوفية بالشام، وجعل إليه نظر الخانكاهات (١) بها، ولما مات صار ذلك بعده لولده (٢) صدر الدين.
وولد لصدر الدين أولاد نجباء من ابنة شهاب الدين بن شرف الدين (٧١ ب) ابن أبى عصرون، وهم: فخر الدين، وعماد الدين، وكمال الدين، ومعين الدين؛ تقدموا في الأيام الكاملية (٣) غاية التقدم (٣)، وسيأتى إن شاء الله شيء من أخبارهم.
стр. 1143
ودخلت سنة خمس عشرة وستمائة:
والسلطان الملك العادل مقيم بمرج الصّفّر، وعنده العساكر الإسلامية.
وجموع الفرنج بمرج عكا على عزم قصد البلاد وتملكها.
ذكر توجه
الفرنج إلى الديار المصرية
ومنازلتهم ثغر دمياط
ولما طالت مدة اجتماع الفرنج بمرج عكا اجتمعوا للمشورة في ماذا يبدءون بقصده، فأشار عقلاؤهم بقصد الديار المصرية أولا، وقالوا: «إن الملك الناصر صلاح الدين (١) إنما استولى على الممالك، وأخرج القدس والساحل من أيدى الفرنج بملكه ديار مصر، وتقويته برجالها، فالمصلحة أن نقصد أو لا مصر ونملكها، وحينئذ فلا يبقى لنا مانع عن أخذ القدس وغيره من البلاد».
فصمموا عزمهم على ذلك، وركبوا البحر، وقصدوا بجموعهم الديار المصرية، فوصلوها في شهر صفر من هذه السنة؛ ونزلوا على بر الجيزة (٢)، وبينهم وبين ثغر دمياط بحر النيل.
وكان على النيل برج منيع، وفيه سلاسل (٣) من حديد غلاظ، تمد على النيل لتمنع المراكب الواصلة في البحر المالح إلى الديار المصرية.
стр. 1144
وبحر النيل إذا انفصل من مصر انقسم شطرين:
أحدهما يذهب شمالا إلى قرية تسمى رشيد، ويصب منها في البحر المالح.
والشطر الآخر يذهب شمالا.
وافتراق الشطرين من قرية تدعى شطنوف (١).
ثم إن هذا الشطر الثانى يفترق عند قرية تسمى جوجر (٢) شطرين: أحدهما يذهب إلى دمياط من غربيّها ويصب عندها في البحر المالح، ويفصل ما بين دمياط وجيزتها؛ والشطر الآخر (٣) يذهب إلى أشمون طناح، ثم يصب في بحيرة هناك، وهى بحيرة تنيس ودمياط، وبرها محيط به هذان الشطران مع البحيرة المذكورة والبحر المالح.
فكانت منزلة الفرنج في جيزة دمياط غربيها، وبينهم وبين بر (٤) دمياط بحر النيل، ومراكبهم لا يمكنها (٧٢ ا) الدخول في بحر النيل بسبب (٥) السلسلة الممتدة من برج (٦) السلسلة إلى دمياط، فبنوا عليهم خندقا وسورا، وهذه عادتهم أبدا إذا نزلوا محاربين في منزلة، وشرعوا في قتال أهل دمياط، وعملوا آلات
стр. 1145
ومرمات (١) وأبراجا يزحفون بها في المراكب إلى برج السلسلة، ليملكوه ويتمكنوا بملكهم إياه من دخول بحر النيل؛ وكان هذا البرج مشحونا بالرجال.
ولما نزل الفرنج بر الجيزة نزل الملك الكامل بعساكره، ونزل منزلة في بر دمياط تسمى «العادلية» (٢)، واتصلت العساكر من عنده إلى دمياط، ليمنع العدو من العبور إلى برها.
стр. 1146
وأدام الفرنج الحرب، وقاتلوه (١) فلم يظفروا بشىء وكسرت مرماتهم وآلاتهم، واستمر الحال كذلك أربعة أشهر.
ولما بلغ السلطان الملك العادل قصد الفرنج الديار المصرية تقدم إلى من عنده من العساكر بالتوجه إلى مصر؛ فتوجهوا إليها أولا فأولا، حتى لم يبق عنده من العسكر إلا القليل، واجتمعت العساكر عند الملك الكامل، وأخذوا في مقاتلة الفرنج ومدافعتهم عن دمياط، وعظم عند الملك العادل قصد الفرنج لمصر، وخاف عليها خوفا شديدا.
ذكر وفاة
الملك القاهر (٢) عز الدين - صاحب الموصل -
وفى هذه السنة توفى الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود بن زنكى بن آق سنقر صاحب الموصل -.
وكانت وفاته لثلاث بقين من شهر ربيع الأول.
وكانت مدة ملكه سبع سنين وتسعة أشهر.
وكان سبب موته أنه حمّ، ثم فارقته الحمى [من] (٣) الغد، وبقى موعوكا، ثم عاودته مع قىء كثير وكرب شديد، ثم برد بدنه وعرق، وبقى كذلك إلى وسط الليل؛ ثم توفى [إلى رحمة الله تعالى] (٣)، والقرض بانقراضه ملك (٤) البيت الأتابكى.
стр. 1147
ذكر سيرته ﵀ -
كان كريما، جليلا، حليما، قليل الطمع في أموال الرعية، كافّا عن أذاهم، مقبلا على لذاته، كأنما ينهبها نهبا، ويبادر الموت، وكانت عنده رقة شديدة.
وكان يكثر ذكر الموت، فحكى بعض من كان يلازمه، قال:
«كنا عنده قبل وفاته بنصف شهر، (٧٢ ب) فقال لى: قد وجدت ضجرا من القعود، فقم بنا نتمشى إلى الباب العمادى، فقمنا نخرج من بابه نحو الباب العمادى، فوصل إلى التربة التي عملها لنفسه عند داره، فوقف عندها مفكرا لا يتكلم، وقال لى: والله ما نحن في شىء، أليس مصيرنا إلى هاهنا وندفن نحن تحت هذه الأرض؟ وأطال الحديث في هذا ونحوه، ثم عاد إلى الدار فقلت له: ألا نمشى إلى الباب العمادى؟ فقال لى: ما بقى عندى نشاط إلى هذا ولا إلى غيره، ودخل داره، وتوفى بعد أيام ﵀».
ذكر قيام
بدر الدين لؤلؤ بتدبير مملكة الموصل
أتابكا لنور الدين بن الملك القاهر
لما حضرت الملك القاهر الوفاة كان له ولدان، أكبرهما نور الدين أرسلان شاه، وكان عمره يومئذ [نحو] (١) عشر سنين، فأوصى بالملك له، وأن يقوم بتدبير مملكة بدر الدين لؤلؤ.
فلما مات الملك القاهر نصّب بدر الدين لؤلؤ نور الدين في مملكة والده،
стр. 1148
وأقام له الخطبة والسكّة باسمه، وأرسل إلى الخليفة الناصر لدين الله يطلب التقليد له، وكاتب ملوك الأطراف يطلب منهم تجديد العهود لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه.
ولم تنقض الليلة التي مات فيها الملك القاهر حتى فرغ من كل ما يحتاج إليه، وجلس للعزاء، وحلفّ الأمراء والجند، وقام بتدبير المملكة أحسن قيام، وأحسن إلى الأجناد والأمراء، وخلع عليهم الخلع الفاخرة، وأحسن السيرة، وكشف الظلامات.
ووصل بعد أيام التقليد من الخليفة لنور الدين أرسلان شاه بالمملكة، ولبدر الدين بالنظر في أمور الدولة والتشريفات.
وأتت رسل الملوك بالتعزية، وبذل ما طلب منهم من العهود.
ذكر قصد
عز الدين - سلطان الروم - حلب
لما مات الملك الظاهر، وصار الملك بعده لابنه الملك العزيز غياث الدين محمد، وهو طفل، وقع الطمع في بلاده، فحسّن بعض الناس للملك الغالب عز الدين (٧٣ ا) كيكاوس بن كيخسرو - سلطان الروم - قصد بلاد حلب وتملكها، وقالوا: «إن المصلحة أن تستعين في ذلك بالملك الأفضل نور الدين بن الملك الناصر - صاحب سميساط - فإنه في طاعتك ويخطب لك، والناس مائلون إليه، فتكتب إليه تستدعيه».
فكتب إليه يستدعيه (١) من سميساط، فقدم عليه، فأكرمه إكراما
стр. 1149
عظيما، وحمل إليه شيئا كثيرا من الخيل والخيام والسلاح وغير ذلك، وتقرر بينهما أن الملك الأفضل يجىء في صحبة السلطان عز الدين، ويقصدون البلاد، وأن ما يفتحون من حلب وأعمالها يكون للملك الأفضل، ويكون في طاعة عز الدين، ويقيم الخطبة والسكة باسمه، ثم يقصدون بلاد الشرق التي بيد الملك الأشرف، مثل: حرّان، والرّها، وغيرها، ويكون ذلك لعز الدين، وجرت الأيمان بينهما على ذلك.
وجمعوا العساكر، وساروا فملكوا قلعة رعبان، فتسلمها الملك الأفضل، ومال الناس حينئذ إلى عز الدين، لميله إلى الملك الأفضل.
ثم ساروا إلى تل باشر، وبها فتح الدين بن بدر الدين دلدرم، وكان ملكها بعد أبيه بدر الدين - كما ذكرنا - فحصروه بها، وضيقوا عليه، وملكوها، فتسلمها عز الدين لنفسه، ولم يسلمها إلى الملك الأفضل، فنفرت نفس الملك الأفضل من ذلك، وفترت همته، وقال: «هذا أول الغدر»، وخاف أنه إن تسلم عز الدين حلب أن يأخذها لنفسه؛ ولا يحصل إلا على قلع الملك من أولاد أخيه، ونقله إلى الأجانب.
ونفر أيضا من هذا الفعل أهل البلاد، فإنهم كانوا فرحين بمملكة الملك الأفضل، فلما رأوا ضد ذلك خافوا.
وخاف الأتابك شهاب الدين طغريل أن يسلم أهل حلب البلد إلى الملك الأفضل لميلهم إليه، فكتب إلى الملك الأشرف بن الملك العادل يستدعيه لإنجاد ابن أخته الملك العزيز.
стр. 1150
ذكر قدوم
الملك الأشرف إلى حلب
لنجدة الملك العزيز
ولما سارت الفرنج إلى الديار المصرية، ونازلوا ثغر دمياط - كما ذكرنا - (٧٣ ب) تقدم الملك العادل إلى ولده الملك الأشرف أن يدخل إلى بلاد الفرنج، ويغار إليها.
فرحل في عساكره إلى حمص، ودخل إلى بلاد الفرنج ليشغلهم عن محاصرة دمياط، فدخل إلى صافيثا، فحرّب ربضها، ونهب رستاقها، وهدم ما حولها من الحصون، ودخل إلى ربض حصن الأكراد، ونهبه، وحاصر القلعة حتى أشرفت على الأخذ، ثم نزل على بحيرة قدس في مقابلة الفرنج.
ولما وصله رسول الأتابك يدعوه إلى النجدة سارع إلى ذلك، وسار في عسكره الذين كانوا معه في الغارة، وبعث يستدعى باقى عساكره وحضر عنده عرب طىّ. وغيرهم، ووصل إلى حلب فنزل ظاهرها.
وحكى الصاحب كمال الدين بن العديم: أن عز الدين لما قصد البلاد أطمع الملك الأفضل أنه يملكه حلب طمعا أن يميل الأمراء بحلب إليه، لميلهم إلى الملك الأفضل، وكاتب جماعة من أمراء حلب، وكتب لهم التواقيع، ومن جملة من كاتبه علم الدين قيصر، وكتب له توقيعا بأبلستان.
واغتنم عز الدين والأفضل شغل قلب الملك العادل بالفرنج، ووافقهما الملك الصالح الأرتقى - صاحب آمد -.
стр. 1151
وكان قصد عز الدين الملك لنفسه، وإنما جعل الملك الأفضل ذريعة لتحصيل غرضه، وكاتب عزّ الدين الأمراء الحلبيون الذين كانوا يؤثرون الملك الأفضل، فجمع وحشد، وقصد البلاد في شهر ربيع الأول من هذه السنة، فنازل رعبان وفتحها. . .
فسيّر الأتابك القاضى زين الدين بن الأستاذ إلى الملك العادل يستصرخه على عز الدين والملك الأفضل.
فكتب الملك العادل إلى ولده الملك الأشرف (١) يأمره أن يرحل إلى حلب بالعساكر، وسيّر إليه خزانة، وجعل الملك المجاهد أسد الدين - صاحب حمص - في مقابلة الفرنج.
فسار الملك الأشرف (١) حتى نزل حلب، وخيّم بالميدان الأخضر، وخرج الأمراء إلى خدمته، واستحلفهم، وخلع عليهم، ووصل إليه الأمير مانع بن حديثه - أمير العرب - في جمع عظيم من العرب، وعاشت العرب في بلد حلب، والملك الأشرف يداريهم لحاجته إليهم.
وسار علم الدين قيصر الظاهرى (٧٤ أ) إلى السلطان عز الدين من دربساك وجاهر بالعصيان، ونزل إليه أيضا ألطنبغا من بهسنا، وكان قد عصى بها.
وتسلم عزّ الدين المرزبان، ثم نازل تل باشر ففتحها، ولم يسلمها إلى الملك الأفضل، فعلم حينئذ الأفضل فساد نيته.
ثم سار عز الدين إلى منبج، فسلّمها أهلها إليه، وشرع في ترميم سورها وإصلاحه.
стр. 1152
ذكر انهزام
عز الدين - سلطان الروم -
من الملك الأشرف
وكان الملك الأفضل يشير على عز الدين قبل أخذه تل باشر بمعاجلة حلب، وأخذها قبل اجتماع العساكر بها، فلما أخذ عزّ الدين تل باشر ولم يسلمها إليه تحقق سوء باطنه، فصار بعد ذلك يشير عليه بأن يقصد باقى البلاد ويأخذها أولا، ثم بعد ذلك يقصد حلب، ففتح منبج - كما ذكرنا -.
وإنما قصد الملك الأفضل التمادى ومرور الزمان في غير فائدة، لئلا يتحصل لعز الدين مقصود.
ولما استحلف الملك الأشرف الأمراء بحلب، واستوثق منهم رحل من حلب في عساكره وعسكر حلب، وفى صحبته جماعة من الأمراء المخامرين، فنزل وادى بزاغة.
ولما سمع عز الدين بتقدم الملك الأشرف إليه سيّر ألف فارس هم خيار عسكره وأبطالهم، وقدّم عليهم سوباش سيواس، فنزلوا تل قباسين، فوقعت عليهم عرب الملك الأشرف، وقاتلوهم، ومعهم جماعة من العسكر، فانهزمت مقدمة عسكر عز الدين، وقد استبيحت أموالهم، وقتل منهم جماعة، وأسرت جماعة.
ووصل إليهم الملك الأشرف وقد فرغت العرب منهم، وسيّرت الأسرى إلى حلب، ودخلوا بهم والبشائر تضرب بين أيديهم، وأودعوا السجن.
стр. 1153
ولما بلغ عز الدين ذلك [وهو بمنبج] (١) ولّى منهزما، وقد ملأ الرعب قلبه.
ورحل الملك الأشرف متبعا له، يتخطف أطراف عسكره، حتى وصل إلى تل باشر، فحاصرها وافتتحها، وكان بها جماعة من عسكر عز الدين، فمنّ عليهم (٧٤ ب) الملك الأشرف، وأطلقهم.
ثم سلّم الملك الأشرف تل باشر إلى نواب الملك العزيز، وقال:
«هذه كانت أولا للملك الظاهر، وكان يؤثر ارتجاعها إليه، وأنا أردها إلى ولده».
وكان افتتاحها في جمادى الأولى من هذه السنة.
ثم ملكها الأتابك شهاب الدين في سنة ثمان عشرة وستمائة بجميع قراها.
ثم سار الملك الأشرف إلى رعبان وتل خالد، فافتتحهما، وافتتح برج الرصاص، وأعطى الجميع لابن أخته الملك العزيز.
وأما عز الدين فإنه طوى المراحل هاربا لا يلوى على شىء بل مرّ على وجهه خائفا يترقب، ولما وصل إلى أطراف بلاده أقام بها.
ولما وصل إليه العسكر الذين كانوا بتل باشر جعلهم في دار، وأمر بأن تحرق عليهم، فاحترقوا عن آخرهم، فلم يمهله الله تعالى، وعجّل عقوبته، وأهلكه لسوء فعلته.
وصار (٢) الملك بعده إلى أخيه الذى كان في حبسه، وهو علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو.
стр. 1154
وتوجه الملك الأفضل إلى سميساط، ولم يتحرك بعد ذلك حركة في طلب ملك إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وستمائة - على ما سنذكره -.
وعاد الملك الأشرف إلى حلب وقد بلغه وفاة والده السلطان الملك العادل ﵀ وقد كان عازما على قصد عز الدين، وأتباعه إلى بلاده، فلما وردت عليه وفاة والده لم يمكنه ذلك، مع علمه بحلول الفرنج بالديار المصرية، وشدة طمعهم فيها سيما وقد مات سلطان البلاد.
ونزل الملك الأشرف ببانقوسا، وجلس في خيمته للعزاء، وخرج أكابر البلد والأمراء إلى خدمته، وأنشده الشعراء مراثى الملك العادل، ووعظ الوعاظ.
ولما انفصل أمر العزاء سيرّ الأتابك شهاب الدين إليه في أن يكون هو السلطان موضع أبيه الملك العادل، ويخطب له في البلاد، وتضرب السكة باسمه، وتكون العساكر الحلبية في خدمته.
فقال الملك الأشرف:
«لا والله، لا أغيّر قاعدة قررها أبى، بل يكون السلطان أخى الملك الكامل، ويكون قائما مقام أبى».
ثم تقررت الحال بين الأتابك شهاب الدين وبينه برأى (٧٥ ا) القاضى بهاء الدين بن شداد، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج على الخطبة بحلب وأعمالها للسلطان الملك الكامل ناصر الدين أبى المعالى محمد ابن الملك العادل، وبعده للملك الأشرف، وبعدها للمملك العزيز.
وضرب اسم الملك الكامل والملك العزيز على السكة، وجعل أمر الأجناد والأقطاع في عسكر حلب إلى الملك الأشرف، وأخليت له دار الملك الظافر
стр. 1155
خضر بن الملك الناصر بالياروقية، فنزل بها، ورتب له برسم المعونة (١) من أعمال حلب سرمين وبزاعة والجبول، ووصلت إليه رسل البلاد من جميع الجهات، وصاروا أتباعا، وأمر ونهى ببلد حلب، في الأجناد والإقطاع لا غير، وتردد إليه أكابر الحلبيين، وخلع عليهم، وأقام بحلب إلى آخر هذه السنة.
ذكر وفاة
السلطان الملك العادل
سيف الدين أبى بكر بن أيوب ﵀ -
قد ذكرنا أن السلطان الملك العادل لما بلغه نزول الفرنج بديار مصر، ومحاصرتهم ثغر دمياط، خاف على مصر خوفا شديدا، وأرسل العساكر أولا فأولا إلى مصر، وكان نازلا بمرج الصّفّر، ثم رحل منها إلى عالقين، فنزل بها، ومرض واشتد مرضه، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى سابع جمادى الآخرة من هذه السنة، أعنى سنة خمس عشرة وستمائة.
وكان مولده سنة أربعين وخمسمائة.
فكان عمره خمسا وسبعين سنة.
وكان ملكه لدمشق سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة (٢)، فكانت مدة ملكه لها ثلاثا وعشرين سنة.
وملك مصر سنة ست وتسعين وخمسمائة، فكانت مدة ملكه لها نحو تسع عشرة سنة.
стр. 1156
قال عز الدين بن الأثير:
ومن الاتفاقات العجيبة أن الملك الأفضل بن الملك الناصر لم يملك مملكة إلا أخذها عمّه الملك العادل:
فأول ذلك أن الملك الناصر أقطع ابنه الملك الأفضل حرّان والرّها وميّافارفين بعد وفاة الملك المظفر تقى الدين، فسار إليها الملك الأفضل، فلما وصل إلى حلب أرسل إليه أبوه السلطان الملك العادل فردّه عن حلب ليأخذ البلاد منه.
ثم (٧٥ ب) ملك الأفضل بعد أبيه دمشق، فأخذها الملك العادل منه.
ثم ملك مصر، فأخذها أيضا منه.
ثم ملك صرخد، فأخذها منه.
قلت: «وأعطاه قلعة نجم، وسروج بعد ذلك، وعاد استرجعها منه».
ذكر سيرته ﵀ -
كان الملك العادل ﵀ حازما، متيقظا، عزير العقل، سديد لأراء، ذا مكر شديد وخديعة، صبورا، حليما، ذا أناة وتؤدة، يسمع ما يكره ويغضى عنه كأنه لم يسمعه، كثير البذل والخرج عند الحاجة لا يقف في شيء، وأما في غير وقت الحاجة فلا، عظمت هيبته في القلوب، واتسع ملكه، وواتته السعادة، وكثر أولاده، ورأى فيهم ما يحب من اتساع الممالك (١) والظفر بالأعداء
стр. 1157
ولم يبلغنا عن أحد من الملوك الماضيين أنه رأى في أولاده ما رأى، فإنه اجتمع في كل واحد منهم من النجابة والكفاية والشهامة والفضيلة ما لا مزيد عليه.
فهم كما قال الشاعر:
من تلق منهم تقل لا قيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسرى بها السّارى
ولقد أجاد في وصفهم شرف الدين بن عنين حيث يقول من قصيدة يمدح بها أباهم الملك العادل، مطلعها:
ماذا على طيف الأحبّة لو سرى ... وعليهم لو سامحونى بالكرى
ومنها في مدح الملك العادل:
العادل الملك الذى أسماؤه ... في كلّ ناحية تشرّف (١) منبرا
وبكلّ أرض جنّة من عدله ال ... ضافى أفاض (٢) نداه فيها كوثرا
عدل يبيت الذئب منه على الطوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا
ما في أبى بكر لمعتقد الهدى ... شكّ يريب بأنه خير الورى
بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريّا والثرى
نسخت خلائقة الحميدة (٣) ما أتى ... في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
(٧٦ أ)
لا تسمعنّ حديث ملك غيره ... يروى، فكلّ الصّيد في جوف الفرا
стр. 1158
ومنها في مدح أولاد الملك العادل ووصفهم ﵏ أجمعين -
وله الملوك (١) بكلّ أرض منهم ... ملك يجرّ (٢) إلى الأغادى عسكرا
من كلّ وضّاح الجبين تخاله ... بدرا، فإن شهد الوغى فغضنفرا
يسمو (٣) إلى نار الوغى شغفا بها ... ويجلّ أن يسمو (٣) إلى نار القرى
متقدم حتى إذا النّقع انجلى ... بالبيد (٤) عن سبى الحريم تأخّرا
وتعاف خيلهم الورود بمنهل ... ما لم يكن بدم الأعادى مسجّرا (٥)
ذكر أولاد (٦) الملك العادل
كان للملك العادل فيما أعلم ستة عشر ولدا ذكرا، سوى البنات:
الملك الأوحد نجم الدين أيوب - صاحب خلاط -، وتوفى في حياة والده، وقد تقدم ذكره، وكان قصيرا جدا، شهما، مقداما، سفاكا للدماء.
والملك المغيث عمر، وتوفى أيضا في حياة أبيه.
وخلّف المغيث ولدا صغيرا، وهو الملك المغيث شهاب الدين محمود، ورثاه عمّه الملك - صاحب دمشق -، وكان جميل الصورة جدا، ومات في سنة ثلاثين وستمائة.
стр. 1159
والملك الجواد شمس الدين مودود، وتوفى أيضا في حياة أبيه، وخلّف ولده الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود، وكان في خدمة عمه الملك الكامل، وسنذكر أخباره وتملكه لدمشق وغيرها، وكان جوادا إلى الغاية، شجاعا.
والملك الكامل ناصر الدين محمد - صاحب الديار المصرية - وصاحب الخطبة والسكة في جميع الممالك الأيوبية.
والملك المعظم شرف الدين أبو العزائم عيسى - صاحب دمشق وبلادها إلى عريش مصر -:
وشفيفاه:
الملك العزيز عماد عثمان - صاحب بانياس وعدة مواضع كانت بيد فخر الدين جهاركس -، وكان جوادا شهما.
والملك الأمجد مجد الدين حسن (٧٦ ب)، وتوفى في حياة والده، ودفن بالقدس الشريف، في مدرسة بنيت له، ثم نقل بعد ذلك إلى الكرك، فدفن جوار الشهداء بموتة.
والملك الأشرف مظفر الدين موسى، صاحب البلاد الشرقية وخلاط بعد أخيه الملك الأوحد.
الملك المظفر شهاب الدين غازى - صاحب ميافارقين -.
وشفيفاه:
والملك المعز مجير الدين يعقوب.
وتاج الملوك (١) إسحاق.
стр. 1160
والملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وكانت له من أبيه بصرى، وملك بعد ذلك دمشق وبعلبك، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -.
والملك المفضل قطب الدين، وتوفى بمصر في أيام الملك الكامل.
والملك الفائز إبراهيم، وسنذكر إن شاء الله خبره.
والملك الأمجد تقى الدين عباس، وهو أصغرهم، مولده سنة ثلاث وستمائة، وهو آخرهم موتا، توفى بدمشق في سنة تسع وستين وستمائة.
والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه.
ذكر ما استقر
عليه الحال بعد وفاة (١) الملك العادل
ولما توفى الملك العادل ﵀ بعالقين (٢) لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، وكان الملك المعظم بنابلس، ولم يطلع على موته إلا كريم الدين الخلاطى، وكان أخصّ أصحابه، فكتم موته، وأمر الأطباء بملازمة الدهليز، ليظنّ الناس حياته.
وبعث سوّاقا إلى المعظم يحثّه على سرعة الحركة، فقدم سريعا، واجتمع بكريم الدين، واتفقا على كتمان هذا الأمر، وأظهرا أن السلطان قد عزم على الرحيل إلى دمشق، فرحلوا من عالقين (٣).
وأودع الملك العادل المحفّة، وجعل فيها عنده خادم، والأطباء حول المحفة