بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال، فلما فتح أتابك المعرة جاءه (١) المعريون يطلبون تسليم أملاكهم إليهم، فاستفتى أتابك الفقهاء [على] (٢) ذلك، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولا حظّ لأصحابها فيها، فقال ﵀: إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم (٣)، ونحن نأخذ أملاكهم، فأى فرق بيننا وبين الفرنج؟ كل من أتى (٤) بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يعترض لشىء منها. وقال: «فاستحسن [السلطان] (٥) الملك المعظم هذه الفعلة». قلت (٦): وأما ابن الأثير (٧) فإنه في تاريخه روى ذلك على غير هذه الصورة، وقال: «إن الفرنج لما ملكوا المرة أخذوا أملاك أهلها، فلما فتحها [عماد الدين] (٨) زنكى، حضر من بقى من أهلها ومعهم أعقاب من هلك، فطلبوا [٤٤] أملاكهم، فطلب منهم كتبها، فقالوا: إن الافرنج أخذوا كل ما لنا، وذهبت الكتب التي للأملاك (٩)؛ فقال لأصحابه: «اطلبوا دفاتر ديوان حلب، فكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه»، ففعلوا ذلك، وعاد الناس إلى أملاكهم (١٠)؛ وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها» ﵀ وقدس روحه -.
стр. 107
ذكر خروج ملك الروم إلى بلاد الإسلام
لما مضت القسوس والرهبان إلى بلاد الروم واستنفروهم على المسلمين بسبب عماد الدين ومنازلته بارين، وخوّفوهم من أخذها واستئصال من فيها، فتجهز الروم وركبوا في البحر من قسطنطانية، وساروا إلى أنطاكية، وهى لهم يومئذ، فأرسوا بها منتظرين المراكب التي فيها الأثقال والسلاح، فلما وصلت ساروا إلى مدينة نيقية فنازلوها وحاصروها، ثم صولحوا على مال يؤدى إليهم، ثم ساروا إلى مدينة أذنه والمصيصة، - وهما لابن ليون (١) الأرمنى - فحصرهما ملك الروم وملكهما، ثم نازل عين زربى (٢)، فملكها عنوة، وملك تل حمدون؛ وحمل ملك الروم أهله إلى جزيرة قبرس، ثم وصل إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة -، وضيّق على أهلها، وبها بيمند الافرنجى، ثم اصطلحا، ورحل إلى بغراس، ثم دخل بلد ابن ليون، فبذل له ابن ليون مالا، ودخل في طاعته.
ذكر استيلاء عماد الدين على حمص (٣)
ولما فرغ عماد الدين من بارين سار إلى حماة، ثم سار إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل - وهو لصاحب دمشق - وأطاعه مستحفظ بانياس
стр. 108
- وهى لصاحب دمشق أيضا (١) -، ثم سار إلى حمص فحصرها، فلما نازل ملك الروم حلب - على ما نذكره - رحل عن حمص ونزل على سلمية، ثم نزل على حماة - على ما نذكره -، فلما انحلت قضية الروم عاد إلى حمص فنازلها، ثم وقعت بينه وبين شهاب الدين [صاحب دمشق (٢)] مراسلة، فانتهى الأمر إلى الصلح، وسلم إليه حمص، وخطب زمرد خاتون - أم شهاب الدين (٣) -[٤٥] وهى التي ذكرنا أنها قتلت ولدها شمس الملوك، وزفت إليه في رمضان سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة واعتقد [عماد الدين] أنه إذا تزوجها كان ذلك طريقا إلى تملكه دمشق، فلما لم يحصل له ذلك أعرض عنها.
ذكر منازلة الروم حلب ثم شيزر (٤)
ثم لما صالح ملك الروم ابن ليون قصد بزاعة (٥) فحصرها، فسيّر عماد الدين جماعة من العسكر إلى حلب ليمنعوها من الروم إن قصدوها، ثم ملك ملك الروم بزاعة
стр. 109
بعد أن نصب على أهلها المنجنيقات، وضيّق عليهم، فسلموها إليه بالأمان في الخامس والعشرين من رجب سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة، وقتل وأسر وسبا، وكان عدة من خرج إليه من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس؛ وتنصّر قاضيها وجماعة من أعيانها - نحو أربعمائة نفس - وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى، فقيل لهم: «إن جماعة نزلوا في المغارات»، فسّخنوا عليهم، فهلكوا في المغاير.
ثم (١) رحل ملك الروم إلى حلب، فنزل على نهر قويق ومعه الفرنج الذين بساحل الشام، وزحفوا إلى حلب بخيلهم ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم قتالا شديدا، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق عظيم القدر عندهم، فأقاموا [على حلب (٢)] ثلاثة أيام؛ ولم يظفروا بطائل، فرحلوا إلى قلعة الأثارب، فهرب من بها من المسلمين، فملكوها الروم تاسع شعبان وتركوا (٣) بها سبى بزاعة والأسرى، ثم رحلوا عنها، فلما سمع برحيلهم ابن سوار - نائب عماد الدين بحلب - رحل فيمن معه من العسكر، فأوقع بمن في الأثارب من الروم، وخلص الأسرى والسبى، وعاد إلى حلب.
ونزل عماد الدين سلمية - كما ذكرنا - وعبر ثقله الفرات، وأقام بسلمية جريدة، ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة.
ثم قصد الروم قلعة شيزر - وصاحبها الأمير أبو العساكر [سلطان بن على ابن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى (٤)]- فنازلوها ونصبوا عليها ستة عشر منجنيقا، فسار عماد الدين ونزل على النهر المعروف بالعاصى [٤٦]- بينها وبين حماة -
стр. 110
وكان [عماد الدين] كل يوم يركب هو وعسكره ويسيرون إلى شيزر، ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفر به منهم.
ذكر توجه القاضى كمال الدين بن الشهرزورى
إلى السلطان مسعود في معنى الروم واستنجاده [به (١)] عليهم
ولما كان الروم على بزاعة أرسل الأمير عماد الدين زنكى القاضى كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه يستنجده ويطلب منه العساكر، فقال [القاضى (١)] لعماد الدين حين أرسله: «أخاف (٢) أن تخرج البلاد من أيدينا ويجعل السلطان هذا حجة [علينا (١)]، وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها». فقال الأمير عماد الدين: «إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى من الكفار بها» قال كمال الدين: [فسرت طالب بغداد، وجديت في السير (٣)]، فلما وصلت بغداد [وحضرت قدام السلطان (٣)] وأديت الرسالة بإنفاذ العساكر، وأنا أخاطب ولا أزاد على الوعد [شيئا (٣)]، فلما رأيت قلة اهتمام السلطان بهذا الأمر العظيم أحضرت فلانا - وهو فقيه كان ينوب عنى في القضاء - فقلت [له]: «خذ هذه الدنانير وفرقها في جماعة من أوباش بغداد والأعاجم، وإذا كان يوم الجمعة وصعد الخطيب المنبر بجامع القصر قاموا وأنت معهم واستغاثوا بصوت واحد: «وا إسلاماه! وا دين محمداه!»
стр. 111
ويخرجون من الجامع ويقصدون دار السلطان مستغيثين؛ ثم وضعت إنسانا آخر فعل ذلك في جامع السلطان؛ فلما كانت الجمعة وصعد الخطيب المنبر قام ذلك الفقيه وشق ثوبه وألقى عمامته عن رأسه، وصاح، وتبعه ذلك النفر بالصياح والبكاء، فلم يبق في الجامع إلا من قام وبكى، وبطلت الخطبة، وسار الناس كلهم إلى دار السلطان؛ وقد فعل أولئك الذين بجامع السلطان مثلهم، فاجتمع أهل بغداد وكل من بالعسكر عند دار السلطان يبكون ويصرخون ويستغيثون، وخرج الأمر عن الضبط، وخاف السلطان في داره [٤٧] وقال: «ما الخبر؟» فقيل: «إن الناس قد ثاروا حيث لم ترسل العساكر إلى الغزاة (١)»، فقال: «أحضروا [القاضى] ابن الشهرزورى»، قال: فحضرت عنده وأنا خائف منه، إلا أننى قد عزمت على صدقه وقول الحق.
فلما دخلت قال: «يا قاضى، ما هذه الفتنة؟» فقلت: «إن الناس قد فعلوا هذا خوفا من الفتنة والشر، ولا شك أن السلطان لم يعلم كم بينه وبين العدو، وإنما بينكم نحو أسبوع، وإن أخذوا حلب انحدروا إليكم في الفرات وفى البر، وليس بينكم بلد يمنعهم عن بغداد»، وعظّمت الأمر عليه حتى كأنه ينظر إليه؛ فقال: «اردد هؤلاء العامة عنا، وخذ من العساكر ما شئت، والأمداد تلحقك». قال: «فخرجت إلى العامة ومن انضم إليهم، وعرفتهم الحال، وأمرتهم بالعود، فعادوا وتفرقوا، وانتخبت (٢) من عسكره عشرة آلاف فارس [من خيار العسكر (٣)]، وكتبت إلى الشهيد أعرفه الخبر وأنه لم يبق غير المسير، وأجدد استئذانه في ذلك، فأمرنى بتسييرهم والحث على ذلك، وعبرت بالعساكر الجانب الغربى، فبينما نحن
стр. 112
نتجهز للحركة، وإذا قد وصل نجّاب من الشهيد يخبر بأن الروم والفرنج رحلوا عن حلب خائبين لم ينالوا منها غرضا، ويأمرنى بترك استصحاب العساكر؛ فلما خاطبت السلطان في ذلك أصرّ على إنفاذ العساكر إلى الجهاد وقصد بلاد الفرنج وأخذها، وكان قصده أن تطأ عساكره البلاد ويملكها، ولم أزل أتوصل مع الوزير وأكابر الدولة حتى أعدت العساكر إلى الجانب الشرقى، وسرت إلى الشهيد».
ذكر تخذيل (١) عماد الدين
بين الفرنج والروم حتى رحلوا خائبين
قد ذكرنا منازلة الروم والفرنج شيزر، ونزول عماد الدين زنكى ﵀ على العاصى بالقرب منهم، ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له: «إنكم قد تحصنتم منى بهذه الجبال، فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقى، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم، وإن ظفرتم بى استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها»؛ ولم يكن لعماد (١)(٢) الدين بهم طاقة ولا قوة، وإنما كان يوهمهم بهذا القول وأشباهه، فأشار الفرنج على ملك الروم بمصافقته (٣) [٤٨] وهوّنوا أمره عليهم، فلم يفعل، وقال: «أتظنون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون؟ وإنما يريد أنكم تلقونه فيجىء إليه من [نجدات] (٤) المسلمين ما لاحد عليه».
وكان أيضا عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوّفهم من ملك الروم، ويقول لهم:
стр. 113
«إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا»؛ فاستشعر كلّ من صاحبه، فرحل ملك الروم (١) من شيزر في هذه السنة، وترك المجانيق وآلات الحصار بحالها، فاتبع عماد الدين ساقة العسكر، فظفر بجماعة منهم، وأخذ جميع ما تركوه، ورجع ملك الروم خائبا إلى بلاده.
وفى خروج ملك الروم إلى الشام وحلب وعوده عنها خائبا يقول المسلم (٢) ابن خضر بن قسيم الحموى قصيدة يمدح بها الأمير عماد الدين زنكى ﵀.
أولها:
بعزمك أيّها الملك الرّحيم ... تذلّ لك الصّعاب وتستقيم
[ومنها يقول (٣)]:
ألم تر أنّ كلب الرّوم لمّا ... تبيّن أنّك الملك الرّحيم
فجاء يطبّق الفلوات جيشا (٤) ... كأنّ الجحفل اللّيل البهيم
وقد نزل الزّمان على رضاه ... وكان (٥) لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بك (٦) في خميس ... تيقّن أنّ ذلك لا يدوم
стр. 114
وأبصر في المفاضة منك ليثا (١) ... فأخرق لا يسير ولا يقيم
كأنّك في العجاج شهاب نور ... توقّد وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجته فولّى ... وليس سوى الحمام له حميم
ولما رجع ملك الروم وصل إلى عماد الدين زنكى رسول الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وهو مؤيد الدين سديد الدولة بن الأنبارى - كاتب الإنشاء ورسول السلطان مسعود - بالخلع، فلبس خلعة الخليفة والسلطان وركب بهما، وذلك بظاهر مدينة حمص يوم عرفة [٤٩] من هذه السنة - أعنى سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة - ودخل بزمرد خاتون أم الأمير شهاب الدين محمود، صاحب دمشق - كما تقدم -.
وفى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وصل الأمير عماد الدين ﵀ إلى حلب، واستقر أهلها وأهل حماة وأهل منبج على حصن بزاعة حتى فتحه بالسيف [وقتل كل من فيه من الروم والفرنج (٢)] وجمعت رؤوس القتلى وبنيت منها منارة أذّن عليها؛ ثم تحول بالعسكر إلى حصار قلعة الأثارب ففتحها في صفر، ثم توجه إلى البلاد الشرقية.
وفى هذه السنة نازل عماد الدين قلعة دارا، وهى للأمير حسام الدين تمرتاش [ابن] ايلغازى بن أرتق (٣) [فلم ينل منها طائلا، وخاف على المسلمين، ثم رحل منها إلى حرّان (٢)].
стр. 115
ذكر استيلاء عماد الدين زنكى على حرّان ثانيا
كنا قد ذكرنا أن عماد الدين ملك حرّان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ولما ملكها أقطعها سودكين الكرجى، فعصى عليه وانضاف إلى عسكر الخليفة المسترشد بالله لما نازل الموصل، وسار معه حين رحل عن الموصل، وترك فيها واليا من قبله؛ ثم مات [بعد ذلك] (١) سودكين فنازلها في هذه السنة عسكر عماد الدين، فتسلم المدينة، وبقيت القلعة وفيها الوالى، ثم تسلم عماد الدين القلعة في منتصف ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة -.
ذكر استيلاء عماد الدين زنكى على شهرزور وأعمالها
كانت شهرزور (٢) وما يضاف إليها من الأعمال في يد قفجاق بن أرسلان باش التركمانى، وكان نافذ الحكم على قاصى التركمان ودانيهم، وكان الملوك يتحامون قصد ولايته لحصانتها، فعظم شأنه وازداد جمعه، فقصده عماد الدين، وهزم عسكره، وملك بلاد شهرزور وغيرها، وأضافها إلى ولايته، وأصلح أحوالها، وخفّف عنهم ما كانوا يلقونه من التركمان.
وفى ذى الحجة من هذه السنة رجع عماد الدين إلى الشام، ونزل بظاهر حلب على قويق، ثم رحل إلى أرض حماة، واستصحب من أهل حماة تسعة آلاف راجل يخدمون الركاب.
стр. 116
وفى هذه السنة قتل الأمير شهاب الدين محمود (١) بن بورى بن طغتكين صاحب دمشق، وذلك في ليلة الجمعة [٥٠] لثلاث بقين من شوال، قتله [ثلاثة من غلمانه] (٢): البقش، ويوسف الخادم، والفراش الخركاوى (٣)، وصبيحة قتله وصل أخوه الأمير جمال الدين محمد بن بورى، وملك دمشق، وقام بتدبير دولته الأمير معين الدين أنر (٤)، مملوك جده طغتكين.
ذكر استيلاء عماد الدين زنكى على بعلبك
كان السبب في ذلك أن شهاب الدين محمودا (٥) لما قتل بدمشق حزنت عليه أمه زمرد خاتون حزنا شديدا، فحملت عماد الدين على قصد دمشق والطلب بثأر (٦) ولدها شهاب الدين، فتحرك لقصد دمشق، فاستعد معين الدين بدمشق، واستكثر
стр. 117
من الذخائر والعدد والرجال، ولم يتركوا شيئا يحتاجون إليه إلا وبذلوا الجهد في تحصيله، وأقاموا ينتظرونه، ووصل عماد الدين إلى بحيرة قدس، ثم سار منها إلى بعلبك فنازلها.
وكان الأمير جمال الدين محمد بن بورى لما ملك دمشق بعد أخيه شهاب الدين قد أقطع بعلبك لمعين الدين، فاستناب فيها معين الدين [من يثق إليه] (١)، فجدّ عماد الدين في محاصرتها، ونصب عليها أربعة عشر منجنيقا ترمى ليلا ونهارا، فأشرف من بها على الهلاك، فطلبوا الأمان وسلموا إليه المدينة، وبقيت القلعة وفيها جماعة من الشجعان، فقاتلهم فلما يئسوا من النصر طلبوا الأمان، فأمّنهم، فسلّموا إليه القلعة، فلما سلّموها إليه عذبهم، وأمر بصلبهم فصلبوا، ولم ينج منهم إلا القليل، فاستقبح الناس منه ذلك، واستعظموه وخافوه وحذروه، ولا سيما أهل دمشق، فإنهم قالوا: «لو ملكنا لفعل بنا كذلك»، فجدّوا في محاربته.
وكان لمعين الدين جارية يهواها، فلما تزوج أمّ جمال الدين محمد بن بورى صاحب دمشق سيّرها (٢) إلى بعلبك، فلما ملك عماد الدين بعلبك أخذ الجارية [فتزوجها] (٣) بحلب، فلم تزل بها إلى أن قتل [عماد الدين] (٤) فسيّرها ابنه نور الدين محمود - رحمهم الله تعالى - إلى معين الدين، وهى كانت سبب الود بينهما؛ وكان فتح بعلبك رابع صفر (٥) سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 118
ذكر منازلة عماد الدين زنكى دمشق (١)
ولما فرغ عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق، وذلك في ربيع الأول (٢) من هذه [٥١] السنة - أعنى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (٣) - فنزل بالبقاع وسيّر إلى جمال الدين محمد يبذل له بلدا يقترحه ليسلم إليه دمشق، فلم يجبه إلى ذلك، فرحل [عماد الدين] إلى دمشق، ونزل داريا ثالث عشر ربيع الأول (٤)، والتقت الطلائع واقتتلوا، فكان الظفر لعماد الدين، فانهزم الدمشقيون وأخذهم السيف، وقتل جمع كثير، ثم تقدم عماد الدين زنكى إلى المصلى، فنزل هناك، ولقيه جند دمشق وأحداثها ورجّالة الغوطة، فقاتلوه، فانهزموا، وقتل منهم وأسر وجرح جماعة، وأشرف البلد ذلك اليوم على التسليم، فأمسك عماد الدين عن القتال عدة (٥) أيام وراسل جمال الدين صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختار من البلاد، فامتنع أصحابه من ذلك، وخوّفوه عاقبة غدره كما فعل بأهل بعلبك؛ ثم عاود [عماد الدين] الزحف، واستمر القتال والحصار إلى شعبان من هذه السنة.
ولما كانت ليلة الجمعة ثامن شعبان توفى جمال الدين محمد بن بورى صاحب دمشق - وعماد الدين محاصر البلد - فأجلس في الملك بعده ولده الأمير مجير الدين آبق (٦) بن محمد - وهو آخر ملوك دمشق من بيت طغتكين -، وقام بتدبير
стр. 119
دولته معين الدين أنر، فطمع عماد الدين في البلد وزحف إليه زحفا شديدا ظنا منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء اختلاف، فيملك البلد، فخاب أمله، وراسل (١) معين الدين الفرنج، واستدعاهم إلى نصرته، وبذل لهم بذولا، ومن جملتها أنه يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها إليهم، وخوّفهم من عماد الدين أنه إن ملك دمشق يملك البيت المقدس، ولا يترك لهم بلدا بالساحل؛ فأجمع (٢) الفرنج وعزموا على المسير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها على قتال عماد الدين زنكى، وعلم عماد الدين ذلك، فسار عماد الدين إلى حوران - خامس رمضان - عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدمشقيين على قتاله، فلما سمع (٢) الفرنج خبره لم يفارقوا بلادهم، فعاد عماد الدين إلى حصر دمشق، فنزل بعذرا (٣)، وذلك سادس (٤) شوال من هذه السنة، وأحرق عدة قرى من المرج [٥٢] والغوطة، ورحل عائدا إلى بلاده، ووصل الفرنج إلى دمشق، واجتمعوا بصاحبها.
وسار معين الدين بعسكر دمشق إلى بانياس - وهى في طاعة عماد الدين - ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج، وكان صاحبها قد جمع جمعا، وسار إلى صور للغارة على بلده (٥)، فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق نجدة لصاحبها
стр. 120
على عماد الدين، فاقتتلا، فانهزم المسلمون، وأخذ صاحب (١) بانياس، فقتل من قتل، ونجا من نجا إلى بانياس (٢)؛ وجمعوا جمعا كثيرا من أهل البقاع، وحفظوا القلعة، فثار لها (٣) معين الدين - ومعه الفرنج - فتسلمها وسلّمها للفرنج، ولما سمع عماد الدين حصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عن بانياس من يحصرها، فأقام فيها.
فلما عاد عسكر دمشق - بعد ملك بانياس وتسليمها للفرنج - فرّق عماد الدين عسكره في الإغارة على حوران وأعمال دمشق، وسار جريدة، فنزل على دمشق سحرا (٤)، ولم يعلم به أحد، فلما أصبح الناس ورأوا عسكره، خافوا وارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وفتحت الأبواب، وخرج أهل البلد إليه، وقاتلوه، فلم يكن الأمير عماد الدين عسكره من الإقدام عليهم، لغيبة أكثر عسكره في الإغارة وتفرقهم.
ثم توجه عماد الدين إلى مرج راهط، وقد أقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملؤوا أيديهم من الغنائم، فلما اجتمعوا عنده رحل عائدا إلى بلاده (٥).
وفى سنة خمس (٦) وثلاثين وخمسمائة جرت وقعة بين عماد الدين والأمير ركن الدين داوود بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - فانهزم ركن الدين، وملك عماد الدين بهمرد (٧)، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل.
стр. 121
وفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة ملك عماد الدين الحديثة، ونقل من كان بها [من آل مهراش] (١) إلى الموصل، ورتّب أصحابه بها.
وفى هذه السنة خطب لعماد الدين بآمد، وصار صاحبها في طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لركن الدين داوود - صاحب الحصن - على عماد الدين، فلما رأى قوة عماد الدين صار معه.
وفيها أغار عسكر عماد الدين - المقيمون بحلب - على بلد الفرنج [٥٣] فنهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل (٢).
وفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ملك عماد الدين قلاع الهكاريّة، وقد ذكرناه لتعلقه بما كان قبله.
ذكر الاتفاق بين السلطان مسعود بن (٣) محمد
وبين عماد الدين زنكى
كان السلطان مسعود قد حقد على عماد الدين حقدا شديدا، وكان (٤) ينسب خروج أصحاب الأطراف عليه إلى ذلك بمواطأة من عماد الدين، وأنهم إنما يصدرون عن رأيه، وكان عماد الدين يفعل ذلك لئلا يخلوا السلطان مسعود فيتفرغ لقصده (٥).
стр. 122
ففى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة رحل السلطان إلى بغداد، وجمع العساكر، وتجهز لقصد عماد الدين زنكى، فأرسل إليه عماد الدين يستعطفه ويستميله، فأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنبارى في تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار يحملها عماد الدين، فحمل إليه عشرين ألف دينار، أكثرها عروض، وتنقلت الأحوال بالسلطان إلى أن احتاج إلى مداراة عماد الدين، فأطلق له الباقى مداراة واستمالة له، وحفظا لقلبه.
وكان عماد الدين عنده من الدهاء والمكر شىء كثير، فمن جملة ما فعله: أنه كان ولده الأكبر سيف الدين غازى لا يزال في خدمة السلطان مسعود - سفرا وحضرا - نائبا عن أبيه في الخدمة، فأرسل إليه يأمره بالهرب (١) من السلطان [مسعود] إلى الموصل، وأرسل إلى نائبه نصير الدين جقر بالموصل يأمره بمنع سيف الدين من الدخول إلى الموصل والوصول إليه، فهرب سيف الدين غازى ووصل إلى الموصل، فمنعه نصير الدين من الدخول إلى الموصل (٢)، ولما بلغ الخبر إلى والده أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول له: «إن ولدى هرب [خوفا] (٣) لما رأى تغير السلطان علىّ، وقد أعدته إلى الخدمة، ولم أجتمع به، فإنه مملوكك، والبلاد لك». فحلّ هذا عند السلطان محلا عظيما.
стр. 123
وفى هذه السنة سار عماد الدين إلى ديار بكر، ففتح طنزة (١)، وأسعرد (٢)، والمعدن (٣)، وحيزان (٤)، وحصن [٥٤] الروق (٥)، وفطليس (٦)، وباناسا (٧) وحصن ذى القرنين (٨)، وغير ذلك؛ وملك من [بلد ماردين مما هو بيد] (٩) الفرنج يومئذ جملين، والموزّز (١٠)، وتل موزن، وغيرها من حصون شبختان (١١)، وقصد مدينة آمد، وحانى (١٢)، وحصرهما، فلم ينل غرضا فرحل عنهما.
وفيها سيّر عماد الدين عسكرا إلى عانة ففتحوها.
стр. 124
ذكر فتح الرّها
كان الفرنج - لعنهم الله - قد عظم (١) شرهم بالبلاد الجزرية، وامتدت غاراتهم إلى أقاصيها وأدانيها، وبلغت إلى آمد ورأس عين ونصيبين والرقة، وكانت لهم الرّها وسروج والبيرة وغير ذلك، وكانت جميع هذه الأعمال لجوسلين، وكان صاحب رأى الفرنج والمقدم على عساكرهم؛ وكان عماد الدين يعلم أنه متى قصد حصن الرّها اجتمع بها من الفرنج من يمنعها، فيتعذر فتحها لما هى عليه من الحصانة، فاشتغل بقصد ديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ لقصدهم، فاطمأنوا لذلك، وفارق جوسلين (٢) الرّها، وعبر الفرات إلى بلاده الغربية - وكانت له تل باشرو وغيرها - وجاءت عيون (٣) الأمير عماد الدين إليه بذلك، فنادى في العسكر بالرحيل وأن لا يتخلف عن الرّها أحد من غد يومه، وجمع الأمراء عنده، ومدّ السماط، وقال: «لا يأكل معى على مائدتى هذه إلا من يطعن معى غدا باب الرّها»، فلم يتقدم إليه غير أمير واحد وصبى لا يعرف، لما يعلمون من إقدامه وشجاعته، وأن أحدا لا يقدر على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلك الصبى: «ما أنت وهذا المقام؟» فقال [عماد الدين]: «دعه، فإنى أرى والله وجها لا يتخلف عنى (٤)».
стр. 125
وسار عماد الدين في العساكر - وذلك في جمادى الأول سنة تسع وثلاثين وخمسمائة - فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج - ومعه ذلك الصبى -، وحمل فارس من خيّالة الفرنج على عماد الدين عرضا، فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله، وسلم عماد الدين، ونازل البلد محاصرا له ثمانية وعشرين يوما، وزحف إليه عدة دفعات، ونقب النقّابون سور البلد فسقطت البدنة، وملك البلد عنوة وقهرا، وحصر القلعة فملكها وذلك لأربع عشرة بقيت (١) من جمادى الآخرة من هذه [٥٥] السنة، ونهب الناس الأموال، وسبوا الذرية، وقتلوا الرجال.
ورأى الأمير عماد الدين البلد فأعجبه، ورأى أنه لا يجوز في السياسة (٢) تخريب مثله، فنودى في العسكر برد ما أخذ من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم وإعادة ما اغتنموا من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا الجميع عن آخره، ولم يفقد إلا النادر، وعاد البلد إلى حاله، ثم تسلم سروج (٣) وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقى الفرات ما عدا البيرة، ثم سار إلى البيرة (٤) فحصرها، وكان الفرنج قد أكثروا ميرتها ورجالها.
стр. 126
(١) ذكر مقتل نصير الدين جقر النائب بالموصل
كان الملك ألب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه عند عماد الدين بالموصل وهو (٢) أتابكه، وقد تقدم ذكر ذلك، وكان عماد الدين يظهر للخلفاء والسلاطين وأصحاب الأطراف أن البلاد للملك ألب أرسلان، وهو نائبه بها، والخطبة له في جميع بلاده، وكان ينتظر وفاة الملك مسعود ليخطب له (٣) بالسلطنة، ويملك بغداد وسائر الممالك باسمه؛ وكان نصير الدين النائب كل يوم يقصده ليقوم بخدمة إن عرضت له، فحسّن بعض المفسدين للملك ألب أرسلان قتل نصير الدين، وقال: «إن قتلته ملكت الموصل وغيرها، ولا يبقى مع أتابك زنكى فارس واحد». فصدّق هذا القول ووقع في نفسه، وواطأ على ذلك جماعة من الأجناد، فلما دخل نصير الدين عليه للعادة وثبوا عليه فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظنا منهم أن أصحابه إذا رأوا ذلك يتفرقون، ويخرج الملك ألب أرسلان ويملك البلاد.
فلما رأى أصحاب نصير الدين الرأس قاتلوا من بالدار، واجتمع عليهم خلق كثير من أصحاب عماد الدين وأكابر دولته، ثم دخل القاضى تاج الدين يحيى ابن الشهرزورى إلى الملك وخدعه، وقال له: «يا مولانا، لم تحرد من هذا الكلب؟ هو وأستاذه مماليك، والحمد لله الذى أراحنا منه ومن صاحبه على يدك، وما الذى يقعدك في هذه الدار؟ قم لتصعد إلى القلعة وتأخذ الأموال والسلاح، وتملك البلد، وتجمع لك الجند، وليس دون البلاد بعد الموصل مانع». فقام معه وركب، وصعد
стр. 127
إلى القلعة، وتقدم تاج الدين إلى النقيب بها والأجناد أن يفتحوا الباب ويتسلموه، [٥٦] ويعتقلوه، ففتحوا الباب، ودخل الملك والقاضى إليهم، ومعهما من أعان على قتل نصير الدين، فسجنوا، واعتقل الملك ألب أرسلان بالقلعة.
ذكر رحيل عماد الدين عن البيرة
وتملك المسلمين لها
ولما بلغت الأخبار إلى عماد الدين زنكى بقتل نائبه نصير الدين وهو يحاصر قلعة البيرة وقد أشرف على أخذها، خاف أن تختلف عليه البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، فرحل عن البيرة، وأرسل الأمير زين الدين على كوجك (١) بن بكتكين (٢) إلى قلعة الموصل نائبا عنه بها موضع نصير الدين، وأقام عماد الدين ينتظر الخبر، فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود (٣) إليهم، وكانوا يخافونه خوفا شديدا، فكاتبوا صاحب ماردين، وسلموها إليه، فملكها المسلمون، ولم يبق شىء مما هو شرقى الفرات بيد الافرنج، ولما تولى زين الدين على كوجك الموصل عدل في الناس وأحسن السيرة، وسلك غير طريقة نصير الدين، فاطمأن الناس، وأمنوا، وازدادت البلاد عمارة، وكانت بيده مدينة إربل، فلنذكر صيرورتها إليه.
стр. 128
ذكر استيلاء زين الدين على كوجك على إربل
كانت إربل وأعمالها لأبى الهيجا الكردى الهذبانى ولورثته من بعده، ثم تغلبت دولة الأتراك السلجوقية عليها وعلى غيرها من البلاد، وتنقلت إلى أن صارت للسلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، وهو يومئذ صاحب مراغة، قبل أن تصير السلطنة إليه، وله فيها نائب من قبله، فسار إليها الأمير عماد الدين زنكى ونازلها في سنة ست وعشرين وخمسمائة، وهجم البلد وامتنعت عليه القلعة، فأقام يحاصرها، فسار إليه السلطان مسعود من مراغة، فرحل عنها عماد الدين ونزل الزاب، واندفعت الأثقال إلى الموصل، وأقام غربى الفرات، ونوابه يحفظون المخايض، فترددت الرسل بينهم إلى أن استقرّ أن يسير عماد الدين في خدمة السلطان ليجلسه في السلطنة، ويكلف الإمام المسترشد بالله أن يخطب له في بغداد، وفى البلاد، ويسلم إليه إربل، فلما تقررت القاعدة، وجرت بينهما الأيمان سلم إليه إربل، فتسلمها الأمير عماد الدين، وسلمها إلى الأمير زين الدين على كوجك، [٥٧] ثم سار عماد الدين إلى بغداد غربى المآء، وسار السلطان مسعود شرقى المآء، وتواعدا أن يلتقيا ببغداد، فوصل من بغداد قراجا الساقى وكبس عماد الدين، فكسر العسكر وأسر كل من فيه، ولم ينج سوى عماد الدين، قطع الشط في زورق وهو مجروح، ووصل إلى الموصل، ولم تزل إربل في يد زين الدين على وولده بعده إلى آخر أيام الملك المعظم مظفر الدين كوكبورى (١) بن زين الدين.
стр. 129
ذكر منازلة عماد الدين قلعة جعبر
قد ذكرنا أن السلطان جلال الدولة ملكشاه لما تسلم حلب عوّض صاحبها عنها - سالم بن مالك بن بدران العقيلى ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش - قلعة جعبر، وكان قد ملك قلعة جعبر - كما تقدم ذكره -، فتسلم سالم بن مالك قلعة جعبر، وبقيت في يده ويد ولده.
فلما كانت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة قصد عماد الدين قلعة جعبر - وصاحبها يومئذ مالك بن سالم بن مالك بن بدر العقيلى - وحاصرها، وسيّر جيشا إلى قلعة فنك (١) فحصرها - وصاحبها يومئذ الأمير حسام الدين الكردى البشنوى، وكانت بيد البشنوية من مدة تزيد على ثلثمائة سنة - وكان قصد عماد الدين بأن لا يترك قلعة في أعماله متوسطة في بلاده إلا ويستولى عليها مبالغة في الحزم والاحتياط، وطالت مدة حصره لقلعة جعبر ولم يتيسر له فتحها، فسيّر إلى صاحبها رسولا الأمير حسّان صاحب منبسج لمودة كانت بينهما في معنى تسليمها، وقال: «تضمن له الإقطاع الكبير والمال الجليل الجزيل فإن أجاب إلى التسليم، وإلا قل له: والله لأقيمن عليها إلى أن أملكها عنوة، ثم لا أبقى عليك، ومن الذى يمنعك منى». فصعد حسّان إلى القلعة، وأدى رسالة عماد الدين إليه، ووعده التعويض عنها وأرغبه، فامتنع من التسليم، فقال له حسّان إلى قوله: «وهو يقول لك من يمنعك منى؟»، فقال: «يمنعنى منه الذى منعك من الأمير بلك (٢). ويشير إلى منازلة بلك
стр. 130
ابن بهرام بن أرتق منبج بعد أن أسر حسّان صاحبها ولم يبق إلا أخذها، فجاء سهم غرب (١) فوقع في نحر بلك فأهلكه، وخلص حسّان منه؛ وكانت واقعة عماد الدين شبيهة بواقعة بلك [٥٨] ومن تعالى (٢) على الله تعالى أكذبه، وقد ورد حكاية عن الله تعالى: «أنا الله ربّ مكة لا أتممت لمقدّر أمرا».
فعاد حسّان إلى عماد الدين وأخبره بامتناعه، ولم يذكر له حديث بلك.
ذكر مقتل الشهيد عماد الدين أتابك زنكى ابن آق سنقر ﵀ -
ولما كانت ليلة الأحد لست مضين من ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة - دخل على أتابك عماد الدين صبى من غلمانه أفرنجى - إسمه برنقش (٣) - وجماعة من المماليك، فقتلوه على فراشه، وهربوا إلى قلعة جعبر، وأخبروا أهلها بقتله، ففرحوا بذلك، وصاحوا على شرافات القلعة، وأخبروا بقتله العسكر، فدخل أصحابه إليه وبه رمق، فحكى ابن الأثير ﵀ (٢) - عن أبيه، عن بعض خواص عماد الدين (٤)، قال: «دخلت إليه في الحال وهو حى،
стр. 131
فحين رآنى ظن أنى أريد قتله، فأشار إلىّ بأصبعه السبابة يستعطفنى، فوقفت (١) من هيبته، وقلت يا مولانا: من فعل بك هذا؟ فلم يقدر على الكلام، وفاضت نفسه لوقته».
قال الأمير مؤيد الدولة بن منقذ: «فكأن الشاعر - وهو المتنبى - عناه بقوله:
وقد قابل الأقران حتى قتلنه ... بأضعف قرن في أذلّ مكان
ذكر (٢) سيرته وصفته ﵀
كان حسن الصورة، أسمر اللون، حسن العينين، قد وخطه الشيب، وكان عمره قد زاد على ستين سنة، وكان صارما حازما شجاعا شهما مقداما، عظيم الهمة أبىّ النفس، قد خافه الملوك، وارتاع لذكره أصحاب الأطراف، وكان الخليفة والسلطان يجاور بلادهما بلاده، وكان يجاوره ابن سكمان صاحب خلاط، وداود ابن سقمان صاحب حصن كيفا، وصاحب آمد، وصاحب ماردين، والفرنج، وصاحب دمشق، وقد أحاطت هذه الممالك بمملكته من سائر جهاتها، ومع هذا مرة يقصد هذا، ومرة يأخذ من هذا، ومرة يصانع هذا إلى أن ملك من كل من (٣) يليه طرفا، وكان الكل يتقونه ويدارونه، ويخافون منه، وكان شديد الهيبة على رعيته وعساكره، عظيم الهيبة في صدورهم حسن السياسة، لا يقدر القوى على ظلم
стр. 132
الضعيف، وكانت البلاد [٥٩] خرابا قبل أن يملكها فعمّها العدل (١)، وعمرت لما ملكها، وقد ذكر أنه كان عنده في مبدأ أمره ظلم، فسمع ليلة وهو نازل بحماة شخصا يغنى على شط العاصى:
«اعدلوا ما دام أمركم ... نافذا في النفع والضرر
واحفظوا أيام دولتكم ... إنكم منها على خطر»
فبكى وتبدلت نيته في الظلم، وأخذ نفسه من حينئذ بالعدل.
ومما يحكى عنه: أنه دخل مرة الجزيرة في الشتاء، ومعه أمير من أكبر أمرائه يقال له عز الدين الدبيسى (٢)، كان من جملة إقطاعه مدينة دقوقا (٣)، فنزل في دار إنسان يهودى من أهل الجزيرة، فاستغاث [اليهودى] إلى عماد الدين، وأنهى حاله إليه، فنظر إلى الدبيسى، فتأخر ودخل البلد وأخرج بركه (٤) وخيامه، قال الحاكى لهذه الحكاية «فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل، وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم (٥) الطين، وخرج فنزلها».
وكان [عماد الدين] ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك، ويقول: «مهما كانت البلاد لنا فأى حاجة لكم إلى الأملاك؟ فإن الإقطاعات تغنى عنها، وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدّوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم».
стр. 133
وكان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجرى لأصحابها حتى في خلواتهم، وكان له في دركاة (١) السلطان من يطالعه ويكتب إليه بكل ما يفعله السلطان في ليله ونهاره من حرب وسلم وهزل وجد، وكان يغرم على ذلك الأموال الجليلة، وكان يصل (٢) إليه كل يوم من عيونه عدة قاصدين، وكان مع اشتغاله بالأمور الكبار من أمور الدولة لا يهمل الاطلاع على الصغير، وكان يقول: «إذا لم يعرف الصغير ليمنع صار كبيرا»، وكان لا يمكّن رسول ملك يعبر في بلاده بغير إذنه، وإذا استأذنه رسول في العبور في بلاده أذن له، وأرسل إليه من يسيّره، ولا يتركه يجتمع بأحد [٦٠] من الرعيّة ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاد ويخرج منها ولا يعلم من أحوالها شيئا البتة.
وكان يتعهد أصحابه ويمتحنهم، فسلّم يوما خشكنانكه (٣) إلى طشت دار (٤) له، وقال: «إحفظ هذه». فبقى نحو سنة لا تفارقه الخشكنانكه خوفا أن يطلبها منه، فلما كان بعد ذلك، قال له: «أين الخشكنانكه؟» فأخرجها من منديل وقدّمها
стр. 134
بين يديه؛ فاستحسن ذلك منه، وقال: «مثلك ينبغى أن يكون مستحفظا بحصن»، وأمر له بدزدارية قلعة كواشى (١)، فبقى فيها إلى أن قتل عماد الدين.
وكان لا يمكّن أحدا (٢) من خدمه من مفارقة بلاده ويقول: «إن البلاد كبستان عليه سياج، فمن هو خارج السياج يهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدل على عورتها ويطمع العدو فيها زالت الهيبة، وتطرّقت (٣) الخصوم إليها».
ومن جميل سيرته أنه أسكن الأمير بهاء الدين ياروق التركمانى وأصحابه (٤) بولاية حلب، وأمرهم بجهاد الفرنج، وملّكهم ما استنقذوه من البلاد التي للفرنج، فكانوا يراوحون الفرنج القتال ويغادونهم، وسدّوا ذلك الثغر (٥)، ولم يزالوا على ذلك إلى سنة ستمائة.
وكانت تضرب بشجاعته الأمثال، ومما يحكى عنه: أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل - قبل أن يملك - حصار طبرية وهى للفرنج، ووصلت طعنته إلى باب البلد وأثرّت فيه؛ وحمل أيضا على قلعة عقر الحميدية (٦)، وهى على جبل عال، فوصلت طعنته إلى سورها.
стр. 135
وكان شديد الغيرة، لا سيما على نساء الأجناد، وكان التعرض إليهن من الذنوب التي لا تغتفر، وكان يقول: «إن جندى لا يفارقونى في أسفارى، وقل ما يقيمون عند أهلهم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حرمهم هلكن وفسدن»؛ وكان قد ولّى قلعة الجزيرة دزدارا يقال له نور الدين حسن البربطى (١)، وكان من خواصه، وكان غير مرضى السيرة، فبلغه أنه يتعرض للحرم، فأمر حاجبه صلاح الدين محمد ابن أيوب الياغيسيانى (٢) - صاحب حماة - أن يسير مجدّا، ويدخل الجزيرة بغتة، فإذا دخلها أخذ البربطى وقطع ذكره [٦١] وقلع عينيه، عقوبة له لنظره بهما إلى الحرم، ثم يصلبه؛ فسار صلاح الدين مجدّا، فلم يشعر البربطى (١) به، إلا وهو على باب البلد، فخرج إلى لقائه، فأكرمه صلاح الدين ودخل معه البلد، وقال له: «المولى أتابك يسلم عليك، ويريد أن يعلى قدرك ويرفع منزلتك، ويسلم إليك قلعة حلب، ويوليك جميع البلاد الشامية، لتكون هناك مثل نصير الدين، فتتجهز (٣) وتحدر مالك في الماء إلى الموصل، وتسير إلى خدمته، ففرح بذلك، ولم يترك له من أمواله شيئا إلا نقله إلى السفن ليحدرها إلى الموصل في دجلة، فحين فرغ من جميع ذلك أخذه صلاح الدين وأمضى فيه ما أمر به، وأخذ جميع ماله، ولم يجسر أحد بعده على أفعاله القبيحة.
стр. 136
وكان ﵀ كثير الصدقات، وكان يتصدق في كل جمعة بمائة دينار أميرى [ظاهرا (١)] ويتصدق فيما عداه من الأيام سرا مع من يثق به، وركب يوما فعثرت به دابته، فكاد يسقط عنها، فاستدعى أميرا كان معه، وقال له كلاما لم يفهمه، ولم يجسر أن يستفهمه عنه، فعاد إلى بيته، وودّع أهله عازما على الهرب، فقالت زوجته: «ما ذنبك وما حملك على الهرب؟» فذكر لها الحال، فقالت له: «إن نصير الدين له بك عناية، فاذكر له قصتك، وافعل ما يأمرك به». فقال: «أخاف أن يمنعنى من الهرب وأهلك». فلم تزل به زوجته تراجعه، وتقوى عزمه إلى أن عرّف نصير الدين حاله، فضحك منه، وقال له: «خذ هذه الصرة الدنانير واحملها إليه، فهى التي أراد». فقال: «الله؛ الله (٢) في دمى ونفسى». فقال: «لا بأس عليك، فإنه ما أراد غير هذه الصرة». فحملها إليه، فحين رآه قال: «أمعك شىء»؟ قال: «نعم»، فأمره أن يتصدق [به]، فلما فرغ من الصدقة، قصد نصير الدين وشكره، وقال: «من أين علمت أنه أراد الصرة؟» فقال: «إنه يتصدق بمثل هذا القدر كل يوم، يرسل إلىّ يأخذه من الليل، وفى يومنا هذا لم يأخذه، ثم بلغنى أن دابته عثرت به حتى كاد يسقط إلى الأرض، فأرسلك إلىّ، فعلمت أنه ذكر الصدقة».
ولقد حكى من هيبته ما هو أشد من هذا: أنه خرج يوما من قلعة الجزيرة [٦٢] من باب السر خلوة وملاّحه نائم، فأيقظه بعض الجاندارية، وقال له: «إقعد». فحين رأى عماد الدين سقط إلى الأرض، فحركوه فوجدوه ميتا.
стр. 137
ومن جميل أوصافه وحسنها أنه كان بطئ التلون بعيد التغير، (١) لم يتغير على أحد من أصحابه منذ ملك إلى أن قتل [إلا] بذنب عظيم يوجب التغير (١)، وأن الأمراء الذين كانوا معه أولا [هم الذين] (١) بقوا معه إلى آخر وقت، إلا من اخترمه الموت منهم، ولهذا كانوا ينصحونه ويبذلون نفوسهم له، وكان يخطب الرجال ذوى الهمم العالية، والآراء الصائبة، ويوسّع عليهم في أرزاقهم، فيسهل عليهم فعل الجميل، فلهذا كان إذا قدم إنسان عسكره لم يكن غريبا: إن كان جنديا اشتمل عليه الأجناد وأضافوه، وإن كان صاحب ديوان قصد أهل (٢) الديوان، وإن كان عالما قصد القضاة والفقهاء من أصحابه فيؤانسونه (٣) ويحسنون إليه.
ذكر ما كان من الملك ألب أرسلان الخفاجى (٤)
ولد السلطان بعد قتل عماد الدين
قد تقدم ذكرنا أن الملك ألب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقى - الذى كان عماد الدين أتابكة - قتل نصير الدين في الموصل، وطمع في الاستيلاء على البلاد، وأن القاضى تاج الدين بن الشهرزورى خدعه حتى صعد
стр. 138
إلى القلعة واعتقل بها، فلما قتل عماد الدين كان في صحبة الملك ألب أرسلان فركب واجتمعت العساكر عليه وخدموه، فأرسل الوزير جمال الدين الأصفهانى إلى الأمير صلاح الدين الياغيسيانى (١) يقول: «المصلحة أن نترك ما كان بيننا وراء ظهورنا - وكان بينهما مشاحنة - ونسلك طريقا تبقى به البلاد والملك في أولاد صاحبنا، فإن الملك ألب أرسلان قد طمع في البلاد، واجتمعت عليه العساكر، وإن لم نتلاف هذا الأمر في أوله ونتداركه في ابتدائه اتسع الخرق، ولم يمكن رقعه» (٢)
فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، فركب الوزير جمال الدين [٦٣] إلى الملك [ألب أرسلان] (٣)، وضمن له فتح البلاد، وأطمعه فيها ومعه صلاح الدين، وقالا له: «إن [عماد الدين] أتابك كان نائبا عنك في البلاد، وباسمك كنا نطيعه». فصدقهما، وقربهما طمعا في أن يكونا عونا له على تحصيل غرضه، وأرسلا إلى الأمير زين الدين على كوجك بن بكتكين صاحب إربل - وهو النائب عن عماد الدين بالموصل - يعرفانه قتل الشهيد عماد الدين، ويأمرانه أن يرسل إلى الأمير سيف الدين غازى بن زنكى وهو ولده الأكبر - وكان بشهرزور وهى إقطاعه من أبيه - ليحضر إلى الموصل ويملكها (٤)، ففعل زين الدين ذلك، وأرسل إلى سيف الدين واستقدمه، فقدم إلى الموصل وتسلمها (٤).
وكان نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكى لما قتل أبوه في العسكر (٥) أخذ خاتمه من يده، وسار إلى حلب فملكها، واتفق صلاح الدين الياغيسيانى - صاحب حماة - والوزير جمال الدين محمد بن على الأصفهانى على حفظ دولة ولد عماد الدين،
стр. 139
والمكر بالملك ألب أرسلان السلجوقى، وحسّنا له الاشتغال بالشرب والمغنيات، وقال جمال الدين للملك [ألب أرسلان (١)]: «إن من الرأى أن تسيّر الصلاح إلى مملوكك نور الدين بحلب يدبّر أمره»، فأذن له [فسار (١)]، وبقى جمال الدين وحده مع الملك فأخذه وقصد [به (١)] الرقة، واشتغل فيها بشرب الخمر والخلوة بالنساء والمغنيات؛ وأراد أن يعطى الأمراء شيئا فمنعه خوفا أن تميل قلوبهم إليه، وقال (٢): «لهم منك الإقطاع الجزيل والنعم الوافرة».
وشرع جمال الدين يستميل العسكر (٣) ويحلفهم لسيف الدين غازى بن عماد الدين واحدا بعد واحد، وكل من حلف يأمره بالمسير إلى الموصل هاربا من الملك، وأقام الملك بالرقة عدة أيام، ثم سار إلى ماكسين، فتركه (٤) بها عدة أيام مشتغلا بلذاته عن طلب الملك، ثم سار به نحو سنجار، ولما استقر قدم سيف الدين بالموصل قوى جنان جمال الدين، ووصل هو والملك ألب أرسلان إلى سنجار، وأرسل إلى دزدارها وقال له: [٦٤] «لا تسلم البلد، ولا تمكن أحدا من دخوله، ولكن أرسل إلى الملك وقل له: «أنا تبع الموصل، فمتى دخلت الموصل سلمت إليك». ففعل الدزدار ذلك.
وقال جمال الدين للملك [ألب أرسلان]: «المصلحة أنا نسير إلى الموصل، فإن مملوكك غازى إذا سمع بقربنا منه خرج إلى الخدمة، فحينئذ نقبض عليه ونتسلم البلاد»، فساروا عن سنجار، وكثر رحيل العسكر إلى الموصل هاربين من الملك،
стр. 140
فبقى في قلة من العسكر، فساروا (١) إلى [مدينة (٢)] بلد، وعبر الملك ألب أرسلان دجلة من هناك، ودخل الوزير جمال الدين الموصل، وأرسل الأمير عز الدين أتابك الدبيسى (٣) في عسكر إلى الملك ألب أرسلان - وهو في نفر يسير - فأخذه وأدخله الموصل، فكان آخر العهد به، فذكر أنه خنق بوترقوس.
واستقر الملك بالموصل لسيف الدين غازى بن زنكى، وأقر الأمير زين الدين على كوجك (٤) على ما كان عليه من ولاية الموصل، ومعه جمال الدين محمد بن على - وزيره -، وأرسلوا إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، فاستحلفوه لسيف الدين [غازى]، فحلف له وأقرّه على البلاد، وأرسل إليه الخلع؛ وقد ذكرنا أنه كان في خدمته في حياة أبيه، وكان السلطان مسعود يحبه ويأنس به، فلم يتوقف في تقرير البلاد له والحلف له.
ذكر أخبار الأيام النورية
قد ذكرنا مقتل الأمير عماد الدين وتملك ولده سيف الدين غازى الأكبر الموصل، وتملك ولده نور الدين محمود حلب، وكانت بعلبك قد ملكها الشهيد، واستناب بها الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملك الناصر [صلاح الدين (٥)]،
стр. 141
فلما بلغه وفاة الشهيد كاتبه الأمير مجير الدين آبق (١) بن محمد بن بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - في تسليمها، وبذل له أموالا [كثيرة (٢)] وقرايا من أعمال دمشق، فسلّمها إليه، وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق، وأقام بها، وذلك لأربع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وأربعين [٦٥] وخمسمائة - وتسلم نور الدين من حاجب أبيه صلاح الدين محمد بن أيوب الياغيسيانى (٣) حماة، وعوضّه عنها مدينة حمص وقلعتها، قلت: وهكذا ذكر ابن منقذ؛ وذكر ابن الاثير: أن حمص كانت بيد الأمير سيف الدين غازى، وإنما تسلمها نور الدين بعد، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عصيان الرّها (٤) وعودها إلى المسلمين
وكنا قد ذكرنا افتتاح الرّها، افتتحها الأمير عماد الدين زنكى من الإفرنج، وكانت لجوسلين بن جوسلين (٥)، وكانت له أيضا من غربى الفرات تل باشر، فلما قتل الشهيد راسل جوسلين (٥) أهل الرّها، وعامتهم من الأرمن، وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد إليه، فأجابوه إلى ذلك، وواعدهم (٦)
стр. 142
يوما يصل إليهم فيه، وسار في عساكره إلى الرها، فملك البلد، وعصت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين، فقاتلهم، وبلغ ذلك ثور الدين ﵀ وهو بحلب، فسار مجدا إليها بعسكره، فلما قاربها خرج جوسلين منها هاربا إلى بلده، ودخل نور الدين المدينة فنهبها وسبى أهلها (١)، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل، ولما بلغ خبر الفرنج إلى سيف الدين بالموصل (٢) جهّز العساكر إلى الرّها فوصلت وقد ملكها نور الدين، فبقيت في يده، ولم يعارضه فيها أخوه سيف الدين.
وفى هذه السنة رحل الأمير سيف الدين إلى الشام، وكان أخوه نور الدين قد خافه واستشعر منه، وأخوه سيف الدين يكاتبه ويستميله، فلما وصل سيف الدين إلى الشام استقرت القاعدة بينهما على أن يجتمعا خارج العسكر السيفى، ومع كل واحد منهما خمسمائة فارس، فلما كان يوم الميعاد سار نور الدين من حلب في خمسمائة فارس، وسار سيف الدين من معسكره في خمسة فوارس، فلم يعرف نور الدين سيف الدين حتى قرب منه، فحين عرفه ترجّل له، وقبّل الأرض بين يديه، وأمر أصحابه بالعود عنه، فعادوا، وقعد سيف الدين ونور الدين بعد أن اعتنقا وبكيا، فقال له سيف الدين: «لم امتنعت من المجئ إلىّ، كنت تخافنى على نفسك؟ [٦٦] والله ما خطر ببالى ما تكره (٣)، فلمن أريد البلاد، ومع من أعيش، وبمن اعتضد، إذا فعلت السوء مع أخى وأحب الناس إلىّ؟» فاطمأن نور الدين،
стр. 143
وسكن روعه، وعاد إلى حلب، وتجمل (١) وعاد بعسكره إلى خدمة أخيه سيف الدين، فأمره سيف الدين بالعود وترك عسكره عنده، وقال له:
«لا غرض لى في مقامك عندى، وإنما غرضى أن تعلم الملوك والفرنج اتفاقنا، فمن يريد السوء بنا يكفّ عنه»، فلم يرجع نور الدين ولزمه إلى أن قضيا ما كانا عليه، وعاد كل منهما إلى بلده.
وفى سنة اثنين وأربعين وخمسمائة دخل نور الدين بلد الفرنج، ففتح مدينة أرتاح (٢) وعدة حصون.
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة نازل ملك الألمان (٣) بجموعه، ومن انضم إليه من فرنج الساحل مدينة دمشق - وصاحبها مجير الدين آبق بن محمد، والقيّم بأمر دولته معين الدين أنر مملوك جده طغتكين - فزحفوا إلى البلد سادس ربيع الأول، وقاتلوا أهله قتالا شديدا؛ ثم نزل الفرنج على الميدان الأخضر (٤)، وضاق الأمر على أهل البلد، وأيقنوا أن العدو يملكه، وراسل الأمير معين الدين سيف الدين غازى بن زنكى صاحب الموصل يدعوه إلى نصرة المسلمين، فسار إلى الشام، واستصحب أخاه نور الدين محمود بن زنكى - صاحب حلب - فنزلوا بمدينة حمص، وأرسل سيف الدين إلى معين الدين يقول له: «قد حضرت ومعى
стр. 144
كل من يحمل السلاح في بلادى، فأريد أن تكون نوابى بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا وعسكرى البلد، واحتمينا به، وإن ظفرنا فالبلد لكم لا ينازعكم فيه أحد.» وأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد وإلا أتيتهم. فكفّ الفرنج عن القتال، وقوى أهل البلد على حفظه، واستراحوا من الحرب.
وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغربا يقول لهم: «إن ملك الشرق قد حضر، فإن رحلتم وإلا سلمت البلد إليه، وحينئذ تندمون». [٦٧] وأرسل إلى أهل الساحل ويقول لهم: «بأى عقل تساعدون هؤلاء علينا وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا مدينة دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأما أنا إن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين، وأنتم تعلمون أنه إن ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام بالشام». فأجابوا بالتخلى عن ملك الألمان، وبذل لهم حصن بانياس، فاجتمعت الفرنج الساحلية بملك الألمان وخوّفوه من استيلاء سيف الدين على دمشق، وأنه إن ملكها لا يكون لهم به طاقة، ولم يزالوا به حتى رحل عن دمشق، وتسلموا بانياس، ورجع ملك الألمان إلى بلاده، وقد ذكرناه.
وفى هذه النوبة قتل شاهنشاه بن نجم الدين (١) أيوب جد جد مولانا السلطان الملك المنصور (٢) - صاحب حماة، خلّد الله سلطانه (٣) - على باب دمشق، قتلته الفرنج المحاصرون للبلد، ودفن بالشرف ظاهر مدينة دمشق، وخلّف ولدين،
стр. 145
هما: الملك المظفر تقى الدين عمر، والملك المنصور عز الدين فروخ شاه، وهو أبو الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه - صاحب بعلبك -.
ذكر استيلاء نور الدين محمود بن زنكى ﵀ على حصن العزيمة
لما خرج ملك الألمان إلى دمشق كان معه ولد الأدفونش (١) وكان جده هو الذى فتح طرابلس الشام، فأخذ ولد الأدفونش حصن العزيمة، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس، فأرسل القومص إلى نور الدين محمود ومعين الدين يدعوهما إلى قصد العزيمة وأخذها، فقصداها من دمشق، واستمدا سيف الدين غازى، فأمدهما بعسكر كبير مع الأمير عز الدين الدبيسى فقطع جزيرة ابن عمر، فنازلوا حصن العزيمة وبه ابن الأدفونش وضايقوه، وتقدم إليه النقابون فنقبوه، وتسلموا الحصن، وأخذوا ابن الأدفونش وكل من بالحصن، وأخربوه وعادوا عنه.
كسرة الفرنج بيغرى (٢)
وفى هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة - تجمع الفرنج بمكان يقال له يغرى ليقصدوا أعمال حلب، فقصدهم نور الدين محمود بن زنكى، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكسر الفرنج كسرة قبيحة، وقتل أكثرهم، وأسر جماعة [٦٨] من مقدميهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وأرسل من الغنيمة والأسرى